الديمقراطية.. الصنم العصري
[رجب 1430 هـ / 7 - 2009م]
۞
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فكل مسلم رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، وعقل معاني هذه الكلمات، وفهمها فهمًا صحيحًا لا تذبذب فيه ولا التباس؛ يدرك تمام الإدراك أن دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ دينٌ كامل في نفسه، فلا نقص فيه يحتاج معه إلى تكميل، ودينٌ شامل لجميع نواحي الحياة وأطرافها، فلا يفتقر إلى تلفيق وتوفيق مع غيره حتى تستقيم حياة البشر؛ فهو دينٌ كاملٌ في عقائده وكاملٌ في شرائعه، وكاملٌ في عباداته، وكاملٌ في معاملاته، وكاملٌ في سياساته، وكاملٌ في عدله، وكاملٌ في أخلاقه، وكاملٌ في قيمه، وكاملٌ في مصالحه، وكاملٌ في طرق تحقيقها وبلوغها، فلا يحتاج إلى أدنى رافدٍ خارجي لتكميل شيء من هذه الأمور العظيمة ولا غيرها مما هي من دين الله تعالى، قال الله ﷻ: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، وقال النبي ﷺ: (إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه)٣٬٣٠١[رواه الحاكم: (٣١٨)، وقال: «احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس عبد الله وله أصل في الصحيح»]..
ولكمال طريق الهدى وسبيل الصلاح والإصلاح وللاستغناء التام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فإننا أُمرنا بالرجوع إليهما عند الاختلاف والتنازع، والتمسك بهما ليحصل الاتفاق والائتلاف، ولو كانت في غيرهما غُنية أو منفعة أو هدى ليست فيهما لما انحصر أمر الدين وفض الخلاف بالرجوع إليهما، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]، وكما قال العلماء: «فإن الرد إلى الله هو الرد لكتابه، والرد إلى رسوله ﷺ هو الرد لسنته»٣٬٣٠٢[تفسير الطبري: (8/505)].، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى: 10].
وليس وراء اتباع الشرع سوى اتباع الأهواء؛ مهما أسبغ عليها من الأسماء وأضيف إليها من المحسنات والمرغبات، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، وكما قال عزوجل: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ﴾ [الشورى: 15]، وقال سبحانه: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: 41]. فسبيل الحق واحدٌ واضحٌ ثابتٌ محققٌ وهو الإسلام، الذي لا يرضى الله لعباده دينًا سواه، وما أكثر سبل الضلالات وطرق الأهواء التي لم تزل تتولد وتتجدد وتتكاثر وتتوافر وتتنوع يومًا بعد يوم بأشكال مختلفة وأسماء متعددة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه.. الآية) رواه أحمد٣٬٣٠٣[(4142)، وحسن إسناده الأرنؤوط]..
وكلما كانت أمةُ الإسلام محيطة بهذه المسألة العظيمة آخذةً بها أخذًا تامًا ومستمسكة بها استمساكًا حقيقيًا عمليًا كانت أقرب إلى النصر وأسرع إلى التمكين وأهيب في أعين أعدائها، كما يحكي لنا هذه الحقيقة الشرعُ والتاريخُ والواقعُ أيضًا والعكس بالعكس.
ومن هنا فإن أدنى اضطراب أو تململ في استيعاب هذه القضية فهمًا أو عملًا؛ مآله زيغ يولد زيغًا وضلال ينتجُ ضلالًا،وانحرافٌ يُحدث انحرافًا وفتنة، وهلم جرًا.. ولذلك قال النبي ﷺ جامعًا بين الأمر بالاستمساك بطريق الهدى وسنة الهداة والتحذير من البدع والمحدثات التي تقود إلى الضلالات كما في الحديث: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)٣٬٣٠٤[رواه أبو داود: (٤٦٠٧)، وصححه الألباني]..
إذن فكل مسلم عليه أن يعقد قلبه على قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الزخرف: 43]، فإليه يدعو وبه يعتز ومن أجله يضحي ولنشره يتحمل كل عناء، وليحذر من أدنى التفاتة إلى ما سواه، وتحت أية حجة كانت، فليس وراء الحق إلا الضلال ولا يفتننه زخارف أقوال دعاة الباطل، ولا كثرة المتهالكين فيه والمنكبين عليه، ولا قيام الدول والمؤسسات والمنظمات بالترويج له، فالباطل باطل؛ اتبعه من اتبعه ودعا إليه من دعا، والحق حق آمن به من آمن وتخلى عنه من تخلى، فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهـۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]، ومَن أدرك هذه الحقيقة وتجرد لفهمها وسلم من مزالق الأهواء؛ سهل عليه وضع كل وافد ووارد من أفكار وسياسات ونظم في موضعها الصحيح، وحكم عليها بما تستحقه في دين الله تعالى من غير تردد ولا تحير ومن غير مجاملات ولا مسايرات، ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ [الأنفال: 42].
ومن دواهي العصر ومحن الدين الكبرى وأوابده العظمى تسلل بعض تلك النظم التي ولدت غربية كافرة ونشأت غربية سافرة وترعرعت غربية فاجرة ما يسمى بـ «الديمقراطية» التي دبت في أمة الإسلام على حين غفلة من أهله، وضعف من شعوبه، وردة من حكوماته، وجهل من أبنائه، وتقصير من كثير من علمائه إلا من رحم الله؛ فرفعت أعلامها في بلدانهم، وبثت سمومها في أوصالهم، ونشرت عقائدها بينهم وألقت بظلالها وضلالها على أوطانهم؛ فتلقفها من تلقفها منهم بين مخدوع أبله وخادع مفسد؛ فأحلوا قومهم دار البوار وساقوا أمتهم إلى كربات الاحتضار، فراج الكفر الأكبر المستبين باسم الشورى! وشاعت الفاحشة الفاضحة تحت شعار الحرية! ونبغت الزندقة وأطل الإلحاد باسم حرية الاعتقاد! وتجرأ الجهلة السفلة طاعنين في الدين باسم حرية الفكر! وتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا باسم التعددية وتنوع الآراء!
ومع ذلك فما زلنا نسمع الدعوات لهذا الدين الجديد تهتز به المنابر وتشحذ للتحريض عليه الأقلام والمحابر وتسخر لحث الناس على خوضه وسائل الإعلام مقروءَها ومسموعها ومرئيها، وتحشد لنشره وفرضه وتحكيمه الجيوش بأعدادها وأعتادها، وإنها لعمر الله فتنة العصر وداهية الزمان التي لفحت بجحيمها وجه الإسلام المشرق ولطخت طلعته البهية النقية، ودنست صفاءه ونقاءه، ولولا أولو بقية من أهل العلم والإيمان ينهون عن الفساد في الأرض؛ لأتت على الدين من جذوره واقتلعته وبأيدي من ينتسبون إليه! وهدمت صرحه وبمعاول تدعي السعي لتشييده! ولكن يأبى الله ﷻ إلا أن يحفظ دينه ويصون شريعته ويقيم من عباده من يذب عنه بلسانه وسنانه وبنانه مصداقًا لما أخبر به نبينا ﷺ: (لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، متفق عليه٣٬٣٠٥[البخاري: (٧٣١١)، ومسلم: (١٩٢٠) بألفاظ قريبة]..
فما هي هذه الديمقراطية التي يريد ساسة الغرب فرضها علينا؟ والتي يروج لها بعض العلمانيين ويركض وراء دعواتهم عدد من جهلة المسلمين؟ بل راح الكثير منهم يسبغون الشرعية على هذا النظام الغريب العطيب العفن ويؤصلون له؛ فصرنا نسمع: «الإسلام الديمقراطي»! و«الإسلاميين الديمقراطيين»! و«ديمقراطية الإسلام»! و«الإسلام والديمقراطية وجهان لعملة واحدة»!.. ونحو هذه العبارات الممجوجة المخدوجة المنبوذة التي لا تصدر إلا عن جهل مطبق وإن ادعى قائله الكياسة وفهم السياسة والبصيرة بالواقع.
إننا حينما ننظر إلى الديمقراطية على أنها دين مستقل تمامًا كأي دين آخر له مفاهيمه وقواعده وأصوله وقيمه؛ ندرك عندها قبح مثل هذه العبارات وشدة استهجانها وما مَثَل هذه العبارات إلا كما يقول القائل: الإسلام اليهودي! والإسلام النصراني! والإسلاميين اليهوديين! ويهودية الإسلام! ونصرانية الإسلام! أو مجوسية الإسلام! وقس على هذا النسق وألقِ على هذا الطبق وانظُمْ في سلك الإضافات والأوصاف ما شئت، فهل هناك مسلم على وجه الأرض مهما بلغ به الجهل والانحراف يقبل مثل هذه الإطلاقات والتسميات؟! إن عجوزًا في أقاصي بوادي الأرض لم تدنس فطرتها لوثات الحضارة والانفتاح ودعاوى الثقافة وفلسفات الحوار لتُبادِر عند سماعها لهذه الأوصاف بالاستعاذة بربها من شرها ونبذها لقائلها، ولكان الحرث في البحر أو حتى في الهواء أيسر من إقناعها بصحة هذه التركيبات، وسلامة تلك العبارات والتجارب محك لكل منازع؛ إذن فلماذا استسغنا إلصاق الإسلام بالديمقراطية وإلحاقه بها على جهة المدح والإطراء واستبشعنا أشد الاستبشاع ربط الإسلام باليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو غيرها من الأديان التي ينفر كل مسلم منها أشد النفرة؟
إن معرفة حقيقة الديمقراطية وإدراك مصادمتها لدين الإسلام مصادمة تامة من كل وجه ومضاهاتها لكل الأديان الأخرى التي يريد الإسلام إزالتها أو إخضاعها؛ هو الكفيل بتبصير كل من ابتلي بالتورط في شراك هذا الدين الجديد عن الجناية الكبرى التي سيقت إلى دين الإسلام، يوم أن مُزج صفاؤه بدنسها وعدله بجورها، وقيمه بسخافاتها، ونوره بظلماتها، وتوحيده بشركها، حتى خرج لنا سِقطٌ غاية في المسخ والبشاعة والتشوه والخدج؛ فنال ذلك الاسم القبيح «الإسلام الديمقراطي»، فوافق شنٌ طبقة!
فابتداء نقول لدعاة الديمقراطية أو للإسلاميين الديمقراطيين الذين أشربوا حبها وافتتنوا بكثرة المتهالكين عليها: غوصوا في بطون المعاجم ونقبوا بين الأسطر في صفحات قواميس اللغة، واسبروا أشعار العرب بيتًا، بيتًا، واسألوا من شئتم من أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، بل ارجعوا إلى عجائز البوادي وأعراب الفيافي هل تظفرون لهذه الكلمة -أعني الديمقراطية- على وجود أو ذكر في لسان العرب الأصيل الفصيح، لا بل حتى في لسانهم اللاحن الألكن؟ ولن تجدوا ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط!
إذن فهذه الكلمة غريبة في لساننا ودخيلة على لغتنا، وفدت إلينا وقد أطلقها أصحابها على مسمى محدد عندهم واختاروها لمعنى معروف لديهم، ارتبط فيها اللفظ بالمعنى ارتباطًا وثيقًا، فهي كما يقولون: «مركبة من جزأين»؛ ومعناها في كلامنا حكم الشعب أو سيادة الشعب أو سلطة الشعب، فهذا هو لب الديمقراطية وجوهرها الذي لا معنى لها بدونه ولا وجود لحقيقتها إلا به، ألا وهو سيادة الشعب وسلطة الشعب، فالنظم الديمقراطية وإن سلكت طرقًا متعددة في بلوغ هذه الحقيقة إلا أنها جميعًا تقوم عليها وتدعو إليها، وتفتخر بتطبيقها، وتقررها بكل وسيلة، وتستنقص من خدشها، فليس لأحد إسلاميًا كان أو غيره أن يسلب هذا المعنى عن الديمقراطية أو أن يدعي أنه يدعو إلى ديمقراطية لا تقر بسيادة الشعب وسلطته العليا، فما حاله إلا كمن يقول: أنا أدعو إلى يهودية مفرغة عن مضمونها الذي تقوم عليه، فهل يصدقه أحد في دعواه؟! أم هل يقبل أحد هذه الدعوة ويستسيغها؟!
إذن فدين الديمقراطية هو ذلك النظام الذي يجعل الشعب حاكمًا ولا حاكم سواه، وسيدًا ولا سيد فوقه، فسلطته هي الحاكمة، وحكمه هو النافذ، وإرادته هي الماضية وتشريعاته هي الملزمة، وقوانينه هي المحترمة، وسيادته هي العليا؛ فالشعب وفق النظام الديمقراطي لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، والشعب في النظام الديمقراطي لا يُسأل عما يفعل، ولست أشك أن كل مستمع لهذه الكلمات قد استبشعها واستشنعها واستعظمها، وإنها والله لخليقة بذلك، ولكن لا تلوموني، وإنما أنا مبلغ وحاكٍ ولوموا الإسلاميين الديمقراطيين الذين لم يفصحوا عن هذه الحقيقة، ولم يميطوا اللثام عن هذا الوجه العبوس، بل راحوا يحسنونه ويسترون قبائحه ويخفون مهالكه بالفلسفات الرخيصة والتحايل الردي والتمويه المضلل والتأويلات الباردة، ويقولون للناس بأفعالهم وأقوالهم هلموا إلى «ديمقراطية الإسلام»! ولا حول لا قوة إلا بالله.
ولأن جمع الشعوب في صعيد واحد لتعبر عن سيادتها وتنفذ سلطاتها وتسن قوانينها أمر عسير فقد اخترعوا لأنفسهم طريقًا يحصل به المقصود الديمقراطي وتمضي به الإرادة الشعبية، فكوّنوا ما يسمى بالبرلمان وهو الهيئة التي يكون أصحابها نوابًا عن الشعب، فمهمة الشعب اختيار من يرتضيهم ليقوموا مقامه، ووظيفة البرلمان هو التعبير عن إرادة الشعب الذي اختارهم وأنابهم، فالبرلمانيون بجميع أصنافهم وانتماءاتهم إنما هم صورة مصغرة لشعوبهم، فكأن كل برلماني يقوم مقام مجموعة من الشعب ارتضته وكيلًا عنها وحالًا محلها؛ فرأيه هو رأيها، ورؤيته هي رؤيتها، وإرادته هي إرادتها.
فالبرلمان في النظام الديمقراطي هو سلطة تشريعية عليا له الحرية المطلقة في طرح ما شاء من القوانين والتشريعات بشرط واحد؛ وهو ألا تخرج عن إطار دستور البلاد، وأن لا يصطدم في تشريعاته معه، فإن التزم بهذا الشرط فلا تثريب عليه في اقتراح ما شاء من التشريعات، وإقرار ما أراد منها، وافقت حقًا أم خالفته؛ لأن من شّرعها وأقرها وألزم بها هو البرلمان الذي يعبر عن إرادة الشعب، والنظام الديمقراطي يقول: إنْ الحكم إلا للشعب، فلا مجال للاعتراض ولا للتمعر! ألا ساء ما يحكمون.
فهذه هي مهمة البرلمان بأسمائه المختلفة سواء سمي مجلس الشعب أو مجلس الأمة أو المجلس التشريعي أو مجلس النواب أو غير ذلك، فما هي إلا أسماء لمسمى واحد وصدق الله ﷻ: ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 40].
ومن لا مس قلبه شيء من نور الإيمان يعلم علم اليقين أن هذا الدين لا يمكن أن يجتمع مع دين الإسلام طرفة عين؛ لا في القلوب والصدور ولا في الواقع والحياة، ولا يعتنق المرء أحدهما إلا بعد أن يهدم الآخر علم ذلك من علم وجهله من جهل، وبئس الجهل الذي يورد صاحبه هذه الدركات المظلمة وهو لا يدري.
ومع وضوح هذه الحقيقة وتجليها لمن لم يعاند أو يكابر إلا أننا سنذكر بعض الأمور العظيمة التي تصادم فيها الديمقراطية دينَ الإسلام مصادمة تامة وتضاده مضادة كاملة، لنعلم بعدها أية جناية جرها الإسلاميون الديمقراطيون على الإسلام وأهله، وأي نفق أدخلوهم فيه حتى أصبح الناس في حيرة واضطراب ونكد وعذاب ودعوهم إلى عبادة الأرباب وحالوا بينهم وبين عبادة رب الأرباب.
فأولًا: إن الأصل المكين والأساس المتين الذي يقوم عليه دين الإسلام؛ هو الاستسلام التام والإذعان الكامل والخضوع الشامل لجميع أحكامه، بل إن اسم الإسلام قد أُخذ من هذا المعنى فسمي الإسلام إسلامًا؛ لأن معناه الاستسلام لأمر الله ﷻ والقبول لأحكامه، وعدم معارضتها لا بعقل ولا عادة ولا رأي ولا عُرف ولا تجربة، أيًا كان مصدر هذه الأمور سواء كان فردًا أو حزبًا أو برلمانًا أو شعبًا أو قبيلة أو منظمة، وإنما على الجميع أن يكونوا خاضعين لأحكامه مستسلمين لأمره منقادين لأوامره مذعنين لشريعته، ولن يكون المسلم مسلـمًا مهما ادعى وزعم ما لم يكن هذا الأمر قائمًا في نفسه حقيقةً لا ادعاءً قال الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ﴾ [النساء: 125].
فإذا قضى الله ﷻ ورسوله أمرًا فليس لأحد الخِيَرة من أمره، وإنما عليه الاستسلام والانقياد كما قال الله عزوجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36]، فهذا هو الذي يقوله ويؤكده دين الإسلام الذي لا يقبل الله ﷻ من أحد دينًا سواه.
أما دين الديمقراطية فهو دين الخِيَرة من الأمر؛ وهو بذلك هادم لقاعدة الاستسلام والانقياد التي يقوم عليها دين الإسلام، ففي النظام الديمقراطي أو بالأصح في الدين الديمقراطي ليس هناك قداسة ولا حرمة ولا هيبة لأي تشريع، إلا بعد أن يخرج مصدقًا عليه ومعترفًا به من قبل هيئة البرلمان، فأحكام الله ﷻ الْمُحكمة وشرائعه القطعية الملزمة التي أنزلت من فوق سبع سماوات والتي يجب أن يقول كل مسلم -إن كان مسلـمًا- في حقها سمعنا وأطعنا، كلها عرضة للتعقب والنظر والزيادة والنقص والنقض والإقرار والحذف والإدناء والإقصاء والقبول والرد حسب ما يرى ويهوى أعضاء البرلمان الذين أعطوا هذا الحق كاملًا غير منقوص في الدين الديمقراطي! فإن شاؤوا قبلوا وإن شاؤوا ردوا.
فمثلًا: إن الله ﷻ قد حرم الخمر، فلو أن أمم الأرض كلها إنسها وجنها من مشرقها إلى مغربها اجتمعوا لينظروا أيقرون بتحريم الخمر أم لا؛ لكانوا بذلك كفارًا معاندين سواء حرموه أم أحلوه، فكيف والديمقراطية تفتح أبواب التعقب لأحكام الله ﷻ على مصارعها، حتى أصبح قبول دين الله كاملًا خاضعًا لاختيار الشعب وإرادته ومشيئته، فإن قبله كان دينًا محترمًا وشرعًا مقدسًا، وإن رفضه ورده وزهد فيه كان منبوذًا مردودًا لا وزن له ولا قيمة، حتى صرح بعض الإسلاميين الديمقراطيين أن الشعب لو اختار الحكم بالشيوعية الملحدة؛ فإنه سيحترم اختياره! ولو رفض الشعبُ الدولةَ الإسلامية؛ فإنه سيقدس رغبته واختياره! فإذا كان القرآن يقول لنا: ﴿وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ﴾ [الرعد: 41]، فإن الديمقراطية تقول: لا وألف لا، لا لهذه الآية ومثيلاتها، بل والشعب يحكم لا معقب لحكمه!
وإذا كان القرآن يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]، فإن الديمقراطية تقول: بل الخيرة كل الخيرة للشعب، فالحق ما قبله ورضيه والباطل ما رده ورفضه! فمن حقه أن يتخير من الأحكام والشرائع ما شاء!
وإذا كان القرآن يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ﴾ [النور: 51]، فإن الديمقراطية تقول: بل إنما قولهم إذا دعوا إلى الشعب ليحكم بينهم؛ أن يقولوا: سمعنا وأطعنا!
وإذا كان القرآن يقول: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٌ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٌ﴾ [الزخرف: 84]، فإن الديمقراطية تقول -وتعالى الله عما تقول-: أما السماء فهي لك، وأما الأرض فهي للشعب، فحكمه فيها هو الجاري وشريعته هي الحاكمة ورؤيته هي المعقبة! وصدق الله ﷻ: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]، فوالله ما جاوزت الديمقراطية غرز قريش والعرب إذ كانت تلبي وتقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك».
إن القرآن قد أعلنها حقيقة جلية ومسألة محسومة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]، ذكر بعض العلماء في سبب نزول هذه الآية أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ؛ فقضى للمحق على المبطل؛ فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قُضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فأنتما على ما قضى به النبي ﷺ، فأبى صاحبه أن يرضى، قال: نأتي عمر ابن الخطاب، فأتياه، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر فقال: أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ فأبى أن يرضى، فسأله عمر فقال: كذلك؟ فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سلّه فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله فأنزل الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾ [النساء: 65]، ذكر هذا الإمام ابن كثير في تفسيره٣٬٣٠٦[تفسير ابن كثير: (2/351)]..
فإذا كان هذا الحكم الإلهي الصارم في حق رجل واحد أراد أن يتعقب حكم رسول الله ﷺ في قضية واحدة ورجع فيها إلى خيار الأرض بعد رسول الله ﷺ، فكيف بمن يدعو إلى الدين الديمقراطي الذي يقوم على أساس التعقب لدين الإسلام كله ليرى أيرضاه الشعب أم لا؟!
وكيف بمن لا يرضى الانقياد لأحكام الله ﷻ القطعية؛ كتحريم الخمر والزنا والربا والفواحش؛ إلا بعد أن يعرضها على هيئة التعقب -أعني البرلمان- لينظر أتوافق على تحريمه أم لا؟
ومَن هؤلاء البرلمانيون المتعقبون لأحكام الله ﷻ؟ أهم أبو بكر وعمر والأخيار الصلحاء؟! حاشا لله أن يرد هؤلاء الهداة التقاة هذا المورد الرديء، وإنما هم أرذل الخلق وأجهلهم وأفجرهم وأفسقهم، وأمثلهم طريقة مَن انتمى إلى جماعة إسلامية، وقالوا: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12].
ألا فلتسمعوا يا دعاة الديمقراطية أو ديمقراطية الإسلام:
إن الله ﷻ لا يريد منا الامتناع عن الخمر فحسب، ولا الانكفاف عن الفواحش فقط، ولا الابتعاد عن الربا المهلك للاقتصاد فحسب، وإنما يريد منا مع الامتناع عنها أن نذعن لأحكامها التحريمية؛ لأنها أحكام الله تعالى التي لا تقبل التغيير ولا التحوير، وأن نخضع لها خضوع المستسلمين المنقادين المذعنين الراضين، وإلا فوالله لو أن أحكام الإسلام الظاهرة قد طُبِقت بحذافيرها في بلد من البلدان؛ لأن البرلمان هو الذي أقرها وأصبغ عليها صبغة القانون المحترم، لا لأنها من عند الله ﷻ وإنما لخروجها باعترافه وإقراره وتأييده لما كانت تلك هي شريعة الإسلام التي يريدها الله تعالى، ولكانت كأي قانون أرضي ساقط تواطأ عليه الناس وتراضوه فيما بينهم؛ لأنها ما كانت شريعة استسلام وانقياد ورضا وإذعان، فالذي أمر بها وقدّسها وألزمها للناس ليس الله ﷻ، وإنما هو صنم ناطق ووثن معبود اسمه البرلمان، فتبًا له ولشريعته!
ألا فلينتبه الإسلاميون الديمقراطيون إلى هذا المزلق العظيم الذي يوردونه أنفسهم ويسوقون إليه مسلمي بلدانهم زرافات ووحدانًا، مضللين لهم وعابثين بحماستهم، وليعلموا أنه مفرق طريق لا مجال معه للتلفيق والتوفيق، ولا سبيل فيه للتمييع والتطويع؛ فإما إسلامٌ نقي تستسلم فيه القلوب وترضى به الأفئدة تمامًا كما تنقاد له الجوارح، وإما ديمقراطية التعقب ودين الخيرة من الأمر وشريعة سيادة الشعب وسبيل عبادة الشيطان، فليعدوا لأنفسهم جوابًا يوم أن يُسألوا: ﴿۞أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [يس: 60-61].
ثانيًا: من المعلوم لدى كل مسلم أن أول أركان الإيمان وأعظمها الإيمان بالله ﷻ، الذي يعني الإيمان بوجوده وبألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ومما يؤمن به المسلم إيمانًا قاطعًا غير قابل للمناقشة ولا النظر أن حق التحليل والتحريم خاص بالله ﷻ وهو ما يسمى بالتشريع، فليس لأحد أن يحلل شيئًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ولا أن يُحرم شيئًا صغيرًا كان أو كبيرًا إلا بإذن الله ﷻ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [النحل: 116]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ﴾ [يونس: 59].
إن مجرد إعطاء هذا الحق -الذي هو التشريع- لغير الله ﷻ هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة، ومن تابع هذا المشرع في تحليله وتحريمه فاعتقد تحليل ما حلله وتحريم ما حرمه؛ فهو مشرك، لا يقبل الله ﷻ منه صرفًا ولا عدلًا، حتى يتوب ويرجع إلى التوحيد الخالص، ولا فرق بين أن تكون تلك الجهة التي أُعطيت حق التشريع فردًا أو حزبًا أو قبيلة أو برلمانًا أو شعبًا أو الأرض كلها.
هكذا يقرر الإسلام هذه الحقيقة، بحيث لا تقبل التشكيك ولا ترضى بالمساومة ولا التردد، فهذا الكون كله خلق وملك لله تعالى، وهو رب العالمين، فليس لأحد أن يُحلل شيئًا فيه، ولا أن يُحرم شيئًا فيه إلا ربه وخالقه ومالكه، ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
فإذا كان هذا أمرًا مسلَّمًا في دين الإسلام الذي لا يقبل الله ﷻ دينًا سواه؛ فإن الديمقراطية تقوم على أساس مناقض لهذا الأصل مناقضة تامة، فهي باختصار تسلب هذا الحق من الله سبحانه تعالى وتقدمه بكل تقديس وتبجيل واحترام للشعب، ومن ثم لمن ينوبون عنه وهم أعضاء البرلمان، فحق التحليل والتحريم في النظام الديمقراطي ليس لله ﷻ، أو هو ليس لله ﷻ وحده، وإنما للشعب الذي يقوم بتقديم هذا الحق لنوابه في البرلمان؛ فتكون النتيجة إذن أن الحلال ما أحلوه، والحرام ما حرَّموه، والحسن ما استحسنوه، والقبيح ما استقبحوه، والقانون ما ارتضوه، والشرع ما قرروه! فلا عبرة بدين ولا شرع ولا قانون إلا أن يكون صادرًا من البرلمان، وهذه ردة سافرة، والأمة متفقة على أن الإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرًا مرتدًا.
ولهذا فإني أرى أن أصدق وصف يمكن أن يطلق على البرلمان هو مجلس الأرباب وليس مجلس النواب، فهذا هو استعمال القرآن كما جاء في الصورة المطابقة لمجالس البرلمانات، قال الله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهـٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
ويا عجبًا كيف يفعل الضلال بأهله! فإذا كان الأحبار الذين هم علماؤهم، والرهبان الذين هم عُبّادهم أربابًا لمن يتبعهم في تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال مع أنهم يتكلمون باسم الله، ويصدرون أحكامهم التشريعية تحت لافتة الدين، ويزعمون أن هذا هو ما يحبه الله ﷻ ويرضاه، فكيف بمجالس أرباب العصر البرلمانات التي يغلب عليها العلمانيون والشيوعيون والملاحدة والزنادقة والفسقة والفجرة الذين يصرحون بعداوة الدين ويجاهرون ببراءتهم من شريعة الإسلام؟! فضلًا عن أن يتكلموا باسمه كما يفعل أحبار ورهبان بني إسرائيل؟!
إن ما يقوم به هؤلاء الأحبار والرهبان هو عين المهمة التي يمارسها البرلمانيون اليوم، وهي التحليل والتحريم لمن انتخبهم وأنابهم لتكون تشريعاتهم بذلك سارية عليه، ملزمة له، معاقبًا على مخالفتها ومحترمًا باحترامها والتزامها وهو بذلك قد اتخذهم أربابًا.
والفرق بين برلمان الأحبار والرهبان وبين برلمان أرباب العصر؛ أن أولئك كانوا يحللون ويحرمون باسم الله والدين تبعًا لمهمتهم كعلماء وعُبَّاد، وأما أرباب العصر؛ فإنهم يحللون ويحرمون من غير تقديس لشرع، ولا احترام لدين، ولا اعتبار لحكم، وإنما هو النظر المجرّد والهوى الأخرق والجهل المطبق والمخالفة المتعمدة لشرع الله، والمصادمة المقصودة لدينه، فأي الفريقين أحق بالذم والجرم إن كنتم تعقلون؟!
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، قال: قلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابًا، قال: (بلى، أليس يحلون لكم ما حُرِّم عليكم فتُحِلونه، ويحرِّمون ما أحل الله لكم فتُحرِّمونه؟)، فقلت: بلى، فقال: (تلك عبادتهم)٣٬٣٠٧[رواه البخاري في التاريخ الكبير: (9690)، والطبراني في المعجم الكبير: (17/92) ح: (٢١٨)، وحسنه ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (7/67)]..
إن أولئك الأحبار والرهبان ربما لم يعطوا أنفسهم حق التشريع كصفة دائمة محترمة في حقهم، وإنما مارسوه عمليًا في بعض مسائلهم، أما برلمانات اليوم فهي تنص صراحة وبكل جرأة ووقاحة على أن حق التشريع راجع إليها ومختص بأصحابها، وداخلًا دخولًا أوليًا في مهامهم؛ بمعنى أن المرء بمجرد دخوله قبة البرلمان فقد تلبّس بهذه الصفة وأُعطي هذا الحق وصار في عرف الديمقراطية ربًا مقدس الرأي، محترم الفكر، محمي الجناب فيما يقدمه من تشريعات ونظم، فليقترح ما شاء وليقدم ما يرى ويهوى، فما دام تحت قبة البرلمان فإنه لا يُسأل عما يفعل، وهذا هو الكفر البواح والشرك الصراح سواء شرّع أم لم يشرِّع، فممارسة التشريع شرك، وإعطاء هذا الحق لأي أحد سوى الله سبحانه يُعد شركًا آخر، حتى ولو لم يمارسه عمليًا وهو شرك في الربوبية وكل امرئ حسيب نفسه، قال الله تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: 21]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
فأجيبوا يا دعاة ديمقراطية الإسلام: مَن الذي أعطاكم هذا الحق؟ وكيف يجتمع ما تدعون إليه مع دين التوحيد الذي يقول: الحلال ما أحله الله ﷻ لا ما أحله البرلمان، والحرام ما حرَّمه الله ﷻ لا ما حرَّمه البرلمان، والدين ما شرعه الله ﷻ لا ما شرعه البرلمان، والعقوبة على ما خالف أمر الله ﷻ لا على ما خالف أمر البرلمان؟ إنكم حقًا تخادعون الناس حينما تقولون: لهم إن دعوتكم هي دعوة الإسلام وطريقكم هي طريق سيد الأنام، ثم لا تلبثون أن تنقضوا ذلك كله بدعوتهم؛ لأن ييمموا شطر البرلمان الذي شاركتم في غرس قدسيته وحصانته في قلوبهم؛ فكنتم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، كيف تدعون إلى التوحيد وأنتم تهدمونه؟!
أم كيف تسعون لتحكيم شريعة الرحمن وأنتم تشاركون في تسويغ وتعزيز شريعة الشيطان؟!
وكيف تأمرون الناس بعبادة الله وحده وأنتم من أول من يحترم ويلتزم شرائع البرلمان وقوانين البرلمان؟!
وكيف تسعون لهدم الأصنام والآلهة وجماعاتكم تشاطر الأنظمة في تشييد أعظم صنم عصري يحل ويحرم ويقضي ويحكم ويعطي ويمنع ألا وهو البرلمان؟!
أم كيف تزعمون أنكم تدعون بدعوة القرآن الذي أمر باجتناب الطاغوت في نفس الوقت الذي تحثونهم على الإيمان به وتعظيم الناطقين باسمه؟!
قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]، وقال تعالى: ﴿۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، وقال ﷻ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩ وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80].
إن المسألة لا تحتمل اللجلجة، ولا سبيل فيها إلى التلبيس والمراوغات، وإلا فلو كان الدين يقام بهذه الترّهات، ويُمكّن بطرق الالتواء والمخادعات فما كان أيسر مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34].
إن كتاب ربنا يقول لنا: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
وأما الديمقراطية فإنها تقول: عليكم بطاعة البرلمان فيما أحل وحرم وحكم وألزم، فلا تثريب عليكم، ولا مؤاخذة بل ذلك عين المصلحة، وإن أطعتموه «أي البرلمان» إنكم لموحدون!
ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية أن بعضًا من الكفار جاؤوا يجادلون المسلمين، ويبثون بينهم الشبه، فقالوا في شأن الميتة التي حرمها الله تعالى: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله وما ذبح الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟! فقال الله ﷻ: ﴿وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ﴾ أي فأكلتم الميتة؛ ﴿إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
نعم إنها مجرد شبهة ألقاها هؤلاء المشركون وأوحاها إليهم شياطينهم، وفي مسألة واحدة ألا وهي تحليل الميتة، ومع ذلك يقول الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم في هذه القضية الجزئية التي ربما عدها بعض العصريين من القشور وإن أطعتم هؤلاء المشركين واتبعتموهم فيما قالوا من تحليل الميتة إنكم إذن لمشركون.
فكيف بمن يتبع هذه المجالس التي ما قامت أصلًا إلا على أساس التحليل والتحريم، والتي أعطت لنفسها حق التشريع المطلق، إلا فيما يخالف دساتيرهم، والتي أملتها أهواؤهم وأنتجتها أفكارهم وصاغتها شهواتهم، إن هؤلاء البرلمانيين لا يحتاجون فيما يحللونه ويحرمونه مما يصادم الشرع ويناقض أحكامه إلى شبهة شرعية يتعلقون بها؛ ليذروها في أعين السُذج الجهلة، فهم لا يلقون للشرع بالًا ولا يقيمون له وزنًا، وإنما يشرعون ويقترحون ويرتؤون بمجرد نظرهم وبحسب ما تمليه أهواؤهم التي يسمونها مصالح! فأُحِل الربا باسم المصلحة الاقتصادية، واستُحِل الزنا والخنا باسم الحريات الشخصية، وأُبِيحت الخمور والخمّارات تحت شعار السياحة والترفيه.
فإننا نعلم مثلًا: أن الخمر مُحرَّم في دين الله تعالى تحريمًا قطعيًا معلومًا من دين الإسلام بالضرورة، فلو أن برلمانيًا أحمقَ أراد أن يقترح رفع الحظر عن بيع وتجارة الخمر لرفع اقتصاد البلاد المنهار لمدة سنة أو سنتين أو أبد الآباد أو لأجل الترويح عن السياح الوافِدين؛ فليس عليه في ذلك مؤاخذة ولا يبقى إلا إقرار الأغلبية لهذا المشروع الاقتصادي الكبير! فمتى أقرته الأغلبية البرلمانية؛ صار بيع الخمر والاتجار فيه مباحًا، ليس لأحد أن ينكره، ومن خالف التشريع البرلماني؛ عرّض نفسه للملاحقة والعقوبة، فصاحب الفاحشة الكبرى فعلة قوم لوط يريد تشريعًا ينتفع به إخوانه ومشاكلوه، والزناة الْمُجَّان يقترحون أنظمة تحفظ لهم فحشهم ومجونهم وخلاعتهم، والمرابون يقدمون تشريعات تضاعف لهم أموالهم وتصون رباهم، والخمّارون السِّكِّيرون يعرضون ما يبقي لهم خمورهم وخمّاراتهم ويحصِّن كل عربيد سِكِّير مثلهم، والمخنثون يشرعون ما يضمن لهم تخنثهم وتميعهم، وهلم جرًّا!!
فكل هذه الموبِقات والانحطاطات والفواحش والمنكرات من حق البرلماني أن يعرضها على إخوانه البرلمانيين لتُقرَّ كقانون ما لم تخالف الدستور وليس الشرع! ويجب على الجميع التزامها واحترامها وتقديسها وعدم التعرض لها إن خرجت من تحت قبة مجلس الأرباب! ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، وهكذا كل قانون يراد تمريره وتقريره وتشريعه بشرط واحد وهو ألا يصطدم مع دستور البلاد الذي يُقسِم كل برلماني على احترامه، أما لو صادم كل نصوص الشرع، بل لو صادم الشرع كله؛ فالربوبية البرلمانية أولى وأعلى وأغلى وبالتالي؛ فهي تكفل له الاعتماد وقوة الإلزام؛ لأنها في النظام الديمقراطي فوق كل ربوبية وسيادتها تعلو كل سيادة.
ثالثًا: إن الحكم على أي شيء بأنه حق أو باطل أو جائز أو محرم أو ممنوع أو مرخص فيه؛ إنما مرجعه في دين الإسلام إلى الدليل الشرعي الخالص؛ كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، أو ما كان تابعًا لهما ومستنبطًا منهما كالإجماع والقياس، ومثل هذه الأوصاف والأحكام لا تثبت لا بمجرد العقل ولا الذوق ولا الرغبة ولا تقررها خبرة مجردة ولا تجربة عميقة، وهو حق رباني خاص خالص لا تكتسبه أية طائفة تحت أي وصف من الأوصاف ككونها سياسية أو أغلبية أو عربية أو أعجمية أو غير ذلك، فما كان حقًا فبالشرع ثبت له هذا الوصف، وليس لأي جهة أن تنزعه عنه، وما كان باطلًا فبالشرع استحق هذا الوصف، وليس لأي جهة أن تسلبه إياه، ولو اجتمع أهل السماوات والأرض لأن يحقوا ما أبطله الشرع أو يبطلوا ما أباحه الشرع أو يذموا ما مدحه الشرع أو يمدحوا ما ذمه الشرع؛ فإنهم لن يستطيعوا ذلك تحت أية دعوى؛ فيبقى الحق حقًا، والباطل باطلًا، والهدى هدى، والضلال ضلالًا، وترجع مقترحاتهم وآراؤهم خائبة خاسرة.
هذا ما يقرره الإسلام وما يجب أن يعتقده كل مسلم، أما في دين الديمقراطية فإن الحكم على الشيء بكونه صحيحًا أو باطلًا، حسنًا أو قبيحًا، تقدمًا أو رجعية، ممدوحًا أو مذمومًا، إنما هو للأغلبية البرلمانية التي نابت عن الشعب، وليست هذه المسألة هي عين ما ذكرته من قبل من إعطاء حق التشريع للبرلمان وفق النظام الديمقراطي وإن شابهتها؛ فحق التشريع ثابت لكل البرلمانيين، فلكل واحد أن يقدم من المشاريع والقوانين والمقترحات ما يحب ويهوى ما لم يخالف دستورهم، إلا أن تلك القوانين إنما تأخذ شرعيتها وتصحيحها وتحسينها ومدحها من تصويت الأغلبية عليها، والمصيبة الأعظم والموبقة الأطم أن هذا القانون حينما يخرج من تحت قبة البرلمان؛ فإنه يخرج باسم الجميع، فكل عضو من أعضاء البرلمان يعد مقرًا وموافقًا ومعترفًا بشرعية القانون؛ وعلى هذا فإن تشريع القوانين أيًا كانت في مجالس الأرباب يمر في الجملة بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: هي تقديم المقترح من قبل العضو البرلماني، وكل يعمل على شاكلته، والإطار الوحيد الذي يسير عليه الجميع ويلتزمون سِكّته هو عدم خروجهم عن حدود دستورهم الذي ارتضوه وتواطؤوا عليه، لا اتباعًا للشرع وإنما تقديمًا وتقديسًا للأهواء.
المرحلة الثانية: وهي التي نتحدث عنها هنا؛ وهي التصويت على هذا القانون، وتقليب الآراء، وإبداء المقترحات والتعديلات، فبعدما يُقدَّم القانون من قبل مقترحه إلى إخوانه البرلمانيين فيدلي كل واحد منهم بدلوه؛ إن شاء اعترض، وإن شاء وافق، وإن شاء عدّل، وإن شاء سكت، فإن صوّت على هذا القانون أكثر البرلمانيين؛ فعندها يأخذ هذا القانون طريقه إلى الشرعية.
المرحلة الثالثة: وهي خروج هذا القانون من تحت قبة البرلمان، إما مباشرة، وإما بتصديق الرؤساء والملوك عليه بحسب دستور كل دولة وأهواء ساستها؛ فحينما يخرج هذا القانون من قبة البرلمان فلا يخرج باسم الأغلبية فحسب، بل يكون كل عضو من أعضاء البرلمان مشاركًا في إضفاء الشرعية عليه واعتباره أحد القوانين المقدسة الملزمة التي يجب على الجميع أن يلتزموه ويتقيدوا به، وأضرب لذلك مثلًا يتضح به الوجه العبوس الذميم لدين الديمقراطية الأثيم الذي يحاول الكثيرون جاهدين تحسينه وتزيينه وإخفاء قبائحه عن الناس: فلو أن رجلًا برلمانيًا ساقطًا اقترح أن تنشأ صالات أفراح علنية لتزاوج الرجال فيما بينهم، ولم يخرج في مقترحه عن حدود الدستور؛ فعندها يشرع البرلمانيون في مناقشة هذا المقترح، ويبدي كل منهم رأيه سواء كان معارضة أم موافقة أم تعديلًا أم سكوتًا، فما أن تنتهي المناقشات والاقتراحات والخيرة من أمرهم حتى يشرع في التصويت والذي يعني معرفة إن كان الموافقون على القانون هم الأكثرية أم لا، فإذا صوَّت على هذا القانون أكثرية البرلمانيين واعترض أو سكت الأقلون؛ فعندها يصبح إنشاء صالات أفراح لزواج الرجل بالرجل قانونًا شرعيًا معتمدًا من قبل البرلمان، وليس من قبل الأكثرية فحسب، فالاعتراض الرسمي إنما يكون فقط على المقترح قبل إقراره واعتماده، أما بعد إقراره من البرلمان وتصويت الأكثرية عليه فلا وجه للاعتراض؛ لأنه صار قانونًا مصبوغًا بالصبغة الشرعية وهي خروجه من قِبَل البرلمان، وإذ ذاك كذلك فعليهم جميعًا أقلية كانوا أم أكثرية أن يقولوا: آمنا به كل من عند برلماننا!!
وهذه أكبر طامة يقع فيها البرلمانيون الإسلاميون، وكثير من الناس لا يدركون هذه الحقيقة، ويحسبون أن الأمر لا يعدو أن يكون تقليلًا للمفاسد، أو كبحًا للتمادي في التشريعات المخالفة للشرع، أو تحصيلًا لبعض المصالح من خلال القنوات الرسمية كما يسمونها، ولهذا قلت ولا زلت أقول: لو أن برلمانًا من البرلمانات قدَّم أحكام الشرع كمقترحات تُقبل أو لا تُقبل ونظر فيها نظر الباحث المتفحص الذي يسعه القبول أو الرد لا نظر المستسلم المنقاد المذعن الخاضع، ثم أقر البرلمان بالإجماع تطبيق أحكام الشرع؛ فإن هذا لا يخرجه عن كونه برلمانًا كفريًا شركيًا طاغوتيًا، ولا يخرج تلك الأحكام التي أقرها ووافق عليها عن كونها قانونًا وضعيًا تواطأ على قبوله مجموعة من البشر بحجج وافقت أهواءهم يوشك أن ينقضوها أو ينقضها غيرهم أول ما تتبدل الآراء والأهواء.
هذا سوى أن الشرع لم يجعل للأكثرية عصمة ولا قدسية ولا ميزة، بل لا تكاد تراها في الكتاب العزيز إلا مذمومة كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]، وقال ﷻ: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ [الإسراء: 89]، وقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: 71].
والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة، فما الذي جعل ميزان الأكثرية في عصر الديمقراطية ميزانًا صحيحًا ومرجحًا منضبطًا ومشرعًا مسددًا وحكمًا مقسطًا؟ قال ﷻ: ﴿أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ﴾ [القمر: 43]، هذا وقد كتب عن هذا الدين الجديد -أعني دين الديمقراطية- الكثيرون من العلماء والدعاة وبينوا قبحها، وأظهروا حقيقتها، حتى يكون الناس على بيّنة من أمرها، وإنما أردت هنا الإشارة فقط إلى بعض أهم تلك الطوام والدعائم التي تقوم عليها الديمقراطية، وإلا فلو ذهبنا نتتبع السبل الشيطانية التي اشتملت عليها لطال بنا المقام، وقد طال والله المستعان.
بقي أخيرًا أن أنبه أن ما قلته هنا إنما قصدت به بيان شيء من النواقض الجلية التي يتضمنها دين الديمقراطية؛ ليتصورها المسلم تصورًا صحيحًا، ويحذر من الانزلاق فيها والتلبس بها؛ فيفرِّط في دينه وهو أعز ما يملكه، والخسارة فيه خسارة كل شيء؛ وعليه فليس المقصود هنا هو البحث عن حكم أعيان الأشخاص الذين ابتُلوا بالدخول في هذا الدين الجديد، وما ذكرته من الحكم على الديمقراطية لا يستلزم الحكم على من مارسها جاهلًا أو مُتأولًا، فبيان الحقائق العلمية الشرعية مجردة شيء وتنزيلها على الأعيان شيء آخر.
نسأل الله ﷻ أن يهدينا ويثبتنا ويربط على قلوبنا حتى نلقاه على سبيل الحق والهدى غير مبدلين ولا مغيرين.
والحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: الديمقراطية.. الصنم العصري
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا