جهاد أم مقاومة؟!

[مجهول التاريخ، ويُحتمل أنه في عام 1427 هـ / 2006م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد...

للمصطلحات الشرعية بألفاظها المحفوظة المضبوطة هيبتها ومكانتها في القلوب، وقدرتها الوافية الكافية لتحديد المطلوب، وذلك لأنها أدل ما تكون على المعنى المراد منها، وآصرة اللفظ بالمعنى آنذاك متينة وطيدة بحيث لا يتخللها ضعف ولا يوهنها تجاذب المرادات وتنازع الاحتمالات، لا سيما التي كثر تردادها في الكتاب والسنة وعلى ألسنة الفقهاء والعلماء وأجروها في ثنايا كتبهم ومصنفاتهم، فكيف إذا انضاف إلى ذلك تحديد المعنى وبيان المقصود؟ فيكون المبنى -اللفظ- مطابقًا للمعنى ودالًا عليه دلالة لا يداخلها لبس ولا يشوش عليها حدس.

وفي المقابل حيثما زعزعت قواعد المصطلحات الشرعية وقفز المستخدمون إلى سواها -سواء مع قيامها حينًا وحينًا أو مع إقصائها والتنكر لها رأسًا- فإن إشكالات شرعية ستظهر وأحكامًا مُحكمة ستحوَّر، وحقائق ثابتة راسخة ستُغير، وأبوابًا من المجادلات ستفتح، وذلك تبعًا لقوة إيجاد وطرح المصطلح الجديد المحدث أو ضعفه، خاصةً إذا كان هذا المصطلح الناشئ قد لاكته ألسن الأمم الأخرى من المغضوب عليهم والضالين وتوابعهم، وأجرته لمعان تبنتها وحددتها، فلئن كان الأمر كذلك؛ فسيؤدي إلى خلط واختلال واضطراب لا يُرجى زواله بيسر ولا انتهاؤه عند مدى.

ص 1747

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [البقرة: 104]، تُرى لماذا نهى الله عباده المؤمنين أن ينادوا نبيهم ﷺ ويخاطبوه قائلين له: ﴿رَٰعِنَا﴾، وهم يقصدون -ولا يريدون غيرها-؟ أنظرنا أي من الرعاية، أوَ ليسوا هم الذين امتلأت قلوبهم حبًا لنبيهم وتوقيرًا وتعزيرًا وتبجيلًا له؟ فما عسى أن يخدش في حبهم له وتعظيمهم إياه وصيانتهم لجنابه أن ينادوه ﷺ بـ ﴿رَٰعِنَا﴾؟

إن هذه الكلمة ﴿رَٰعِنَا﴾ لمَّا كانت حمالة أوجه، فتجري على الألسنة ويراد منها الرعاية والنظر، وهو وجه الخير هنا، فكذلك قد يقصد بها الرعونة والحمق، وهو الوجه الآخر القاتم الخسيس، ولأن من ناطقيها من يطلقها ويُريد بها هذه أو تلك؛ سد الله هذا الباب في وجه مروجي الشر وقطع الوسيلة إليه؛ فمنع من مخاطبة النبي ﷺ بها صيانةً له وقطعًا لدابر الخبث الذي كان يضمره له أعداؤه، وتنزيهًا للصحابة الكرام ومن بعدهم من أن يُشاركوا أعداءهم في استعمال «كلمة» مبطنة بالنقيصة والطعن على نبيه ﷺ، وأرشدهم إلى كلمة نزيهة مصونة يستقلون بها ولا مسرب فيها لأهل الدسائس والخسة يلجون من خلاله لنيل مآربهم والتنفيس عما تُكنه قلوبهم وتخفيه صدورهم؛ ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 46].

إذن للألفاظ مدخلٌ في النيل من الشريعة، وقد تحوي منافذ للطعن فيها وتحريف أحكامها وتزييف حقائقها وتلويث صفائها، فالتهوين من شأنها والتقليل من أهمية التقيد بها بأية حجة كانت ستُدفع ضريبته حتمًا، وقلما موطن استبدل فيه اللفظ المحدث بالشرعي إلا كان لمقصد وغاية أرادها الـمُبدِّل المستعمل، ومهما أقيم لذلك من مسوغات وحجج فهي لن ترقى إلى مستوى المعارضة لأحقية المصطلح الشرعي في البقاء والإجراء، ولو لم يكن في تغييره إلا تناسي المصطلح الشرعي شيئًا فشيئًا لكفى، فكيف إذا انضم إلى ذلك توسيع المعنى أو تضييقه ورسم صورة جديدة له تُلائم اللفظ الجديد وتُناسبه؟ ومن ثم إدخال ما ليس من الدين فيه؟ أو إخراجه منه؟! وهو خطوة أولى لتبديل الشرع ومزجه بدخائل الأفكار وخسائس الأهواء!

وما أكثر ما ابتلي المسلمون بذلك قديمًا وحديثًا، وهو داء عضال أصاب مقاتل العقيدة والفقه والتفسير والأصول والآداب وغيرها مما لم تزل الأمة تعاني منه وتصارع نفسها للتخلي عنه... وهيهات. والأمثلة على ذلك من الواقع لا تكاد تحصى، ولكن لنقف عند إحداها.

ص 1748

وبالمثال يتحقق المقال: حيث وضع الشارع لعبادة القتال -دفعًا وطلبًا- اسم «الجهاد»، وجرى على ذلك الاستعمال الشرعي في القرآن والسنة وكتب التفسير والفقه، وانطبع لدى المسلم تصور محدد ومعنى واضح لهذه الكلمة، وكما نعلم فإن مفاهيم الجهاد وكثيرًا من أحكامه قد شابها جملة من التشكيكات والتحريفات حتى امتهنت وابتذلت معها تلك الكلمة الشرعية الرفيعة.

ولسنا الآن بصدد بيان المفاهيم الزائفة الحائفة التي أُلصقت بالجهاد، فهي معترك مستقل خاض غماره الكبار والصغار والمسلمون والكفار والأخيار والأشرار، ولكن المقصود هنا هو الإشارة إلى الزعزعة التي يُراد بها لفظ «الجهاد» كما أُريدت مفاهيمه وحقائقه، والتنبيه على الغاية المرادة من وراء ذلك «الاستبدال والتغيير» للوصول إلى إخضاع الحقائق الجهادية لمعان حادثة وتصورات مستجدة عصرية! لا تمت للمفاهيم الشرعية السوية بصلة.

جرى أخيرًا استعمال كلمة «المقاومة» للتعبير عن حالات «جهاد الدفع» الذي يخوضه المجاهدون في بعض المناطق الساخنة كـ «المقاومة العراقية»، و«المقاومة الأفغانية»، و«المقاومة الفلسطينية»، حتى بدأ هذا المصطلح يطغى ويغطي على كلمة الجهاد ويحل محلها.

وهذه الكلمة يطلقها ذووها مريدين بها التعبير والتوصيف لحالة جهاد الدفع الذي يقوم به المجاهدون ضد المحتلين المغتصبين، وكما نعلم فإن هذه الكلمة «المقاومة»؛ غالبًا ما كان يستعملها أهل الثورات لتوصيف حالات الرفض المسلح للكبت والديكتاتورية التي تكتم أنفاسهم ويعيشون تحت ضغطها ووطئها، فمنهم تسللت وتسربت حتى ارتضاها أهل الإسلام وأجروها في مصطلحاتهم وبياناتهم وخطبهم وكلماتهم، بل وتسميات جماعاتهم، وذلك -فيما أرى- إصابة بالعدوى وتخل عن المصطلح الدقيق وبحث عن كلمة مرضية لا تثير حفيظة الأعداء ويقبلها بعض العلمانيين والقوميين الذين لديهم شيء من التعاطف مع قضية مَّا، لا على أنها قضية إسلامية، بل لموافقتها بعض أفكارهم ورؤاهم.

ص 1749

ولهذا غلبت عبارة: «ينبغي التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب!»، وغدت قاعدة كلية مسلمة يقررها ويكررها حتى بعض المنتسبين للعلم والمشار إليهم بالأصابع، ولا شك أن المقصود بـ «المقاومة المشروعة»، وهم يخاطبون بها؛ ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [التوبة: 29]، لا يريدون بشرعيتها الشرعية الإسلامية -جهاد الدفع- بل هو تنزل إلى المفاهيم الغربية الغريبة والقرارات الدولية التي تُقر أحيانًا وتُجيز مثل هذا النوع من «المقاومة» وتُجرِّم وتحرِّم ما سواها ولا تقبل بتسميته «مقاومة»، ولو كان جهادًا شرعيًا وأمرًا ربانيًا.

وإلا فلماذا نجد كلمة «مقاومة» مستساغة ومقبولة ومستعملة في كثير من وسائل الإعلام الرسمية ولدى بعض الجهات والهيئات المتعاطفة ولا يمكن أن نرى كلمة «جهاد» و«مجاهدين» كذلك، إلا إذا سيقت على وجه الذم أو الحكاية المجردة؟!

وما ذلك إلا لأن هذه الكلمة الشريفة المنيفة لا حظ فيها للمسلحين ذوي الاتجاهات الأرضية من شيوعيين وعلمانيين وقوميين وغيرهم، فلا هم يقبلون بهذا الاسم ولا الاسم يقبلهم، فهو أعلى وأنقى وأسمى من أن يدنس بمثل هؤلاء، أما العباءة الفضفاضة «المقاومة» فهي تسعهم وتسع غيرهم ولا تعطي تصورًا ومفهومًا مخيفًا يوغر القلوب عليهم.

فالمقصود أن الله ﷻ أغنانا بكتابه وسنة نبيه بتسميات كافية شافية مؤدية للمقصود وموصلة للمطلوب ومحددة للمعنى وكاشفة للحقيقة، ولم يكن اختيار ذلك الاسم من الله سبحانه لهذا المسمى بغير حكمة -سواء أدركنا ذلك أم لا-؛ فينبغي أن نؤكد على إبقائه وإحيائه وإبدائه ونفي ما سواه وإقصائه حتى ينحت في أذهان الجيل، وننفرد ونتميز به عن مشابهة الأمم الأخرى، ونحتفظ بهويتنا الإسلامية كاملة، ونتوقى بذلك الانزلاق من خلال أبواب المصطلحات إلى مفاهيم وتصورات وأفكار منحرفة يُلزمنا بها أعداؤنا وفق مراداتهم وفهومهم، فنحاول رفعها أو دفعها، فلا نجد لذلك سبيلًا، لأننا فتحنا على أنفسنا بابًا كنا في غنى تام عنه؛ ألا وهو تغيير المصطلحات وتبديل الكلمات.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

❖ ❖ ❖

ص 1750

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: جهاد أم مقاومة؟!

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا