🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

الجزائر ومعركة الصبر

الجزائر ومعركة الصبر

الجزائر ومعركة الصبر

[ذو القعدة 1432 هـ / 10 - 2011م]

۞

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...

أمة الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

خُذْ لِلحَياةِ سِلَاحَهَا

وَخُضِ الْخُطُوْبَ وَلَا تَهَبْ

وَاْرفعْ مَنارَ العَدْلِ وَالإحْسانِ

وَاصْدِمْ مَن غَصَبْ

وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّالـمِينَ

سُمًّا يُمْزَج بالرَّهَبْ

وَاقلَعْ جُذورَ الخَائنينَ

فَمنْهُمُ كُلُّ الْعَطَبْ

وَاهْزُزْ نفوسَ الجَامِدينَ

فَرُبَّمَا حَيَّ الْخَشَبْ

هَذَا نِظامُ حَيَاتِنَا

بالنُّورِ خُطَّ وَبِاللَّهَبْ٣٬٤٤٦[قاله: ابن باديس . انظر: مجالس التذكير من حديث البشير النذير (ص 306)].

ص 2735

بل كانت تلك الكلمات الحية تنطق بلسان المؤمن المستبصر، وتنظر في آفاق المستقبل بفراسة الخبير المجرِّب، الذي اعتُصر قلبه وطُحِن بألوان الحوادث تحت نير استعمارٍ أسودٍ وحشيٍّ همجيٍّ جشع، نهب الأرض، واغتصب العرض، وأذل شعبًا، وصبَّ عليه حمم الإجرام كالشهب، فأتى على الحياة ومعانيها؛ فجعلها قاعًا صفصفًا، ومزَّق أمةً فجعل أهلها شيعًا؛ يستضعفهم فيذبِّح أبناءهم ولا يُبقي رجالهم ولا يستحيي نساءهم، ومن نَجى منهم فما بين فقرٍ مدقع، وتجهيلٍ مطبق، وأسرٍ مُذلٍّ، وتخريبٍ متعمد.

ولولا أن سخَّر الله ﷻ للجزائر أُولي بقيةٍ من أهل العزيمة والرَّشَد؛ ينهون عن الفساد ويرفعون علم الجهاد ويصبرون على مرِّ الجلاد؛ لكانت الجزائر اليوم فرنسيةً لغةً وسمةً وانتماءً وهوية، ولكن الله ﷻ سلَّم.

إنَّ زمنًا طال أكثر من قرنٍ وربع قرن من التسلط المحكم، والإفساد المتدفق؛ كان كفيلًا بأن يُنشئ أجيالًا متلاحقة يربِّيها ذلك الاستعمار البغيض على عينه ويسقيها من لبانه؛ فتخرج وهي تُسبِّح بحمد فرنسا النصرانية، وتبقى تائهةً في ظلمات الأفكار، وضائعةً جرَّاء الانتماءات الممزِّقة؛ بلا هويةٍ محددة ولا شخصيةٍ متميزة، وتركض وراء أمةٍ سافلةٍ هابطة، ترفع راياتٍ برَّاقة ظاهرها فيها الرحمة وباطنها من قِبَلِها العذاب.

أمةٌ: ﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].. أمةٌ: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7].. أمةٌ أصدق وصفٍ لهم من العليم الخبير: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ [محمد: 12].

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

ص 2736

شَعْبُ الجزائرِ مُسْلِمٌ

وَإِلَىَ العُروبةِ يَنتَسِبْ

مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصْلِهِ

أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذبْ٣٬٤٤٧[قاله: ابن باديس . انظر: آثاره (3/571)].

إنَّ فرنسا حينما زحفت على أرض الجزائر؛ لم تكن رحلتها مجرد رحلةٍ سياحية ولا لجهودٍ إصلاحية، وإنما كانت شَقاءً على الجزائر والجزائريين في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم واقتصادهم ودينهم وثقافتهم وتعليمهم وهويتهم.. وصوَّبت نحو نحرِ ذلك الشعب الصابر كلَّ ما في جعبتها لتحقيق أهدافها وسحقه ومحقه، وتسخيره بكل إذلالٍ وظلم لخدمتها في بلوغ مآربها.

