حكم طلب الإمارة لمن رأى في نفسه القدرة على تحمل أعبائها

السؤال: حديث النبي : أن الذي يطلب الإمارة يوكل إلى نفسه، وأن الذي يعطاها بدون طلب يعينه الله ، لكن إذا كان الأمير ليس بقادر على مسؤولية الإمارة وتكاليفها، أو لا يقوم بأمورها بشكل صحيح وهناك رجل يظن في نفسه القدرة على ذلك، وعنده الخبرة والكفاءة طبعا مع الصدق في ذلك فهل يجوز له أن يطلبها لنفسه أم لا؟

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ سَلْمَى وَجَارَتِهَا

أَلَّا تَمُرَّ بِوَادٍ قُرْبَ وَادِيهَا

وقد ورد النهي الصريح من النبي ﷺ عن طلب الإمارة فقال موصيًا أحد أصحابه: (يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها)٣٬٥٦٠رواه أحمد [٢٠٦٢٨]، والبخاري [٦٦٢٢]، ومسلم [١٦٥٢] وغيرهم..

ص 2845

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى

فَكُلُّ مُعِينٍ مَا عَدا اللهَ خَاذِلُ

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة)٣٬٥٦١رواه البخاري [٧١٤٨].، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله استعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)٣٬٥٦٢رواه مسلم [١٨٢٥].، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أمِّرنا على بعض ما ولاك الله ﷻ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: (إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله، أو أحدًا حرص عليه)٣٬٥٦٣رواه البخاري [7149]، ومسلم [1733]..

فالأصل الذي يستمسك به ويسار عليه هو عدم تأمير من طلب الإمارة صراحة، أو ظهرت عليه أمارات الحرص عليها، وألقى كلماته تلويحا وتلميحًا، لأن ذلك من علامات البحث عن حظ النفس وتحصيل رغباتها من خلالها وهو ما يؤدي إلى إضاعة حقوق الناس، وتقديم خَلاَق النفس على أداء ما أوجبه الله تجاههم، وبهذا يزول مقصود الولاية أو ينقص، وبذلك يوبق نفسه ويهلكها كما قال النبي ﷺ: (ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور)٣٬٥٦٤رواه أحمد [(9573)، وقال الأرنؤوط: «إسناده قوي»] وغيره..

ص 2846

وقد يكون المرء ضعيفًا فيها وهو لا يشعر كما كان الحال من أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي طلب من النبي ﷺ أن يستعمله، فأبان له عن خصلة فيه لم يشعر بها، وقطعًا لم يكن ضعف أبي ذر رضي الله عنه في جسده، فقد كان بطلًا مقاتلًا من أبطال الإسلام، إلا أن الإمارة تحتاج إلى قوةِ قلبٍ وشدة عزيمةٍ، وقد يغيب عن المرء نفسه ضعفه من هذه الجهةِ، حتى قال له في حديثٍ آخر ناصحًا له ومشفقًا عليه: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم)٣٬٥٦٥رواه مسلم [١٨٢٦]..

وأما طلب المرء للإمارة عند تعيِّنها عليه لشغور محلها، أو لوقوع الظلم والجور على مَن هم تحتها فهذا خروجٌ عن الأصل واستثناء منه يجازى فيه المرء على حسب نيته التي لا تخفى على من خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ثم إن معرفة كون المرء كفوًا أم لا قد يكون شيئا نسبيًا، بمعنى قد يقدر المرء أن القائم على هذه الولاية قاصرٌ أو مقصّر في القيام بواجباتها وتحمل أعبائها بينما يراه آخرون هو أفضل من يلي أمرها ويتجرع مرّها، ولهذا لا بد من وجود جهة تجمع بين معرفة الشرع والواقع والاطلاع على مهام الولاية حتى تحكم بأن فلانًا كفوٌ لها أم لا، أما أن يخوض المرء غمار طلبها مدعيًا أنه يريد إصلاح الخلل أو تكميل النقص أو تصحيح الخطأ فهذا في الغالب لا يكاد ينضبط، إلا إذا كان جوره ظاهرًا وفشله بينًا وتفريطه جليًا، بحيث خرجت أفعاله المنتقَدة عما يحتمله الاجتهاد وولجت باب المخالفات الصريحة، ومع ذلك، فالسلامة لا يعدلها شيء.

وكم من أناسٍ ظنوا في أنفسهم القدرة على أداء واجباتها، والصدق في سبب طلبها، وتوهموا حرصهم على إصلاح خللها، فلما ابتلوا بها وكلهم الله إليها فخانتهم أنفسهم، وضلت عنهم ظنونهم، فركبوا فيها الصعب والذلول، وتخوَّضوا في محرماتها غير مبالين، وصارت قلوبهم أسيرة لها، هائمة بالتشبث بحبالها، وقد استدل بعض العلماء على ذلك بما ذكرناه في جواب السؤال الأول: (لا تتمنوا لقاء العدو) وهو قريبٌ من هذا المعنى.

ص 2847

أما من حيث طلب الولاية عند خلو محلها، أو عدم قيام ولاتها بواجباتها، فهو كما ذكرت استثناء من الأصل وخروج عنه ولهذا يقدر بقدره ويتقيد بضوابطه ويقتصر على محلِّه.

قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: «ظاهره يقتضي كراهية سؤال الإمارة مطلقا والفقهاء تصرفوا فيه بالقواعد الكلية، فمن كان متعينًا للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض؛ لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به، فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين وكان أفضل من غيره ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل: فههنا يكره له أن يدخل في الولاية وأن يسألها وحرم بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه وقال: إن ولاه انعقدت ولايته وقد استخطئ فيما قال ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء لأحاديث وردت فيه»٣٬٥٦٦إحكام الأحكام: (1 / 453)..

واستدل بعض العلماء على جواز طلب الإمارة عند تعينها، أو عند تضييعها بقول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 55].

قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: «وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة على مصلحة الأمة. وقد علم يوسف عليه السلام أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، فلا يعارض هذا ما جاء في «صحيح مسلم» عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ (يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحا على جميعهم»٣٬٥٦٧التحرير والتنوير: (12 / 82)، [والحديث سبق قبل قليل]..

والله تعالى أعلم

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: حكم طلب الإمارة لمن رأى في نفسه القدرة على تحمل أعبائها

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا