الوصية [للأخ الشهيد: أبي عبد الله الشامي]
الحمد لله القوي القهار، مكور الليل والنهار، تبصرة وذكرى لذوي الأبصار، والصلاة والسلام على النبي المصطفى قائد المجاهدين الأبرار، وعلى آله والصحابة الطيبين الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، وقال ﷻ: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78]، وأيضا قال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]، وقال رسول الله ﷺ: (لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأُقتل)٢٬٨٤٠[رواه أحمد: (٨٩٨3)، ومسلم: (١٨٧٦)]..
فيا إخوة الإيمان في كل مكان: هل يُعقل أن يتمنى رسول الله ﷺ وهو خير البشرية وهو الذي يوحى إليه من رب السماوات والأرض وما بينهما، وهو الذي يوحى إليه من عالم الغيب والشهادة، هل يعقل أن يتمنى الشهادة ثلاث مرات في سبيل الله ﷻ إلا لأنه يعلم عظم فضل الشهادة في سبيل الله ﷻ.
فالشهادة؛ وما أدراك ما الشهادة، فلو كان من خصال الشهيد فقط الإجارة من عذاب القبر لكفى بها منحة عظيمة من الله تعالى حتى يبذل الإنسان من أجلها الغالي والنفيس، فكيف وقد أعطى الله ﷻ الشهيد ست خصال أو سبعًا، ألا تستحق هذه الخصال العظيمة الجليلة أن نبذل أعمارنا وأرواحنا حتى ننالها؟ كيف لا والدنيا لا شك إلى زوال، كيف لا وما عند الله خير وأبقى، كيف لا والله غفور رحيم كريم؛ فأين المشمرون لنيل الشهادة؟ وأين خطاب الحور الحسان الكواعب الأتراب؟ وأين طالبو القصور واللؤلؤ والزبرجد والمرجان؟ وأين المشتاقون إلى لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم؟
ووصيتي إلى إخواني المجاهدين هي أني أوصيكم يا أحبتي في الله بتقوى الله تعالى وخشيته ومخافته وطاعته وإخلاص النية له والصدق معه، فهذه الأمور العظيمة قبل السلاح وقبل كل شيء، ولن ينفعنا السلاح ولا أي شي مادي إن لم نزرع هذه الأشياء العظيمة في قلوبنا.
فيا إخواني المجاهدين تذكروا قول النبي ﷺ: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدا فسد الجسد كله ألا وهي القلب)٢٬٨٤١[تقدم في: (ص 1041)]..
فبالله عليكم يا أيها الأحبة في الله ما فائدة الأسباب المادية وما فائدة السلاح أو السياسة أو المال أو الخبرة العسكرية وما فائدة العقل والذكاء وحسن التصرف إذا فسد القلب؟ فالله الله بإصلاح القلب وتجديد النية.
ولا أقول لكم: اتركوا الأسباب -حاشا لله- ولكن أقول لكم: أصلحوا قلوبكم كي ييسر الله لكم أسبابكم ويتقبل منكم ويبارك لكم في أعمالكم، ولا تفسدوا قلوبكم فتخسروا دنياكم وآخرتكم -عافانا الله وإياكم-.
وتذكروا قول الله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ [محمد: 38].
ووصيتي إلى أهلي الكرام الأعزاء الغاليين هي أني أقول لهم يا أبي العزيز ويا أمي الغالية وإخوتي وأخواتي وأهلي الكرام اعلموا أن الدنيا دار فناء وليست دار بقاء، فلا تتخذوها دار خلود فإن أنتم تمسكتم بها فإنها والله ستتخلى عنكم اليوم أو غدًا، ولن تنتبهوا لأنفسكم إلا وأنتم في الدار الآخرة: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8]، فاعملوا خيرا تجدوه ولا تعملوا شرا فتلاقوه.
أهلي الكرام... اعلموا وتذكروا أن الله ﷻ كتب لكل نفس أجلا مسمى يوم خلق السماوات والأرض، فإن أكرمني الله تعالى بالشهادة في سبيله –نسأل الله ذلك- فلا يقع في أنفسكم أني لو لم أدخل ساحة الجهاد ولم أقتل أو ممكن أعيش في هذه الدنيا أكثر، فانتبهوا في هذا التفكير رعاكم الله وغفر لكم، لأن هذا التفكير يدل على ضعف الإيمان واليقين بأمر الله تعالى، نسأل الله ﷻ أن يعافينا وإياكم من هذا. وتذكروا دائما قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، وتذكروا قوله ﷻ: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78]، فنسأل الله ﷻ أن يجمعنا بكم في جنات الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
واعلموا أن الله ﷻ بارك في دماء الشهداء بل أكرمهم واختار دماءهم من بين الدماء الكثيرة حتى يسقي بها شجرة الإسلام الحنيف.
فنسأل الله تعالى أن يجعل دمي من بين هذه الدماء المباركة، وأن يأخذ من دمي حتى يرضى ويغفر لي ذنبي ويرحمني ويتقبلني في عداد الشهداء، فإذا كان الرسول ﷺ بنفسه تمنى هذه الدرجة الرفيعة العالية فما بالي أنا لا أتمناها؟ اللهم ارزقني شهادة خالصة لوجهك الكريم مقبلا غير مدبر صابرا محتسبا واهد أبي وأمي وجميع أهلي وقومي واغفر لهم وارحمهم ووفقهم لما تحب وترضى واجمعنا بهم في جنات الفردوس الأعلى إنك سميع عليم قريب مجيب الدعاء اللهم آمين.
وفي النهاية أطلب من كل مسلم قرأ هذه الوصية أو رآها أو سمعها أن يدعو لي من قلبه لعل الله تعالى يغفر لي ذنوبي ويرحمني ويتقبلني شهيدا في سبيله.
والله أكبر ولله الحمد والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ولم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم ومحبكم في الله أبو عبد الله الشامي «هزبر»
ليلة الخميس «19 ربيع الأول 1429هـ»
* إذا وجدتم أي شيء لي خاصًا، من مال أو متاع أو سلاح، ولم يكن لي وارث هنا قريب يسهل إيصاله له ولا يحتاج إلى جهد أو وقت أو تكليف فهو لبيت المال وجزاكم الله خيرًا.
❖ ❖ ❖