فما خرج ذلك الشعب المكلوم من بين أنياب ومخالب ذلك الاستعمار الخارجي العلني الوحشي إلا بشق الأنفس، وبتضحيات تثبت يقينًا أنَّ شعوبنا المسلمة مهما طال زمن تغريبها وتخريبها، ومهما أُغرِقت في الظلمات والتجهيل والتضليل؛ إلا أنها تبقى في الجملة محتفظةً بانتمائها الإسلامي، وأنها لا ترضى بالمستعمر المحتل الذي يدمِّر دينها ويعمِّر شوارعها، ويحطِّم أخلاقها وينظِّم إدارتها، ويشرِّد أبناءها ويشيِّد بناءها؛ فهي لا تراه إلا بوجهه الأسود ونفسيته العدوانية وهويته الغريبة الغربية.

وهذا من معاني التمايز والمفاصلة التي بقيت كامنةً في نفوس شعوبنا -مع ضعفها أحيانًا- والتي يحاول الإعلام ودجاجلته أن يستأصلوا ما بقي منها تحت شعار «الأخوة الإنسانية» وغيرها من الشعارات؛ مما أوحى إليهم شياطينهم، وذلك لعلمهم أنَّ غياب هذه المعاني يعني تحطيم الحاجز المعنوي المتين الذي يحول بينهم وبين تحقيق أهدافهم بكل يسر.

وما أوتيت الأمة -غالبًا- إلا من شراذم المنافقين ومرضى القلوب الذين هان عليهم دينهم، وباعوه في أسواق العمالة بثمنٍ بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين؛ فوالوا أعداء الله تعالى وشاقوا الله ورسوله وعادوا أولياءه فكانوا طريقًا معبَّدًا ممهَّدًا لتمرير مخططات الكفرة الإجرامية بعد أن قطَّعوا أوثق عرى الإيمان وهي الموالاة في الله والمعاداة في الله، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ [الأنفال: 73].

ص 2737

خرجت فرنسا بجيوشها، ولكن بقيت مطامعها واستمرت برامجها وخططها تسري في أوصال الجزائر سريان السم القاتل في العروق، ينفِّذها عملاؤها وجنرالاتها بعد أن سرقوا -وعلى حين غفلةٍ من المخلصين- سرقوا تلك التضحيات الباهظة التي قدَّمها الشعب الجزائري المسلم، ودفع ثمن تحرره وانفكاكه من آصار الاستعمار وأصفاده من دمه ولحمه وماله، وبذل كل ما استطاع وتكلَّف ما لم يستطع ليهنأ بعيشٍ طيبٍ يستظلُّ فيه بحكمٍ إسلاميٍّ نقيٍّ يلتقط فيه أنفاسه بعد رحلة العقود اللاحبة التي تقرَّحت فيها الأعين وتفتَّتت الأكباد وخمصت البطون ووهنت العظام، ولكن ما كاد ليل ذلك الاستعمار الأسود ينجلي حتى انقشع سواده عن وجهٍ كالحٍ بشع هو أخطر على الأمة من سابقه، وأعظم فتكًا بدينها وعقائدها وأخلاقها، وأكثر جشعًا ونهبًا لثرواتها وخيراتها، وأشدُّ تنكرًا لتاريخها وبغضًا لأبنائها.

أولئك الشراذم الذين تنكروا لدينهم، وأذلُّوا شعبهم، وسرقوا تضحيات ثورتهم، وجعلوا قيمتهم في نياشينهم الزائفة والتغني ببطولات الآباء والأجداد التي استأصلوها بخيانتهم وعمالتهم، قال الله تعالى: ﴿۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4].

فبعد رحلة التضحيات الطويلة المريرة إذا بفرنسا لا تزال مستعمرةً للجزائر مغتصبةً لأرضها متحكمةً بشعبها، حتى وإن احتفلوا بيوم التحرير وهتفوا بيوم الاستقلال.

فتفطَّن لهذه المصيبة العظيمة أولو البصيرة والإيمان، وعلموا أنَّ الدماء الزكية التي سالت على أرض الجزائر الأبية أكثر من قرنٍ وربع قرن أراد لها هؤلاء المجرمون أن تنبت شجرة زقومٍ؛ متعفنة بالخيانة، متغذية بالخسة، لا تثمر إلا رؤوسًا من شياطين المكر والإجرام والمجون وعبادة الشهوات.. فأبى أولئك الأخيار الشرفاء أن يروا جهود أجيال وعناءها ومكابدتها تذهب هدرًا تحت ثقل أحذية العمالة وظل عباءة النذالة، فقاموا في وجه جنرالات فرنسا وعبَّاد إبليس في باريس وإن تظاهروا بالإيمان في جزائر ابن باديس.

ص 2738

فما كان المؤمن الكيس الفطن خِبًّا تروج عليه بهارج المظاهر، أو تخدعه فخفخة الألقاب، وما يصنع الشعب المكلوم بنياشينَ زائفة ورتبٍ تافهة وقد حملتها قلوب حاقدة؛ أضمرت الكفر بل أظهرته وباحت به على رؤوس الأشهاد، وقد قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾ [المائدة: 100].

تلك الحفنة الحاقدة التي ارتمت في أحضان الاستعمار، وراحت تنفذ خططه بالوكالة، ولم تنقطع موالاتها له منذ الاستقلال المزعوم وإلى يومنا هذا.. فلا زالت فرنسا ومعها الغرب يخطِّطون وعملاؤها في الجزائر ينفِّذون، ودول الصليب تأمر وعبيدها في الجزائر يطيعون، فكانوا بحق جنودهم الأوفياء، وأولياءهم العملاء، وقد قال الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 51-52].

فلما رأى أولئك الأخيار الصادقون ما تُساق إليه الجزائر رفعوا راية الوفاء للعقيدة والدين وحفظ تضحيات الآباء والأجداد الصادقين، وانتفضوا في وجه أولئك العابثين بكفاحهم وسلاحهم وقوتهم وثباتهم وأسنَّتهم وألسنتهم، فما أن واجهوهم بالحق وأوقفوهم على الحقيقة حتى كشر العملاء عن أنيابهم وبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء، وأظهروا ما كانوا يكنُّونه من العداء الأسود للدين وأهله، وعادوا لإحياء ممارسات ربيبتهم فرنسا، بل زادوا عليها وضاعفوها وتسلَّطوا على الشعب وطليعته من العلماء والمجاهدين بالتقتيل والتنكيل والأسر والتهجير والتخريب والتدمير فكانوا كما كان أسيادهم: ﴿لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ﴾ [التوبة: 10].

ص 2739

وكذلك الجهاد يميز الله به الخبيثَ من الطيب؛ فاستعرت نار الحرب بين خصمين اختصموا في ربهم وفريقين فرَّق بينهم دينهم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ﴾ [النساء: 76]؛ فانحازت طائفة الحق إلى راية التوحيد ونصرة الشرع المبين وإعلاء كلمة رب العالمين، والسعي لاستنقاذ المستضعفين، وتطهير البلاد من الظلمة المفسدين، وانحازت طائفة الباطل إلى أوليائهم وإخوانهم الكفرة الذين يَمُدونهم في الغي مدًّا؛ فكانوا جندهم المحضرين وعبيدهم المخلصين، دينهم الشهوات، وإلههم الهوى، وغايتهم الفساد في الأرض، وقوتهم في التسلُّط على الضعفة والمساكين، إنهما فريقان؛ ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 30].

فيا شعب الجزائر المسلم: لقد كنت بالأمس أمام إجرام فرنسا مضرب المثل في قوة العزيمة وتحمل الشدائد والصبر على الأهوال، وخضت حربًا شرسة من أطول الحروب المعاصرة مع عدوٍّ وحشيٍّ همجيٍّ سفَّاح فما وهنتَ ولا ضعفتَ ولا لنتَ ولا استكنتَ، بل تتابعت مواكب تضحياتكم وتواصلت قوافل شهدائكم تذبُّ عن الدين وتجتثُّ الفساد والمفسدين، وقد أكسبتك الحرب الطويلة إرثًا مجيدًا من معاني البطولة والإباء والترفع عن سفاسف الأمور، وأورثَتْك درسًا عميقًا مفاده: أنَّ الظلم المتوشح بالقوة والسلاح لا يمكن أن يزال بغير مواجهةٍ وكفاح.

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا

فَعُقْبَى كُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

وَلَا تَقْعُدْ عَنِ الْإِحْسَانِ فِيهَا

فَلَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ٣٬٤٤٨[قاله: الإمام الشافعي. انظر: مناقب الشافعي، للبيهقي (2/105)].

ص 2740

فثُر أيها الشعب الأبي في وجه الظلم والطغيان بتصميمٍ أكبر، وتحدٍ أقوى؛ حتى تطيح بهذا النظام العفن، الذي سرق ثورتك وبدَّد ثروتك، وأغنى عدوك بأموالك، وأفقرك وحرمك من طيِّب خيراتك، وفتح بلادك للقطاء الغرب يستمتعون بمواردك، وجعل أبناءك الشرفاء يطوفون في الأرض يتكففون الناس؛ فإنما هي زجرةٌ واحدة تتعاضد فيها القوى ويترسَّخ فيها التصميم، وتتصاعد معها المواجهة؛ فإذا بهذا النظام العميل قد خارت عزيمته، وذهبت قوَّته وتهاوت أركانه، كما أطاح جيرانكم في تونس وليبيا بأعتى طواغيت العصر وأئمة الكفر.. فما أنتم والله بأقلَّ منهم، ولا طواغيتكم بأرحم من طواغيتهم.

واحذروا أن تفوِّتوا فرصتكم بالعيش في أوهام حريةٍ مزعومة لا تتجاوز أكاذيب وسائل الإعلام، واسألوا جيرانكم: أي أغلالٍ وآصار كانت عليهم؟ وأي عذابٍ كانوا يتقلَّبون فيه طوال هذه العقود وهم يحسبون أنهم في هناءٍ ورخاء وازدهارٍ ورفاهية، فلـمَّا انتفضوا في وجه أولئك الطغاة والعتاة وقدَّموا لنيل كرامتهم جزءًا من الضريبة اكتشفوا الحقيقة المذهلة وتعجَّبوا من أنفسهم كيف استطاعوا الصبر تحت ركام الذل وأثقال الهوان كل هذه العقود؟!

وإنني في هذا الصدد أقول لشعوبنا المسلمة الثائرة في تونس ومصر وليبيا: إنَّ ما حققتموه في ثوراتكم ضد جبابرة العصر لهو خطوةٌ عظيمةٌ نحو الاتجاه الصحيح، ولكن لا يزال أمامكم الكثير الكثير وإنَّ نسيم الحرية الذي استروحتم طيبه بعد ثوراتكم وراءه نسائم هي أطيب وأروح وأزكى، إنَّه العيش في ظل شريعة العدل والرحمة والشورى بضوابطها وأصولها، إنها شريعة كتاب؛ ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت: 42].

إنَّها شريعة الإيمان والإحسان والصدق والوفاء وأصحاب الهمم لا يقنعون إلا بالمعالي، ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19].

ص 2741

إنَّ أمامكم روضةً من رياض الإيمان والسكينة والسعة والهناء؛ فواصلوا السير الحثيث نحوها ولا تقنعوا بما بلغتموه فقدركم أكبر من ذلك، وَهِبة الله لكم دانية فلا تستغنوا بغيرها عنها؛ فإنَّ ذلك خذلانٌ وأي خذلان، ولا تشغلوا أنفسكم بسفاسف الدولة المدنية، ولا بظلمات الأنظمة الديمقراطية، ولا بدهاليز الطرق الرسمية؛ فإنها والله مضيعةٌ للوقت، وتبديدٌ للجهود، بل وتضييعٌ لثمرات ثوراتكم بأيديكم، فاحذروا أن تنزلقوا فيها.. فقد رأيتم وجرَّبتم أنَّ ميادين التحرير وامتشاق السلاح قد فعلت في بضعة أشهر ما لم تفعله صناديق الانتخاب وأكاذيب النوَّاب عقودًا طويلة، فبعد كل هذا: من ذا الذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!

فأين شرائع الشيطان من شريعة الرحمن؟!

وأين ظلمات أحكام الجاهلية من نور دين خير البرية؟!

قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

يَخُوضُونَ يِوْمَ الرَّوْعِ فِي لُجَجِ الرَّدَى

لِأَنَّ مَنَالَ العِزِّ فِيهِنَّ أَبْحَرَا

فَكَمْ مَشْهَدٍ فِي الْحَرْبِ يُثْنِي عَلَيْهِمُ

وَكَمْ مَعْشَرٍ مِنْ بَأْسِهِمْ كَانَ أَزْوَرَا

تَرَاهُمْ وَلَيْسَ الدَّهْرُ إِلَّا نَوَائِبًا

إِذَا كَبَّرَتْ تِلْكَ النَّوَائِبُ أَكْبَرَا

سَمَا لِلْمَعَالِي مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمُ

وَيَسْمُو عَلَى آثَارِهِ مَنْ تَأَخَّرَا

مَآثِرُهُمْ حَلْيُ الزَّمَانِ لَوَ أنَّهُ

عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ كَانَ مُصَوَّرَا

بِطَرْفِكَ فَانْظُرْ كَيْ تَرَى بَعْضَ مَجْدِهُمُ

إِذَا أَنتَ عَنْ إِدْرَاكِهِ كُنتَ مُقَصِّرَا٣٬٤٤٩[قاله: ‌‌حرم بن عبد الجليل العلوي -الشنقيطي-. انظر: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص 29)].

ص 2742

إنَّ معركتهم ضد أولئك الفراعنة العتاة مهما طالت مسيرتها والتهب سعيرها وحمي وطيسها فإنَّ العاقبة فيها -بإذن الله تعالى- لتلك الطائفة الصابرة المصابرة، ذلك أنَّ الله ﷻ قال: ﴿وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقريبًا سيُتلى في ربوع الجزائر الجريحة قول الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَلَمْ أَجِدِ الْإِنْسَانَ إِلَّا ابْنَ سَعْيِهِ

فَمَنْ كَانَ أَسْعَى كَانَ بِالْمَجْدِ أَجْدَرَا٣٬٤٥٠[قاله: ‌‌محمد بن هانئ المغربي. انظر: التذكرة الحمدونية (2/87)].

وها قد بدأتم ترون جنى صبركم الطويل بامتداد أغصان شجرة جهادكم المبارك ليمتد عبر الصحراء القاحلة حتى يظلل أرض نيجيريا المسلمة، التي لم يكن أهلها يعرفون سوى الصبر على المجازر الوحشية والإبادة الجماعية؛ فسننتم لهم سنة خيرٍ إذ نبَّهتموهم إلى طريق الخلاص، وأرشدتموهم إلى سبيل كف بأس الكافرين ورد صولة المعتدين، إنَّه القتال ولا غير: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84]، و(من سنَّ سنةً حسنة فعُمل بها، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا)٣٬٤٥١[رواه مسلم: (١٠١٧)، وابن ماجه: (٢٠٣)، واللفظ له]..

وها أنتم اليوم تتبوؤون مكانكم ضمن طائفة الحق التي تواجه الكفر العالمي وتدفع في نحره بمِعوَل الحق ليخرَّ مهشمًا بحضارته الزائفة مفضوحًا مقبوحًا، لتعلو فوق ركامه راية الحق تحملها تلك الأيدي المتوضئة وتحتضنها تلك الصدور المخضَّبة بدماء التضحيات.

ص 2743

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

فَيَا أَيُّهَا الظُّلْمُ المُصَعِّرُ خَدَّهُ

رُوَيْدَكَ إِنَّ الدَّهْرَ يَبْنِي وَيَهْدِمُ

سَيَثْأَرُ لِلْعِزِّ الْمُحَطَّمِ تَاجُهُ

رِجَالٌ إِذَا جَاشَ الرَّدَى فَهُمُ هُمُ

رِجَالٌ يَرَوْنَ الذُّلَّ عَارًا وَسُبَّةً

وَلَا يَرْهَبُونَ الْمَوْتَ، وَالْمَوْتُ مُقْدِمُ

وَهَلْ تَعْتَلِي إِلَّا نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ

تُصَدِّعُ أَغْلَالَ الْهَوَانِ وَتَحْطِمُ

وَلَا تَرْتَضِي إِلَّا حَيَاةً كَرِيمَةً

بِهَا الْحَقُّ يَعْلُو وَالْأَبَاطِلُ تُسْلَمُ

وَتَبْذُلُ فِي عِزِّ الْمَعَالِي عَزِيزَهَا

بِطِيبِ سَخَاءٍ وَهْيَ لَا تَتَبَرَّمُ٣٬٤٥٢[قاله: أبو القاسم الشابي. انظر: ديوانه. وبعض الأبيات في القصيدة لم أجدها عنده؛ فلعلها من نظم الشيخ على نفس القافية والوزن].

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].

وأختم كلمتي بتقديم عزائي ومواساتي لأخي الشيخ الصادق بالحق في وجه الطغاة: «علي بلحاج» -حفظه الله-، في استشهاد ابنه تقبله الله وأسكنه الفردوس الأعلى، نسأل الله أن يفرغ عليكم وعلى آل بيتكم صبرًا ويربط على قلوبكم ويجمعكم به في جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2744

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: الجزائر ومعركة الصبر

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا