إلى أهلنا في ليبيا
[ربيع الآخر 1432 هـ / 3 - 2011م]
۞
﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ | فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ الْعَيْشِ إِنْسَانُ | |
هِيَ الْأُمُورُ كَمَا شَاهْدتُّهَا دُوَلٌ | مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ | |
وَهَذِهِ الدَّارُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ | وَلَا يَدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شَانُ٣٬٤٣٢[من شعر الرندي، في رثاء الأندلس، وقد تقدم]. |
فيصدق في أنظمة الطغيان والتجبُّر ومحاربة الدين وتشريد أهله والتي بدأت عروشها تتهاوى واحدةً، واحدة؛ يصدق فيها قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 44-45].
فلطالما تباهت هذه الأنظمة بالاستقرار وتفاخرت بقوتها وتمكن قبضتها، واكتسى طغاتها بألوان الألقاب والتعاظم والاستعلاء والإطراء، وقد بسطوا سلطانهم في أرجاء البلاد وظنّوا أنهم قادرون عليها، ولسان كل واحدٍ منهم ينادي على شعبه في كل مناسبة: ﴿يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]، وهم مع طغيانهم الأسوَد وظلمهم المكشوف، وجعلهم لشعوبهم المسلمة شيعًا وأحزابًا يستضعفونها ويُذِلونها ويعبثون بها كيفما شاؤوا؛ فإنّهم وبصفاقة وجهٍ فجّة يزعمون أنهم سبب رغدها وواهبوا حريتها وعزتها وكرامتها، ولولاهم لكانت تلك الشعوب في ضعةٍ وذِلّةٍ وتخلُّف لا تُحسد عليه، تمامًا كما قال مقدّمهم في الطغيان ورائدهم في الهذيان؛ فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
غير أنَّ التمويه والدجل والتضليل مهما طال وأُتقِن نسجه لا يمكن أن يعلو على الحقائق أو يطمسها طمسًا تامًّا ويغيِّبها تغييبًا كُليًّا؛ فمع ما أوتيت تلك الأنظمة من وسائل إعلاميةٍ ضخمة وحفَّها من كهنةٍ ومن سفلة السفلة يُسبِّحون بحمدها الليل والنهار، ويلـمِّعون وجهها الكالح ليبهر الناظرين، إلا أنَّ أمر الله ﷻ إذا حلَّ ونزل فلا محيد عنه ولا يُغني معه قوةٌ عاتية ولا أكاذيب خاوية: ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11]، وهذا ما كان.
ولكن.. أين المعتبرون ليعتبروا، والمتعظون ليتَّعظوا، والناظرون في أيّام الله ليرتدعوا وينقمعوا، ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
فمن تونس الخضراء كانت الشرارة ومبدأ الانطلاقة؛ حيث مارس فيها ذلك النظام الفظ العاتي أشنع ما يمكن أن يتصوَّره أحد، من المجاهرة في محاربة الخالق، والاستهتار بالخلق واحتقارهم، وكبت وكتم أنفاسهم وحرمانهم من أدنى حقوقهم، وابتكار أخس الأساليب لإذلالهم، ولم يزل ذلك النظام على حاله من الانتفاش والاستعلاء والشعور بالاستقرار والزهو وهو في غيِّه وسكرته، ومالك الملك يُملي له ويستدرجه، وقد تعلَّق بدول الصليب المنافقة التي تُمِدّهُ في غيِّه مدًّا، وتكيل له أنواع المدائح والإطراء، وتعدُّه معجزةً مبهرة في نمو الاقتصاد، ضاربةً بعرض الحائط شعاراتها التي ترفعها ومبادئها التي تزعم أنها تتبنّاها في ديمقراطيتها.
فإذا بالشعب المكبوت الأبي ينتفض انتفاضةً لا يقف أمامها شيء، وقد بلغ به الجهد مبلغه، وذاق من أصناف الظلم والغشم والقسوة والعبث ما أفسد عليه دينه ودنياه؛ فلم يعد لديه ما يخشاه أو يساوم عليه، فانقلب الحال بالطاغية في ليلةٍ واحدة وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم تغنِ عنه جموعه ولا سلطانه وجاهه ولا خزائنه وأمواله، بل نبذه حتى أسياده وأولياء نعمته نفي الكلب الأجرب، ﴿وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ﴾ [النمل: 34]، ولم يجد له مأوى في الأرض كلها إلا عند من شاكله في العمالة والنذالة من طغاة آل سعود الذين لا تِرِق قلوبهم ولا تظهر إنسانيتهم إلا مع الطغاة أمثالهم، والذين طالما شرَّدوا أولياء الله وطاردوهم بفتاوى أهل الزيغ والأهواء بحجّة: «من آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ ولا صرف!».
فها هو طاغيةٌ من الطغاة الجبابرة الذين أجمع العالم مسلمهم وكافرهم على إجرامه وقبائحه ومخازيه قد آواه وحفظه واستقبله أولياء أموركم، فهلَّا صدَعتم بكلمة الحق في وجوههم كما صدَّعتم رؤوس الصلحاء بالتزلُّف إليهم وتطويع النصوص لإرضائهم؟
وعلى كل حال؛ كانت تجربة ذلك الشعب الأبي المقهور أُسوةً لباقي الشعوب التي لا يختلف حالها عنه إلا في أسماء المتسلطين عليها، قام شعب مصر المطحون قومةً اضطربت لها الأرض شرقًا وغربًا، قاموا في وجه أحد فراعنة العصر «حسني باراك» وقد تفنّن في أنواع الإجرام التي مزّق بها ذلك الشعب الطيب إربًا، إربًا، وكان حاله معهم كما قال الله سبحانه في حق سلفه من حكام مصر: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 4]؛ فملأ السجون، وشرَّد وَقتَّل الخيار، وحارب الدين، ووقف وقوفًا مُعلنًا بلا مواربة مع ألدّ أعداء الأمّة من اليهود والأمريكان، وجعل مصر مستباحةً لهم تتدفق عليهم خيراتها ويتدفقون عليها لإفسادها.
هذا والشعب المسكين يكِدُّ الليل والنهار؛ لتحصيل لُقيمةٍ يُقيم بها صلبه ويسد بها رمق من يعول، فما رق الطاغية لضعيف، وما رحم فقيرًا، ولا التفت لمعوز، ولا اغتم لمُعدَم، بل زاد على تجويع شعبه بتجويع جيرانه، فحاصر غزة وأوصد الأبواب أمام أهلها من فوق الأرض وتحتها، كل ذلك طلبًا لإرضاء اليهود وحمايةً لكيانهم المجرم، فلـمَّا بلغ السيل الزبى والسكين العظم، وأراد الله ﷻ إنفاذ أمره الذي لا مرد له؛ قام ذلك الشعب قومة الأسد الهصور بتعاضدٍ وتناصر لرفع الظلم، ونيل شيءٍ من الكرامة المسلوبة؛ فصبر وصابر وثبت وصمد، وبقيت دول الغرب وأمريكا خصوصًا حائرةً مضطربة وهي ترى عميلها الوفي وعبدها الشقي يفقد سطوته ويتبدَّد سلطانه، فما لبث أمام ثبات الشعب وتضحياته وصموده وتحديه أن هوى كما هوى سابقه، وأُلقي في مزبلة التاريخ: ﴿وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 10-14].
ثم جاء دور مسيلمة العصر الكذاب الأشر شانئ النبي الأكرم ﷺ، وقد وقع بين فكَّي الرحى؛ فتونس غربًا ومصر شرقًا، بعدما ذاق الشعب الليبي على يديه من صنوف التنكيل والتشريد والتعبيد أكثر من اثنين وأربعين عامًا، ما لا تكاد تراه في شعبٍ من شعوب الأرض وجعلهم حقل تجارب أفكاره العفنة وخزعبلاته النتنة وسياساته الرعناء وآرائه الخرقاء الحمقاء، ولو قدَّر الله ﷻ أن يبقى هذا الطاغية المعتوه سالِمًا ممكّنًا حتى يموت على فراشه من غير أن ينتفض الشعب في وجهه لكان ذلك عارًا تتناقله الأجيال أبد الدهر ولكن الله سلَّم، وإنما الأعمال بالخواتيم.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
رَكَزُوا رُفَاتَكَ فِي الرِّمَالِ لِوَاءَ | يَسْتَنْهِضُ الْوَادِي صَبَاحَ مَسَاءَ | |
يَا وَيْحَهُمْ نَصَبُوا مَنَارًا مِنْ دَمٍ | يُوحِي إِلَى جِيلِ الْغَدِ الْبَغْضَاءَ٣٬٤٣٣[قاله: أحمد شوقي. انظر: الشوقيات -قصيدة عمر المختار- (1/157)]. |
فأصبح ذلك النظام الأسود يتردَّى ليلحق بإخوانه الظلمة، وهو يحاول أن يتشبَّث فيما بقي من حبال الملك البالية بكل ما أوتي من قوة، ويعض على ذلك بالنواجذ، ولكن هيهات هيهات؛ فقد حان وقت القصاص بعدما تحطَّم صنم الخوف الذي غرسته في قلوب الناس عقودًا، لتقف أمام صخرةٍ صلبة من التحدي والشجاعة والتضحية، سجَّل مواقفها هذا الشعب في ساحات «بنغازي والبيضا ودرنا وجدابيا وطرابلس ومصراته والزاوية»... وغيرها من المدن التي لم تعبأ بالتهديد ولم تكترث بالوعيد ولم تُنصت لاستجداء أو تلتفت للهراء، وقد صوَّبت سهامها لاستئصال نظامك الذي شان البلاد وأهان البلاد، وتُرمى أنت وأبناؤك وحاشيتك ومرتزقتك وكتابك في أقذر مزابل التاريخ؛ بعدما صدق فيك قول الله تعالى: ﴿ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا وَبَنِينَ شُهُودٗا وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ كَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا﴾ [المدثر: 11-16].
فتلك أربعون عامًا عُمِّرتها يا مُعَمِّر الشر، ومالك ممدود، وبنوك شهود، وسلطانك مُمهَّد؛ فما ازددت بها إلا عتوًا كبيرًا، فها أنت اليوم تنادي والْمُلك يُنزع منك نزعًا: ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ﴾ [الحاقة: 28-29]، فتبًّا لك ثم تبًّا لك، فاغرب غير مأسوفٍ عليك: ﴿كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥ وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦ وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧ كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨ فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 25-29].
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ | فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ | |
فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ صَغِيرٍ | كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ٣٬٤٣٤[قاله: المتنبي. انظر: معجز أحمد (ص 192)]. |
ثم هذه دعوةٌ إلى من بقي من علماء ليبيا الصادقين ودعاتها الناصحين ومثقفيها المخلصين وشبابها الغيورين؛ أن يجنوا من وراء هذه الثورة أطيب الثمار، وأن لا يجعلوها بعد هذا العنت والتعب والتضحيات والصبر بيد العابثين العملاء الذين لا يعرفون إلا مصالحهم، ولا يتَّبعون إلا أهواءهم، ولا يرغبون إلا في شهواتهم؛ فيرتقي أشلاءكم ويستغل دماءكم ويحصد جهودكم مخبولٌ آخر يسومكم سوء العذاب، ولْتَجعلوا أسلحتكم بأيديكم، ولتجمعوا وتخزِّنوا ما استطعتم منها، وإياكم ثم إياكم أن تفرطوا فيها أو تتنازلوا عنها أو تَعُدوا اقتناءها جريمةً منكرة؛ فوالله ما أذل هؤلاء الطغاة شعوبهم إلا بعد أن سلبوا سلاحها وأتقنوا تدجينها وصيَّروها كالقطعان؛ ينتقون ويذبحون بلا مدافعةٍ ولا منازعة، فما القذافي وعصابته بأَأْمن منكم على هذه الأسلحة، ولا أورع منكم في استخدامها، ولا أحرص منكم على أرواح الناس، ومن ذا الذي أحلها لهم وحرّمها عليكم؟!
ولْتَكن تلك الأسلحة عونًا لكم على إحقاق الحق وإنصاف المظلوم والذب عن الحرمات، واحذروا أن تُريقوا بها دمًا محرَّمًا، أو تُزهقوا بها نفسًا معصومة، أو تدمِّروا بها بيوت الناس أو متاجرهم أو أموالهم، أو تُتَّخذ لقتالٍ قبلي جاهلي عصبي، وقد قال النبي ﷺ: (إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام)٣٬٤٣٥[تقدم في: (ص 247)]..
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
مَتَى تَجْمَعِ الْقَلْبَ الذَّكِيَّ وَصَارِمًا | وَأَنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ الْمَظَالِـمُ | |
وَمَن يَطْلُبِ الْعِزَّ الْمُمَنَّعَ بِالْقَنَا | يَعِشْ مَاجِدًا أَوْ تَخْتَرِمْهُ الْخَوَارِمُ٣٬٤٣٦[قالهما: عَمرو بنِ برَّاقة الهَمْداني، أغار عليه رجل من هَمْدان اسمُه حُريم، فاستاقَ إبلَه، فأغار عليه عَمرو، فاستاقَ إبلَه عينًا بعين وقال أبياته السائرة هذه. انظر: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (11/ 166)]. |
وصدق الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: 11].
فقد علمنا أنَّ هذه الأنظمة المتحكِّمة في رقاب العِباد، المتمكِّنة بقوة الحديد والنار، المعتمدة في تطبيق أهوائها وإجراء سياساتها بجنودها وقوتها لا يمكن أن تتخلى عن ذلك وتتنحَّى عن حكم الممالك؛ إلا بقوةٍ تردعها وتضحياتٍ تتحدَّاها من غير استجداءٍ ولا استخذاء، وإلا فإنّ ضريبة البقاء تحتها ستكون أضعافَ أضعاف ما يُبذل لإسقاطها وتغييرها والأمر لله ﷻ من قبل ومن بعد.
قال سبحانه: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 26].
ولتعلم شعوبنا المسلمة التي عاشت -ولا زالت تعيش- أنواع القهر والاضطهاد والإذلال والخوف أنَّ سعادتها الحقيقية ورخاءها وحريتها الصافية؛ إنما هي في الرجوع الحقيقي والجاد إلى شريعة رب العباد: شريعة العدل، شريعة الإحسان، شريعة الرحمة، شريعة العزة، شريعة الصيانة، شريعة الاستقامة: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩ ۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 89-90].
وأنَّ البشرية جمعاء مهما سعت لتحصيل راحتها في غيرها؛ فلن تجد سوى الضنْك والضيق والتعاسة والشقاء والنكد والظلم، وإن تفاوتت مراتبه بين ظالمٍ وأظلم، وطاغيةٍ وأطغى، ومنكودٍ وأنكد؛ فالشر شرٌ وإن تفاوتت دركاته، قال الله تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، وقال ﷻ: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 123-124].
وعليه؛ فإنَّ إسقاط هذه الأنظمة العميلة الفاسدة ليس هو النهاية في مسيرة التغيير الحقيقية التي يجب السعي إليها، وإنما هو خطوةٌ تتبعها خطوات، وجُهدٌ تلحقه جهود لنصل جميعًا إلى الغاية التي يصبو إليها كل مسلمٍ صادق؛ وهو أن تكون كلمة الله ﷻ هي العليا، فيُبسط العدل ويسود الأمن وتُحفظ الحقوق وتُصان كرامة الإنسان، ولن يكون ذلك إلا في شريعة الإسلام، وما سواه فهو: ﴿كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا﴾ [النور: 39].
والواقف في منتصف الطريق لن يصل، ولا ينبغي أبدًا للدعاة والمجاهدين وللجماعات الإسلامية؛ أن تأخذهم غمرة الحماسة فينسوا مقصدهم الأول وغايتهم التي لا تنازل عنها، ولا استحياء من الإجهار بها والدعوة إليها وبذل الجهود لبلوغها، ولْيَجعلوا ما يتحقق اليوم زادًا لمواصلة الدرب من غير كللٍ ولا ملل ولا تراجعٍ أو تحريف؛ فإنَّ من أعظم ما حقَّقته هذه الانتفاضات المتتالية تحطيم حاجز الخوف والرعب والهلع الذي كانت تلك الأنظمة المستبدة تسوس الناس به وتشعرهم بأنها معهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، تعدُّ أنفاسهم وتراقب حركاتهم وتسمع كلماتهم؛ فأصبحت بعد استئسادها على شعوبها واتخاذها حقل تجاربٍ لأهوائها: تقف اليوم موقف المدافع الضعيف المستجدي، وهذا يعني أنَّ الشعوب قد عرفت طريق التغيير وأدركت تمام الإدراك أنّ زمن الإرعاب قد ولَّى، وأنَّ الحكام هم ضعفاء أمام إرادة شعوبهم إذا اتحدت وتحدَّت، وأنَّ الإصرار لا بد أن يُقابل بإصرار، والعزيمة لا يدفعها إلا العزائم، فسيرتسم في ذهن كل طاغيةٍ بعدها صورةٌ ماثلةٌ لأسلافه ممن كان أشد منه قوةً وأكثر جمعًا، فيعلم أنَّ مُلكه رهن بانتفاضةٍ جادة تُتبِعه بهم وتُلحقه بأنذالهم.
وإنَّ هذه الشعوب التي قدَّمت كل هذه التضحيات مع ركام التغييب والترهيب الذي مارسه عليها هؤلاء الطغاة بأساليبهم وألاعيبهم، ومؤسساتهم وأجهزتهم؛ لن تبخلَ أبدًا في بذل ما تستطيع لأجل إعلاء كلمة الحق إذا بانت لها الطريق، وظهرت أمامها الحقائق، وتأكدت من سلامة المسلك، فإنَّ الخير لا يزال كثيرًا فيها، كامنًا في قلوبها، جاريًا على فطرتها، وأنَّها وإن أصابها الضعف حينًا من الدهر إلا أنها لم تمت؛ بل لم تزل تحتفظ بقوتها وانتمائها وشجاعتها وإقدامها، وأنَّ الرضى بالضيم ليس من شيمها.
ولهذا طالما حرص المجاهدون منذ أمدٍ بعيد على تحريض الأمَّة، واستثارة كوامن حميتها ودعوتها للجهاد واستنهاضها؛ لتقوم بالواجب المنوط بها تجاه هؤلاء الطغاة لخلعهم والإطاحة بهم، وما المجاهدون الذين يضحون اليوم بأنفسهم في سائر ساحات الوغى ويتدفقون عليها ليلاقوا الموت إلا جزءٌ من هذه الأمَّة؛ فمن رحمها خرجوا، وعن حرماتها دافعوا، ولرفع أنواع الظلم عنها قاموا وقدَّموا، ولنصرة مستضعفيها انتفضوا وأقدموا، يحركهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
إذن.. فكل دعوةٍ أو فكرة يُراد لها أن تُقيم شرخًا بين الأمَّة الإسلامية وأبنائها المجاهدين إنما هي دعوةٌ هابِطةٌ فاشلة وفكرةٌ مرفوضةٌ مردودة، بل لسنا نشك أبدًا -ولسنا ممن يتشبَّع بما لم يُعط- أنَّ من أعظم أسباب تحطيم حاجز الخوف في قلوب الشعوب المنتفضة واستسهالها للصعاب والتضحيات هو ما عاينته من مواقف أبنائها وبطولاتهم النادرة ووقوفهم الفذ في وجه طاغوت العصر أمريكا مصدر الإرهاب ومنبع الخراب حتى أصبحت هيبتها -بفضل توفيق الله للمجاهدين- هشيمًا تذروها الرياح.
إنَّ هذه الحقيقة توجب علينا أن نعلم أنَّ الجهاد في سبيل الله هو السبيل لإنقاذ الأمَّة، وضخ دم الحياة في عروقها، وبناء صروح الأمجاد لها، وتهشيم هالات الرعب التي تعشِّش في قلوبها، وتربيتها على الجرأة والإقدام والمواجهة، وإنقاذها من أوحال التدجين الذي يُراد لها، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24].
فلتقفي أمَّتنا المسلمة وقفةً مشرِّفةً جنبًا إلى جنب؛ مع أبنائك الأوفياء الذين يُنافحون عن دينك وعرضك وأرضك ومقدساتك بدعمهم وتأييدهم ومساندتهم وتقويتهم؛ فقوتهم هي قوتك، وانتصارهم هو انتصارك، ونحورهم دون نحرك.
ولقد كشفت هذه الانتفاضات أنَّ حكومات الغرب الكافر لا تعرف إلا مصالحها ومصالح شعوبها؛ فلا تنطق إلا عندما تراها معرَّضةً للخطر، وإن تكلَّمت فعلى استحياء وبمماطلةٍ والتواء وبتصريحاتٍ خاويةٍ جوفاء، حتى إذا رأت رياح التغيير قد هبَّت وأنَّ عملاءها قد آذنوا بالرحيل؛ ركبوا موجتها وقالوا لتلك الشعوب المقهورة طوال عقود الإجرام: «إنَّا كنا معكم».
فمثلًا: عندما قامت المظاهرات في دولة الرافضة لم تلبث عجوز السوء -وزيرة خارجية أمريكا- أن تكلّمت وندَّدت وشجبت مع أنه لم يُقتل إلا شخصان، وأوباما يدعو شعب إيران بأن يتحلى بالشجاعة وكأنها ملحمةٌ قد حَمِي فيها الوطيس وتقارع في ساحاتها الأبطال، بينما بقيت عصابات القذَّافي الإجرامية تحصد أرواح الألوف بمدافعها وطائراتها ورشَّاشاتها في مجازر شهد عليها العالم كله، وخرج الطاغية وابنه يهدِّدان ويتوعدان، ومع ذلك فلم تتجاوز تصريحاتهم طيلة أيام المجزرة؛ إلا المطالبة بضبط النفس وتجنب العنف واللجوء إلى الحوار، وليس هذا إلا حرصًا على البترول الليبي؛ الذي نعمت به شعوبهم وحُرِم منه أهله ومالِكوه أكثر من أربعين عامًا.
ومثل ذلك ما حدث في مصر من ترنح التصريحات وتخبِّطها واضطرابها؛ حتى تيقَّنوا أنَّ النظام ساقطٌ لا محالة، فعندها انهال سيلها تأييدًا للشعب ومباركةً له على انتصاراته ونيل حريته التي كانوا يحرمونه منها عبر عميلهم الوفي.
نقول هذا لتعلم شعوبنا المسلمة أنها لن تنال الحرية والكرامة التي تريدها والرخاء الذي تنشده إلا إذا استشعرت بقوتها الذاتية، وانقطعت تبعيتها للغرب المراوغ، وتحرَّرت من الهزيمة النفسية أمامه، ولن يكون ذلك أبدًا ما دام على سدّة حكمها المفتونون بحضارة الغرب والمغرمون بسياساته، والمبهورون بدجلِه.
إنَّ حكومات الغرب التي تتظاهر بالبكاء عليكم، والحرص على تحصيل مصالحكم؛ هي التي مكَّنت لأولئك الطغاة الذين ساموكم سوء العذاب طوال هذه العقود، وهي التي سلَّطتهم عليكم فسلبوا خيراتكم ونهبوا ثرواتكم ليملؤوا بها خزائنهم ويُرغدوا عيش شعوبهم، وليس لكم من ذلك إلا الفُتات وقد استكثروه عليكم، وهو الذي دعم ويدعم كيان اليهود الإجرامي الذي ينكِّل بإخوانكم في فلسطين.
أليست أمريكا هي التي دعمت نظام «حسني باراك» فرعون مصر؛ فما بالها اليوم تتغنَّى بحرية الشعب المصري؟!
أليست أمريكا ومعها حكومات الغرب هي التي دعمت وتدعم نظام «علي عبد الله صالح» المستبد؟
أليست أمريكا ومعها فرنسا هي التي وقفت وقفة دعمٍ مطلقة لنظام الطاغية «زين العابدين» الذي حرم شعبه أدنى حقوقه؟! فما بالها بعد ذلك تبارك للشعب لنيل حريته؟! ومن الذي سلبها أو مكَّن لمن سلبها؟!
وكم في الأرض اليوم من أنظمة الاستبداد والطغيان والظلم والكبت، فمن الذي يدعمها ويساندها ويسلِّطها على شعوبها؟! أليست هي هذه الدول المنافقة ذات الوجهين والكيل بمكيالين؟
إذن إن كنا جادين في تحصيل حقوقنا والعيش بكرامةٍ حقيقية بلا تمويه؛ فعلينا أن نتبرَّأ من عقدة الشعور بالنقص التي مكَّنها الغرب في نفوسنا حتى ظن الكثيرون أنه لا عزة ولا كرامة ولا حرية ولا رخاء، إلا حينما نحذو حذوهم، ونسير وراء ركبهم، ونكون ذيلًا لقافلتهم البائسة، قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ [فاطر: 10].
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ | وَأَغَاظَ شَانِئَهُ اللَّئِيمَ مُعَمَّرَا٣٬٤٣٧[بيتٌ من شعر الشيخ، أجزل الله مثوبَته]. |
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله والحمد لله أولًا وآخِرًا.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: إلى أهلنا في ليبيا
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا