🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

رفيق الدرب - رثاء الشهيد أبي الليث الليبي

رفيق الدرب - رثاء الشهيد أبي الليث الليبي

رفيق الدرب.. رثاء القائد الشهيد أبي الليث الليبي -تقبله الله-

[رجب 1429 هـ / 7 - 2008م]

۞

«أما المجاهدون؛ فهم أول ركب الأمة الذي يجب أن يبذل دمه، ويجب أن يبذل جهدهُ كاملًا غير منقوص، نعلم أنه على المجاهدين دفع الكثير الكثير وبذل الغالي والنفيس حتى تتتالى وعن بطء وللأسف وتتتابع، وعن تخوف كوادر الأمة وطوائف الأمة، وأخص منها أولًا وقبل كل شيء زمرة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين أخصَّهم رسول الله ﷺ في أحاديثه بممادِحَ كثيرة وعظيمة؛ فالعلماء هم الذين يُوجِّهون ويُرْشِدون المجاهدين، ويقودونهم، ويستلمون أثمان دمائهم ليقدِّموها في ثمراتٍ حقيقية لتصنع لأمتنا الإسلامية دولةً يحتمي فيها الضعيف»

[الشيخ المجاهد: أبو الليث الليبي القاسمي]

***

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

أمة الإسلام رجال التضحية والفداء والإقدام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص 2385

هكذا علمتنا مدرسة الجهاد، وهكذا اغترفنا ونغترف من معينه الذي لا ينضب دروسًا متوالية، شدة ورخاء، وفرحٌ وترح، ونصرٌ وهزيمة، وعبرٌ وعبرات، واستقبال رجال وتوديع أبطال، وإنما الفوز في رجاء الثواب بالصبر الجميل والثبات على السبيل والإخلاص في ذلك لله الكريم.

قال ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104]، فالأيام بيننا وبين أعدائنا دول، نُصَاب ويصابون، ونألم ويألمون، ونصابر ويصابرون، ولكن العاقبة في الدنيا والآخرة للمتقين، قال ﷻ: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 140].

وإن من أعظم ما ذُقنا ورأينا في ساحات الجهاد من الآلام المرَّة والأحزان الثقيلة؛ فراق الأحبة ووداع الرفقة وغياب الأصحاب، وإن حزننا ليس على قتلهم وذهابهم فحسب، فإنا لنرجو أن يكونوا قد نالوا الشرف الذي سعوا إليه وحرصوا عليه.

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

ثَلَاثٌ يَعِزُّ الصَّبْرُ عِنْدَ حُلُولِهَا

وَيَذْهَلُ عَنْهَا عَقْلُ كُلِّ لَبِيبِ

خُرُوجُ اضْطِرَارٍ مِنْ بِلَادٍ تُحِبُّهَا

وَفُرْقَةُ إِخْوَانٍ وَفَقْدِ حَبِيبِ٣٬٢١٦[قاله: زهير بن أبي سلمى. انظر: المستطرف (ص 315)].

فما عرفنا حقيقة الصحبة ومعنى الأخوة الإيمانية وتمكن المحبة الصافية إلا في ساحات الجهاد، حيث تتلاقى الأرواح وهي تحلق في سماء الاشتياق إلى الله ﷻ، وتمتزج الدماء وهي تسيل بسخاء فوق ربوع الإباء، ويتجلى التنافس على الخيرات في أسمى صوره، وأرقى حالاته، فلا دنيا يُتكالب عليها ولا متاعٌ زائفٌ يُتنافس في كسبه، إنما هو روح الإيمان وطلب الجنان والحرص على الشهادة، فلا يحرم من جنة الدنيا هذه إلا محروم ونعوذ بالله من ذلك.

ص 2386

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مَالٍ

وَلَا شَاةٌ تَمُوتُ وَلَا بَعِيرُ

وَلَكِنِ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ

يَمُوتُ لِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيْرُ٣٬٢١٧[البيتان لأعرابية في: أمالي القالي (1/ 272). ولمُلَيْل بن الدهقانة التغلبي؛ في: معجم الشعراء للمرزباني (445)].

ننعى إليك أمتنا الحبيبة رجلًا من الرجال الذين سطروا مواقفهم على صفحات التاريخ بجلد الرجال وهِمَّة الآساد وصرامة القادة وذلة المؤمن للمؤمن، وكان ختامه مسكًا كما نحسبه والله حسيبه، قال ﷻ: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 154].

ننعى إليك نموذجًا حيًا ممن صنعهم الجهاد، وصاغتهم العقيدة، وصبغهم الاعتزاز بدينهم؛ فأنفوا الذلة وتبرؤوا من المهانة ونبذوا الاستكانة وأخذوا الكتاب بقوة؛ فرفعهم الله به، قال ﷻ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ [فاطر: 10].

ننعى إليكم ليثًا من ليوث الحروب، وحماة الحقائق، ورفقاء السيوف، وسقاة الحتوف؛ الشيخ المجاهد والمربِّي القائد والهزبر المقدام «أبا الليث القاسمي» رحمه الله تعالى وتقبله في الشهداء ورفع درجته ومنزلته في عليين، وجعله رفيق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

إِلَى اللهِ أَشْكُو لَا إِلَى النَّاسِ فَقْدَهُ

وَلَوْعَةَ حُزْنٍ أَوْجَعَ الْقَلْبَ دَاخِلُهْ٣٬٢١٨[قاله: شمردل بن شريك يرثي أخاه وائلا. انظر: أمالي اليزيدي (ص 32)].

ص 2387

فبعد مسيرة حافلة من البذل والعطاء، والعمل الدؤوب، والجهاد المستمر، يحف ذلك كله هِمةٌ عالية، ونظرةٌ ثاقبة، وعقلٌ راجح، وخبرةٌ واسعة، وتجارب متنوعة، وخلقٌ سامٍ.. ودَّع شيخنا المقدام وليثنا الهمام ساحات الجهاد والإعداد والرباط، بل ودّع الدنيا كلها ليسلم الراية لمن بعده ولسان حاله يقول: ﴿لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١﴾ [الصافات: 61].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

فَمَا حَادَ عَنْ دَرْبِ الهُدَاةِ وَإِنَّمَا

عَلَى الْعَهْدِ أَمْضَى عُمْرَهُ لَمْ يُغَيَّرِ

أَتَتْهُ الْمَنَايَا شَاخِصَاتٍ فَمَا انْثَنَى

فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ الْمُنَى فَتَشَمَّرِي٣٬٢١٩[لم أجده عند أحد؛ فلعله من شعرِ الشيخ أبي يحيى رحمه الله].

 نعم، ودَّع تلك الساحات التي أَلِفها وألفته، وأحبها وأحبته، وقد سطرَّ بدمائه الزكية ما سطره من قبل بمداده الوفي؛ حيث يقول في حق إخوانه الذين سبقوه بالشهادة:

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

كَفَى الشَّهَادَةَ فِيمَا بَيْنَنَا نَسَبًا

إِنْ لَمْ تَكُنْ جَمَعَتْنَا وِحْدَةُ النَّسَبِ

مَهْمَا يَكُنْ مِنْ هَنَاتٍ بَيْنَنَا مَعْكُمْ

يَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ عَهْدٌ َغَيْرَ مُقْتَضِبِ٣٬٢٢٠[قاله أمير البيان: شكيب أرسلان. انظر: ديوانه (ص 129)، والشهادة هنا هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.. والقصيدة موجهة منه للدولة العثمانية؛ حين جاء وفدٌ منها إلى سوريا في الحرب العالمية الأولى. وفي الديوان بدل «مقتضب» قال: «منقضِب»].

وقد واللهِ مللنا من بعدكم الحياة، وصار زلالها مرًا، ولذيذها غصصًا، وما هي إلا جولةٌ من جولات الحق على الباطل حتى ينصر الله الدين ويلحقنا بكم في عليين، إن شاء الله، إن شاء الله»٣٬٢٢١[من رسالة الشيخ أبي الليث الليبي القاسمي رحمه الله: يا رفاق الدرب (ص 4)]..

هكذا تخرج الكلمات من القلوب الصادقة في ودادها، والراسخة في عقيدتها، والمستيقنة بسلامة طريقها، والوفيَّة لأحبتها ورفقاء دربها؛ تخرج بعفوية المحبين وسلاسة المشتاقين، لا تكلف فيها ولا تنميق، ولا تقعر معها ولا تسجيع؛ فتتسلل إلى القلوب لتستقر في أعماقها وتهيج كوامنها لا يحول دونها حائل ولا يمنع منها حاجب.

ص 2388

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى

فَمَا انْقَادَتِ الْآمَالُ إِلَّا لَصَابِرِ٣٬٢٢٢[هذا البيت شاهد نحوي مشهور، لا يُعرف قائله، ذكره ابن مالك في: شرح الكافية الشافية (3/1540)].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ قال ﷻ: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا مِنْ غَيِرِ كَدٍّ

سَيُدْرِكُهُ إِذَا شَابَ الْغُرَابُ٣٬٢٢٣[لم أقف له على قائل، ووجدته في بعض كتب المعاصرين. انظر: السحر الحلال في الحكم والأمثال (ص 18)، وقوله «شاب الغراب» يُضرب به المثل في الشيء المستحيل الذي لا يكون؛ فيُقال: لَا يكون ذَلِك حَتَّى يشيب الْغُرَاب. انظر: ثمار القلوب (ص 462)].

لم يطق العيش تحت ظل الطغاة وأحكام الجاهلية وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 100].

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

لَيْسَ ارْتِحَالُكَ فِي كَسْبِ العُلَى سَفَرًا

بَلِ المُقَامُ عَلَى ذُلٍّ هُوَ السَّفَرُ٣٬٢٢٤[قاله: ابن السكيت. انظر: تاريخ دمشق (74/153)].

نعم، انتفضَ كما انتفض غيره من أهل الغيرة على الدين والحميَّةِ على العقيدة والشوق إلى الله؛ ليقرع باب الجنان في كل حين، ولم يلتفت إلى الذين يموِّهون قعودهم بمزاعم الحكمة، ويكسون حرصهم على الدنيا بكساء الأناة والتعقل، وهو يتلو آيات الله ﷻ البينات: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39]، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

تَجْهَلُ فِي الْإِقْدَامِ رَأْيِي مَعَاشِرٌ

أَرَاهُمْ إِذَا فَرُّوا مِنَ الْمَوْتِ أَجْهَلَا

أَيَرْجُو الْفَتَى عِندَ انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ

وَإِنْ فَرَّ عَنْ وِرْدِ الْمَنِيَّةِ أَزْحَلَا

إِذَا أَنَا هِبْتُ الْمَوْتَ فِي حَمْوَةِ الْوَغَى

فَلَا وَجَدَتْ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ مَوْئِلَا٣٬٢٢٥[لم أقف له على قائل].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

تَمَرَّسْتُ بِالآفَاتِ حَتَّى تَرَكْتُهَا

تَقُولَ أَمَاتَ الْمَوْتُ أَمْ ذُعِرَ الذُّعْرُ٣٬٢٢٦[قاله: المتنبي. انظر: معجز أحمد (ص 162)].

هبت عاصفة الصليب في حربها العصرية؛ فحشدت قواتها واستنفرت وكلاءها وزحفت إلى معقل الإسلام برًا وبحرًا وجوًا، وصاح أهل الإرجاف والتخذيل يبثون الخوَر وينشرون اليأس ويستهزئون بالقلة القليلة من أهل الإيمان، ووقف الرجال القلة ومن بينهم شيخنا رحمه الله مع صدق توكلهم على الله ﷻ، واستحقارهم للباطل، واعتزازهم بدينهم وقوة عزيمتهم وهم يأتسون بأسلافهم في السرَّاء كما يقتدون بهم في الضرَّاء؛ يرددون قول الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

ص 2389

وكلما خُوِّفوا من العدو وقوته تردد في أعماق قلوبهم المليئة باليقين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، فكانوا ترس أمتهم لصد المكاره، يقارعون السيف بالسيف ويردون الظلم بالحزم، ويقابلون الدم بالدم؛ حتى شفوا صدورهم وصدور قومٍ مؤمنين، وعلّموا عباد الصليب وأذنابهم كيف يكون الرجال عند النزال؛ فمزقوا أشلاءهم، وسفكوا دماءهم، ويتموا أطفالهم، وسقوهم غصصًا من الآلام لا تزال تطاردهم أينما نزلوا وحيثما حلّوا، ولقنوهم دروسًا ستذكرها أجيالهم جيلًا بعد جيل، فما ضرهم بعد ذلك أن سقطوا شهداء، ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].

عرف شيخنا رحمه الله طريق الجنة فاستمسك بها، وصبر على مكارهها؛ لأنه يعلم أن طريقها قد حُفَّت بالمكاره، وصدق فيه قول النبي ﷺ فيما نحسب والله حسيبه: (كلما سمع هيعةً أو صيحةً طار إليها يبتغي الموت مظانه)٣٬٢٢٧[صحيح مسلم: (١٨٨٩)].، وكلما اشتدت عليه الخطوب وأطبقت حوله الكروب وتوالت الشدائد هونها؛ طلب حسن العاقبة، وصرفها عنه ما وعد به الصابرون في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10].

فنم أيها الشيخ المبجَّل هانئًا؛ فواللهِ إنا لنرجو أن تكون قد نلت إحدى الحسنيين، بل خير الحسنيين؛ إنها الشهادة في سبيل الله، غاية المطالب وأقصى الأمنيات، سعادة أبدية وحياة مرضيّة وفرحٌ وسرور وهناءٌ وحبور ورضوان من الله أكبر.

فإنا لنعلم أنك كنت حريصًا عليها، جادًا في طلبها، متنقلًا بين مظانّها، متعرضًا لها في مواطنها؛ فطوبى لك أن نلت ما تمنيت وبُلّغت ما رجوت بإذن الله تعالى، ونقول لك ولإخوانك الذين تضرجوا بدمائهم معك من أحبتنا ورفقاء دربنا: إنا على الطريق سائرون وبالعهد مستمسكون ولأعداء الدين مُنازلون مُنابذون حتى ننال ما نلتم أو يحكم الله بيننا وبين القوم الكافرين، فإن حزننا على فراقكم لا يعني وهننا عن الاستمساك في دربكم، فلن نبكي بكاء الضعفاء، وإنما هو دمٌ بدم، وهدمٌ بهدم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2391

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا