نثر الجواهر في مناقشة المعترض على تفجيرات الجزائر ردٌّ على مقال الشيخ ناصر العمر: «الموقف من التفجير في بلاد المسلمين»
[جمادى الآخرة 1428 هـ / 6 - 2007م]
۞
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد...
فقد اطلعت على مقال بعنوان «الموقف من التفجير في بلاد المسلمين»، قيل لي إن كاتبه هو الشيخ ناصر العمر -حفظه الله- إلا أنني لم أتأكد من ذلك لأني لم أجد اسمه قبل ولا بعد المقال، غير أنه قد ذُكِر لي أنه نشر في موقعه على الإنترنت، وعلى كل حال لما قرأت المقال وجدته محتويًا على أغاليط متعددة، واتهامات لإخواننا باطلة، وصاحب المقال وإن حاول ابتداء وحسب العنوان أن يجعله عامًا وشاملًا لعموم بلاد المسلمين إلا أنه ما لبث أن بدأت عباراته وتعليقاته تتجه نحو تفجيرات إخواننا المجاهدين في الجزائر -سدَّدهم الله- فرأيت أن أكتب بعض التعليقات الطفيفة والعابرة على بعض الفقرات التي تضمنها المقال.
ولم أشأ أن يكون النقاش هذه المرة على صورة بحث مستقل للمسألة وذلك لعلمي أن كثيرًا من الفضلاء قد كتبوا في مثلها، ولضيق الوقت أيضًا أحببت أن يكون هذه المرة على هيئة مقاطع تتناول بعض الفقرات التي رأيت أنها في حاجة إلى نقاش وكشف موطن الخطأ فيها، ومع ذلك لم أستوعب بالتتبع كل ما جاء فيه من مغالطات فاقتصرت على بعضها واكتفيت بذلك، وقد جعلتُ التعليق بلون مختلف وقبله كلمة «تعليق» نسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم إنه سميع عليم.
«الموقف من التفجير في بلاد المسلمين
الأربعاء (29/4/1428)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فقد طلب مني كتابة كلمات في بعض أحداث التفجيرات الأخيرة التي حدثت في دولة عربية إفريقية».
تعليق [الشيخ أبي يحيى]: هي الجزائر بلا شك، فلا أدري ما الداعي للتطويل وعدم ذكرها صراحة، مع أن القاصي والداني والعدو والصديق عرفوا ذلك، وطارت به وسائل الإعلام، وانتشر انتشار الصبح، ولم يعد من دفائن الغيب، ولا سرًّا مكتومًا يُتخوف من ذكره أو يحذر المرء من الحديث عنه، فما أحرانا بالتصريح في هذه المواطن عن التلميح، حتى لا تضطرب الأذهان في التخمين، وتضرب في مهامه الظنون بلا يقين.
«فاعتذرت لعدم إلمامي بدوافعها ومن خلفها ومسوغاتها وحقيقتها».
تعليق: عجبًا أن يكتب الكاتب ما كتب وهو غير ملـمٍّ بدوافعها ولا بمن خلفها، وكان عليه على الأقل أن ينسبها إلى من قام بها، وتبناها، وبينها، وصرح بها؛ فهو تغافل في غير محله، سواء كان الكاتب موافقًا للقائمين بها على صحة تلك الدوافع أم لا، فالموافقة عليها والاقتناع بها شيء وعدم الإلمام بها مع اشتهارها شيء آخر، وعلى كل حال فإني أذكر ما تيسر من دوافعها:
- فمن دوافعها: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]؛ فهل يا ترى -وليكن الجواب صريحًا- دينُ الله في الجزائر كلُّه لله.. في الحكم، والتشريع، والسياسة، والعلاقات، والاقتصاد، والاجتماع، والأحوال الشخصية، والحريات، والعقوبات، والثقافة والإعلام، والسلم، والحرب وو...، وإن كان الجواب بالنفي -وهو المقطوع به عند العقلاء- فمن الذي يحول بينه وبين أن يكون كله لله؟
لقد خرج الشعب الجزائري في حقبة من الأحقاب القريبة عن بكرة أبيه وهو ينادي ويطالب: «دولة إسلامية»، واكتظت الشوارع بالمظاهرات، وتعطلت الحياة وانشلت بسبب الإضرابات، وارتجت المنابر واهتزت، وخطباؤها أسمعت كلماتهم من به صمم، وتداولت مطالبَهم خاصةُ الناس وعامتُهم، وطار ذكرها في الآفاق، فهل صار بذلك الدين كله لله، وهل أذعن أفراخ فرنسا وعبيدها لمطالب الشعب المبحوح بالصياح والنواح، وهل أنصتوا لنداءاتهم، أم أنهم تمادوا في طغيانهم، وأصروا على إقصاء الدين من حكم دولتهم، وصاروا أكثر استمساكًا بعلمانيتهم، وإجهارًا برفض كل ما له صلة بالشرع والحق؟
حتى صار الحال بين أمرين: دين معطل مهمل محارب من قِبل الرهط المفسدين.. وشعب نادى ونادى، وطالب، وطالب، وتظاهر، وتظاهر، حتى أيقن باليأس مما طلب، وحيل بينه وبين ما يؤمل فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥ فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا﴾ [نوح: 5-7]، فوقف الأمر عند هذا الحد؛ إباء لقبول الشرع، وتماديًا في غلوائهم، واسترسالًا في تمزيق شرعة بارئهم، فما هو المطلوب بعدها من المسلمين في هذا البلد حتى يُرجِعوا الدين كله لله، أيقولون لأفراخ فرنسا: صدقتم! دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! والدين لله والوطن للجميع، أم يستمرون في الاستجداء والاستخذاء والتوسل والالتماس لعل قلوب الجفاة المتحجرة تلين وترق فيردون «النصيب الأوفر» من الدين الذي سطوا عليه ليكون بعدها كله لله، أم يقاتلون هؤلاء المردة لينتزعوا منهم ما اغتصبوه وهم كارهون مرغمة أنوفهم المستعلية بالكبر استجابة لقول الله العليم بحالهم المطلع على سرائرهم حيث قال: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ﴾؛ فهو إذن أحد الدوافع التي حركت هؤلاء الفتية فماذا تنقمون منهم.
ومن دوافعها أيضًا: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
وكثيرًا ما يحسب الناس أن هؤلاء المستضعفين الذين أمرنا بالقتال لإنقاذهم هم الأسرى المكبوتون المقهورون فحسب، ويستبعدون أن تكون هذه الشعوب بمجملها وهم يرونها -ولو وهمًا- في حريتها وطبيعة حياتها من هؤلاء المستضعفين، وذلك لطول الإلف لحياة الاستعباد، واستمراء هذا النمط من العيش، واستساغة جرعات القهر المرة التي يبتلعونها وهم يحسبونها أشهى من الشهد، ولو قاسوا الأمور بميزان الشرع، وتحرروا من حبائل التفكير الأعوج، لعلموا أن الاستضعاف الحقيقي الذي تعيشه هذه الشعوب، هو من أكبر دواعي الجهاد، ومن أعظم دوافعه.
حيث عطلت الحياة من شرع الله تعالى، وحرمت الشعوب من رحمته وعدالته والتفيؤ في ظلاله، وحجِّر عليها في أكثر عباداتها، وأجبرت وأقهرت «واستضعفت» حتى صارت تتقلب في جحيم الجاهلية المعاصرة، ولا تكاد تجد لنفسها مخرجًا منها، وقد أحاطت بها سرادقها، فشريعة الغاب هي التي تسوسهم وتسودهم بدلًا من شريعة الكريم الوهاب، وحكم الطاغوت هو المهيمن بعد أن أقصي حكم ذي العزة والجبروت، وإعلام الخلاعة والانحلال وسلخ الأخلاق ونزع الحياء وإماتة الفضيلة ونشر الرذيلة يطاردهم أينما حلوا ولو في ظلمات بيوتهم، ومناهج الإلحاد وثقافة الفساد يُنشَّأ عليها الأبناء ويهيأ لتلقفها الأحفاد، ومع ذلك فمن رام طريق الهدى وسلوك سبيل السداد فإن السجون له بالمرصاد.
والقرآن قد بيَّن لنا أن سبيل رفع الاستضعاف يكون بأحد أمرين:
الأول: هو أن يجتهد المستضعَف نفسه لكشف ورفع استضعافه، بالهجرة، وترك ديار القهر والإذلال التي تمنعه من العبادة التامة كما يريد الله، وهذا في حق القادر، الذي يملك النفقة، ويعرف السبيل، ويستطيع الحيلة، ويجد الجهة التي ينتقل إليها، ويمكنه أن يرفع الاستضعاف فيها ويتقوى بها، كما كان حال بعض المسلمين الذين بقوا تحت قهر كفار قريش في مكة ولم يهاجروا إلى المدينة، فأنزل الله في حقهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا﴾ [النساء: 97-98]، فهما طائفتان:
- الأولى: بَكَّتتها الملائكة، وكذَّبت دعواها في الاستضعاف، إذ هم قصّروا وفرطوا وأبوا أن يهاجروا إلى أرض الله الواسعة، حيث لا سلطان للكفار عليهم، فلم يسعوا لرفع ما هم فيه من قهر أعدائهم، حتى اضطروهم للخروج معهم لقتال إخوانهم، فهؤلاء لم يعذروا.
- والثانية: هم المعذورون لعجزهم، وعدم اهتدائهم لطريق هجرتهم، وانعدام الحيلة في حقهم فهؤلاء في رحمة الله وعفوه، وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين، فيأتي أحدهم السهم يرمى به فيصيبه فيقتله، أو يضرب فيقتل، فنزلت: ﴿ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ﴾ [النساء: 97]... الآية»٢٬٧٠٤[صحيح البخاري (٤٥٩٦)]..
الثاني: هو سعي المسلمين القادرين ذوي النجدة والبأس لإنقاذ إخوانهم المستضعفين، وذلك بقتال الذين يقهرونهم، حتى تنكسر شوكة هؤلاء المتجبرين القاهرين فينقمعوا وينقهروا ويكفوا شرهم، أو يُستَخرج المستضعفون من سلطانهم ليكونوا في حصانة الإيمان وبحبوحة الأمان كسائر إخوانهم: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
[البحر: السريع]
[البحر: السريع]
إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا الْأَسِنَّةُ مَرْكَبًا | فَمَا حِيلَةُ الْمُضْطَرِّ إلَّا رُكُوبُهَا٢٬٧٠٥[قاله: الكميت، انظر: أدب الدنيا والدين (ص 192)]. |
ومن دوافعها: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، والدولة والصولة، والأمر والنهي، بل والتحليل والتحريم، والسلطان والشوكة، كلها بيد الكافرين الآن، فسبيلهم وسلطانهم وسياساتهم هي الجارية على المسلمين شاؤوا أم أبوا، وما إنكار ذلك إلا نتاج جهل مطبق أو مكابرة سافرة، والآية المذكورة وإن كان ظاهرها الخبر إلا أن معناها -عند بعض المفسرين- نهي المؤمنين أن يجعلوا للكافرين سبيلًا عليهم بالتسلط والتآمر والاستعلاء ونحو ذلك، فهو حكم شرعي لا قدري، وتحت الآية من الأحكام الجزئيات التي يجمعها هذا المعنى ما لا يكاد يحصى، ولهذا قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل»٢٬٧٠٦فتح القدير: (2 / 233).، وأعظمها: عدم الرضى بتحكم الكفار، وتوليهم لشؤون المسلمين العامة؛ فيجب منابذتهم ومصاولتهم والسعي لإزالتهم وتنحيتهم حتى لا يبقى لهم على المؤمنين سبيل، وإلا فالإثم لاحق للمقصرين ولا بد.
فلرفع الحرج، واتقاء الوقوع في الإثم، ومنع الكفار من جعْل سبيل لهم على المؤمنين، انطلق هؤلاء المجاهدون، وهو مما دفعهم وحركهم وحثهم وحضهم: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)٢٬٧٠٧رواه مسلم [٥٠]..
ومن دوافعها: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، فلما تبجح أئمة الكفر في الجزائر بحرب الإسلام، والتنكيل بأهله، وموالاة أعدائه، وطعنوا في دين الله من خلال إعلامهم المرذول، وعبر منابرهم «الرسمية» ونبذوه وراءهم ظهريًا غير مبالين ولا مكترثين، واستجلبوا للعباد والبلاد حثالة أفكار سخفاء العقول، ونصبوا أنفسهم أربابًا من دون الله يحلون ويحرمون، ويقننون ويلزمون، فحينها استجاب جنود الحق لنداء ﴿فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ﴾ فراحوا يدكُّونهم في حصونهم، وداخل «قباب» شركهم وشرهم، فهل عليهم بعد ذلك عتاب؟
ومن دوافعها كذلك: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)٢٬٧٠٨[البخاري: (7056)، ومسلم: (١٧٠٩)]..
ومن دوافعها: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: 251].
ومنها أيضًا: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191].
أما عمن خلفها فهم قد أعلنوا عن أنفسهم، واستبشروا بتوفيق الله لهم، وهم إخواننا المجاهدون سددهم الله وأيدهم بنصره في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي ووصايا القائمين على العمل سهلة المنال، واسعة الانتشار، واضحة المضمون، فالأمر ليس بحاجة إلى إجهاد أو اجتهاد.
أما عن مسوغاتها: فبعد الأحكام الجلية، والأدلة الشرعية، والحجج الواضحة المرضية في وجوب قتال الكفرة مرتدين كانوا أم أصليين، وطنيين أم أجنبيين، عربًا أم عجمًا، تسموا بأسماء عبد العزيز بوتفليقة، وعبد الله بن عبد العزيز، وعبد الله بن الحسين، ومعمر القذافي، أم باسم جورج بوش، وتوني بلير، وساركوزي وأولمرت أم غيرها... بعد هذا كله فقم بزيارة للجزائر الجريحة «المحتلة»، وإن شئت فلا تكلف نفسك واطلع على مصدر إعلامي رسمي واحد يمثل دولتهم وانظر ما يبثه أفراخ فرنسا وينشرونه من الكفر الصراح، والإفساد الفاضح، والتخنيث المهين، والثقافات المدمرة، وما يشنونه من الحرب الشعواء على الشعب الجزائري المسلم، في عقائده، ودينه، وقيمه، وأخلاقه، ومعاشه، بل عاداته وأعرافه التي يُشَمُّ منها رائحة الانتماء للإسلام أو حتى العروبة ليقتلعوه واقعًا وعملًا من شعاره المعروف «شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب»؛ ليصبح شعبًا تائهًا بلا هوية يعتز بها، ولا شخصية تميزه، ولا عقيدة ينتمي إليها، مقطوع النسب بالتاريخ، متنكرًا لكل عتيقٍ قديم ولو كان دين الله القويم.
وقولوا لنا بعدها: إن كانت هذه هي النتيجة التي كان المسلمون الجزائريون يرجونها من وراء تقديم أكثر من مليون شهيد، ومئات الآلاف من اليتامى، ومثلهم من الأرامل، وأضعافهم من الجرحى والمعوقين، حينما وقفوا في وجه الغزو الصليبي الفرنسي، وصابروا في مجالدته مئة وثلاثين عامًا!!
وما الفرق بين رحيل الجيوش الفرنسية بعيونها الزرقاء وبشرتها الصفراء، واستخلاف أفراخها الذين ربتهم على عينها وأرضعتهم من لبانها ممن لا يقلون عنها إجرامًا وإلحادًا وإفسادًا وكفرًا ولا يختلفون ثقافة وفكرًا، ولا غاية وهدفًا، اطَّلِعوا على كل ذلك تفصيلًا وإحاطة، وانظروا بعدها إن كانت المسوغات التي ذكرها إخواننا المجاهدون سددهم الله مقبولة عندكم مقنعة لكم أم أنها ضرب من الجهل والعماية كما تسمونها.
أما عن حقيقتها فوسائل الإعلام المصورة تخبركم وأنباؤها المتواترة تعلمكم، وبيانات القائمين عليها تصدق ذلك أم تكذبه فراجعوها.
«فلما أُلح عليَّ آثرت أن أكتب شيئًا حول منهج التفجير دون أن أُعَلِّق ذلك بحادثة معينة، أو جماعة معينة، لأن الأمر أكبر وأشمل من ذلك، فأقول مستعينًا بالله: إن كثيرًا من الأحداث التي لا يمليها شرع ولا عقل».
تعليق: الكلام وإن كان عامًا إلا أنه -فيما يظهر- حُكمٌ مسبق على أن منهج التفجير مطلقًا؛ لا يمليه شرع ولا عقل، ولن نستبق الحكم قاطعين؛ فالكلام الآتي يفصح ويوضح.
«ينبغي أن نتساءل عن دوافعها الحقيقية يوم تشير أصابع الاتهام فيها إلى الإسلام أو إلى شخصيات إسلامية.. وينبغي أن نراعي في هذا التساؤل أمورًا منها:
- هل الخبر جاءت به وسائل إعلامية موثوقة؟ لأن الله أمرنا بالتثبت، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
- فإن كانت موثوقة فهل الحقيقة على ما ذكروا أم أنهم غُرر بهم وأوهموا أمرًا ما تريده جهات متحكمة دون أن يدركوا أبعاد ما فعلوه؟
ولست أدعو بهذا إلى إنكار الواقع أو الظاهر، لكن يجب النظر في الحوادث بعقل وعلم مع اعتبار القرائن، فبعض الجناة...».
تعليق: مرة أخرى الكلام وإن كان مصبوبًا في قالب العموم، فالمقصود به أمثال من قام بهذه التفجيرات من الشهداء -نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله- فهؤلاء المنتقدون لم يرضوا أن يتنزلوا حتى لمرتبة اعتبار ما يقوم به هؤلاء الأبطال مجرد شبهة تشفع لهم ليخرجوا من دائرة «الجناية»، بل عَدُّوهم جناة مجرمين، وكأن ما يقرره المجاهدون من الأدلة وينشرونه من الأبحاث والمناقشات ويوردونه من التفاصيل والاعتراضات، لا يحتاج إلى التأمل فيه أو الالتفات إليه؛ فهو مهما نصع ولمع وأفصح وأوضح: «خطأ، خطأ، خطأ!».
وإلا؛ فكم من الأبحاث الجهادية التي تناولت مثل هذه المسألة على وجه الخصوص، والتي لا تزال شامخة راسخة لم تفند أدلتها أو تُضَعَّف قوتها بنقاش علمي رصين متين بعيد عن التهويش والازدراء، ولم يولها المعترضون اهتمامًا، خاصةً وأن مثل هذه الحادثة قد ذاق طغاة آل سعود -أخزاهم الله- نظيرها من قبلُ، وقال المجاهدون فيها -ولا يزالون- ما عندهم بكل أمانة وإنصاف وتجرد، ولم يقابلوا مباحث المعترضين بحشد «رجال المباحث»، وإنما بالمجادلة العلمية والفزع إلى الدليل والرجوع إلى مورد نزع الخلاف: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: 10].
ومشكلتنا دائمًا أننا حينما نناقش مثل هذه المسائل الحساسة، نسبح في العمومات، ونسيح مع الإطلاقات ولا ننزل إلى ساحة النقاش وجهًا لوجه، ولا نقابل التفاصيل والجزئيات بمثلها، بل نطلق المجال لفكر القارئ يخمن ويظن ويفترض ليخرج بنتيجة لا يُعرَف لها أساس ولا تقوم على دعائم.
«فبعض الجناة ربما بدرت عنهم أعمال لا تمت للشرع بصلة، ومع ذلك يحاولون تسويغها باسم الشرع، مع أنه قد يصدر في أفعاله عن محض هوى، أو بغية انتقام من ظلم وقع عليه، أو على بعض ذويه، غير أنه يحاول فيما بعد أن يصبغه بصبغة شرعية شأن كل مجرمٍ وجان».
تعليق: من قال إن كل مجرم وجان يبذل جهده ليصبغ أفعاله الإجرامية بصبغة الشرع؟، وما أبعد هذا عن الحق والحقيقة، وهي قاعدة كلية لا تمت إلى الواقع بصلة، ومع ذلك فإن هذه الجملة إن صدقت فوالله إن أولى الناس بها هم طغاة العرب وعلى رأسهم حكومة الجزائر ومثلها حكومة آل سعود التي أوغلت في الإجرام وبلغت أقصاه في جرأة مفضوحة ووقاحة معلنة لا يغشيها أو يغطيها إلا بعض الفتاوى «التسويغية» التي تحاول صبغ تلك الأفعال الإجرامية بصبغة الشرع، وبمخارج وأدلة لو عكف عليها «بوتفليقة» و«عبد الله بن عبد العزيز» وأضرابهم الدهر كله ليدركوها أو يفهموا معناها لما استطاعوا ذلك ولَحسِبوه نوعًا من السفسطة والاستهزاء بهم!
فما خطه الكاتب هنا -غفر الله له- كيل من التهم والمجازفات المجردة، وأعظمها -إن كان المقصود به إخواننا- أنهم يقدمون على العمل بجهالة وعماية و«محض» هوى ثم يبدؤون في التنقيب لها عن المسوغات الشرعية، ولن نقول: إلا سبحانك هذا بهتان عظيم، وأنا أطالب كاتب هذا الكلام وأمثاله وقد ضمَّن مقاله قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، أطالبهم أن يعيشوا يومًا واحدًا في مجتمع جهادي حر خالص وفي أي منطقة كانت سواء في جزيرة العرب أم في العراق أم في أفغانستان أم في الجزائر أم في الشيشان؛ ليروا طبيعة الحياة الجهادية الواقعية من جميع جوانبها الأخلاقية والعلمية والسلوكية والاجتماعية والعسكرية عن قرب ومخالطة وتجرد بعيدًا عن التأثيرات الإعلامية التي تكبلهم، والتي لا يتجاوز وصفها ووصفهم معها قول الله تعالى: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47]؛ ليروا عندها كم من المسائل العلمية والقضايا الفقهية المعلقة والتي يتوقف على الفصل فيها من الأعمال العسكرية ما لا يعلمه إلا الله وما يمنع من ذلك إلا عدم البت في الحكم الشرعي المتعلق بها أو وجود الشبهة فيها.
وأنا لا أقول هذا تشبُّعًا ولا تمويهًا، فليس ثمة ما يدعوني لذلك -والحمد لله- وإنما ليعلم من يخط مثل هذا الكلام ويرمي بتلك التهم الجائرة أن له يومًا سيقف فيه بين يدي الله تعالى؛ ليسأله عن أعراض المجاهدين التي ثلبها بمثل هذه الانتقاصات والاتهامات والخلوص إلى النيات، فالذي حرم دماء المسلمين وعصمها حرم أيضًا أعراضهم وأموالهم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)٢٬٧٠٩[تقدم في: (ص 1373)].، والمجاهدون -خصوصًا- هم من أعظم الناس حرمة عند الله تعالى كما يدل عليه الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم؟)٢٬٧١٠[رواه مسلم: (١٨٩٧)]..
فلا تملأوا أقلامكم إلا بحبر خالص ولا تخطوا بها إلا على ورقة بيضاء، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.
«جنى على من يراه مجرمًا».
تعليق: تأمل -أخي المسلم- كيف أطلق الكاتب العنان لقلمه وسهُل عليه إدخال أصحاب التفجير في عموم «الجناة» ورماهم بغيرها من التهم الباطلة، أما هنا فاحترز بقوله: «من يراه مجرمًا»، ولا شك أن الكلام ليس عن أقوام مجهولين، لا تعرف حقيقتهم ولم تتجلَّ قبائح أفعالهم، حتى ندخل في عالم الافتراض والاحتراز وإحسان الظن بعصابات لا تعيش إلا على الإجرام ولا تطمئن قلوبها وتسكن نفوسها إلا بسحق الإسلام وأهله، واقتلاع جذروه من الواقع والأفهام.
ومن لم يرَ «بوتفليقة» وحكومته شرذمة من المردة المجرمين واقعًا وحقيقةً عقلًا وشرعًا، فوالله لن تملك له من الله شيئًا، وإلا فأين ستصنف هذه العصابة المارقة السارقة، أفي قائمة الأولياء الأتقياء الأمناء؟! أم في سلم الفسقة العصاة وحسب؟! أم في رأس هرم المجرمين العتاة الذين ذبحوا شريعة الرحمن، وعطلوا أحكام القرآن، وأقاموا صروح الزندقة والكفران، وشيدوا سجونهم ومسالخهم لتقطيع أوصال عباد الله المؤمنين، وأرسلوا كلابهم لانتهاك أعراض الحرائر المحصنات في دهاليز أبنية استخباراتهم وشُرطهم ودركهم، وفتحوا أبواب البلاد على مصارعها لأوليائهم الكفرة من أهل الشرق والغرب، وسهلوا سبل التنصير وذللوا الطرق أمام مؤسساته وهيئاته حتى أصبح كثير من أبناء شعب الجزائر المسلم الفقير يتبنى عقيدة «إن الله ثالث ثلاثة» و«إن الله هو المسيح ابن مريم»، فإن لم يكن هذا وأضعاف أضعافه إجرامًا؛ فما هو الإجرام في قاموسكم إذن؟! بينوه لنا وفصلوه حتى نكون نحن وأنتم على بينة ونسلم من كيل التهم بلا حساب؟! وإلى الله المرجع والمآب.
«ثم دعاه داعي الهوى والنفس الأمارة إلى تسويغ عمله بخلع لباس شرعي على صنيعه.
وقد يحدث أن يكون تحركه ابتداء لنصرة ما يظنه دينًا، دون بصيرة أو علم.
ولا كبير فرق معتبر فالجامع بين الاثنين هو جهل كل منهما بالدين».
تعليق: يعني: ليس هناك قسم ثالث يمكن أن يدخل فيه أصحاب الأعمال التفجيرية، فهم إما مجرمون جناة اقتحموا بوابة الإجرام ثم بدأوا ينقبون لأنفسهم عن مخارج شرعية، وإما أن يكون دافعهم ابتداءً نصرة «ما يظنونه» دينًا، أما أن يكون هناك من يحركه الدين الحق، والغيرة الصادقة لنصرة الشرع، على بصيرة وعلم وبينة ودليل فهذا غير موجود، وهو بهذا يطبع صورة في الأذهان للمجاهدين بأنهم عصابة من الجهلة المتهورين المتحمسين الذين لا يلجمهم لجام علم ولا يطؤون سبيل استبصار، وإنما جل أعمالهم هي خبط عشواء وحطاب ليل، وإني لأحسب أن كاتب هذا الكلام هو أدرى الناس ببعد ما يقرره عن الحقيقة والواقع، وإلا فهلّا انتصب للمناظرة وكشف الحق حينما دعاه دعاة المجاهدين لذلك!»
«تجد أحدهم لم يجلس في حلق العلم، ولم يترب على أيدي العلماء الربانيين؛ ولا عرف الفروق والتقاسيم، ولا درس مقاصد الشريعة، ولا ألم بقواعدها المقررة، ثم يريد إقامة دولة الإسلام دون أن يستند إلى فتوى عالم رباني معتبر».
تعليق: ولن نتكلم عن القسم الأول من هذه الجمل، وجوابها زُر ساحات الجهاد تجد الجواب، ثم لتعلم أن مواطن الجلاد ليست محل ركود وخمود وسلامة وانزواء، فقطار الجهاد المنطلق ليس له وقود يغذيه ويدفع عجلاته إلا دماء أبناء هذه الأمة وعرقهم وجهودهم، ومنهم علماؤهم وطلبة العلم فيهم والذين ابتلع بعضَهم سجونُ الطغاة المحادين لله ولرسوله -وعلى رأسهم آل سعود-، وسقط بعضهم في ساحات النزال وهم يدفعون عن الأمة بأجسادهم كما دافعوا عنها بأقلامهم، فمن سيسد هذه الفجوة إذن؟
وللتمثيل فقط! لقد كنا في يوم من الأيام أحد عشر رجلًا مفرغين لطلب العلم من قِبل جماعات جهادية -ومنها قاعدة الجهاد- حينما كانت الأمور في غاية الاستقرار وسهولة التنقل والأسفار، وعكفنا على ذلك سنوات بين يدي علماء أجلاء فضلاء، واليوم وبعد مرور سنوات على تلك الأيام وبعد أن ارتقى هؤلاء في سلم العلم درجات لم يبق منهم إلا شخصان، كاتب هذه الأسطر -غفر الله له- وأخٌ آخر فاضل لا يزال يفري الكفر بقلمه، وينصر الجهاد بنفسه وعرقه، أما التسعة الباقون فقد ابتلعتهم سجون «الإجرام» ومنهم من لقي ربه.
