🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

التعامل مع أنصار المجاهدين

التعامل مع أنصار المجاهدين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

جزى الله خيرا «أبا الحسن» على الموضوع الذي اختاره٣٬١٨٦[تقومُ هذه الدورة على فكرة أن يطرح أحد الإخوة موضوعا ثم يعلق الشيخ عليه، وهنا كان الموضوع حول طبيعة التعامل مع الأنصار].؛ فلا شك أنه من أهم المواضيع التي يجب -أو كان ينبغي- أن تطرح وأن تناقش بعمق، والآراء التي ذكرها الإخوة إجمالا هي آراء سديدة ومهمة، وكثير منها آراء عملية يمكن تطبيقها؛ فليست هي مجرد مقترحات نظرية فقط.

والكلام على الأنصار يطول، ويكفيهم من الشرف أنهم استحقوا هذا اللقب، وأنهم سُمُّوا أنصارا، وهذه الكلمة ما أخذوها تشبعا ولا دعوى، وإنما هي حقيقة يعرفها الكافر قبل أن نعرفها نحن الذين نعيش بينهم، ولا أشك إطلاقا أنهم داخلون في قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق)٣٬١٨٧[صحيح البخاري (3572)].، و(حب الأنصار من الإيمان)٣٬١٨٨[صحيح البخاري (3573) بلفظ: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)].، وإنْ كان أصل الحديث مقصودا به أنصار النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم استحقوا ذلك للصفة التي اتصفوا بها وهي صفة النصرة.

ولا شك أيضا أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله؛ لا شك أن نصرتهم ليست كنصرة غيرهم، ولكنَّ أصل معنى النصرة في جميع الجوانب قد توفر في هؤلاء القوم؛ فهؤلاء ناصرونا بأنفسهم، وناصرونا بأموالهم، وناصرونا بديارهم، وقاسمونا في مأكلهم وفي ملبسهم، وما بقي شيء يمكن أن يبذلوه أو يقدموه ليثبتوا نصرتهم إلا وقدموه؛ فهم استحقوا هذه الصفة، فعلينا أن نأخذ بوصية النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار حينما قال: (أما الأنصار فقد أدوا ما عليهم؛ فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)٣٬١٨٩[صحيح البخاري (3588) بلفظ (فقد قضوا ما عليهم)]..

ص 2327

وهذا تذكير بسيط وحسب، وإذا أردنا أن نذكر بعض المواقف لهؤلاء الأنصار؛ سواءٌ مواقف لقادتهم المجاهدين، أو مواقف لعوامهم من الشيوخ الكبار، أو مواقف من نسائهم أو حتى مواقف من أطفالهم؛ لطال الكلام، ولا أظن واحدا منكم إلا وله موقف مر عليه أو سمع به، وماذا بعد أن يقدم الإنسان أولاده وأهله وبيته وكلهم معرضون للقصف؛ بل ليس معرضون للقصف فقط، وإنما وقع عليهم القصف فعلا، فما رأيكم ببيت يقتل فيه خمسة عشر رجلا.. ماذا أبقى هذا؟ وما الذي يمكن أن يقدموه بعد ذلك؟ بيت يقتل فيه أربعة من الرجال: الأب وأخوه وابنه؛ ما الذي بقي بعد ذلك؟ والأنصار لا يزيدون على مطلب واحد: «فقط نريد أن تدفنوا موتاكم مع قتلانا في هذا القصف» لا نريد جزاء ولا شكورا، وبعد ذلك تعالوا متى شئتم؛ هذا أمر لا يمكن أن نصفه.

وإن قلنا إن هذه كرامة من الله لهم لَما بالغنا؛ فمن الكرامات: أن الأمريكان وصلوا إلى هذه الحالة المتردية التي هم فيها في خلال سبع سنوات، ومن الكرامات أيضا أنَّ هؤلاء القوم انفتحت صدورهم وقلوبهم لنا ثم قدموا كل شيء من أجلنا؛ ماذا وجدوا مِن ورائنا.. مال؟! والله ما أعطيناهم مالا بل ما أتيناهم إلا بالمصائب والمشاكل والتشريد والقصف والفرار والانسحابات؛ قبيلة كاملة تنسحب من أرضها.. هذا أين يكون؟! قبيلة كاملة بنسائها وأطفالها وأبقارها وأغنامها وسياراتها ورجالها كلها تترك المنطقة ثم ترجع وتستقبلك بعد ذلك، بعد أن رأت الويل في البرد، تستقبلك وتقول لك: «تعال، البيوت فاضية تفضل!»؛ فحقيقةً لا نستطيع أن نكافئهم، فلذلك نرجو أن تكون مكافأتهم من الله b؛ فالله c هو صاحب العطاء وصاحب الجود وصاحب الكرم؛ فهو الذي يوفيهم حقهم c.

وهناك بعض الأمور والتنبيهات في التعاملات مع الأنصار:

- فمنها: مسألة أن الجهاد لا يقوم بغير الأنصار، وهذه ظاهرة بحيثُ لا نستحق أن نتكلم فيها.

