تقديم بقلم: الشيخ د. أيمن الظواهري
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد اطلعت على البحث القيم الجاد العلمي العملي عن حكم الجاسوس لأخي الكريم فضيلة الشيخ: أبي يحيى الليبي حسن قائد؛ فوجدت فيه بحثًا علميًا رصينًا، سار فيه الكاتب على أسلوبه المعهود في التحقيق والتدقيق، كما أنه أضاف له خبرته العملية في ميادين الهجرة والجهاد والرباط، وهي -ولا شك- قِيْمَة، قَيِّمة، تضيف للبحث بعدًا علميًا، تفتقره البحوث التي تؤلف بين الجدران ووسط أرفف المكتبات بعيدًا عن ميادين الجهاد والنزال والتصدي للحملة الصليبية الشرسة على الإسلام والمسلمين.
وقد أشار الشيخ أبو يحيى لإحدى تلك الفتاوى المنفصلة عن واقع المسلمين، التي تشترط لمعاقبة الجواسيس في فلسطين المحتلة «أن الذي يتولى إقامة هذا الحد عليه هو السلطان بعد تقديمه لقضاء شرعي عادل وإقرار بالذنب أو ثبوت ذلك ببيّنة، أما أفراد الأمة فلا تحق لهم إقامة الحدود»؛ فهل هذه إجابة لها أية صلة بواقع المسلمين ومشاكلهم ومآسيهم؟
وقد نبه لهذا المعنى الخطير شيخ الإسلام العالم المجاهد ابن تيمية رحمه الله حين قال: «والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا»١٬٣٤٦[المستدرك على مجموع الفتاوى: (3/220)]..
وسيلمس القارئ هذا البعد العملي في الكتاب، فالكتاب بالإضافة لثراء مادته العلمية الفقهية يحاول تقريب المشكلة للقارئ بتفاصيلها الدقيقة حتى يكون ملـمًا بالنازلة الخطيرة التي يتعرض لها الكتاب، وهذه ملكة وقدرة وخبرة ومزية لا يملكها إلا أمثال الشيخ أبي يحيى حفظه الله، الذي هاجر ورابط وجاهد منذ الحكم الشيوعي لأفغانستان، ثم لم تزل تتقلب به أحوال الجهاد والمجاهدين، حتى أسر في باكستان ثم في أفغانستان في سجون الصليبيين وأعوانهم، ثم منّ الله ﷻ عليه بالنجاة من الأسر -بفضل منه وكرم- رغم أنوف آسريه، فعاد لميادين الجهاد والإعداد، ثم كان رفيقًا للقائد الليث الشهيد -كما نحسبه- أبي الليث الليبي رحمه الله، الذي اغتالته الصواريخ الأمريكية بناء على غدر الجواسيس وخيانة المنافقين.
والشيخ أبو يحيى في أثناء ذلك لم يكل ولم يمل من طلب العلم ودرسه وتدريسه، بل والرحلة في طلبه إلى موريتانيا لينهل من معين فرسان اللغة والفقه، فالشيخ أبو يحيى حينما يتحدث عن مشاكل الجهاد والمجاهدين، إنما يتحدث حديث العالم العارف الخبير المجرب المحنك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ولعل أهم مبحث في الكتاب -في نظري- هو مبحث إثبات جريمة التجسس في ظروف المجاهدين الحالية، وهو بحث قيم، ويحتاج لإثراء ونقاش من أهل العلم والجهاد، ولا مجال فيه لمن لا خبرة له في الجهاد، أو لمن يحسب حروف كلماته حرفًا، حرفًا، إذا تناول مسائل الجهاد خوفًا من إغضاب عملاء أمريكا من حكامنا، الذين يسمونهم كذبًا وزورًا بولاة أمرهم الشرعيين، وكذلك لا مجال فيه لمن أباح دماء المسلمين في أفغانستان وسوغ قتلهم لمن يزعمه «المسلم في الجيش الأمريكي» خوفًا على مستقبله الوظيفي، ولكن الدعوة موجهة للعلماء العاملين المشفقين على الجهاد وأهله، والحريصين على انتصار الإسلام في معركته الشرسة العنيفة ضد الحملة الصليبية الصهيونية المعاصرة.
والشيخ أبو يحيى حفظه الله على رغم وفرة المادة العلمية الفقهية التي عرضها في الكتاب، وعلى رغم التدقيق والتحقيق في أقوال الأئمة والعلماء السابقين رحمهم الله والمعاصرين، وعلى رغم التفاصيل الدقيقة للمسألة التي قدمها للقارئ، حتى يتصور المسألة تصورًا أقرب للحقيقة، رغم كل ذلك، فلم يدَّع الشيخ -من تواضعه ومن تعظيمه للعلم- أن ما يقوله هو القول الفصل والحق الذي ليس بعده إلا الضلال، بل قال في نهاية بحثه: «ومع ذلك فما كتبتُه فهو معروض على أهل العلم والديانة والنصح آخذين منه ما شاؤوا ورادين ما أرادوا، واضعين في الاعتبار أن المسألة ليست من قبيل ما يمكن تأخيره، ولا التريث في بحثه؛ لأن نارها المتأججة يتطاير شررها كل لحظة لتحرق ما تحرق من شرائع الإسلام وخيار المجاهدين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا».
هذا التواضع في ميدان البحث العلمي يحتاج منا أن نحيي الشيخ أبا يحيى عليه، ونسأل الله أن يزيده به رفعة وسموًا وقدرًا عاليًا في الدنيا والآخرة، وهذا يبيّن جانبًا من سلوك المجاهدين وأخلاقهم -ولا أزكيهم على الله- التي من الله بها عليهم، فرغم بذلهم وعطائهم، ورغم باعهم العلمي الذي لا ينكر، يعرضون ما قدموا على أهل العلم والديانة، ليقبلوا منه ما يرونه حقًا، ويردوا منه ما يرونه غير ذلك.
ولم يقتصر الشيخ أبو يحيى حفظه الله على مجرد عرض ما توصل إليه على أهل العلم والديانة، بل لقد وجه الشيخ حفظه الله دعوة للعلماء ليشاركوا في ميادين الجهاد حين قال: «هذا ما تبيّن لي في هذه المسألة النازلة، وهي مما يبين حاجة ساحات الجهاد للعلماء المجتهدين، الذين يجمعون بين علم الشريعة وفقه الواقع والغوص في تفاصيله وتفاريعه بمعايشته والمشاركة فيه لا بالتصورات والافتراضات التي قد تكون أبعد شيء عن الحقيقة وأحداثها».
فهل من مستجيب لتلك الدعوة الصادقة من المجاهدين؟ هل ينفر العلماء لساحات الجهاد ليستنشقوا عبير حقائق التوحيد التي درسوها نظريًا، فيمارسونها عمليًا؟ هل ينفر العلماء ليعيشوا حقيقة التوكل على الله والاعتزاز به والثقة بنصره وإيثار رضاه على رضا الخلق، واختيار ما عنده على الدنيا الفانية؟ هل ينفر العلماء ليمارسوا الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين وأعوانهم؟ وليروا بأم أعينهم جماهير المسلمين من العوام بل والأميين -الذين لم يدرسوا دقائق العقيدة، ولم يحصلوا على أعلى الشهادات فيها- وهم يحمون إخوانهم المجاهدين ويمدونهم بالمأوى والملبس والمأكل، ويعرضون أنفسهم وأسرهم وبيوتهم وقراهم للقتل والأسر والحرق والدمار في ثبات ورضا واطمئنان.
ولا زلت أذكر عشرات المواقف من المسلمين البسطاء، التي تكشف عن عقيدة راسخة رسوخ الجبال في ولاية المؤمنين ونصرتهم والبراءة من الكافرين وعداوتهم. لا زلت أذكر من تلك المواقف ذلك الشيخ المسن الذي نظر إليّ وإخواني في ظرف من الظروف الشديدة، ثم قال بثبات واطمئنان: ضعوا كل همكم على كتفي واطمئنوا ولا تبالوا بشيء، وصدق -جزاه الله خير الجزاء- في كل ما قال، ولا زلت أذكر ذلك الشيخ المقعد، الذي استضافني ابنه في بيته، فطلب أن يقابلني، فلما رآني نظر إليّ مُتمليًا ثم قال لي: نحن نعلم كم عانيتم، ولكننا كلنا معكم، وأحمد الله أن وضع في قلب ولدي الشجاعة ليستضيفك عندنا.
هذه المواقف ومئات من أمثالها التي مر بها المجاهدون والمهاجرون تثبت أن الأمة لا زالت بخير، ولا يزال الخير فيها وافرًا، ويصدق فيها قول الحبيب المصطفى ﷺ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)١٬٣٤٧[صحيح البخاري: (٢٤٤٢)].، وقوله ﷺ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)١٬٣٤٨[صحيح مسلم: (156)]..
ولا بد هنا أن أشير للعلماء العاملين الصادقين الذين نفروا لساحات الجهاد، وحرضوا الأمة على النفير إليها، وجمعوا بين شرفي العلم والعمل، من أمثال شيخ المجاهدين الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، والعالم المجاهد الأسير الشيخ عمر عبد الرحمن فك الله أسره، والشيخ عبد الله الرشود، والشيخ أبي عمر السيف، والشيخ أبي يوسف الموريتاني شهيد قندهار رحمهم الله، ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 23].
وفي الختام فإني أتوجه بالشكر للأخ الحبيب أبي يحيى الليبي على هذا المجهود المبارك بإذن الله، والذي أسأل الله أن ينفع به قارئه وكاتبه والمسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
❖ ❖ ❖