🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

خطبة عيد الأضحى «1428»

خطبة عيد الأضحى «1428»

خطبة عيد الأضحى «1428»

[ذو الحجة 1428هـ / 12 - 2007م]

۞

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومنْ سيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومنْ يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدهُ ورسولهُ وصفيهُ منْ خلقهِ وخليلهُ، أرسلهُ اللهُ بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهرهُ على الدينِ كلهِ ولو كرهَ الكافرونَ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعينَ، وعلى منْ اهتدى بهديهِ وسارَ على سنتهِ إلى يومِ الدينِ.، ثمَّ أما بعدُ...

اللهمَّ لكَ الحمدُ ربنا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيهِ كما تحبُّ وترضى، اللهمَّ لكَ الحمدُ كلهُ ولكَ الشكرُ كلهُ وإليكَ يرجعُ الأمرُ كلهُ، اللهمَّ لكَ الحمدُ ربنا على ما هديتنا، اللهمَّ لكَ الحمدُ ربنا على ما جعلتنا من أتباعِ سيدِ الأنامِ، اللهمَّ لكَ الحمدُ ربنا على ما شرعتَ لنا منْ دينٍ قويمٍ وصراطٍ مستقيمٍ.

ص 2312

إخوةَ الإيمانِ: هذا اليومُ هوَ يومُ الأضحى، هوَ يومُ النحرِ، هوَ يومُ الحجِّ الأكبرِ، هذا اليومُ هوَ يومُ شعيرةٍ منْ شعائرِ الإسلامِ العظيمةِ التي سنَّ فيها النبيُّ ﷺ سُننًا، وشرعَ فيها شرائعَ بقيتْ بعدهُ لأمتهِ تأخذُ بها وتتمسكُ بها، هذا اليومُ هوَ اليومُ الذي نجَّى فيهِ ربُّنا إسماعيلَ عليه السلام من الذبحِ، هذا اليومُ هوَ اليومُ الذي قُدِّمَ فيهِ الولاءُ للهِ على عاطفةِ الأبوةِ؛ فالحمدُ للهِ الذي جعلنا منْ أتباعِ محمدٍ ﷺ نحيي سنتهُ ونتمسكُ بشريعتهِ ونسيرُ على هديهِ ونقفو أثرهُ.

إخوةَ الإسلامِ: إنني في هذا اليومِ أريدُ أنْ أقفَ على حديثٍ عظيمٍ لنبينا ﷺ، حديثٍ يُبَينُ لنا حالَ الأمةِ وما يجبُ أنْ تكونَ عليهِ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، منذُ أنْ شُرِعَ الجهادُ إلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومنْ عليها، فعنْ سلمةَ بنِ نفيلٍ الكِنديِّ رضي الله عنه قالَ: «كنتُ جالسا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ أذالَ الناسُ الخيلَ ووضعوا السلاحَ وقالوا: لا جهادَ قدْ وضعتْ الحربُ أوزارها»، فأقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ بوجههِ وقالَ: (كذبوا؛ الآنَ الآنَ جاءَ القتالُ، ولا يزالُ منْ أمتي أمةٌ يقاتلونَ على الحقِّ، ويزيغُ اللهُ لهمْ قلوبَ أقوامٍ ويرزقهمْ منهمْ، حتى تقومَ الساعةُ وحتى يأتيَ وعدُ اللهِ، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ)٣٬١٦٩[رواه النسائي: (٣٥٦١)، وصححه الألباني]..

 نعمْ، أكثرنا الحديثَ عن الجهادِ، هكذا سيقولونَ!

نعمْ، ما وقفنا موقفا إلا وتحدثنا فيهِ عن الجهادِ والقتالِ والإعدادِ والهجرةِ، هكذا سيتحدثونَ.

نعمْ، إنَّ الجهادَ حياةٌ لأمةِ الإسلامِ، إنَّ الجهادَ شريعةٌ باقيةٌ شرعها اللهُ ﷻ وأمرَ بها في كتابهِ وحثَّ عليها ومدحَ أهلها، وحذرَ منْ تركها.

نعمْ، إنَّ الجهادَ بهِ قوامُ الدينِ وحفظُ الشرائعِ والتمكينُ لدينِ اللهِ ﷻ.

وهذا نبينا ﷺ عندما عرضتْ أمامهُ هذهِ القضيةُ «أذالَ الناسُ الخيلَ»؛ يعني: أهانوها، وفي روايةٍ: «سيبوها»، تركوها، وضعوا عنها عدةَ السلاحِ.

ص 2313

وهذا متى يا إخوةُ؟ متى وقعَ هذا الأمرُ؟! عندما كانتْ دولةُ الإسلامِ في عزِّ تمكينها، عندما كانتْ جيوشُ الإسلامِ تضربُ شرقا وغربا.

وفي روايةٍ أنَّ هذا الحديثَ جاءَ بعدَ فتحٍ فتحَ اللهُ بهِ على نبيهِ ﷺ؛ فظنَّ الصحابةُ أنَّ بعدَ هذا الفتحِ وهذا التمكينِ وهذا النصرِ لا حاجة إذن إلى الجهادِ فقالَ الصحابيُّ: «يا رسولَ اللهِ أذالَ الناسُ الخيلَ»، وما أكثرَ الخيولَ التي أذالها الناسُ اليومَ! سيبوها وتركوها وأهانوها! بلْ تنكروا لشريعةِ الجهادِ كلها وليسَ إلى الخيلِ وحدهُ!

«أذالَ الناسُ الخيلَ ووضعوا السلاحَ»؛ تركوا السلاحَ، خزنوا السلاحَ وملؤوا بهِ المخازنَ.

«وقالوا لا جهادَ»، لماذا؟ قدْ فتحَ اللهُ علينا ونصرنا على أعدائنا وغنمنا منهم وكسرنا شوكتهم.

فما بالنا اليومَ؟ إذا كانَ هذا الكلامُ يقالُ في ذلكَ الزمنِ ودولةُ الإسلامِ في عزِّ تمكينها وفي أوجِ قوتها وقائدها ورائدها رسولنا ﷺ، ويقولُ هذا الصحابيُّ: «أذالَ الناسُ الخيلَ ووضعوا السلاحَ وقالوا: لا جهادَ!»، وما أكثرَ ما نسمعُ منْ هذهِ العبارةِ «لا جهادَ»! هناكَ منْ يقولها تصريحا، وهناكَ منْ يقولها تلميحا، وهناكَ منْ يقولها بفعلهِ، وهناكَ منْ يقولها بتثبيطهِ وإرجافهِ وتخذيلهِ وغيرِ ذلكَ من السبلِ التي نسمعها ونراها وقدْ تعددتْ طرائقهم في ذلكَ.

ص 2314

قالها الصديقُ وقالها العدوُّ وقالها المحايدُ أيضا: «لا جهادَ!»، لماذا ترهقونَ أنفسكم؟ لماذا تتعبونَ أنفسكم؟ لماذا تدخلونَ أمةَ الإسلامِ في دهاليزَ لا نهايةَ لها؟ كمْ منْ الشبابِ الذينَ أدخلتموهم إلى محرقةِ العراقِ؟ وكم من الشبابِ الذينَ أقحمتموهم في محرقةِ أفغانستانَ؟ وكمْ من الأمهاتِ اللاتي فقدنَ أبناءهنَّ؟ وكم من الزوجاتِ اللاتي فقدنَ أزواجهنَّ؟ فما لكمْ وللجهادِ! ما لكم وللجهادِ! ما لكم ولهذهِ المشقةِ وهذا العنتِ وهذا النصبِ؟ ما لكم ولإنفاق الأموالِ؟ ما لكم ولسفكِ الدماءِ؟ ما لكم ولمواجهةِ عدوٍّ لا قبلَ لكم بهِ؟ أتعرفونَ منْ هوَ؟ إنهُ أمريكا! الذي أذلَّ الملوكَ، إنهُ أمريكا الذي خضعت لهُ دولُ الشرقِ والغربِ.

«لا جهادَ» ألسنا نسمعُ هذهِ العبارةَ في اليومِ مراتٍ ومراتٍ؟

نسمعها ممنْ؟ نسمعها منْ علماءَ كانَ عليهم أنْ يكونوا ورثةَ نبينا محمدٍ ﷺ وأن يقولوا لكلِّ مرجفٍ ومثبطٍ ومخذلٍ: (كذبوا الآنَ، الآنَ جاءَ القتالُ) ولكنْ للأسفِ؛ فعلى رأسِ قائمةِ المثبطينَ وعلى رأسِ قائمةِ المرجفينَ بعض منْ ينتسبونَ إلى العلمِ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.

«أذالَ الناسُ الخيلَ ووضعوا السلاحَ وقالوا لا جهادَ قدْ وضعتْ الحربُ أوزارها»؛ يعني انتهت المعاركُ بيننا وبينَ أعدائنا؛ فما لنا وللجهادِ؟!

فكيفَ بنا اليومَ وعدونا في عقرِ دارنا انتهكَ أعراضنا وسلبَ أموالنا ودنسَ مقدساتنا وقتلَ أبناءنا وأسرَ شيوخنا ونساءنا ومع ذلكَ نقولُ: «لا جهادَ قد وضعتْ الحربُ أوزارها»، أيُّ حربٍ هذهِ التي وضعت أوزارها؟ أيُّ حربٍ هذهِ التي تخلى عنها أعداؤنا وهم في عقرِ دارنا؟

تلكَ فلسطينُ، كم سنةً وأعداءُ اللهِ وأذلُّ وأحقرُ خلقِ اللهِ ﷻ يدنسونها؟

تلكَ هيَ العراقُ، كم سنةً وأعداءُ اللهِ ﷻ قد نهبوا خيراتها وقد دنسوا ما فيها وقد هتكوا أعراضَ الحرائرِ فيها؟

تلكَ هيَ أفغانستانُ، وما أدراكَ ما أفغانستانُ! عدوٌّ تلوَ عدوٍّ، واحتلالٌ تلوَ احتلالٍ ومع ذلكَ نقولُ: «لا جهادَ قد وضعت الحربُ أوزارها»! إذن متى تنشبُ الحربُ بيننا وبينَ أعدائنا؟

إنْ لم تثرْ غيرتنا على أعراضنا فلأجلِ ماذا تثورُ؟ إنْ لم ننتفضْ لأجلِ عقيدتنا فلماذا إذن ننسبُ أنفسنا لدينِ اللهِ ﷻ؟ أليسَ دينُ اللهِ ﷻ هوَ الذي يقولُ لنا: ﴿يَٰٓأيها ٱلذينَ ءامنواْ ما لكمۡ إذا قيلَ لكمُ ٱنفرواْ في سبيلِ ٱللهِ ٱثاقلۡتمۡ إلى ٱلۡأرۡضِۚ﴾ [التوبة: 38]؛ تشبثتم بهذهِ الأرضِ، تمسكتمْ بزهرتها وعضضتمْ بنواجذكم وأسنانكم وأضراسكم على أموالها.

ص 2315

فلذلكَ تعسَ هؤلاءِ، تعسَ عبدةُ الدنيا! كما دعا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : (تعسَ عبدُ الدينارِ وعبدُ الدرهمِ وعبدُ الخميصةِ وعبدُ القطيفةِ إن أعطيَ رضيَ وإن لم يعطَ سخطَ، تعسَ وانتكسَ وإذا شيكَ فلا انتقشَ)٣٬١٧٠[رواه البخاري: (٢٨٨٧)]..

ومنْ يقابلُ عابدَ الدنيا؟ منْ يقابلُ عابدَ الدينارِ والدولارِ والجاهِ والسلطانِ والتملقِ للظلمةِ؟ يقابلهُ مَنْ قالَ النبيُّ ﷺ في حقهِ: (طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنانِ فرسهِ في سبيلِ اللهِ، إنْ كانَ في الحراسةِ كانَ في الحراسةِ وإنْ كانَ في الساقةِ كانَ في الساقةِ)٣٬١٧١[رواه البخاري: (٢٧٣٠)]..

نعم، هوَ ليسَ صاحبَ مظهرٍ ولا صاحبَ لباسٍ ولا صاحبَ جاهٍ ولا صاحبَ شهرةٍ، هوَ مِن الأخفياءِ الأتقياءِ الذينَ لا تعرفهم وسائلُ الإعلامِ، ولا تستقبلهم الفضائياتُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ: (إنْ استأذنَ لمْ يؤذنْ لهُ، وإنْ شفعَ لم يشفعْ)٣٬١٧٢رَوَاهُ البُخَارِيُّ [وهو تتمة الحديث السابق]..

هذا هوَ حالُ عابدِ الدنيا، وهذا هوَ حالُ منْ طلقها مِمَّنْ نفرَ في سبيلِ اللهِ ﷻ؛ فطوبى لكم يا شبابَ الإسلامِ، طوبى لكم هذهِ النعمة العظيمة التي وفقكم اللهُ ﷻ إليها، طوبى لكم هذا الفضل العظيم الذي يسرهُ اللهُ ﷻ عليكم.

ص 2316

أنتم من الفقراءِ المهاجرينَ، يموتُ أحدكم وحاجتهُ في نفسهِ لا يجدُ لها قضاءً كما قالَ النبيُّ ﷺ؛ فكم من الشبابِ الأخفياءِ الأتقياءِ الأنقياءِ الذينَ يقفونَ ليلا ونهارا ذبا عن شريعةِ اللهِ وحمايةً لأعراضِ المسلمينَ، ودفاعا عن مقدساتهم ولا يعرفهم أحدٌ ولا يسمعُ بهم أحدٌ، يموتُ أحدهم وحاجتهُ في صدرهِ لا يجدُ لها قضاءً، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ بنِ العاصِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: (أولُ ثلةٍ يدخلونَ الجنةَ الفقراءُ المهاجرونَ الذينَ تُتَّقى بهم المكارهُ، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا هذا هوَ شرطهم، وهذا هوَ حالهم، وتلكَ هيَ صفتهم، (وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا)، (الذينَ قاتلوا في سبيلي وقُتِلوا وأوذوا وجاهدوا في سبيلي، وإنَّ اللهَ ليدعو الجنةَ فتأتي بزخرفها وزينتها، فتأتي الجنةُ بزخرفها وزينتها فيقولُ: ادخلوها، فيدخلونها بغيرِ حسابٍ فتأتي الـملائكةُ فيسجدونَ للهِ فيقولونَ: يا ربّ، نحنُ نسبحُ لكَ الليلَ والنهارَ ونقدسُ لكَ، منْ هؤلاءِ الذينَ آثرتهم علينا؟، فيقولُ اللهُ ﷻ: هؤلاءِ عباديَ الذينَ قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي؛ فتدخلُ عليهم الـملائكةُ منْ كلِّ بابٍ: ﴿سلَٰمٌ عليۡكم بما صبرۡتمۡۚ فنعۡمَ عقۡبى ٱلدارِ﴾ [الرعد: 24])٣٬١٧٣[رواه -بألفاظ قريبة- الطبراني في الكبير: (١٤٧٣٥)، وغيره، وقال الهيثمي في المجمع: «ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير أبي عشانة؛ وهو ثقة»].، أسألُ اللهَ أنْ يجعلنا منهم.

فيا شبابَ الإسلامِ شرقا وغربا، يا منْ انتميتم إلى عقيدةٍ قوامها: ﴿شهدَ ٱللهُ أنهُۥ لآ إلَٰهَ إلا هوَ وَٱلۡملَٰٓئكةُ وأولواْ ٱلۡعلۡمِ قآئمَۢا بِٱلۡقسۡطِۚ﴾ [آل عمران: 18].

 فيا شبابَ الإسلامِ شرقا وغربا، يا منْ تتلونَ في كتابِ اللهِ ﷻ: ﴿يَٰٓأيها ٱلذينَ ءامنواْ هلۡ أدلكمۡ علىٰ تجَٰرةٖ تنجيكم منۡ عذابٍ أليمٖ﴾ [الصف: 10]، تنجيكم منْ عذابٍ أليمٍ؛ ﴿تؤۡمنونَ بِٱللهِ ورسولهِۦ وتجَٰهدونَ في سبيلِ ٱللهِ بأمۡوَٰلكمۡ وأنفسكمۡۚ﴾ [الصف: 11].

يا شبابَ الإسلامِ شرقا وغربا، يا من تسمعونَ نداء اللهِ لكمْ: ﴿ٱنفرواْ خفافٗا وثقالٗا وجَٰهدواْ بأمۡوَٰلكمۡ وأنفسكمۡ في سبيلِ ٱللهِۚ﴾ [التوبة: 41].. أما آنَ لكمْ أنْ تنتفضوا للدفاعِ عنْ شريعتكم؟

يا شبابَ الإسلامِ، إنَّ الإسلامَ دينكم، وإنَّ عقيدةَ الإسلامِ عقيدتكم، وإنَّ اللهَ هوَ ربكم وهوَ الذي يأمركم وهوَ الذي يدعوكم إلى هذهِ الصفقةِ العظيمةِ التي لا بخسَ فيها ولا خسارةَ في بيعها، قال ﷻ: ﴿۞إنَّ ٱللهَ ٱشۡترىٰ منَ ٱلۡمؤۡمنينَ أنفسهمۡ وأمۡوَٰلهم بأنَّ لهمُ ٱلۡجنةَۚ يقَٰتلونَ في سبيلِ ٱللهِ فيقۡتلونَ ويقۡتلونَۖ﴾ [التوبة: 111]؛ فشدوا العزمَ على هؤلاءِ الكفرةِ الذينَ ملؤوا الأرضَ بالفسادِ والإفسادِ، احصدوهم حصدا، لا تبقوا منهم باقيةً، لا تسمعوا لمرجفٍ ولا تنصتوا لمخذلٍ ولا تلتفتوا لجبانٍ خائرٍ قدْ ألهتهُ دنياه عنْ آخرتهِ.

قالَ النبيُّ ﷺ: (كذبوا الآنَ، الآنَ جاءَ القتالُ)، متى قالها رسولُ اللهِ ﷺ؟ قالها ودولةُ الإسلامِ قائمةٌ، وشريعةُ الإسلامِ حاكمةٌ، وعقيدةُ الإسلامِ صافيةٌ، وأعداءُ اللهِ مكبوتونَ مخذولونَ خائفونَ مقموعونَ!

 وأما اليومَ، والمسلمونَ مستضعفونَ، والمجاهدونَ مشتتونَ، وأبناءُ الإسلامِ في قهرٍ وإذلالٍ امتلأتْ بهم السجونُ ومزقت ظهورهم السياطُ، ونساؤهم صرنَ سبايا عندَ أنذلِ وأخسِّ خلقِ اللهِ ﷻ، تلكَ هيَ سجونُ فلسطينَ تمتلئُ بالحرائرِ الطاهراتِ اللاتي وقفنَ دفاعا عن دينِ اللهِ عندما جبنَ الرجالُ، نعم هذا هوَ حالنا اليومَ، ومع ذلكَ نقولُ: «لا جهاد»! ماذا ننتظرُ؟ أننتظرُ خارقةً من السماءِ تقلبُ الأرضَ رأسا على عقبٍ ثمَّ نجدُ دولةَ الإسلامِ وقد مكنَ لشريعتنا، وقد أقيمت دعائمُ ديننا، وقد انتشرت عقيدتنا ثمَّ بعدَ ذلكَ نقولُ: «الآنَ الآنَ جاءَ القتالُ»؟!

قد اتفقَ العلماءُ كلهم منْ أولهم إلى آخرهم من الفقهاءِ والمفسرينَ والمحدثينَ على أنَّ العدوَّ إذا داهمَ أرضا وبلدا من بلدانِ المسلمينَ؛ صارَ الجهادُ فرضَ عينٍ على أهلِ تلكَ البلدةِ، فإن عجزوا أو قصروا وجبَ على من حولهم ومن يدنو منهم أنْ ينفرَ لنصرتهم.

فأينَ نحنُ منْ هذا الحكمِ؟ عارضناهُ بعقولنا وعارضناهُ بالحدودِ المصطنعةِ التي لا وزنَ لهاَ ولا قيمةَ لها في دينِ اللهِ ﷻ، عارضناهُ بأهوائنا، عارضناهُ بفلسفتنا؛ حتى أقعدنا الشبابَ وطبطبنا على أكتافهم وقلنا لهم: اقعدوا تريثوا اعقلوا؛ فما هكذا يا سعدُ توردُ الإبلُ!!

حتى أكلَ عدونا الأخضرَ واليابسَ، وما زلنا ننتظرُ حتى يأتيَ النصرُ منْ عندِ اللهِ ﷻ، وإنَّ النصرَ لقادمٌ بإذنِ اللهِ، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم فاستغفروهُ.

❖ ❖ ❖

ص 2317

[الخطبة الثانية]

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومنْ سيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومنْ يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهَ وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمدا عبدهُ ورسولهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وعلى أصحابهِ أجمعينَ وعلى من اهتدى بهديهِ وسارَ على سنتهِ إلى يومِ الدينِ، ثمَّ أما بعدُ..

أخبرنا النبيُّ ﷺ بأنَّ القتالَ قدْ جاءَ، وأخبرنا بخبرٍ باقٍ إلى أنْ يقاتلَ آخرُ هذهِ الأمةِ الدجالَ، وهوَ بقاءُ طائفةٍ ظاهرةٍ على الحقِّ لا يضرها منْ خالفها ولا مَنْ خذلها، فقالَ النبيُّ ﷺ: (ولا يزالُ منْ أمتي أمةٌ) طائفةٌ وليسَ فردا ولا فردانِ إنما هيَ أمةٌ وفي روايةٍ أنها طائفةٌ: (طائفةٌ من أمتي يقاتلونَ على الحقِّ)؛ إنَّ قتالهم ليسَ عصبيةً ولا وطنيةً ولا قوميةً ولا لمصالحَ مشتركةٍ ولا لحدودٍ مصطنعةٍ، إنما قتالهمْ على الحقِّ، وأحقُّ الحقِّ هوَ توحيدُ اللهِ ﷻ؛ فالجهادُ لن يكونَ جهادا إلا إذا كانَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ ﷻ، لا للانتصارِ للعصبيةِ ولا للدمِ ولا للأرضِ ولا لغيرها، إنما هوَ انتصارٌ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا: (ولا يزالُ منْ أمتي أمةٌ يقاتلونَ على الحقِّ)٣٬١٧٤[رواه النسائي: (٣٥٦١)، وصححه الألباني]..

فيا عبادَ اللهِ، يا إخوانَ الجهادِ في فلسطينَ وفي العراقِ وفي أفغانستانَ: اجعلوا جهادكم للهِ ﷻ، انتصروا حميةً لدينِ اللهِ ﷻ، انبذوا عنكم العصبياتِ الجاهليةِ، انبذوا عنكم الراياتِ الجاهليةِ، فلا الأرضُ ولا الدمُ ولا القوميةُ ولا الوطنيةُ هيَ التي تحركنا ولا هيَ التي تدفعنا إنما يدفعنا قوله ﷻ: ﴿وقَٰتلوهمۡ حتىٰ لا تكونَ فتۡنةٞ ويكونَ ٱلدينُ كلهُۥ للهِۚ﴾ [الأنفال: 39].

ويا إخوانَ فلسطينَ: انبذوا عنكم العصبيةَ الجاهليةَ، تبرؤوا من الكفرِ وأهلهِ وأعلنوها رايةً صريحةً واضحةً، نريدُ إقامةَ دينِ اللهِ ﷻ، نريدُ التمكينَ لشريعةِ اللهِ ﷻ، نريدُ إعزازَ دينِ اللهِ ﷻ، ما فائدةُ أنْ نطردَ يهوديا وأن يأتيَ بعدهُ مرتدٌّ علـمانيٌّ فلسطينيٌّ هوَ أخبثُ وأنجسُ وأحقرُ من هذا اليهوديِّ الذي نقاتلُ لطردهِ.

ص 2318

إنَّ الأرضَ لا تقدسُ أحدا وإنما يقدسُ الإنسانَ عملهُ، فإذا كانَ عملنا للهِ ﷻ وحميتنا لدينِ اللهِ ﷻ؛ فعندها -وعندها فقط- يتنزلُ نصرُ اللهِ ﷻ: ﴿إن تنصرواْ ٱللهَ ينصرۡكمۡ ويثبتۡ أقۡدامكمۡ﴾ [محمد: 7]، فنصرُ اللهِ لا يكونُ بمعصيتهِ ولا بمبارزتهِ ولا بمخالفةِ أمرهِ، عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قالَ: «جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ الرجلُ يقاتلُ حميةُ والرجلُ يقاتلُ للذكرِ والرجلُ يقاتلُ ليرى مكانهُ، أيُّ ذلكَ في سبيلِ اللهِ؟»، فَقالَ: (منْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا فهوَ في سبيلِ اللهِ)٣٬١٧٥[سبق في: (ص 1069)]..

إنَّ للإنسانِ روحا واحدةً فإذا خرجتْ فإما إلى نعيمٍ مقيمٍ وإما إلى عذابٍ وجحيمٍ، فاجعلْ روحكَ وهيَ أعزُّ ما تملكُ؛ اجعلها ثمنا لإرضاءِ اللهِ ﷻ، لا إرضاءً لقيادةٍ، ولا لحزبٍ، ولا لدولةٍ، ولا لتنظيمٍ، ولا لفردٍ، ولا لصديقٍ، ولا لقريبٍ ولا لبعيدٍ، إنما هيَ روحٌ تزهقها وتقدمها في سبيلِ اللهِ، وفي سبيلِ اللهِ وحدهُ، (ولا يزالُ منْ أمتي أمةٌ يقاتلونَ على الحقِّ)٣٬١٧٦[سبق قبل قليل]..

ص 2319

إذن؛ هذا إخبارٌ من نبينا ﷺ أنَّ الجهادَ لا تنقطعُ رايتهُ، ولا تتوقفُ قوافلهُ، ولا تتعثرُ مواكبهُ، بل هوَ مستمرٌّ منذُ أن بعثَ اللهُ نبيهُ ﷺ وشرعَ لهُ هذهِ العبادةَ إلى أن تقومَ الساعةُ، كما جاءَ في هذا الحديثِ، وهذهِ بشارةٌ من النبيِّ ﷺ نأخذها ونستبشرُ بها ونعلمُ بها؛ أنَّ اللهَ ﷻ معنا، وأنَّ العاقبةَ للـمتقينَ، وأنَّ التمكينَ بإذنِ اللهِ ﷻ لهذا الدينِ، إما على أيدينا وإما أنْ نكونَ وقودا لعجلةِ الجهادِ، وسيأتي التمكينُ بلا شكٍّ، عن أبيَّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: (بشرْ هذهِ الأمةَ بالتيسيرِ والسناءِ والرفعةِ بالدينِ والتمكينِ في البلادِ والنصرِ؛ فمنْ عملَ منهم بعملِ الآخرةِ للدنيا فليسَ لهُ في الآخرةِ من نصيبٍ)٣٬١٧٧[صحيح ابن حبان: (٢٩٥٨)]. إنَّ أعمالنا لا بدَّ أنْ تكونَ للهِ ﷻ لا نصرفها لشيءٍ، ولا نوجهها إلا للهِ ﷻ، (ولا يزالُ منْ أمتي أمةٌ يقاتلونَ على الحقِّ، حتى يأتيَ وعدُ اللهِ وحتى تقومَ الساعةُ، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ).

نسألُ اللهَ العظيمَ أن يُعزَّ دينهُ وأن يمكنَ لشريعتهِ، وأن ينصرَ عبادهُ المؤمنينَ، اللهمَّ انصر عبادكَ المؤمنينَ المجاهدينَ نصرا مؤزرا، اللهمَّ افتح لهم من لدنكَ فتحا مبينا، اللهمَّ انصرهم في العراقِ، اللهمَّ انصرهم في أفغانستانَ، اللهمَّ انصرهم في فلسطينَ، اللهمَّ عليكَ بأعدائكَ الذينَ يحاربونَ دينكَ وينكلونَ بأوليائكَ، اللهمَّ عليكَ بطغاةِ العربِ والعجمِ، اللهمَّ أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا، اللهمَّ أرنا فيهم ما تقرُّ بهِ أعيننا وتشفي بهِ صدورنا وتذهبُ بهِ غيظَ قلوبنا، اللهمَّ عليكَ بهم، اللهمَّ أرنا فيهم يوما أسودا.

اللهمَّ عليكَ بالمنافقينَ المثبطينَ، اللهم عليكَ بالمنافقينَ المجرمينَ، اللهمَّ عليكَ بالمنافقينَ المخذلينَ، اللهمَّ انتقم منهم لأوليائكَ، اللهمَّ ربنا إليكَ نشكو ضعفنا وإليكَ نشكو فقرنا وإليكَ نشكو حاجتنا، اللهم أنتَ ربنا ولا ربَّ لنا سواكَ، اللهمَّ أنتَ إلهنا ولا إلهَ لنا غيرك، اللهمَّ لا تكلنا إلى أحدٍ سواكَ طرفةَ عينٍ، اللهمَّ لا تكلنا إلى أنفسنا ولا لأحدٍ سواكَ طرفةَ عينٍ. اللهم اجعل هذا اليومَ يومَ فتحٍ ونصرٍ وتمكينٍ لعبادكَ المؤمنينَ، اللهم فرج فيه عن المكروبينَ. اللهم فرج عن إخواننا الأسرى في سجون اليهودِ والنصارى وفي سجونِ المرتدينَ والملحدينَ وفي سجونِ الروافضِ والبوذيينَ، اللهمَّ اجعل لهم من كلِّ ضيقٍ فرجا، ومن كلِّ همٍّ مخرجا، وارزقهم من حيثُ لا يحتسبونَ، اللهم ردهم إلى أهليهم سالمين آمنينَ غانمينَ، اللهم أعزَّ بهم دينكَ وأعزَّ بهم كتابك ومكن بهم شريعتك يا ربَّ العالمينَ.

اللهمَّ صلِّ على خيرِ خلقكَ محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعينَ

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ

❖ ❖ ❖

ص 2320

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: خطبة عيد الأضحى «1428»

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا