35- التعليق على ملحمة محمد مراح في فرنسا
كنت أتابع من يومين ملحمة الأخ «محمد مراح» تقبله الله ورفع درجته في عليِّين، وسبحان الله ماذا يفعل «خلو القلب من الوهن»، حيث تقف أجهزة استخبارات وأمن وشرط دول كبرى عاجزة أمام تحدي شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره وفي عقر دارهم، فأمثال هؤلاء ينبغي أن يسموا كتائب «عاصم بن ثابت» الأنصاري الصحابي رضي الله عنه الذي قال: «أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافرٍ»١٬٧٠٦[البخاري: (٣٠٤٥)].، وكنت أدعو الله ﷻ ألا يقع في أيديهم أسيرًا؛ فالحمد لله الذي نجَّاه من ذلكَ.
هذا مع أنني -وفي نظري القاصر- لا أرى شرعية «تعمد» قتل الأطفال وإطلاق النار عليهم مباشرةً، ولو كانوا يهودًا، لنهي النبي ﷺ الصريح عن قتل النساء والصبيان، وهو حديث متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة، ولإجماع العلماء على ذلكَ، وهو من الأحكام المتقررة المشهورة في أي كتاب من كتب الفقه أو غيرها، إلا على القول: «بالمعاملة بالمثل»؛ يعني كما يقتلون أبناءنا نقتل أبناءهم، فهو قول مشهور بين المجاهدينَ ويحتاج إلى تحرير.
وقد سمعت للشيخ ابن عثيمين في عدة مواضع من شروحه أن الأعداء لو تعمدوا قتل نساء المسلمين أن لهم أن يعاملوهم بالمثل، والعجيب أنه يعلل الجواز ليس لكف أذاهم ونحو ذلك، وإنما لأن ترك قتلهن في مثل هذه الحالة يعد ضعفًا وهوانًا وذلةً!! وهو يتكلم هنا عن النساء، أما الأطفال فصرَّح في بعض المواضع بعدم الجواز، والكلام هنا عن «التعمد»١٬٧٠٧[انظر مناقشة مفيدة جوابًا على الشيخ ابن عثيمين، مع عزو أقواله في المسألة، في الرسالة النافعة: الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات، لعلي الرميحي (2/1335)، فقد حرر وجه الشذوذ في هذا القول وبينه بأدلة ناصعةٍ قوية]..
أما صور القتل الأخرى: «التترس، البيات، استعمال ما يعم به القتل»، فأدلة جوازها واضحة، ولكن كما ذكر العلماء أن مَن قَتَلَ من نهي عن قتله من النساء والأطفال الحربيين ليس عليه شيء من دية أو غيرها، وإنما عليه التوبة، هذا إذا قتلهم وهو يعلم حرمة ذلك، وأرجو أن يكون الأخ محمد مراح رحمه الله، قد ذهب إلى قول من يفتي بجواز المعاملة بالمثل في مثل هذه الحالة وأن يتقبله ويتجاوز عنه، هذا ما بدا لي على عجلٍ، فإن شئت فاحتفظ بما قلتُه وإن شئت فحدِّث به على صورته المذكورة هنا، مع أنه ليس عندنا تفاصيل عن كيفية وقوع هذا القتل، فليس لنا مصدر حتى الآن إلا وسائل الإعلام وما أكذبها.
وقد قال الشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد -شفاه الله وفرج عنه- في كلام طويل نوعًا في هذه المسألة: «وفي القول بقتل نساء الكافرين إذا قتلوا نساء المسلمين معاملةً بالمثل قوَّة وله وجهٌ، وإن كنتُ أتهيَّب الجزم به لعدم من فعل ذلك من المسلمين في حروبهم فيما أعلم، وكان من عدوِّهم من يقتل النساء والأطفال إذا ظهروا على شيء من بلاد المسلمين، وليس الدليل عليه بالظاهر ظهورًا يكفي في استباحة دماء النساء، وممن قال بهذا القول من المعاصرين: أبو قتادة الفلسطيني فكَّ الله أسره، ويوسف العييري تقبله الله في الشهداء في كتابه النافع «حقيقة الحرب الصليبية الجديدة»، وابن عثيمين في بعض فتاواه، ولم أجد من قال به من المتقدِّمين»١٬٧٠٨[مجموع مؤلفات الشيخ المجاهد: عبد العزيز الطويلعي رحمه الله (ص 575)، رسالة: المحرمات في القتال]..
والمسألة مطروقة ومشهورة بين العلماء المعاصرين، ولكن كثير ممن يتكلم فيها لم يحرر صورتَها بدقةٍ.
وأنا لا أريد الإسهاب هنا، وإنما أردت فقط أن أبدي ما ظهر لي في خصوص تعمد قتل الأطفال الثلاثة من أبناء اليهود لعنهم الله، وكنتُ دائمًا أنبه الإخوة عند تقرير الأحكام الشرعية في المسائل المعاصرة وغيرها إلى ضرورة ذكر الخلاف في المسألة واستيعاب أقوال العلماء، والمقصد من ذلك هو توسيع مدارك المجاهدين وإبعادهم عن الشطط والانغلاق على أقوال محددة يوالون ويعادون عليها مع أنها من مسائل الاجتهاد أو الاختلاف.