ولا نقول هذا متأسفين أو متحسرين لأننا نعلم أن الجهاد لا يقوى عوده ويشتد صلبه إلا بالتضحيات، ولكن أحببت فقط أن أذكر الكاتب الفاضل أن حال الجهاد والمجاهدين في إيجاد العلماء وطلبة العلم والمحافظة عليهم وإبقائهم ليس كما هو في حال السعة والدعة والأمان والاستقرار، ولا تنسوا أن سبعين من علماء الصحابة وقرائهم قتلوا دفعة واحدة في بئر معونة، فما علينا أن يصيبنا مثل ما أصابهم فنرجو بعدها أن ننال مثل ما نالوا إذ قالوا: «اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك؛ فرضينا عنك ورضيت عنا»٢٬٧١١[مسند أحمد (13854) وقال محققه الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم]..
أما القسم الثاني فمن ذا الذي قال إن من أراد أن يقيم دولة الإسلام فلا بد أن يحوي قائمة الشروط التي ذكرتها، ثم إذا وقع التقصير أو القصور من هؤلاء في هذا الجانب، فأنتم ألستم تريدون أن تقيموا دولة الإسلام، فهلموا وأنتم أهل العلم ومعرفة مقاصد الشرع والمربون، لماذا لا تكونون قادة الأمة علـمًا وعملًا، دعوةً وجهادًا «بالسيف والبيان»؟! ها هي العراق بجانبكم، وأنتم على مرمى حجر منها، ووالله لن يعجزكم أن تجدوا من «خبراء قطع الحدود بغير حواجز» من يوصلكم إلى قلب البلاد، فلماذا لا تستنفرون إليها، وقد بحت حناجر قادة الجهاد هناك وهم ينادون ويستصرخون العلماء، بل فوق ذلك بدأت الفتاوى التي ليس لها أدنى «مستند شرعي» تمنع الشباب من النفير، وتحول بينهم وبين اقتحام «محرقة العراق»؛ لينعموا بالعيش والعافية حتى إذا أصابتهم شظايا الانفجار العراقي في المنطقة وتخرم الثوب «الوطني» بشيء من تلك الشرارات فعندها -وعندها فقط- يبدأ الاستنفار والاستنهاض.
إن المجاهدين حقًا في حيرة معكم، وإننا لن نتحدث بالطلاسم والعمومات والإطلاقات، ولكن بالصراحة والوضوح، رجاء أن يوضع الدواء على الداء، فنخرج من هذا المأزق المتضايق والفصام النكد الذي كلما سعى الجادون في تضييقه ولأمه وُجد من يزيده هوة وانفراجًا، فحينما يخطو المجاهدون خطوة ويتخذون موقفًا، سواء كان عسكريا أم سياسيًّا تنادى الناس من هنا وهناك بأن الجهاد «مشروع أمة»، وليس لطائفة أن تنفرد بقراراته ومواقفه وسياساته -وفي الكلام نسبة من الحق بلا شك-، وحينما يطالب المجاهدون وجهاءَ الأمة وعلماءَها بأن يكونوا جنبا إلى جنب معهم ليمثلوا «مشروع الأمة» ويتصرفوا بناءً على أرضية علمية واقعية يعيشونها ويتعاملون معها ويحيطون بتفاصيلها، قيل لهم: «أهل مكة أدرى بشعابها»، وأوصدت الأبواب أمام المستنفرين بالفتاوى والتشكيكات والتثبيط البيّن أحيانًا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلى الله وحده المشتكى.
«بل ربما رمى أولئك العلماء بالتهم والنقائص حتى تصدق دعواه، ويعذر في هواه! فسبحان الله كيف يقصد إلى ذلك المقصد العظيم من ليس أهلًا للنظر فيه فضلًا عن القيام به!
متى كان التفجير وتكفير الأمة وعلمائها سبيلًا للإصلاح؟».
تعليق: أصل الكلام على «منهج التفجير»، فما وجه إقحام تكفير الأمة وعلمائها في المسألة، وكأن الأمر فيه تلازم دائم، فمَن من المجاهدين وجدتموه يكفر الأمة، أو يكفر علماءها، ويجعل ذلك سبيلًا للإصلاح، ﴿ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤﴾ [الأحقاف: 4]، فمقالاتهم منشورة مشهورة، وفتاواهم ظاهرة معلنة، وأبحاثهم تتداولها الأيدي صباح مساء، وإصداراتهم المسموعة والمرئية والمقروءة تصل من يريد ومن لا يريد سواء كان في أفغانستان أو العراق أو الجزائر أو الشيشان أو أي مكان، فمن ذا الذي وجدتموه يجعل «التفجير وتكفير الأمة وعلمائها» سبيلًا للإصلاح، في أي كتاب قرأتموه أو في أي بحث وجدتموه أو في أي إصدار عثرتم عليه؟! أجيبونا بالصراحة والوضوح والتحديد والتوثيق والتحقيق كما سألناكم بالإفصاح طالبين البينة والبرهان على ما تقولون؟ ونذكركم قول الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58]».
«هب أن النظام في تلك الدولة لا يطبق الشرع، فما ذنب المجتمع والأمة؟»
تعليق: ابتداءً ذكر الكاتب أنه سيتكلم عن منهج التفجير عمومًا دون «أن يعَلِّق ذلك بحادثة معينة، أو جماعة معينة»، وهنا يقول إن النظام في «تلك الدولة»؛ وهذا يعني أن الكلام رجع للحديث عن وقائع الجزائر وتفجيراتها المباركة، والتي ألمح إليها باسم الإشارة «تلك».
ويالله العجب! حيث صار عدم تطبيق النظام الجزائري المتفرنس للشرع شيئًا افتراضيًا، ولا أدري ما قيمة هذا الافتراض الاحترازي، مع أن واقع النظام الجزائري العلماني وفراعنة جنرالاته يصرخ بأعلى صوته في الآفاق بأنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين وللشريعة جملة وتفصيلًا، وأنه نظام غربي المولد والنشأة والتربية، يسعى بكل ما أوتي من قوة وجهد وإمكانات لتغريب الشعب الجزائري المسلم وإزهاق روحه الإسلامية.
نعم... إن لكم أن تعترضوا على التفجير كحادثة جزئية، وهي مسألة فقهية قابلة للأخذ والرد وللاجتهاد فيها مجال بشرط الالتزام بالدليل وضوابط الترجيح، والوقوف عند الوقائع بجلاء وتجرد، أما أن نأتي إلى حقائق قطعية صريحة -كإقصاء نظام الجزائر للشريعة- ونجعلها محل تشكيك، ومجال افتراضات، وموضع احتمالات، فهذا ما لا يمكن قبوله، فإن الإنسان يرى بعينيه لا بعيني غيره، وليس الأمر في حاجة إلى تنقيب في بطون الكتب، ولا بحث في عويصات المسائل، ولا تصحيح أدلة أو تضعيفها وإنما يحتاج إلى «لمح طرف» للواقع الجزائري، وحقيقة حكومته العميلة على وجه الخصوص وعندها سيعرف العالم والجاهل، والعامة والخاصة إن كان النظام الجزائري مطبقًا لشريعة الرحمن المهيمنة على شؤون الحياة كافة أم مرسخًا لشريعة الشيطان القائمة على الفساد والإفساد والسلب والنهب.
ولعل قائلًا يقول: لِمَ هذا التعليق المسهب على مجرد عبارة افتراضية لا تحتاج إلى كل هذا؟ فأقول: إن ما نراه اليوم افتراضًا واحتمالًا سيصبح غدًا وبالتدرج منهجًا متبلورًا مُرسَّخًا له منظروه وأساتذته، فهو نافذة لما وراءه، كما حصل هذا في جل المناهج والأفكار المنحرفة العصرية التي تكتسح الساحة الإسلامية، وهذه النقطة خصوصًا أرى أنها تحتاج إلى رصد ودراسة وتتبع دقيق تفصيلي حتى نرى حقيقة قول الله ﷻ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [النور: 21].
أما قوله: «فما ذنب المجتمع والأمة»، نعم والله لا ذنب لهذا المجتمع الضعيف المهان إلا حرمانه من رحمة الشريعة المحمدية واصطلاءه بنيران الشرائع الشيطانية التي يسعى المجاهدون ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا لإنقاذه منها، وتحريضه على النهوض للخروج من جحيمها، وإلا فتعظيم حرمات دماء المسلمين التي تسفك، وصيانة أعراضهم التي تنتهك، وحفظ أموالهم التي تنتهب، وإنقاذ كرامتهم التي تدنس هي التي أخرجت هؤلاء المجاهدين ودفعتهم للتضحية بالنفس والنفيس حتى يتنعموا جميعًا بجنة الدنيا التي حُرموا منها قبل جنات الآخرة التي يرجونها=.
«كيف تُهدر دماءٌ محترمة، وتزهق أنفس معصومة بحجج واهية؟»
تعليق: لا أحد عنده مسكة من عقل فضلًا عن ورع ودين يفعل هذا.
ولكن ما هي هذه الدماء المحترمة والنفوس المعصومة، إن كان المقصود بها هم عموم الشعوب الإسلامية -ومنها شعب الجزائر المسلم- فوالله ما قام المجاهدون فيما قاموا إليه إلا حفاظًا على تلك الدماء التي أصبحت في ميزان الأنظمة الطاغوتية أرخص وأهون من دم الدجاج بل البعوض، وإلا فلو أراد المجاهدون التسلط على دماء المسلمين ونفوسهم بالسفك والإزهاق لما منعهم من ذلك مانع ولا حال دونهم حائل، فالشوارع مكتظة والأسواق مزدحمة والقرى مترامية والشعوب ضعيفة مغلوبة على أمرها، ولكن حاش لله أن يتجرأ مسلم فضلًا عن مجاهد يتحين لقاء ربه كل لحظة على سفك دمٍ حرامٍ بغير حجة أو بحجج واهية يخسر معها دنياه وآخرته.
ولا أشك أن مثل هذه الأفكار والتهم التي يرمى بها المجاهدون شرقًا وغربًا هي من تأثيرات وسائل الإعلام الخبيثة التي تتولى غسيل الأذهان وشحنها بما تريد من الطعن واللمز والتشكيك والاستنقاص التي صدقها فيها الكثيرون وصارت عندهم من المسلمات، فصاروا يعيدونها على النمط نفسه الذي تسوقه به وسائل الإعلام مصداقا لقول الله ﷻ: ﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 47].
أما إن كان المقصود بالدماء المحترمة دماء طوائفهم الممتنعة من جيش ودرك واستخبارات وغيرها فالمجاهدون لا يرون لهذه الدماء عصمة ولا لتلك النفوس حرمة وأصحابها هم اليد الباطشة المفسدة التي تستخدمها أنظمتهم الطاغوتية في استباحة حمى الشرع والتنكيل بالدعاة والمجاهدين الذين يأمرون بالقسط ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد كتبوا في ذلك كتبًا متعددة، وأصدروا فتاوى متنوعة، وأسهبوا في ذلك واختصروا، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من أئمة الدعوة وغيرهم رحمهم الله جميعًا تفصح غاية الإفصاح عن حكم قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة بغض النظر عن تكفيرهم من عدمه إذ ذاك مجالُ بحثٍ».
«هل سلك من هو أشجع منهم ﷺ هذا المسلك مع من ظهر كفرهم وعظمت معاندتهم من صناديد قريش بمكة حال الاستضعاف قبل الهجرة؟».
تعليق: حقيقةً يحاول الكاتب أن يسد باب قتال هؤلاء الأوباش بأي وسيلة، فتارة يحاول أن يجعل التفجير قرين تكفير الأمة وعلمائها عند من يقوم به، وهم من ذلك برآء، وتارة يجعل دماء طوائفهم -إن صح فهمي لعبارته- محترمة معصومة، وهنا يحاول أن يجعل المانع هو الاستضعاف الذي تعيشه الأمة.
والسؤال الذي ذكره هنا حول عدم قتال النبي ﷺ لصناديد الكفر في قريش لا يتمشى إلا مع القول: بأن صناديد الكفر في الجزائر هم مستحقون للقتال ودماؤهم لا حرمة لها كما هي دماء صناديد قريش، ولكن يمنع من قتالهم «الآن» حالة الاستضعاف التي تعيشها الأمة، فإذا كان الأمر كذلك فما وجه إقحام عصمة دمائهم واحترام نفوسهم كما أشرنا إليه أعلاه، ثم إننا في المقابل نسأل سؤالًا أو سؤالين:
هل يقول الكاتب بأن حكم الجهاد باقٍ قائم ثابت محكم، أم أنه يرى نسخه ورفعه؟
فإن كان يراه محكمًا مستقرًا -وهو كذلك- فما وجه إلحاق حالة استقرت فيها الأحكام وثبتت الشرائع بفترة لم يُشرع فيها الجهاد أصلًا، والجهاد كغيره من الأحكام الشرعية لا يسقطه إلا العجز كالصلاة والصيام والحج وغيرها من التكاليف الشرعية، والعجز شيء والاستضعاف شيء آخر؟ فشتان بين حالة كان الجهاد فيها محرمًا كما هو في «مكة»؛ لأن الشريعة لم تأمر به أصلًا بل نهت عنه، وبين حالة لا يستطيع فيها الإنسان أو الأمة الجهاد لعدم القدرة ولوجود العجز مع قيام وتوجه الخطاب الشرعي به.
وقد روى النسائي٢٬٧١٢[في سننه (٣٠٨٦)، وصححه الألباني]. وغيره أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا) فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﷻ ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 77].
ففي الحالة الأولى لو أن إنسانًا قاتل وهو في تلك الحال لكان مرتكبًا لحرام مخالفًا لحكم الشرع، وهو النهي عن القتال، وأما في الثانية فلو تكلف وتحمل أقصى أنواع الشدائد وقاوم عجزه حتى قاتل لكان مأجورًا على فعله ممدوحًا على صبره: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].
ثم هل الاستضعاف الذي يتحدث عنه الكاتب متعلق بالأمة كلها أم بشعب من الشعوب وبقعة من البقاع؟! فإن كان مرتبطًا بالأمة كلها فهذا يعني إسقاط فريضة الجهاد رأسًا، والأخذ على يد كل من يريد القيام به سواء كان في الجزائر أم العراق أم الشيشان أم فلسطين أم الصومال أم غيرها، فهؤلاء -بهذا الاعتبار- كلهم مستضعفون، وبفعلهم مخالفون لسنة النبي ﷺ حال الاستضعاف التي تستوجب عليهم كف الأيدي عن قتال وقتل الكفرة كما فعل ﷺ مع أئمة الكفر القرشيين قبل الهجرة، وهو تقرير مخالف بلا ريب لما أخبر عنه النبي ﷺ من وجود طائفة منصورة تقاتل في سبيل الله إلى قيام الساعة.
وفي المقابل ففي آخر مبحثه ذكر أن للجهاد ساحاته كالعراق وفلسطين والشيشان وغيرها، وهذا يعني أن هؤلاء ليسوا مستضعفين أصلًا، أو أجاز لهم الجهاد مع استضعافهم وهو حينها تحكّمٌ محضٌ لا يستند إلى قاعدة مطردة محكمة، وعلى كل حال فإذا كان الاستضعاف ناتجًا عن قصور المسلمين أو تقصيرهم في أخذ الأهبة للجهاد فهذا يستوجب عليهم السعي الجاد والاجتهاد المتواصل لرفع هذا الاستضعاف بدلًا عن الاحتجاج والتعذر به، وأما إن كان الاستضعاف ناتجًا عن قوة عدوهم وشدة كلبه، فأين حكومة الجزائر وجيشها وعدته وعتاده في هذا من قوة أمريكا التي تكاد تفرض سيطرتها وتنشر قوتها وترسخ قواعدها في الأرض كافة، ومع ذلك فلم تنظروا لهذه القوة ولم تجعلوها سببًا في إسقاط واجب الجهاد في العراق ولم تعبؤوا بهذا «الاستضعاف» الذي يعيشه المسلمون في العراق وفي فلسطين والشيشان وجعلتم ما يقوم به إخواننا هناك -مع استضعافهم أو بعضهم- جهادًا شرعيًا ولم تحتجوا لإسقاطه بأن النبي ﷺ لم يقاتل صناديد قريش حينما كان مستضعفًا هو وأصحابه في مكة.
ثم هذا السؤال الذي أورده الكاتب هنا لا يتعلق بمسألة التفجير التي بدأ نقاشها، وإنما انتقل الكلام إلى أصل قضية قتال هؤلاء، وإلا فإن وسائل جهاد إخواننا في الجزائر وغيرها لا تنحصر في التفجيرات، بل ربما كانت عندهم أقل الوسائل استخدامًا وإن كانت أكثرها فاعلية وأشدها تأثيرًا، ولهذا فإن هذه الفقرة تعبر عن فكرة أخرى مستقلة صلتها ليست بحوادث التفجير فحسب، بل بشرعية القتال من عدمه حال الاستضعاف، وهي فكرة جديرة بإفرادها بنقاش مستقل مطول يأتي على جذورها؛ لأن بثها ومحاولة ترسيخ مفهومها لا يزيد الأمة إلا استكانة ورضى بما هي فيه وقناعة بواقعها وتنصلًا من تبعات المؤاخذة على تقصيرها في رفع تسلط الكفرة المتحكمين في شؤونها من مرتدين وغيرهم.
ووالله لو أن المجاهدين في العراق -سددهم الله- حينما بغتهم العدو الصليبي، أخذوا بقاعدة الاستضعاف هذه، وتخلوا عن مدافعته اتكاءً عليها، لما توقف مخنثو الجيش الأمريكي ومترجلاته عند احتلال العراق، بل لابتلعوا جزيرة العرب كاملة كما هي خطتهم التي أعلنوا عنها حينما كانوا منتشين بفرحة النصر، ولكن بفضل الله أولًا وآخرًا ثم بعزيمة الرجال وصبرهم ونفض «استضعافهم» ومقارعتهم لأعدائهم بكل ما يستطيعون؛ تصدع صنم العصر وانحنى ذليلًا مهينًا وظهر لكل ذي عينين أن الناس كانوا مستسمنين ذا ورم وينفخون في غير ضرم، فانقلب الحال -بتوفيق الله- وصارت حكومة بوش المتهاوية تبحث عن أدنى مخرج لها تحفظ به شيئًا من ماء وجهها المغمور والممرغ في الوحل العراقي والأفغاني، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات».
«وهل يظن منصف أن تفجير مبنى أو قتل سائح -وإن لم تكن له شبهة أمان- سوف يسقط دولة ويقيم نظامًا؟»
تعليق: يمكن أن يضاف أيضًا وهل يظن منصف أن إطلاق طلقة «كلاشن»، أورمي صاروخ بي أم، أو تفجير عبوة ناسفة، أو إلقاء قنبلة يدوية، أو قتل جندي كافر، أو اغتيال طاغية متجبر، أو إحراق معسكر، يمكن أن يسقط دولة ويقيم نظامًا، فإذا نظرت إلى هذه الأمور كلًّا على حدة وانفراد؛ لضعف في عينيك تأثيرها ولم يظهر لك كبير أثرها، ولكن لو نظرت إلى مجموعها؛ لأدركت شدة نكايتها في العدو، وهل الحرب اليوم إلا حرب المتفجرات ونسف المباني، فهل القنابل التي صُبت على رؤوس الأفغان والعراقيين والشيشانيين والفلسطينيين إلا متفجرات؟ وهل الصواريخ التي تقذفها حاملات الطائرات من مياه الخليج وغيرها إلا متفجرات؟ وهل القذائف التي تنسف بها المنازل وتحرق بها السيارات إلا متفجرات؟ فهل العيب إذن في نفس السلاح أم في كيفية استخدامه وموضع استعماله؟! ويكفينا قول الله ﷻ: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
«ألا يعتبر هؤلاء بتجارب مريرة سبقت عاد أصحابها يعترفون بخطأ مسلكهم بعد خراب البصرة وضياع البصيرة؟»
تعليق: لا شك أن المسلم مطالب بالسير في الأرض وأخذ العبر من الأحداث، واستجلاب الدروس من القصص والوقائع، وهذا ظننا في إخواننا المجاهدين عموما وفي الجزائر -سددهم الله- خصوصًا، ومن يرى النهج الذي يسيرون عليه، والنضج الفكري والمنهجي والعملي الذي وصلوا إليه، ليعلم علـمًا يقينيًا أنهم من أكثر الناس استفادة من التجارب الماضية، خاصة وأنها قريبة منهم وحديثة عهد بهم، ولولا توفيق الله ﷻ لهم، واستيعابهم للحوادث التي أحاطت بهم لما استطاعوا أن ينسلوا من وسطها سالمين مظفرين كما تسل الشعرة من العجين، فها هم اليوم -بتوفيق الله وعونه- يتبوأون رقمًا معتمدًا معتبرًا ويأخذون مكانهم اللائق بهم في مواجهة الحرب الصليبية الشرسة التي تشن على بلاد المسلمين شرقًا وغربًا نسأل الله أن يسدد رميهم ورأيهم ويربط على قلوبهم ويزيدهم بصيرة وفهمًا وعلـمًا وقوة وصبرًا.
ولكن ما ننبه عليه هنا أنه ليس كل من تراجع عن أعمال كان يقوم بها واتهم نفسه بالخطأ في ارتكابها يعد مصيبًا في فعله، فإن هذا شيء لا نهاية له، فكما أن هناك التراجع عن الخطأ الصريح إلى الحق الصريح هناك أيضًا -والعياذ بالله- تقلب القلوب التي هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيفما شاء سبحانه، ألسنا نقرأ في كتاب الله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، وكان أكثر دعاء النبي ﷺ: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)٢٬٧١٣[رواه أحمد: (١٧٦٣٠)، وصحح إسناده الأرنؤوط].، ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان مستنا فليسن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة»٢٬٧١٤[أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: (2/ 97)]..
وهناك أيضًا ضعف الإنسان وعجزه، وغيرها من أسباب تراجع الإنسان عن بعض أو كل أفعاله، ولهذا فليس من الصواب أن نجعل كل من تراجع عن شيء فقد انتقل من المفضول إلى الأفضل أو من الخطأ إلى الصواب، ولا أن نجعل تنقل الإنسان بأفعاله من حالة إلى حالة قدوة لنا في الدين مطلقًا، بل لا بد من مقايسة أفعاله وأقواله وتراجعاته بالشرع ومحاكمتها إلى الأدلة التي لها القول الفصل في التقويم والتسليم وإلا فسيصبح دين المرء عرضة للتنقلات وساحة للعرض والنقض من غير حجج شرعية ولا أدلة مرضية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
إننا لا ندعو إلى إقرار الباطل، ولا إلى ترك الاحتساب عليه أو الاستسلام له، ولكن يجب أن يكون ذلك بسبيل مشروع.
تعليق: وهل الجهاد إلا سبيل مشروع؟ بل هو ذروة سنام الإسلام، فليقل لنا الكاتب: هل جهاد هؤلاء المرتدين العلمانيين مشروع عنده أو لا؟! وليكن هذا هو النقاش أولًا، ثم لتُناقش بعدُ المسائل الفرعية الفقهية من استعمال تفجير في شكل ما بصورة ما أو غير ذلك.
«لا بترويع الآمنين وقتل ضعفة معصومة دماؤهم وأموالهم.
لقد صبرت رسل الله على دعوة أقوامهم ما صبروا فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عامًا داعيًا لم يزهق روحًا ولا قتل كافرًا فكم صبرت أنت!».
تعليق: فما تقولون في نبينا ﷺ -نبي الرحمة والدعوة والصبر- الذي بدأ بإزهاق نفوس الكفرة والتنكيل بهم بعد أربعة عشر أو خمسة عشر عامًا من مبعثه حتى أنزل الله ﷻ عليه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [الأنفال: 67]، وقد قال ﷺ وهو إمام الصبر وسيد الدعاة من الأولين والآخرين: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)٢٬٧١٥[رواه أحمد: (٥١١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (2831)].، وهو مع ذلك في صبره ودعوته ومواجهته لقومه مقتد بنبي الله نوح وأنبياء الله الذين سبقوه عليهم السلام، كما قال الله ﷻ له: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 90]، والمجاهدون مقتدون به صلوات ربي وسلامه عليه، وبمن قبله من الأنبياء والرسل في جهادهم وصبرهم ودعوتهم.
ولا بد أن نفرق بين الصبر المحمود على الدعوة، وبين الاستسلام للواقع وتعطيل شعيرة إسلامية واجبة «الجهاد» نحن مأمورون بإحيائها وإقامتها والدعوة إليها والتحريض عليها، فالعدو الصائل -ومنه الحكومات المرتدة- الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه.
«إنها دعوة للتعقل والنظر في عواقب الأمور والعمل بمنهج الإسلام الحق في الدعوة وسلوك منهجه في التغيير على بصيرة، وإلَّا فإن النية الصالحة -إن كانت حقًا صالحة- وحدها لا تكفي حتى تكون على منهج النبوة وسبيل المؤمنين.
لقد مكث نبينا ﷺ بضع عشرة سنة في مكة ومعه رجال لم يكن أحدهم ليتأخر في تقديم روحه نكاية بالكفار لو كان ذلك مشروعًا».
تعليق: نعم والله، فلم يكن ذلك مشروعًا، لأن الأمر الإلهي بالقتال لم يتنزل، بل كانوا مأمورين بكف الأيدي، والصبر على الأذى، وحينما أمروا بالجهاد رأينا بطولاتهم، ونوادر تضحياتهم، وركوب أخطر المخاطر من غير مبالاة، ونقلت عنهم غرائب المغامرات، وظهر حرصهم الشديد على إحياء هذه الشعيرة والحذر من التهاون في إقامتها آخذين بقول رسول الله ﷺ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب)٢٬٧١٦[تقدم في: (ص 670)].، وما الذل والهوان والقهر والاستضعاف الذي نعيشه اليوم إلا تصديق واقعي حقيقي لمدلول هذا الحديث الجليل.
«فليس أبناء اليوم والله أعظم شجاعة وأكثر غيرة على الدين منهم، بل آثر بعض الصحابة أن يفر بدينه إلى أرض البعداء صيانة لنفسه من الأذى».
تعليق: ولا أدري لماذا تقحم مسألة الشجاعة هنا، ومن قبلها أيضًا، وهل كل من قام يجاهد في سبيل الله وغيرة على محارمه يلزم منه الزعم بأنه أشجع من صحابة رسول الله ﷺ أو أكثر غيرة منهم، بأي معيار يقال هذا الكلام، وتحت أي دليل يُدرج، وما وجه هذا الاحتجاج والإلزام؟
إننا لنعلم ويعلم المجاهدون جميعًا أن شجاعتهم وجرأتهم وغيرتهم لو جمعت كلها في كفة لما بلغت ذرة في ميزان أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وما قام المجاهدون -سددهم الله- بما قاموا إلا تأسيًا بهم، ومحاولة للتشبه بفعالهم وخِلالهم ومنها الشجاعة، واتباعًا لخطواتهم، وأعظمها مقارعتهم لفلول الردة والممتنعين عن الشرائع، من أتباع للمتنبئين، ومانعي زكاة، وخوارج مارقين وغيرهم، ولعلهم ينالون شرف اللحاق بمن قال الله فيهم: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
أما الفرار بالدين إلى أرض البعداء، فله أحكامه التي لا تخفى، وهي متعقلة بمسألة الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام أو من دار البدعة إلى دار السنة، أو من دار المعصية إلى دار الطاعة ولها تفاصيلها ومراتبها، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية؛ فمر رجل بغار فيه شيء من ماء وبقل، فحدث نفسه بأن يقيم فيه ويتخلى من الدنيا، فاستأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة)٢٬٧١٧رواه أحمد [(٢٢٢٩١)، وضعفه الأرنؤوط وسبقه الهيثمي في تضعيفه، ولكن صححه الألباني بشواهده في: الصحيحة (2924)]..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)٢٬٧١٨رواه الترمذي [(١٦٥٠)، وحسنه الألباني]..