ص 2328

- ومنها: مسألة التعامل مع الأنصار بالأموال؛ فأنا أعترض على التعامل مع الأنصار بالأموال؛ فالواجب أن يراعَى الأنصار في حال ضائقتهم، وأن تختار المناسبات الملائمة ليساعَدوا وليَعرِفوا أن هذه المساعدة بسبب هذا الظرف الذي يمرون به، وأما أن الإنسان من باب الإحسان -كما يظن ونيته صحيحة- يفتح لهم الباب على مصراعيه، ويقدم لهم الأموال؛ فهذا كما أراه بداية لإفساد الأنصار وتحريف نياتهم؛ ليصيرَ من أنصاري يعمل لله b، أو حتى يعمل وفق وفائه الذي اعتاده في قبيلته؛ ليعمل بعد ذلك منتظرا المقابل منك وهو المال.

فيا إخوة: الأموال مفسدة للناس كلهم، وهؤلاء الناس يعيشون في فقر وفي فاقة وفي عوز ليس عندهم مصادر مالية، وإنما يعيش الإنسان على بقرته وعلى مزرعته إن كانت له مزرعة، ولا يزيد على ذلك، وأمثَلُهم طريقة من كان عنده مَن يعوله في دول الخليج؛ فلا تفسدوا الأنصار بالأموال، وإذا أردتم أن تُهدوا لهم شيئا من الأموال أو تساعدهم فاغتنموا المناسبات ليعرف أن هذا من باب المكافأة ومن باب المساعدة في هذه المناسبة؛ كحالة فرح مثلا، أو في حالة عزاء مثلا، أو في حالة ضائقة أو كرب مرَّ بها، أو في حالة حل لمشكلة، أو في حالة مساعدته لقضاء بعض الديون، وحتى في الأعياد لا بأس؛ لكن المهم ألَّا يكون شيئا دوريا وشيئا معتادا، وأنتم تعرفون أنَّ الأنصار ليس عندهم سر؛ فالأنصاري يحكي للأنصاري؛ فإذا أعطيته الألف روبية فستجدها في آخر القرية هناك، هذا هو حال الأنصار.. فإذا أنفقت فبعد ذلك عليك أن تنفق على القرية؛ فتنبهوا لهذا الأمر.

وبحسب ما رأينا من التجربة وبحسب ما سمعنا أيضا من أصحاب التجربة؛ يجب أن يراعوا في مسألة الأموال، وكذلك الهدايا أقول فيها ما قلته في الأموال: يراعى فيها الوقت المناسب والظرف المناسب؛ فإذا كنت في بيت مع الأنصار فلا تفتح الباب للهدايا، قدم لهم أحيانا بعض الهدايا؛ في بعض المناسبات وفي بعض الظروف لأمر من الأمور مما يفهمونه هم؛ فلا بأس أن تقدم لهم الهدايا، ولكن أن يكون شيئا دوريا فهذا مما يفسد الأنصار أيضا.

وأنتَ لن تبقى في هذه الأرض.. قد تغادرها في أي وقت من الأوقات؛ فأبقِ وراءك أنصارا، ولا تُبقِ أجراء، فإذا غادرتها أبقِ وراءك لإخوانك الذين سيأتون أناسًا يناصرون دينَ الله c.. وشفقتنا عليهم وحبنا لهم ومكافأتنا لنصرتهم لا يدعونا إلى ما نعلم أنه سبب في إفسادهم.. هذه النقطة التي كنتُ أريد أن أتكلم فيها.

ص 2329

ومسألة التعامل مع الأنصار لا شك أننا عندنا فيها تقصير كبير جدا، وكذلك بفضل الله b يوجد جهد كبير أيضا بُذِل مع الأنصار؛ سواء على مستوى المجاهدين من القادة أو على مستوى عوام المجاهدين أو على مستوى عوام الأنصار أو حتى على مستوى نسائهم؛ فهناك بعض الجهود فردية وأخرى حاول الإخوة أن تكون جهودًا منظمة حتى في الصلح بين القبائل؛ بذل الإخوة فيها جهدا في هذا.

وأنا أذكر لكم قصة أتحدث بها من باب نعمة الله علي، ولا أذكرها من باب الإطراء ولا المدح:

كانت هناك قبيلتان بينهما قتال لمدة عشر سنوات، وكانت بينهم العداوة مستحكمة؛ فقُتِل من الطرفين نساء وأطفال وغيرهم، ثم بعد ذلك كنا دائما نذهب للتدريب أو للرماية فنمر على تلك القرية المهجورة التي تركوها وخرجوا بسبب القصف الذي بينهم فكنت أتحدث مع الشيخ أبي الليث r؛ فقال لي: تعرف هذه القبيلة؟ فحكى لي القصة؛ فالمهم أنه جاء في ذهني وقلت: ماذا لو حاولنا الإصلاح بين هؤلاء الناس؟ وأنا لا أستطيع أن أدخل في الصلح مباشرة؛ فتحدثت مع أحد الأنصار، فقلت له: كيف لو تتحدث مع هؤلاء؟ فقال لي: هؤلاء عشر سنوات من العداوة فأين تذهب؟ فقلت له: حاول، لعل الله c يفتح على يديك.

