مقدمة المعتني [أبي عامر الناجي]

۞

الحمد لله منزل الكتاب، سريع الحساب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، والصلاة والسلام على المبعوث بشيرًا ونذيرًا للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد...

فلقد أكرمني الله وثلةً من إخواني بأيامٍ مباركات شرح فيها الشيخ الشهيد -كما نحسبه- أبو يحيى الليبي رحمه الله كتاب «السياسة الشرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذا كتاب «الجهاد» من متن «عمدة الفقه» لابن قدامة المقدسي، وذلك في شهر صفر من عام «1430 هـ»١٬٩٦٣وهذه الدورة الشرعية كانت تحوي أربعة عشر شخصًا، استشهد منهم تسعة؛ شارح الكتاب الشيخ أبو يحيى الليبي، والشيخ خالد الحسينان «أبو زيد الكويتي»، وسبعة من خيار المجاهدين: «أبو عبد الرحمن جمال الليبي، معنُ القُرشي «البتَّار»، سواد البلوي التبوكي، محمد المطلق «حنظلة النجدي»، عزَّام اليمني، محمد بن الشيخ مصطفى أبي اليزيد، أبو قتادة الشامي» رحمهم الله جميعًا.، ثم وبعد ثلاث سنوات يصف لي الشيخ مدى حبه وتعلقه بهذا الكتاب القيم، وكان يقول لي: وددت لو أني أتفرَّغ لشرحه شرحًا مطولًا لأهميته البالغة، وقد كان يعتذر بانشغاله في أمور الجهاد والإمارة حيث كان المسؤول العام عن جماعة قاعدة الجهاد في خراسان، فوعدته من ذلك الحين بتفريغ شرحه الذي ألقاه على مسامعنا ليحفِّزه على استكمال الشرح... ثم وبعد ستة أشهر تجولت في مكتبة للشيخ فإذا بي بكتاب «السياسة الشرعية» فأخذت في تصفحه وإذا بي أجد أن الشيخ قد كتب على باطن غلافه وصية لكافة الأمراء والمجاهدين بقراءة هذا الكتاب ودراسته وتدبر ما فيه.

وقد شاء الله أن تختطفَ الشهادةُ روحَ شيخنا ولم يحقق بعد تلك الأمنية، وشاء الله أن يخرج هذا الشرح كما هو من غير أن يطلع عليه الشيخ، فيسهب في شرحه، كعادته في التأليف والتحرير.

ص 1155

ونظرًا لضيق الوقت والانشغال في صد الحملة الصليبية بالسنان واللسان فقد كان هذا الشرح مختصرًا ولم يشمل جميع فصول المتن، وقد قال الشيخ في بداية شرحه للكتاب: «وسيكون شرحنا مختصرًا لأن العبارة واضحة، ونبذل جهدنا أن نربط ما نقرؤه بواقعنا الذي نعيشه -إن شاء الله تعالى- فإن هذا هو فائدة العلم»، وقال: «مع أن الفصول والأبواب التي بقيت من كتاب السياسة الشرعية فصول مهمة ونحتاجها في حياتنا الجهادية أو كثير منه نحتاجه في حياتنا، إلا أن الظاهر أننا لن نستطيع أن نكمله في هذه الدورة؛ فما تيسر منه أخذناه ونسأل الله ﷻ أن يبارك فيه، وما بقي منه نسأل الله أن ييسر لنا فرصة أخرى، وأن يعيننا على إكماله، وأن ينفعنا بما فيه».

وأمَّا الفصول التي لم يشملها الشرح فهي: من باب حدود الله وحقوقه: حد السرقة، حد الزنا، حد القذف، حد شرب الخمر. جهاد الكفار. من باب الحدود والحقوق التي لآدمي معين: النفوس، الجراح، الأعراض، الفرية، الأبضاع وحقوق الزوجين، الحكم بين النَّاس في الأموال بالعدل.

وقد استفدتُ في عملي هذا من تحقيق الشيخ علي بن نايف الشحود -جزاه الله خير الجزاء- على متن السياسة الشرعية، إلا أنني تصرفت فيه حيث أني لم ألتزم ببعض ما التزمه كذكره للآيات القرآنية وللأحاديث وللآثار كاملة، وإنما اكتفيت بما ذكره شيخ الإسلام في الأصل، إضافة إلى مقارنتي لتحقيق الشيخ الشحود بتحقيق عليّ العمران الذي كان تحت إشراف الشيخ بكر أبي زيد رحمه الله وإثبات ما أثبته المحقق الأخير عند الاختلاف غالبًا.

وقد ميزت المتن باللون الأحمر، وخرَّجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار الواردة في المتن والشرح١٬٩٦٤اكتفيت بذكر تخريج الحديث من: «صحيح البخاري، صحيح مسلم، صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، سنن الترمذي، سنن أبي داود، سنن النسائي «الْمُجتبى»، سنن ابن ماجه، مسند أحمد، موطأ مالك» على الترتيب، فإن لم أجد الحديث في أي منها ذكرت تخريجه من غيرها من كتب الحديث.، وأردفتها -غالبًا- بحكم الشيخ الألباني عليها إلا ما اتفق عليه البخاري ومسلم أو خرَّجه أحدهما فإنه مقطوع بصحته كما هو معلوم، وأضفت بعض الحواشي والتعليقات، إضافة إلى فهرسة الكتاب.

ص 1156

وقد تصرفت تصرفًا يسيرًا في شرح الشيخ كحذف المكرر، وإعادة صياغة بعض الجُمَل، ويجدر هنا أن أنبه القارئ على أنّ هناك فرقًا واضحًا ملموسًا بين عبارة الشيخ أبي يحيى عندما يكتب ويحرر، وبين عبارته عند إلقائه للدروس، وقد عُرف عن الشيخ رحمه الله قوة العبارة، ودقة التحرير، ومتانة الألفاظ وجزالتها، وعُرف عنه أيضًا من خلال كتاباته المحررة استيعابه للموضوع الذي يتحدث عنه.

أسأل الله تعالى أن يعم نفع هذا الكتاب المسلمين جميعًا، وأن يتقبل شيخنا المجاهد الشهيد أبا يحيى حسن قائد ويرفع درجته ويجمعنا به في الفردوس الأعلى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أَبُو عَامِرِ النَّاجِي١٬٩٦٥[قال أبو عبد الرحمن الزبير: هذا الكتاب وباعتباره محققا في الأصل من الشيخ «أبي عامر الناجي»؛ فقد اكتفينا ببعض الإضافات اليسيرة على نفس الشرط؛ حيثُ إنَّ المحقق ترك تخريج بعض النصوص وأغفلَ الحكم على أخرى؛ فأكملنا النقص، وجعلنا عملنا كله بين [القوسين] المعكوفين المعتادَين، مع إصلاح الأقواس والنصوص لتكونَ وفق نظام الأقواسِ المعتمد في «المجموع».
تنويه مهم: طابقتُ بين الملف المفرَّغ المنشور من الشيخ «الناجي» فوجدته حذف بعض الأمور من المادة الصوتية الأصلية؛ اجتهادًا من عنده، وحيثُ إن شرطنا في «المجموع» عدم إهمال أي شيءٍ من إنتاج الشيخ أبي يحيى رحمه الله فقد أعدنا سماع كامل الصوتيات، ووضعنا كل شيءٍ حذفه الأخ المعتني في موضعه ومكانه الصحيح، ولم نُشر إلى ما غيرناه في المتن باعتبار أنَّ تتبع تحقيق الأخ «الناجي» ليس مقصودًا في العمل؛ اللهم إلا إن احتاجَ الأمرُ إلى ذلك، ويمكن المطابقة بين العملين لمعرفة ذلك بسهولة، ولكن لاحظتُ وجود زيادات كثيرة زادها الأخ المعتني، ولا أدري من أين جاء بها؛ فهل اطلع عليها الشيخ أبو يحيى قبل مقتله أم زادها المعتني من عنده؟، وحيثُ صدر الكتاب بتقديم الشيخ أيمن، ولما نعلمه من قوةِ العلاقة بينَ المعتني والشيخ المؤلف؛ فلم أحذف إلا القليل جدًّا من هذه الزيادات مما يظهر خروجه عن الموضوع؛ مع حرصي على ظهور الكتاب أقرب ما يكون للمادة الصوتية الأصلية؛ التزامًا بشرطنا في «المجموع»، والله الموفق].

شوّال 1434 هـ

❖ ❖ ❖