🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الأخوة في الله

الأخوة في الله

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه أجمعين.

ليس عندي شيء أزيده٣٬١٧٨[هذه الكلمة جاءت عقب ساعةٍ كاملة يُلقي فيها الشباب مواعظهم حول موضوع «الأخوة» ثم عقب الشيخ بما ذكرناه هنا].، وإنما هذه تعليقات بسيطة على الدرس:

- أولا: الدرس في نفسه لا شك أنه مهم وأحسن أخونا الاختيار؛ لأنه يمس حياة الإخوة، فالأخوَّة في الله كخيط المسبحة، إذا انقطع تناثرت الحبات؛ فعلينا أن نحسن إبقاء هذا الخيط قويا متماسكا.

- ثانيا: بالنسبة للدرس فهو درس جيد وأعطاه الأخ حقه أو شيئا من حقه، وإن كان نصف الدرس ذهب في قوله «يعني يعني» فقد أكثر منها كثيرا؛ فليحاول أن يتركها في أثناء الدرس.

- وكذلك من الأشياء التي ينبغي أن يهتم الأخ أنه لا داعي ليكون مطأطئا لرأسه، أو أن يكون مصوبًا لوجهه في واحد من الإخوة فقط؛ فكل مَن في الحلقة يريد أن يسمع منك وأن يرى أنك مهتم به؛ فكأن الأخ الملقي كان فقط عند هؤلاء الثلاثة أو الاثنين، وبالنسبة لي ما رآني أبدا، ولكن أحيانا كان يلتفت هناك قليلا؛ فهذا ينبغي أن يهتم به.

ص 2322

- والأمر الأخير أن هذا الدرس باللغة العربية وليس بالبشتو؛ فقوله «يا شهادة يا نصر» هذه بشتو وليست لغة عربية.

وتعلمون أيها الإخوة أن المحبة أو الأخوة بين المسلمين؛ إنما هي ثمرةٌ عن محبة الله للعبد، ومحبة الله لا تتحصل الا بطاعته، كما جاء في الحديث: (إن الله f إذا أحب عبدا نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض)٣٬١٧٩[صحيح البخاري (7481)، صحيح مسلم (2637)]. إذنْ هذا من محبة الله c للعبد؛ فإذا كان الإنسان صاحب منزلة عند الله b، وهذه إنما تُتَحَصل بالطاعة كما قال الله b: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31] واتباع النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعته فيما أمر وفيما جاء به من عند الله، والانتهاء عما نهى عنه.

وكما قال الله c في صفة المؤمنين الذين يستبدل بهم من ارتد عن دينه: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: 54]؛ فهو حب متبادل بين العبد وبين الله c، وهذه أعظم المحبة.

إذنْ من أراد أن يكتب له القبول في قلوب العباد وأن يحبه الناس؛ فعليه بالإكثار من طاعة الله c، وأن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، وهذا من الإيمان ومن طاعة الله c؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)٣٬١٨٠[صحيح البخاري (13)، صحيح مسلم (45)].؛ هذا في أمور الدنيا وأمور الدين، فإذا فتح الله عليك بابًا من أبواب البر والخير والطاعة؛ فتتمنى لأخيك أن يكون كذلك، فإذا كنت قوَّاما فبدل أن تكون حاسدًا وتقول: «خليه نايم»؛ تمنَّ لأخيك وادع له واجتهد أن يكون له من الخير مثلك؛ فلن ينقص هذا الخير الذي عندك بل سيزداد لأن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ فسواء كان في أمور الدين أو الدنيا فالإنسان يحب لإخوانه ما يحب لنفسه.

ص 2323

وكما أن الطاعة تحبب العبد إلى الله b، ومن ثَمَّ تقع المودة والمحبة بين المؤمنين؛ فكذلك المعصية، وورد هذا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم-بمعنى الحديث-؛ أنه ما وقع أمر بين اثنين كانا متآخِيَيْن أو متوادين إلا لأمر أحدثه أحدهما٣٬١٨١[مسند أحمد (5357) وصححه الأرنؤوط، الأدب المفرد (401) وصححه الألباني، وهو من حديث أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما تواد اثنان في الله جل وعز أو في الإسلام، فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)].؛ فإذا كنت متحابا مع واحد من إخوانك فوجدته نافرا منك أو معرضا عنك؛ فابحث: إما عندك أو عنده معصية.. أحدكما ارتكب شيئا عصى الله c به.

ولهذا كان بعض السلف يقول: «والله اني لأرى أثر المعصية في زوجتي ودابتي»٣٬١٨٢[نُسبت للفضيل بن عياض، كما في: حلية الأولياء (8/109) قال: إني ‌لأعصي ‌الله ‌فأعرف ‌ذلك في خلق حماري وخادمي].؛ فعندما يدخل للبيت يجد المرأة معرضة عنه، أو الدابة تتعثر منه فيعرف أنه ارتكب شيئًا.

فإذنْ المعصية شؤمها عظيم، والله c بين لنا هذا فقال: ﴿فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ [المائدة: 14]؛ فعندما تركوا شيئا مما أمرهم به الله c اختلفت قلوبهم وتضاربت وامتلأت بالبغضاء والعداوة بدل المحبة والمودة والإخاء.

إذن؛ بابُ هذا الأمر كله هو طاعة الله c، وهذا يكفينا -يا إخوة-؛ فالمرء يجد للإيمان حلاوة لا يجدها لا في التمر ولا في العسل ولا في غيره، وهذه الحلاوة إنما تُتحصل ويتذوقها الإنسان بواحدة من ثلاث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: -الأولى- أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما، -والثانية- أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، -والثالثة- أن يكره أن يعود الى الكفر كما يكره أن يقذف في النار)٣٬١٨٣[صحيح البخاري (6542)، صحيح مسلم (43)].؛ إذن محبة الإنسان لأخيه يجد معها المرء حلاوةَ الإيمان؛ فأن تعبد الله c وتتقرب إليه b وأنت تجد في قلبك لذة لا يمكن أن تعبر عنها؛ من أسباب هذه الحلاوة: أن يحب المرء لا يحبه الا لله.

فعلينا أن نجتهد في جعل هذا الأمر الذي يقوي صفنا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤﴾ [الصف: 4] فهذا شيء يحبه الله c؛ فالله b لا يريد منا القتال فقط، بل يريد قتالا على هذه الصفة: أن نكون كالبنيان المرصوص، صفا متراصا..

ص 2324

وهذا الصف لن يكون متراصا متماسكا قويا متينا إلا بوجود الرابط بين هذه اللبنات؛ فكل واحد منا هو لبنة في هذا الصف، وما هو الرابط بين هذه اللبنات؟ هو الأخوة والمودة؛ فعلينا أن نجتهد في هذا الأمر وأن نسأله الله c.

وأهم نقطة بعد هذه والتي أؤكد عليها كما ذكره أخونا «عبد الرحمن» وهو: الدعاء لأخيك في ظهر الغيب؛ حتى ولو رأيت من أخيك ما تكره، وهذه قد تكون فيها صعوبة ومشقة على النفس، فإذا وقع بينك وبين أخيك نفرة فادع له في ظهر الغيب فوالله ستجده يأتيك ذليلا، وليس المقصود من الذلة هنا المهانة وإنما ستجده مطاوعا لك هينا لينا انقلب.. وما هو السبب؟ لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، وليس شرطا أن تدعو له أن يحببك الله فيه، لا بأس ولكن ادعُ الله أن يغفر له وأن يعفو عنه وأن يتجاوز عن سيئاته وأن يوفقه لكل خير وأن يفتح له أبواب الطاعة.

وهذا أقوله بالتجربة؛ فكم من الإخوة الذين كانت العداوة فيما بينهم قد بلغت عنان السماء، ولكن بالدعاء لبعضهم بعضًا في ظهر الغيب صاروا من الإخوة المتحابين المتوَادِّين؛ ذلك لأنه كما جاء في الحديث أن دعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجاب: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولكَ بمثل)٣٬١٨٤[صحيح مسلم (2732)]. فأنت تقول: اللهم اغفر لفلان، فيقول الملك: آمين ولك بمثل، فكلما دعوت لأخيك أمن الملك على دعائك؛ فهذا من الأمور التي علينا أن نهتم بها.

ثم لا بد أن تكون أمورنا عملية؛ فيجب أن نتنزل إلى واقعنا، فما نقوله ليس واقعا مفترضا نحن بعيدون عنه؛ فنحن نعيش في هذه الساحة ونحن الذين نعيش في المضافات ونحن الذين نرى الحساسيات والمشاكل التي تقع بين الإخوة ونحن الذي نرى أسباب هذه المشاكل؛ فالعلاج لا ننتظره من فلان وغيره، بل نحن الذين علينا أن نبذل الجهد لعلاج هذه المشاكل؛ فنحن أهلها ونحن أصحابها ونحن من يجتهد لإصلاحها؛ فإذا سلكنا هذا الطريق فبإذن الله c سنجد أنفسنا والحمد لله على خير.

ونحن في نعمة عظيمة جدا جدا لا يمكن أن نحصيها ولا أن نؤدي شكرها، فتأملوا هذا الاجتماع: إنسان يبقى في بيت لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة؛ فإذا وقعت عشر مشاكل بينك وبين إخوانك في خلال هذه الثمانية أشهر؛ فنقول: ما شاء الله.. بركة، فالرجل مع أهله تقع بينه وبين أهله مشاكل، وهم الذين قال الله c فيهم: ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: 21]، فهذا له طبع وذاك له طبع، وهذا له طريقة في التعامل: هذا رجل غضوب، وهذا رجل حليم، وهذا رجل جهول، وهذا رجل يعلق على كل صغيرة وكبيرة، وهذا رجل ساكت معتزل.

فلا بد أن يقع بين هذه النفوس إشكالات، ولكن المقصد: كيف نتجاوز هذه الأمور؟ فاذا وقعت كيف نزيلها؟ وكيف نمسحها؟ وكيف نمحوها؟

الصحابة رضي الله عنهم وهم الذين اصطفاهم الله b وجعلهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ورضوا عنه؛ يقع بينهم ما يقع بين البشر، حتى بين أبي بكر وعمر، وأنتم تعرفون سبب نزول قول الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، فسببها أنه جاء وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعندما أراد الوفد أن يذهب قال أبو بكر: يا رسول الله أمِّر عليهم فلانا، فقال عمر: لا يا رسول الله بل أمِّر عليهم فلان، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا مخالفتي٣٬١٨٥[صحيح البخاري (4109) ولفظه من حديث ابن الزبير: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال ‌عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال ‌عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية].؛ فهذا بين أبي بكر وعمر، وارتفعت أصواتهما حتى أنزل الله b الآية.. فهذه قصص بين الصحابة رضي الله عنهم: هذا صِدِّيق وهذا المحدَّث الملهَم رضي الله عنهم أجمعين.

فليس غريبا أو ليس عجيبا أن يقع شيء كهذا، ولكن كيف نتجاوزها؟ وكيف نزيلها؟ وكيف نمحوها؟ فهذا هو الذي نجتهد فيه.

نسأل الله سبحانه أن يصلح أحوالنا، وأن يعيننا وإياكم على طاعته وأن يجعلنا من المتحابين فيه الذين يجتمعون عليه ويفترقون عليه؛ إنه سميع قريب وجزاكم الله خيرا.

❖ ❖ ❖

ص 2325