فالمهم دخل هذا الأخ -وواللهِ ليس هو كوماندان [قائد] ولا هو مَلِك ولا هو مولوي؛ بل هو فقط رجل له مكانته بين الطلبة والمحترمين- ودخل معه رجل في هذه المشكلة وبدأوا يستمعون لهذا الطرف ويستمعون لذاك الطرف، واستمرت المفاوضات تقريبا ستة أشهر، حتى اضطر الطلبة أن يفرضوا الصلح فرضا على القبيلتين، فلم يعد صلحًا بل فرضًا؛ فهي أرض خطُّوا لهم فيها خطا؛ فقالوا لهم: أنتم لكم هذا وأنتم لكم هذا، وكانوا سيتعاملون ويحلونها بما يسمونه بـ«الرواج» فجاءوا يستشيرون فقلت لهم: الرواج لا يجوز شرعا؛ يعني بالأعراف والعادات فيما بينهم في حل المشاكل، فقلت لهم: شرعا هذا لا يجوز، فالمولوية تناقشوا وقالوا: هذا حقن دماء، فقلت لهم: الذي أعرفه أنَّ هذا لا يجوز، فالإخوة الطلبة أخذوا بقولي وخالفوا مولويتهم -بفضل الله b-.

ثم بعد ذلك جاء اليوم المشهود؛ فاجتمع مئات من الطلبة ليس من هنا فقط، بل جاءوا من أقاصي الأرض، فأقام الطلبة اجتماعًا كبيرًا لا يَعرف الناس سببه، وذلك في اجتماع في مكان يقع في الساحة المفتوحة بين القبيلتين، وجاء «حافظ بلبهادر» وألقى كلمة حتى قال الناس: هذا اجتماع للطالبان وليس للصلح؛ حيث تضمن كلماتٍ في الجهاد وهكذا، وعملوا خطًّا بينهم وتصالح الناس، ومن ذلك الوقت بفضل الله b لم يقع بينهم شيء، وكانت هناك مدرسة كبيرة مغلقة منذ سنوات لا يستطيعون أن يقرأوا فيها بسبب القتال، والآن بفضل الله b منذ أكثر من سنة فيها أكثر من مئة وخمسين من الطلبة وهم يقرؤون.

فهناك جهود مبذولة والحمد لله رب العالمين؛ نتحدث عنها من باب نعمة الله c، وهناك جهود قد لا تكون ظاهرة، ولكن مع ذلك فنحن مقصرون في الجانب الدعوي؛ أي تعليم الدين للناس كل إنسان بحسبه، فلا تحقرن من المعروف شيئا، ولو مجرد نصيحة أو كلمة بسيطة تقولها للأنصاري.

فمَن مِنَّا جلس مع أنصاري وعلمه أذكار الصباح والمساء.. هذه أشياء بسيطة أليس كذلك؟

لا أقول لك: درِّسه «كتاب التوحيد» فهذا شيء كبير، وإنما أطلب منك شيئًا سهلًا كأن تعلمه ذكرا يقوله في الصباح وذكرًا في المساء، فقط قل له: قل هذا وقل هذا، فحفظه إياه واصبر عليه ساعة أو ساعتين، نعم لسانه ثقيل ويصعب عليه حفظ العربية؛ لكن مرة أو ثنتين أو ثلاثة ويمشي حاله، ولكن أظن أننا سكنا في البيوت سنوات بدون بذل أي جهد دعوي في هذا الجانب؛ فنحن مقصرون فيه ولسنا معذورين في ذلك.

ص 2330

وكل إنسان له نوع من الاحتكاك مع الأنصار، ولسنا معذورين، وربما عيش المرء في المضافة، ولكن لا بُدَّ في لحظة من اللحظات أن تحتك معهم في مركز أو في عملية أو في تعرض أو في مضافة من المضافات؛ فأعطه شيئا ينفعه، أي شيء من الدين أقصد؛ فوالله سيحفظها لك ولن ينساها.

فهذا الجانب علينا أن نجتهد فيه، وخاصة الإخوة المتزوجين الذين عندهم أهالي -والحمد لله ليس عندكم إلا واحد أو اثنين-؛ فهؤلاء يحاولوا أن تكون لأهاليهم نوع من الصلة كذلك بالنساء مع الاحتياط التام، ومعرفة عادات الناس وأحوالهم، وما هي المسائل التي يتكلمون فيها؛ فلا بد من مراعاتها، وإن شاء الله إذا بقي وقتٌ في أثناء الدورة نخص يوما للكلام في هذه المسألة، فالكلام فيها طويل ويحتاج إلى تفصيل.

وأنا أقترح أن يصوغ أخونا «أبو الحسن» هذه المقترحات التي ذكرناها في ورقة واحدة، أعني بعض النقاط العملية التي تفيدنا في التعامل مع الأنصار أو كيف تفيد الأنصار، فنقدمها ونناقشها أو نعلقها ونوزعها في المضافات؛ فتشمل بعض المسائل المبسطة، عسى الله c أن ينفعنا بها.

وجزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم

❖ ❖ ❖

ص 2331

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: التعامل مع أنصار المجاهدين

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا