الوقفة السادسة
أن أولئك الربيين ما سألوا الله تثبيت الأقدام والنصرَ على الكافرين إلا بعد استغفارهم من ذنوبهم، وذلك من تمام معرفتهم بربهم وأدبهم معه ﷻ، فقدّموا الإقرار بالذنوب والتوبة منها لعلمهم بأنها سبب ما لحقهم من المصائب، وليكونوا بكثرة استغفارهم أهلًا لاستجابة الله لدعائهم ومحلًا لتثبيته أقدامهم وتنزيل نصره عليهم، فقال ﷻ عنهم: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].
فدعوا بثلاث دعوات:
الأولى: أن يغفر الله لهم ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم وقد مر الكلام على ذلك.
الثانية: أن يثبت الله أقدامهم عند لقائهم لعدوهم.
الثالثة: أن يُنزل نصره عليهم.
فكل دعواتهم تدل على قوة تعلقهم بربهم، وردِّهم للأمور وتفويضها كلها إليه، وتبرُّئِهم من حولهم وقوتهم، وتيقنهم أن النصر إنما هو من عند الله تعالى، وهذا مما يدل على رسوخ توحيدهم وأنهم قد حازوا منه أعلى المقامات.
قال العلامة الرازي رحمه الله: «وأما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم إلا الذنب والقصور، وهو المراد من قوله: ﴿ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا﴾ [آل عمران: 147]، ولم يروا التدبير والنصرة والإعانة إلا من ربهم، وهو المراد بقوله: ﴿وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147]، فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال»١٬٧٦٩مفاتيح الغيب: (9/25)..
وقال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلاء المؤمنين في موقفهم من الشدة والابتلاء، فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم، صورة الأدب في حق الله وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس ويقيدها بالخطر الراهق لا تتعداه، ولكنه لا يُذهل نفوس المؤمنين عن التوجه إلى الله... لا لتطلب النصر أول ما تطلب -وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس- ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].
إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء، بل لم يطلبوا ثوابًا ولا جزاء... لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة، لقد كانوا أكثر أدبًا مع الله وهم يتوجهون إليه بينما هم يقاتلون في سبيله، فلم يطلبوا منه -سبحانه- إلا غفران الذنوب وتثبيت الأقدام... والنصر على الكفار، فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم، إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار... إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم»١٬٧٧٠في ظلال القرآن: (1 / 462)..
فمع إخبار الله تعالى عنهم بأنهم ما وهنوا لما أصابهم ولا ضعفوا ولا استكانوا إلا أن دعوتهم بأن يثبت الله أقدامهم يدل على أنهم لم يغتروا بقوتهم ولم يتَّكِلوا على عزيمتهم أو يتعلَّقوا بصبرهم وإنما لزموا دعاءهم لربهم بأن يثبت أقدامهم في أرض المعركة حتى لا تنقلب قوتهم ضعفًا وعزيمتهم خورًا وصبرهم جزعًا، فكانوا مظهرين الفقر لله تعالى معترفين بحاجتهم إليه في كل لحظةٍ من لحظاتهم، خائفين أن يكلهم إلى أنفسهم فيهلكوا، وهذا نظير ما ذكره الله ﷻ عن أصحاب طالوت: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
قال العلامة السعدي رحمه الله: «ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة»١٬٧٧١تفسير السعدي: (151)..
ثم لم يكتفوا بسؤالهم لله ﷻ بأن يثبت أقدامهم، بل علموا أن ذلك وحده لا يحصِّل النصر ما لم يأذن به الله، فلذا كمَّلوا دعاءهم بأن سألوا ربهم النصر على عدوه وعدوهم، فهو اعترافٌ منهم بتمام قدرة الله وكمال قوته وعزته سبحانه وأن الأمر كله إليه والتدبير منه، فلما تمكّن ذلك في قلوبهم وقطعوا به قطعًا لا ريب فيه شعروا بمعية الله لهم فاستصغروا قوة عدوهم لا سيما وأنهم كافرون، هذا مع بقاء حسن ظنهم بربهم فرغم ما حل بهم من المصاب واستحرار القتل إلا أن طمعهم في تنزل النصر من ربهم لم ينقطع أو يرتفع. فقولهم: ﴿وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147] في حكم قولهم: نحن عبادك الذين آمنوا بك وصدّقوا رسلك واتبعوا شرعك اللهم فنصرك على هؤلاء الذين كفروا بك وبدينك وبأنبيائك، فانصرنا بإيماننا واخذلهم بكفرهم، وهذا كما روي عن النبي ﷺ يوم بدر أنه قال: (اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة)١٬٧٧٢[رواه بهذا اللفظ الواقدي في المغازي: (1/59)، وابن هشام في السيرة النبوية: (2/192)، والطبري في تاريخه: (2/441)، وورد مختصرًا في صحيح البخاري: (3953)، وصحيح مسلم: (١٧٤٣)]..
وقد تكرر في كتاب الله تعالى كثيرًا بيان أن النصر إنما هو من عند الله كما قال ﷻ: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد: 7]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]، وغير ذلك من الآيات.
فما دام تثبيت القلوب والأقدام من عند الله، ولا حيلةَ في تحصيل النصر إلا بإذنه سبحانه فِلـمَ لا يكون ديدن أهل الجهاد التزامَ دعاء هؤلاء الربيين الذين مدحهم ربهم، وجعلهم أسوةً لهم لينالوا ما نالوا من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة؟
❖ ❖ ❖