«ثم إن الناظر لدولة الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة يجد فيها إبان قوة الدولة فئتين من الذين يترصدون المؤمنين ويؤذونهم: طائفة تظهر الإسلام وتبطن الكفر، وزعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، وهؤلاء لم يُتعرض لهم، أخذهم النبي ﷺ بما يظهرونه من الإسلام، بل خلع قميصه ليكفن به زعيمهم ومتولي كبرهم.
وأما الفئة الثانية فممثلة في بعض الكفار من اليهود الذين آذوا رسول الله وآذوا عموم المؤمنين سبًا؛ نثرًا وشعرًا، وقائدهم كعب بن الأشرف، ولـمَّا كانت دولة الإسلام قائمة في المدينة أخذ رسول الله ﷺ كعبًا بذنبه وجريمته وحده، فكان اغتياله الذي لم ينل غيره من أعوانه ونظرائه وموافقيه ومن هم على ملته، بل تُرُصِد الرجل وحده ونيل منه دون إهدار لحرمة من سواه، ولم يتكرر هذا منذ بعث محمد ﷺ حتى مات الأمر الذي يدلك على أنها قضية عين لها أسبابها وظروفها وملابساتها الخاصة.
فكيف يسوغ إذن أن يُترصد من يظهر الإسلام، والأصل صدقه والواجب أخذه بالظاهر، حتى لو كان منافقًا فليس شرًا من ابن سلول؟».
تعليق: هذا خلط بَيّنٌ للمسائل الشرعية، فالمنافق وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر له أحكامه المعروفة، وهو المعاملة على حسب ظاهره وتجري أحكام الإسلام كاملة عليه، لأن الاطلاع على البواطن متعذر، والاعتماد على الظنون لا محل لها هنا إذ ليس لها ضابط ولا حد تقف عنه، وحكمهم باقٍ مستقر إلى يوم القيامة، ولا حاجة لإقحامهم هنا، فليس هناك من المجاهدين من يعامل المنافقين معاملة الكفار سواء كانوا أصليين أم مرتدين، وقوله: «حتى ولو كان منافقًا فليس شرًا من ابن سلول»، بل نحن نقول: حتى ولو كان شرًا منه بأضعاف مضاعفة، ولكنه كتم كفره وأسر شره فما لنا إلا ظاهره، فالكلام ليس على هؤلاء، وإنما الحديث عن طوائف أعلنت محاربتها لله ولرسوله وللمؤمنين، وعطلت شرائع الإسلام، وحاربت ونكلت بمن يدعون إلى إقامتها وتحكيمها، وسخرت لذلك وقتها وجهدها، وأنشأت لتقويتها وأداء مهامها المؤسسات والهيئات، ونصبت عليها صناديد من أئمة الكفر والردة يجاهرون بالعداوة للإسلام، ويمارسون تلك العداوة بأقسى صورها وأبشع ألوانها على الشعوب المطالبة بتحكيم شريعة الله، فأحكام الله معطلة، وأحكام الكفر محكَّمة، وشريعة الله محاربة، وشريعة الشيطان مصونة، وأولياء الله بين قتيلٍ وسجين ومشرد ومضطهد خائف، وأولياء الشيطان في حمايةٍ وصيانة وإعزازٍ وتبجحٍ وأمنٍ.
فأخبرونا أولًا هل زدنا على الحقيقة شيئًا؟ وهل وصفنا الواقع بخلاف ما فيه؟ وإذا كان الشأن كما ذكرنا بل تفاصيله ومآسيه أزيد من ذلك بكثير، ألسنا نقرأ في كتب العلماء أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة ظاهرة من شرائع الإسلام المتواترة يجب قتالها وإن نطقت بالشهادتين؟ فكيف إذا كانت تلك الطوائف هي البادئة وشرها مستطير، وفسادها لا يتوقف، تلاحق الصالحين حيثما حلوا وأينما نزلوا حتى ولو راموا الاعتزال في أرض البعداء؟!
أما قصة كعب بن الأشرف، فليذكر بإزائها إبادة البالغين من بني قريظة بمجرد نقضهم للعهد، ثم هناك فرق بين القول بوجوب القتال «الجهاد» وبين تعين قتل آحاد الكفار، إلا أن يكونوا مرتدين وأبوا التوبة والرجوع إلى الإسلام فليس لهم آنذاك إلا السيف: ﴿قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الفتح: 16]، وقد قال ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)٢٬٧١٩[صحيح، وقد سبق في: (ص 439)].».
«إن الواجب تجاه الولاة والحكام هو السمع والطاعة بالمعروف ما لم يخلعوا ربقة الإسلام».
تعليق: لا بد من مراعاة هذا القيد، وهو عدم كفرهم، وما نراه اليوم من حكامنا هو أشد أنواع الكفر وأظهرها، وقد جمعوا من صنوفه وألوانه ما لا يخفى على بصير طلب الحق وتجرد في اتباعه، وكما ذكرنا قبلُ مرارًا فإن هؤلاء لم يتوقف جرمهم عند كفرهم المجرد، بل غدا رأس مهمتهم وأول أولوياتهم التنكيل بالعائدين إلى الحق ومطاردتهم وممارسة أبشع وأفظع صور الانتقام منهم، مع انتهاجهم خطوات مبرمجة وسياسات ممنهجة لسلخ الشعوب عن دينها وتخريج أجيال أشد ما تكون عداوة للدين وأهله، وافتتانًا بالغرب وفكره، وقد حصل لهم كثيرٌ مما يريدون، فأي مفسدة أعظم من هذه المفسدة؟.
«وإن جاروا وظلموا؛ فجلدوا الظهر وأخذوا المال، فإن رأى راءٍ -وكان من أهل النظر- أن الإسلام من بعضهم براء فلا يسوِّغ له ذلك منابذتهم حتى يجتمع معه في رأيه أهل الرأي المعتبرون، كما قال ﷺ: (إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، فلا يكفي أن يرى أحد الكفر وحده، ولا يكفي أن تراه جماعة أهل الرأي وليس لهم فيه دليل بيِّن لا امتراء فيه، بل مجرد شبه وتأولات لا ترقى إلى اليقين القاطع، والبرهان الساطع.
فإن توفر شرط الخروج، فلا بد من اعتبار المصلحة والمفسدة المرتبة عليه، والتي لا تتصور أبدًا في تفجير مبان أو مرافق عامة، ولا في قتل أشخاص مستأمنين أو لهم شبهة أمان، وإذا كان الأمر كذلك فسبيل التفجير سبيل ينبغي أن يعلن رفضه في المجتمعات الإسلامية».
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
وَهَانَ عَلَى سَرَاةَ بَنِي لُؤَيٍّ | حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرِةِ مُسْتَطِيرُ٢٬٧٢٠[قاله: حسان بن ثابت رضي الله عنه، انظر: صحيح البخاري (2201)]. |
وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾»٢٬٧٢١متفق عليه [البخاري: (٤٠٣٢) و(٤٠٣3)، ومسلم: (١٧٤٦)]، وبوَّب البخاري على هذا الحديث وغيره بقوله: «باب حرق الدور والنخيل»..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه فليس ذلك بأولى من قتل النفوس»٢٬٧٢٢مجموع الفتاوى: (28/406)..
وإلا فماذا تقولون في تفجير «الهمرات الأمريكية» وكاسحات الألغام، ومباني ثكناتهم، ونحوها التي تنفذ في العراق وأفغانستان وغيرها؟! والمجتمعان العراقي والأفغاني مجتمعان مسلمان، فهل ترون أن يكتفي المجاهدون في حربهم فقط بالقنص ونصب الكمائن والرمي بالصواريخ؟ وإن أجزتم لهم ذلك لأنها ضد «كافر محتل» فهذا ليس مناطًا مؤثرًا يتغير معه الحكم إن كان من ينفذ ضده هو «كافر وطني» وهذا وذاك كله يقع داخل مجتمعات إسلامية.
فالواجب هو الاحتراز من سفك الدماء المعصومة، سواء كان بالتفجير أم بغيرها، وسواء كان في مجتمعات إسلامية أم غيرها، ولهذه المسألة أحكامها التفصيلية، وضوابطها الفقهية وقد أُفردت بأبحاث مستقلة، وفتاوى خاصة من علماء أجلاء، وكان مما كتبته فيها -بفضل الله- بحث بعنوان «التترس في الجهاد المعاصر» وعرضتُّه على عدد من العلماء الفضلاء فأقروه وأيدوا نتيجته والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
«بل إن سلوك مسلك التفجير في بلاد الإسلام لا يخلو من اقتراف كبائر موبقة، فقل أن يسلم من تلك الحوادث نفر ممن يظهر الإسلام، أو لا سبيل إلى تيقن كفرهم، واقرأ سورة الفتح وتأمل قول الله تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25]، فكيف تعارض النصوص العاصمة للدماء بشبه وأمور لم تفهم على وجهها، كقياس من أفسد القياس على مسألة التترس التي لم يتصور المستدل بها صورتها المجمع عليها والتي تقضي باستئصال شأفة جيش المسلمين إن هم أحجموا عن رمي الترس، فيجعل بعض هؤلاء رمي الترس جائز مطلقًا ويزعم أن الأمة أجمعت على هذا الباطل! ثم يقيس عليه ما هو فيه، فيعارض النصوص الصريحة بلا أصل مؤسس ولا فرع محقق. في الصحيحين٢٬٧٢٣[البخاري: (٤٢٦٩)، ومسلم: (96) واللفظ له]. أن أسامة بن زيد رضي الله عنه لـمَّا صَبّحوا الحُرَقات من جُهينة أدرك رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فقتله -لظنه أنه قالها تعوذًا- فلما أخبر رسول الله ﷺ: (أقال لا إله إلا الله وقتلته)، قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيتُ أني أسلمت يومئذ، فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلـمًا حتى يقتله ذو البطين -يعني أسامة- قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]، فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
وتأمل في قصة قتل موسى عليه السلام للقبطي الكافر الظالم في دولة ملحدة رئيسها فرعون، ومع ذلك يسأل موسى ربه أن يغفر له، بل قال عليه السلام: ﴿هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ﴾ [القصص: 15]، ولم يسمه جهادًا بل حكم على نفسه بالظلم، وسوف يعتذر بهذا الفعل عن الشفاعة الكبرى يوم القيامة، هذا مع أنه لم يرد قتله، فماذا يقول هؤلاء المترخصون الخائضون في دماء المسلمين والآمنين فالله المستعان.
وإذا دخل الناس في الفتن وتلوثت الأيدي بالدماء، شق بعدها الخروج منها، ففي صحيح البخاري٢٬٧٢٤[حديث رقم (٦٨٦٣)].، عن ابن عمر أنه قال: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله».
وفيه أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا)٢٬٧٢٥[البخاري: (٦٨٦٢)]..
قال ابن حجر: «وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامدًا بغير حق: «تزود من الماء البارد، فإنك لا تدخل الجنة»»٢٬٧٢٦[فتح الباري: (12/189)، وانظره مسندًا في: الأوسط، لابن المنذر (9293)]..
وأخرج الترمذي٢٬٧٢٧[في سننه (١٣٩٥)، وصححه الألباني]. من حديث عبد الله بن عمر: (زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم)، قال الترمذي: حديث حسن، وقد أخرجه النسائي٢٬٧٢٨[في سننه (٣٩٨٦)، وصححه الألباني]. بلفظ: (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)، قال ابن العربي: «ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي؟ فكيف بالمسلم؟ فكيف بالتقي الصالح؟»٢٬٧٢٩[القبس شرح موطأ مالك بن أنس، لابن العربي (ص 978) بنحوه، وهذا اللفظ منقول عن ابن حجر في فتح الباري: (12/189)]..
ألا فليتق الله من ركب هذا الخطر، وليتب إلى الله منه قبل أن يلقى ربه بدماء معصومة، تجعله في مصاف المفسدين الذين اجترح ما اجترح نكاية بهم.
إن علينا لزوم منهج الأنبياء والمرسلين ﴿فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: 35]، وأما الجهاد فإنه قائمٌ ماضٍ إلى يوم القيامة، وله أماكنه وشروطه كما في فلسطين والعراق وغيرهما، وليس من الجهاد في شيء ترويع الآمنين، واستباحة دماء المسلمين».
تعليق: من لزوم منهج الأنبياء الذي يجب علينا اتباعه، هو الاقتداء بنبينا ﷺ، الذي جمع بين الدعوة والبلاغ والبيان وبين الجهاد والقتال بالسيف والسنان، والله ﷻ قد قال: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، والذي قال: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125]، هو الذي قال: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ [النساء: 74]، ولم نؤمر بأن نضرب كتاب الله بعضه ببعض، بل يجب علينا أن نأخذ بأحكامه كلها، ونستسلم لها جميعها، ونرد متشابهه إلى محكمه، لنسلم من الزيغ واتباع الهوى الذي يعمي عن الحق، فكيف إذا كانت تلك الآيات محكمة جلية لا التباس فيها ولا تداخل كما هي آيات الأمر بالدعوة والجهاد؟ فليس لنا أن نتخير من كتاب الله ﷻ، وننتقي منه بتحكم محض ومن غير اعتماد على ترجيحٍ صحيح وبرهانٍ ساطع.
ونبينا ﷺ الذي أمرنا بالاقتداء به هو الذي قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) ، وبهذا الحديث أيد أبو بكر رضي الله عنه ما ذهب إليه من حكم قتال مانعي الزكاة حينما قال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»٢٬٧٣٠[متفق عليه، سبق في: (ص 95)]..
فكيف بمن منع شرائع الإسلام كلها أو جلها، وأمات أحكام الله وعطلها، ولم يفرق بين الصلاة والزكاة فحسب، بل فرق بين الدين والسياسة وولج دين «العَلمانية»، وسعى في استئصال شأفة كل من يستشعر منه أدنى معارضة لحكمه الجاهلي، وقد أجمع العلماء قاطبة أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالها ولو أقرت بما سواها ونطقت بالشهادتين، هذا هو الحق المبين والحكم الـمُحكَم، والسبيل الجلي، الذي دل عليه كتاب الله ﷻ، وبينته سنة نبينا ﷺ، وأطبقت عليه كلمة وأفعال صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وقرره علماء الأمة الثقاة الراسخون.
فلا يمنع من التصريح بهذا الحكم وإشهاره كون هذا الأمر ثقيلًا على النفوس، وغريبًا في عالم الواقع، وعسيرًا من جهة القيام به، فالحق أحق أن يُتبع، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نصلى ولا نزكى، أو نصلى الخمس ولا نصلى الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله ﷺ، ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين، وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله ﷺ وسنته، وما عليه جماعة المسلمين؛ فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها، كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج، وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية، والقرامطة، والباطنية، وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام، وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، فاذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله... إلخ»٢٬٧٣١[مجموع الفتاوى: (28/ ٤٦٨- ٤٦9)]..
أما القول بأن للجهاد أماكنه وشروطه مثل العراق وفلسطين وغيرها، فلماذا حل الجهاد في هذه البلدان، وعدت أراضيها من ساحاته؟ بينما يُحرَّم ضد طوائف ممتنعة بشوكتها، وهي من أكبر العون لهؤلاء المحتلين، ومن أعظم المنكلين بمن حاربهم وقصدهم؟ إننا لسنا في حاجة إلى تحليلات سياسية، ولا نظرات عقلية، ولا آراء مجردة، لنفرق بها بين هؤلاء وأولئك، ولكنا نطالب بأدلة شرعية ناصعة لامعة، تفرق بين قتال هؤلاء النصارى واليهود الكفار الغاصبين، وبين قتال طوائف تواطأت واجتمعت وتآزرت على حرب الله ورسوله، وأبت الإذعان لحكم الله، وشردت من يطالبها بذلك شر تشريد، فبأي كتاب أم بأية سنة تم التفريق بينهم.
ولعمر الله لولا خيانات هذه الجيوش الهزيلة، واستنفار أجهزت استخبارات تلك الدول العلمانية الجاهلية، ومناصرتها المطلقة لدول الكفر الشرقية والغربية، لما استطاعت قوات الاحتلال اليهود والنصراني أن تمكث في أراضي المسلمين كل هذه المدة تستبيح بيضتهم وتنتهك أعراضهم وتنتهب أموالهم وتسفك دماءهم، ومن جد واجتهد في قتالهم ومصاولتهم فأول من يطعنه ويلعنه تلك الطوائف الممتنعة التي جعلت من نفسها سياجًا حصينًا وترسًا مانعًا تدرأ به عن نحور المغضوب عليهم والضالين!.
«هذا والله أسأل أن يلهمنا البصيرة في الدين، وترسم خطى أهل العلم الراسخين، من الصحابة المرضيين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين».
خاتمة التعليقات: وأخيرًا هذه كانت تعليقاتٍ سريعة على ما رأيته في هذا «المقال» من أخطاء وهو مليء بها، وقد تركت كثيرًا منها، لأن الإطالة ليست بمقصودة، وأنا أحث إخواني المجاهدين في الجزائر وغيرها أن يثبتوا على طريق الجهاد لا يقيلون ولا يستقيلون، وأن لا يدعوا لأفراخ فرنسا فرصة يلتقطون فيها أنفاسهم ويستردون قواهم، وأن يحملوا عليهم حملة رجلٍ واحد، وأن يستمروا في نصرة المستضعفين المنكوبين تحت قهر النظام العلماني المرتد ليخرجوهم بحول الله من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وأن يكونوا - كما هم الآن كما نحسبهم- أحرص الناس على صيانة دمائهم والذب عن أعراضهم، وحفظ أموالهم، والشفقة عليهم، وأن يزيدوا من التثبّت في كل أعمالهم، وأن يصوِّبوا غلظتهم وشدتهم على فرعون وجنده فليحصدوهم حصدًا، وليدكوا عليهم ثكناتهم، ومراكز دركهم، وأوكار استخباراتهم، كي يعلم أوباش فرنسا أن للدين رجالًا يحمونه ويذبون عنه وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
انتهت التعليقات، والحمد لله رب العالمين
«جمادى الثاني 1428 هجرية»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا