الدرس الثالث
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسارَ على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد..
كنا قد تكلمنا بالأمس على قول الله ﷻ: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [الحجرات: 7-8].
وقلنا: إن هذه الآية بينت السبيل الذي ينال به المسلم السعادة والسعة والراحة والطمأنينة والسكينة والاستقرار في الحياة، وبيَّنت الطريق الذي يحصل به العنَت والمشقّة والحَرَج وغير ذلك؛ فاتباع النبي ﷺ هو سبيل السعادة، ومخالفة أمره ومشاقَّة الله ﷻ ورسوله ﷺ؛ هو سبيل العنَت والشدَّة والضيق والحرَج.. والآية التي سنتكلم عليها اليوم مرتبطةٌ بهذا السياق.
وإذا تأملنا في تسلسل الآيات لرأينا بينها تناسقًا عجيبًا؛ فالآية التي تكلمنا عليها قبل يومين وهي قولُ الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، دلت على أنَّ عدم التثبت في الأخبار؛ يؤدي إلى ظلـمِ الغير، إما ظلمه في ماله أو في نفسه أو في عرضه أو في دمه، ومع هذا الظلم ربما يكتشف الإنسانُ في وقتٍ ما أنه قد هضمَ حق أخيه؛ فيندم حين لا ينفع الندم، فلذلك قال ﷻ: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، ثم تأتي هذه الآية لتحثنا على وجوب التثبت، والتثبت إنما أمر به القرآن الكريم، وأمرَ به النبيُّ ﷺ؛ لئلا يقع الإنسانُ في الحرجِ والعنَتِ -ومنه ظلم الغير-، فعليه أن يسلكَ سبيل النبي ﷺ في هذا الأمر.
[حكم البغي بين المسلمين، وبيان حرمة الدماء المعصومة]
وهذه الآيات التي نتكلم عنها اليوم؛ تتكلم على نوعٍ من العنَت، بل هو من أشدِّ العنَت والحرج الذي يقعُ بين المسلم وأخيه المسلم، وهو الاقتتال وسفك الدماء، وهذا الاقتتال إنما يقعُ بسبب الاختلاف، وهذا الاختلاف إنما يحصلُ بسبب البعد عن دين الله ﷻ؛ فكلما ابتعد الناس عن أحكامِ الله ﷻ، وعن شريعة الله ﷻ، وعن التمسكِ بسنة النبي ﷺ؛ عاقبهم الله ﷻ بأن جعلَ في قلوبهم العداوةَ والبغضاء، كما قال الله ﷻ في حق اليهود: ﴿فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ [المائدة: 14]، عندما نسوا شيئًا مما أمرهم الله ﷻ به، فالله ﷻ أغرى بينهم العداوة والبغضاء؛ أي ملأ قلوبهم بالشحناء والعداوة كعقوبة قَدَرية على تخليهم عن أحكام الله ﷻ.
وهذا هو الذي يحصل بين المسلمين إذا ما تنكروا لشيءٍ من شريعة الله ﷻ، وابتعدوا عن سيرة النبي ﷺ، وعن التمسك بسنته ﷺ، فإن هذا لا شك أنه سيقود إلى الاختلاف؛ لأن الآراء متباينة والقلوب كذلك مختلفة، وطبائع النفوس ليست واحدة، فإذا لم يكن هناك دائرة يرجع إليها هؤلاء المختلفون وكل إنسانٍ يتمسك برأيه ويتشبث بما يراهُ وبما يحبه ويهواه؛ فإنَّ هذا سيؤدي إلى التصادم، وهذا التصادم؛ سيؤدي إلى التنازع؛ وهذا التنازع سيؤدي إلى الاقتتال.
ولكنَّ القرآن يتعامل مع المسلمين، بل مع الناس جميعًا بحسب واقعهم؛ فما ترك القرآن هذه المشكلة بغير حل، فالمسلمون بشرٌ قد تغلبهم أهواؤهم، وقد يقعون في الجهل وفي الظلم؛ فهذه الحالات التي يمرُّ عليها المسلمون تحتاج إلى علاج وإلى دواءٍ قرآني، وهو الذي تبيُّنه هذه الآيات؛ فلذا قال الله ﷻ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، وهذه الآية هي عمدة الفقهاء في قتال البغاة.
والبغاة -كما ذكرنا من قبل-: «هم الذين يخرجون على الإمام بتأويل»٢٬٣٩٨[الأولى ضبط هذا التأويل بأنه: «سائغ» فليس كل تأويل يأخذ حكم البغي المعتبر شرعًا؛ إلا أن يكون سائغًا، انظر: المقنع لابن قدامة (ص 446)، كفاية النبيه لابن الرفعة (15/343)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/504)].، مع أن هذه الآية لم تشر إلى الإمام، ولم تشر إلى التأويل، ولم تذكر شيئًا من هذا، وإنما ذكرت أنَّه إذا وقع قتالٌ بين طائفتين من المؤمنين؛ فالواجب هو الإصلاح بينهما، فإذا تعدت واحدة وبغت بعد الإصلاح؛ ﴿فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾؛ فالآية ليس فيها إشارة إلى القيود الفقهية التي ذكرها الفقهاء، ولذلك هناك فرقٌ بين معنى البغي في اصطلاح الفقهاء وبين معنى البغي في لفظِ الشارع كما جاءَ في الكتاب والسنة.
والبغيُ إجمالًا هو: مطلق الظلم؛ كما في هذه الآية: ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ﴾ وغيرها من الآيات والأحاديث التي تذكر البغي، وأما البغي في اصطلاح الفقهاء -الذي يذكرونه في كتب الفقه والذي يذكرون له أحكامًا محددة- فهو: الخروج على الإمام بتأويل.
فإذا كانت هناك طائفة أو مجموعة من المؤمنين، أمَّروا عليهم أحدهم وأرادوا أن يكون هذا إمامًا، ثمَّ خرجوا بالسيف وبالقوة على إمام المسلمين متأولين؛ يعني أن عندهم تأويلًا، أي حجة أو شبهة شرعية قوية في فعلهم هذا؛ فهؤلاء هم الذين يسمون بـ«البغاة».
وهذه الآية من ضمن الآيات والأحاديث التي استدل بها أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر؛ يعني ليس خارجًا من ملة الإسلام، خلافًا لما يقوله الخوارج، ولذلك فإنَّ الله ﷻ قد سمَّاهم مؤمنين رغم اقتتالهم، قال ﷻ: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ﴾.
والنبي ﷺ قد ذكر هذا المعنى في أحاديث، فمنها قوله: (سِبابُ المسلم فِسقٌ وقتاله كفرٌ)٢٬٣٩٩[متفق عليه، البخاري: (٤٨)، ومسلم: (٦٤)].، وهذا حديث صحيح، فإذا جاءَ الخارجي أو الذي لا يجمع بين الآيات والأحاديث والأدلة في المسألة، فقال: إن مجرد قتال المسلم للمسلم كفر بنص حديث النبي ﷺ، فكلامه غير صحيح، وإنما الكفر المقصود في هذا الحديث هو: كفرٌ غير مخرجٍ من الملة، أو المراد أن هذا من أفعال الكفار؛ فإن دلالة هذه الآية ولفظها صريحٌ في بقاءِ الإيمان بين المتقاتلين.
[أحكام البغاة وحالاتهم]
ذكر الفقهاء أحكامًا متعددة كثيرة للبغاة، نذكرها ولا نريد أن نطيل فيها إن شاء الله:
أولًا: قالوا: إذا كان هناك إمامٌ للمسلمين اتفق عليه أهل الحل والعقد؛ يعني أنَّ هذا الإمام لم يختلفوا عليه؛ سواء كان هذا الإمام إمامًا عامًا لجميع المسلمين في أقطار الدنيا، أو كان إمامًا في قُطرٍ من الأقطار وسلَّم أهل هذا القُطر لهذا الإمام واعتبروه إمامًا يسمعون له ويطيعون؛ فالحُكم واحد هنا وهنا، كما ذكر هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومثله الإمام الصنعاني، بل الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقلَ الإجماع على هذا، على أن مثل هذا يعني من تغلَّب على قطرٍ من أقطار المسلمين؛ فإنه يأخذ أحكام الإمام الأكبر الخليفة الذي بسطَ سلطته على جميع أقطارِ المسلمين٢٬٤٠٠[قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي: «الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يُعرف أن أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم». فتاوى ومسائل (ص 67)].، والحكم واحد فيهما.
فإن وُجد إمامٌ بهذه الصفة، ثمَّ كان هناك أناس يرون عدم شرعية هذا الإمام ننظر في حالهم:
1- الصورة الأولى: إذا كان هؤلاء الناس متفرقين بين المسلمين؛ يعني ليسوا منحازين إلى جهةٍ ينفردون بها بأحكامٍ ولا بغيرها، وإنما هم يرون عدم شرعية هذا الإمام، ولكنهم متفرقون بين المسلمين ويستطيعُ الإمام أن يُلزمهم بأحكام الإسلام، وأن يأخذ حقوق الناس منهم، فهؤلاء ليس للإمام أن يقاتلهم، سواء اعتقدوا إمامته أو لم يعتقدوا إمامته؛ لأنهم تحت قدرة وقهر السلطان، فإذا أراد أن ينتزعَ منهم حقًّا لمسلم استطاع، وإذا أراد أن يلزمهم بحكمٍ استطاع، وإذا أراد أن يقيم عليهم حدًا من حدود الله استطاع؛ فهؤلاء ليس له أن يقاتلهم.
2- الصورة الثانية: أن يكونوا متفرقين، ولكنهم يجاهرون ويتكلمون ويدعون إلى خلع الإمام، ولكنهم لم يستعملوا القوة، ولم ينحازوا إلى جهةٍ ينفردون بها، ففي هذه الحالة للإمام أو للأمير أن يعاقبهم على فعلهم عقوبة التعزير، وله أن يحبسهم، ولكن ليس له أن يقتلهم؛ لأنهم لم يَنصِبوا له الحرب، ولم يُشهروا له السلاح، والنبي ﷺ يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)٢٬٤٠١[تقدم في: (ص 178)].، وهؤلاء ليسوا واحدًا من هذه الأقسام الثلاثة.
3- الصورة الثالثة: أن ينفردوا في جهة؛ يعني يتحيزوا ويكونوا في مكانٍ ينفردون فيه عن المسلمين، إلا أنهم ما زالوا تحت سلطان الإمام، ولم ينصبوا الحرب ولم يُشهروا السلاح فهنا ما على الإمام إلا أن يضع عليهم مَن يُجري عليهم أحكام الإسلام، رضوا أو لم يرضوا، ولكن ليس له أن يقاتلهم إلى هنا، ولكن له أن يفرقهم بين المسلمين، وله أن يبحث عن طريقةٍ يكف بها شرهم، إلا أنه إلى هنا ليس له قتلهم ولا قتالهم.
4- الصورة الرابعة: أن ينفردوا وأن يشهروا السلاح، وأن يدعوا للخروج على هذا الإمام لخلعه وقتاله وتبديله بحاكمٍ آخر، ففي هذه الحالة هؤلاء هم البغاة الذين يقاتَلون.
وهناك شروط كثيرة يذكرها الفقهاء في صفة البغاة؛ منها: أن يكونوا منحازين، ومنها: أن تكون لهم منعة وشوكة وقوة، وبعضهم يشترط أن يكون لهم رأس -يعني أمير-، وبعضهم لا يشترط ذلك؛ ولكنَّ الأمر المتفق عليه هو: أن تكون لهم شوكة وقوة يقاتِلون بحيث إذا أرادَ الإمام أن ينتزع منهم حقًا أو أن يجبرهم بأمرٍ؛ فلا يستطيع لوجود الشوكة ووجود السلاح والمنعة عندهم.
ففي هذه الحالة -الصورة الرابعة- للإمام أن يقاتلهم، ولكن لا يَشْرع في قتالهم حتى يدعوهم للرجوع إلى الطاعة، وذلك لأن قتال البغاة من باب كف الشر وليس كقتال الكفار؛ فالكفار نحن نقاتلهم لأننا نريد أن ننشر الإسلام وأن ندخلهم في الإسلام، وأما هؤلاء البغاة فنقاتلهم لمجرد كف شرهم وإعادتهم إلى الطاعة، فقتالهم على هذا درءٌ للمفسدة وردٌّ للشرِّ الذي فيهم فقط، فإذا حصل المقصود؛ فخلاص يجب كف القتال عنهم.
فعليه أولًا: أن يدعوهم للرجوع إلى طاعة الإمام، وأن يكفوا عن القتال وأن يضعوا السلاح، وإن كانت عندهم شبهة كشفها؛ يعني يسألهم: ما الذي دعاكم للخروج عليَّ أو للخروج على الإمام؟ فإذا قالوا: هذا الإمام ظلم وسفك الدماء وفعل، وفعل.. فإذا كانت هناك شبهات يحتجون بها؛ فيجب على الإمام أن يبعث لهم من أهل العلم والعقل مَن يزيل ويزيح عنهم هذه الشبهة، وإذا كانت هناك مظلمة يدَّعونها؛ وجب عليه أن يردها، فالإمام عليه أن يرد هذه المظلمة إذا كان فيها كفٌّ للقتال، فإذا أصروا بعد كشف شبهتهم ورد مظالمهم على القتال؛ ففي هذه الحالة يستعين بالله ويقاتلهم، ويجب على من دعاه الإمام لقتاله معهم؛ يجب عليه أن يخرج؛ لأن طاعة الإمام واجبة، وهذا من فروض الكفايات التي تتعيَّن بتعيين الإمام له.
إلا أن أحكام هؤلاء البغاة في القتال ليست كأحكام الكفار الأصليين٢٬٤٠٢[انظر تفصيلا وبحثًا مميزا في أحكام البغاة في كتاب ابن المناصف المالكي: الإنجاد في أبواب الجهاد (2/669)].، ولا كأحكام المرتدين، ولا كأحكام المحاربين الذين هم قطاع الطرق، بل هؤلاء لهم أحكامٌ خاصة.
منها أنه لا يجوز أن يُقتل جريحهم، هذا مذهب الجمهور؛ أي إذا جُرِحَ أحد هؤلاء البغاة في المعركة فليس لأحد أن يأتي وأن يُكَمِّل عليه؛ أن يذفف عليه؛ لأن المقصود هو كف الشر، وقد انكف شره خلاص. وليس له أن يُتبِع مدبرهم، وهذا مذهب الجمهور كذلك؛ أي إذا هربَ هذا الباغي ورجع إلى فئته فليس لأحدٍ أن يقتله وهو هاربٌ؛ لأن فراره هذا قد يكون فرارًا نهائيًا لن يرجع بعدهُ إلى القتال. ولا يقتل أسيرهم؛ أي إذا وقع أحدهم أسيرًا في أيدي طائفة الإمام؛ فليس للإمام أن يقتله وهذا مذهب الجمهور أيضًا -الجمهور هنا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة-، وخالف في ذلك الأحناف وعندهم بعض الضوابط والقيود ليس هذا وقت ذكرها.
فليس له قتل أسيرهم ولا سبى ذراريهم؛ فلا تسبى نساؤهم ولا أبناؤهم؛ لأنهم مسلمون مثل أي مسلم آخر ارتكب كبيرةً من الكبائر، ولا تُغنَم أموالهم.. هذا هو حكمهم؛ لأن الشرع إنما أحل دماءهم فقط للضرورة وأما أموالهم فتبقى على أصل الحرمة، ولهذا فلا يصح أن نقول: أن من استُحِل دمُه استُحِل ماله، كلا، فقد يُبيح الشرع دم شخصٍ ولكن يحرم ماله.
فأموالهم مصونة محرمة لا يجوز أن تُغنم، نعم يجوز للإمام أن يأخذها وأن يحفظها عنده، وتبقى محفوظة لأهلها وأصحابها إلى أن ينكفَّ شرهم وتنكسر شوكتهم وتنتهي فتنتهم؛ فعندها يرد هذا المال إلى أهله، أما أن يأخذ هذا المال وأن يُقسمه بين المسلمين كما يُقسم المال؛ فهذا لا يجوز له؛ إذن هذا مُجمل أحكام البغاة.
وقد قال الله ﷻ هنا: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾، انتبهوا لما في هذه الآية؛ تجدوا أنها ذكرت قتالَين: قتال قبل الصُلح وقتال بعد الصُلح؛ القتال الأول: إخبار، والقتال الثاني: أمرٌ، أما الأول فهو قوله: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾، والثاني: ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ﴾؛ فهذا أمرٌ.
إذن: القتال إذا وقع قبل الصُلح بين طائفتين من المؤمنين سوى طائفة الإمام -حيثُ ذكرنا التدرج الذي يكون بين الإمام وبين أهلِ البغي-، وهذا القتال إما على أمر الدنيا أو لشبهةٍ بينهما وكل طائفةٍ تدَّعي أن الحق معها؛ فما لم تقع محاولة الصلح؛ فهذا القتال يعد قتال فتنة، ولا يجوز لأحدٍ أن يدخل فيه؛ لأن الأمر الشرعي الأول الذي أُمرنا به في طوائف المسلمين عند النزاع بينها هو: الصلح؛ فلذلك إذا رأينا مخايل وعلامات القتال أن هذه الطائفة تتأهب وتستعد وتتجهز للقتال والأخرى كذلك؛ فعلينا في هذه الحالة وجوبًا كِفائيًا أن نسعى للصلح بين هاتين الطائفتين.
فإذا حاولنا الصلح؛ فعجزنا وظهرت لنا الطائفة الظالمة والطائفة المظلومة، فعند ذلك يُشرَعُ لنا أن نقاتل مع الطائفة المظلومة كما قال النبي ﷺ: (انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا)٢٬٤٠٣[رواه البخاري، وقد تقدم في: (ص 1386)]. إلخ الحديث.
فهذه هي مراحل التعامل مع القتال الذي يقع بين المسلمين -نسأل الله أن يعيذنا منه-، فقال الله ﷻ مبينًا ذلك: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾؛ فالقتال إذن يقع بين طائفتين، والقتال بينهما لا يخرجهما عن الإيمان، فكلاهما من المؤمنين، كما قال النبي ﷺ -وهذا الحديث في الصحيح- حين كان يخطب على المنبر وبجانبه الحسن بن علي رضي الله عنهما؛ فكان ينظرُ للناس مرةً وينظرُ إلى الحسن مرةً؛ فقال النبي : (إن ابني هذا سيدٌ ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)٢٬٤٠٤[صحيح البخاري: (2704)].، وكان كما أخبر النبي ﷺ؛ فأصلح الله بالحسن رضي الله عنه بين أهل الشام وأهل العراق.
فالمقصود هنا أن النبي ﷺ سمَّى هاتين الطائفتين من المؤمنين -طائفة الشام التي كانت مع معاوية رضي الله عنه، وطائفة العراق والتي كانت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه- والحسن هو الذي أصلحَ بينهما عندما تنازل عن الأمر لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين.
فقال الله ﷻ هنا: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾؛ يعني: اسعوا لنزعِ سبب القتال؛ لأنَّ هؤلاء إخوة كما قال الله ﷻ: أخٌ يتقاتل مع أخيه، فلا بد من نزع سبب القتال، يعني: لماذا وقع هذا القتال؟ ولماذا وقعت هذه الفتنة؟ فالمسلم عليه أن يسعى للإصلاح بين المسلمين لأجل كفِّ دمائهم، والإصلاح بين الناس أجرهُ عظيم جدًا كما قال الله ﷻ: ﴿۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 114]؛ لأن الإنسان قد يُصلح بين الناس رياء وسمعةً، ولكن من يفعل هذا الصلح ابتغاء مرضاة الله ﷻ هو الذي ينال هذا الأجر العظيم.
وفي المقابل فإن إفساد ذات البين والتحريش بين المسلمين وبث أسباب العداوة والبغضاء والشحناء؛ إثمه عظيمٌ عند الله ﷻ، كما قال النبي ﷺ: (إياكم وفسادَ ذات البين فإنها الحالقة، لا أقول تحلقُ الشعر ولكن تَحلقُ الدين)٢٬٤٠٥[رواه الترمذي: (٢٥٠٨)، وقال: «حديث صحيح غريب»، وحسنه الألباني].، فساد ذات البين؛ أن تَفْسَد القلوب وتتنافر وتقع بينها الشحناء والبغضاء والعداوة؛ فهذا الفساد يؤدي إلى البهت والكذب والسخرية والغيبة والنميمة والقتل أيضًا؛ فلا يبقى للمرء دينٌ بعد ذلك، فلهذا سماها النبي ﷺ: (الحالقة).
ويكفينا هذا اليوم، وغدًا إن شاء الله نكمل الكلام على هاتين الآيتين.. وجزاكم الله خيرًا.
❖ ❖ ❖