حد السنان.. لقتال حكومة وجيش باكستان
[ربيع الأول 1430 هـ / 2 - 2009م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فكلما تأمل المرء في المصائب المتوالية التي تداهم أمتنا الإسلامية، والمشكلات المتداخلة التي تشعبت في كل جزء من أجزاء حياتها، وجد أن مرجعها إلى البلية الكبرى التي أصيبت بها سائر بلاد المسلمين، وهي تنحية الشريعة الإسلامية وتغييبها عن حياتهم بعد أن كانت حقيقة قائمة وشريعة حاكمة، فغرقت أوطان المسلمين في بحر الجاهلية الجهلاء، ويممت وجهها شطر المشرق تارة، والمغرب تارات وراحت تستجلب من الكفرة أفكارهم وقوانينهم ونظمهم السياسية والاقتصادية وغيرها، وبدأت الأمة تتطبع بطباعهم، وتتشبه بطرائقهم، وتركض وراء سرابهم لتملأ به الفراغ الهائل الذي أحدثه بُعْدُها عن شريعة ربها فلا تدرك منه إلا ما يزيد ظمأها ويعزز جاهليتها ويضاعف شرودها عن دينها الذي فيه عصمة أمرها، وبه قوام حياتها، وهذا جزاء كل من أعرض عن شريعة الله وتنكر لذكره وتعلق بغيره: حيرة واضطراب، ونكد وعذاب، ومصائب ونكائب، وتيه وشرود، وضيق وشقاء، وحرج وعناء، كما قال ﷻ: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].
قال الإمام ابن كثير في هذه الآية: «أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾ أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حَرج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة»٢٬٨٧٧تفسير ابن كثير: (5 / 323)..
وهذا الضنك والعذاب والحيرة كما يكون على مستوى الأفراد بآحادهم فيتنزل أيضًا في حق المجتمعات والدول التي شردت عن الحق وتنكرت للهدى، وتردت في مهاوي الردى، وركضت هائمة وراء الهوى، وهامت على وجهها في صحَارى الباطل، فلا تسأل بعدها عما يعمها من الفساد ويلحقها من النكاد.
فإذا كانت البركات والرحمات تنفتح على أهل القرى مع إيمانهم، وتقواهم، وصلاحهم، وإصلاحهم، واستقامتهم، فإنها تنزع وترفع إذا انقلب حالها وتبدل أمرها واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا يظلم ربك أحدًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]، وقال ﷻ: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]، وقال ﷻ: ﴿وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا﴾ [الجن: 16-17]، وقال ﷻ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وفي مقابلة ذلك فما أن يشاع الظلم -وأعظمه الكفر بالله والتنكر لشريعته- ويرفع العدل، وتفشو الخطايا، وتنتشر المعاصي إلا وعم الفساد البر والبحر، كما أخبرنا بذلك العليم الخبير ﷻ: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، وقال ﷻ: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ [الشورى: 30].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس -وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن- ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان، ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط عليهم عدوهم فاستنقذوا بعض ما في أيديهم، وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيه إلا جعل الله بأسهم بينهم)٢٬٨٧٨رواه البيهقي في شعب الإيمان [٣٣١٥] -وهذا لفظه- وابن ماجه [4019]، والحاكم [٨٦٢٣] وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا البزار [4463] في مسنده وغيرهم..
وذلك لأن الناس بين أن يتبعوا الحق المنزل من عند ربهم على نبيه وصفيه محمد ﷺ فينعموا ويسلموا ويحيوا حياتهم الطيبة، وبين أن يتبعوا أهواءهم ويركضوا وراء شهواتهم وينقادوا لنزواتهم ويتذللوا لأفكارهم ويفتنوا بآرائهم التي يزينها لهم الشيطان فتحل بهم النقمة، ويتفاقم الفساد، والله لهم بالمرصاد، كما قال ﷻ: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71].
فليس في الأرض إلا حكمان، حكمٌ شرعه الله وأمر عباده بالإيمان به، والسير عليه، والتحاكم إليه، وهو الدين القويم الذي أنزله الرحمن الرحيم، وحكمٌ جاهلي ساقطٌ نابعٌ من الأهواء لا يقبل الله من أصحابه صرفًا ولا عدلًا مهما زينوه وارتضوه وتواطؤوا عليه ودعوا إليه، كما قال ﷻ: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال سبحانه: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [هود: 112]، وقال ﷻ: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الزخرف: 43]، وقال العلي الحكيم: ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ﴾ [النمل: 79]، وقال عز من قائل: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩ هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 18-20]، وقال ﷻ: ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [يونس: 32].
فقضية السعي لتحكيم الشريعة وإقامة دعائمها وفرض أحكامها ليست من نوافل الأعمال ولا من فضول التطوعات التي للمرء فيها سعة، وإنما هي أم القضايا وأساسها لأنها تعني باختصار بقاء الإسلام أم ذهابه، فالعبادة -كما نعلم- بمفهومها الشامل الكامل تعم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة، والله سبحانه ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا كما قال ﷻ: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57]، وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، وقال ﷻ: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزمر: 11]، وقال ﷻ: ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي﴾ [الزمر: 14].
إذن فمسألة إقامة الشريعة ونشرها وفرضها وتحكيمها هي قضية العبادة، وهي القضية التي خلق الخلق لأجلها، وعلى الناس أن يدخلوا في دين الله كافةً استسلامًا وإذعانًا، وليس لهم أن يتخيروا وينتقوا ويقبلوا ويردوا، كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [البقرة: 208]، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا ﴿فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ﴾ [البقرة: 208]؛ أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعًا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته»٢٬٨٧٩تفسير السعدي: (1 / 94)..
وقال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله في هذه الآية: «لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا ﴿فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36]، يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد»٢٬٨٨٠تفسير الطبري: (20 / 271)..
فعلى المسلم الصادق مع ربه الجاد في طلب رضاه الحريص على أمر دينه أن يجعل هذا الأمر همه وهمته ويبذل ما في وسعه لتحقيقه وإقامته، وسلوك سبيل الهدى لتحصيله، غير مدخر لذلك جهدًا، فمسألة إقامة الدين وتحكيم الشريعة هي معركة العصر، وقطب رحاها، وملحمة الزمان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، الذي زين للناس أنظمة الجاهلية، ودعاهم إلى قوانين الكفر، وحسن في أعينهم شرائع الضلال، ونصب جنوده من الإنس والجن يغوون الناس بزخارف الأقوال والأفعال، ويستدرجونهم لدركات المهالك بكل وسيلة وحيلة، وأقام دعاته على أبواب جهنم وسبل الإغواء ينادون ويصرخون ليلًا ونهارًا: هلـمَّ إلينا هلـمَّ إلينا!، وألقى في الطرقات شرائك الشبهات وشبائك الشهوات تزيغ هؤلاء وتُردي أولئك، فانقسم الناس إلى طائفة حق تدعو إلى الهدى وتنادي بالصلاح والإصلاح وتقاتل دونه، وطائفة غي وضلال ووبال تدعو إلى الردى وتنادي بالفساد والإفساد وتبذل مهجها في سبيل ذلك فتحقق في حق الطائفتين قول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].
هذا وإن أمر غياب الشريعة الإسلامية، وتولي شرذمة من الناس كبر إقصائها ومحاربة الداعين إليها وفرض قوانين الكفر على المسلمين صار سمة عامةً في بلدانهم، ولم تزل الأمة على هذه الحال عقودًا من الزمان، حتى نشأت بسبب ذلك أجيال لا تعرف من الإسلام إلا الأسماء، ولا تدرك من أحكام الشريعة إلا العناوين، وطال عليهم أمد غيابها فألِفوا ما هم فيه واعتادوه فلم يعد يشعر بعظم الفادحة التي هم فيها إلا القليل، وهكذا الإلف يورث التبلد ويبعث على موت القلب، ولو علموا قبح الواقع الذي هم فيه وأدركوا شناعة الداهية الصماء التي يعيشون وسطها لبذلوا للتخلص منها وتخليص العباد من شرها كل غال ونفيس ولاسترخصوا في سبيل دفعها أموالهم وأنفسهم، ولعلموا أن كل مصيبة تهون بجانب مصيبة تغييب الشرع وإحياء أنظمة الطاغوت والله المستعان.
ومن بين الدول التي أصابها ما أصاب بلدان المسلمين ولحقتها الكارثة كأخواتها «باكستان»، والتي يزعم القائمون عليها أنها ما قامت أصلًا إلا من أجل «لا إله إلا الله» وحتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ولكن ومنذ تأسيسها في «14/ أغسطس/1947م» لم يزل الناس ينتظرون هذا اليوم الموعود الذي دفن تحت ركام الشعارات والأماني الكاذبات وسياسات المراوغات والمخادعات وتلاعبات حكومات الفساد المتعاقبة، ففنيت أعمار الكثيرين من الصلحاء وهم يترقبون فذهبوا وغابوا والحسرات تقطع نياط قلوبهم إذ لم يروا ما وعدوا به ولا شموا رائحته، بل هبت عليهم رياح التغريب وعواصف التخريب لتقتلع ما تبقى من شعائر الإسلام وعقائده وسماته وخصائص هويته، فوصل أمر باكستان إلى ما لا يستطيع مبصرٌ أن ينكره من التنكر للشرع، والتنصل من أحكامه، وتسلط الفجرة، والولاء للكفرة، والمناصرة المكشوفة لهم، ومحاربة أهل الإيمان وتقديمهم قرابين لإرضاء النصارى الضالين.
وصارت باكستان ركنًا ركينًا في التحالف الكافر المجاهر بحرب دين الإسلام، وأصبح جيشها وأجهزة استخباراتها وشُرَطِها رأس حربة تشارك مشاركة مباشرة في تمزيق أوصال جسم الأمة الإسلامية، ومع ذلك كله فمازلنا نجد من يتردد، أو يشك، في وجوب قتال هذه الدولة كغيرها من الدول التي تمردت على شرع الله، وأعرضت عن دينه وهداه، وتولت الكفرة من كل نحلة مناصِرةً لهم بالرأي والرجال، وإقامة القواعد العسكرية، وتخلية الأجواء لجميع أنواع طيران الكفرة النصارى، وتسهيل طرق الإمداد مع حمايتها، وفتح السجون لتكتظ بالمؤمنين الموحدين: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 8-9]، وإن واحدةً من هذه الأمور كافية في شرعية ووجوب قتال من اقترفها وعاون أهلها ضد المسلمين فكيف بها مجتمعة، مع تفاقمها وتعاظمها والمجاهرة والمفاخرة بها يومًا بعد يوم؟
وإن المرء ليقف مشدوها مدهوشًا من هذا التردد والتحير الذي يحصل للبعض تجاه قتال هذا النظام وأعوانه وأوتاده المردة الذين لا يردون لسادتهم أمرًا، مع تلبسهم بتلك العظائم التي أشرنا لبعضها آنفًا، ويتساءل بحقٍ: إذا كان هؤلاء وأمثالهم لا يستحقون القتال لقطع دابر شرهم المستطير وفسادهم المستشري في الدين والدنيا فمَن هو الذي يستحقه إذن؟!
فكلنا يعلم قصة يهود بني قينقاع الذين أجلاهم النبي ﷺ، وكان ينوي استئصالهم لولا تدخل المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وإلحاحه على النبي ﷺ بأن يعفو عنهم، وكان سبب تلك الغزوة كما جاء في كتب السير أن: «امرأة من العرب قدمت بجلَبٍ لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله -و كان يهوديًا- فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع»٢٬٨٨١سيرة ابن كثير: (3 / 5)..
فإذا كانت هذه الأمور كلها حصلت بمجرد أن امرأة واحدة كشفت سوأتها واستحق هؤلاء اليهود المعاهدون جزاءهم الأوفى على ذلك، فكيف بمن أقام مؤسسات دولته، وأنشأ أجهزتها الاقتصادية والإعلامية والعسكرية والتجسسية كلها على محاربة الدين جملة وتفصيلًا، فدمَّر الأخلاق، ومسخ العقول، وهتك أستار الحياء، و«كشف السوءات»، وهدم العقائد، وفتح أبواب التشكيك في مسلمات الدين، وجعل دولته بجميع مكوناتها وأجنحتها جنديًا مخلصًا طائعًا منصاعًا لكل ما يأتيه من أهل الكفر من نصارى وغيرهم، وملأ السجون من الركع السجد من النساء والرجال والعلماء والمجاهدين لا شيء إلا لإيمانهم بالحق ودعوتهم إليه ومطالبتهم بتحكيمه؟
فأين حادثة كشف سوأة امرأة واحدة -وهو أمرٌ عظيمٌ بلا شك- من كل هذه الجرائم والعظائم؟
وأين جريمة فعل عفوي ارتكبه يهودي سخيف ماجن من الجرائم المنظمة التي وضعت لها البرامج بعناية تامة ودقة فائقة ومكرٍ دفين؟!
وأين قتل واحدٍ من المسلمين على أيدي يهودٍ أخذتهم حمية جاهلية وغضبة شيطانية من تقتيل المئات من المؤمنين وتهديم ديارهم وقراهم وتمزيق أجسادهم في سجون الظلم والطغيان كل ذلك مناصرة لأولياء الشيطان وإرضاءً لعباد الصلبان؟!
وعليه؛ فقد جاءت هذه الورقات المختصرات لتبيِّن أن قتال هذه الدولة وما شاكلها هو من الواجبات الشرعية التي لم يختلف فيها العلماء قاطبةً، وأن بذل الجهد في ذلك هو من أعظم الجهاد في سبيل الله، لأن به حفظ رأس مال الأمة في إسلامها وعقيدتها وأحكامها، وهو دعوة لعلماء باكستان الأجلاء ودعاتها الفضلاء لأن يدركوا الأمانة الملقاة على كاهلهم بتحريض المؤمنين على القتال، وليعلموا أن يوم الملحمة واللقاء قادمٌ لا شك فيه مهما حاولنا تفاديه أو تأخيره، فالسعيد من جعله الله قدوة للناس، وإمامًا في الهدى، ومفتاحًا لأبواب الخير، وأسوة للمؤمنين في التضحية والبذل والفداء، ليكون بذلك حقًا مؤتسيًا بالنبي ﷺ الذي أنفق ماله، وبذل دمه، وفارق قومه، وهجر وطنه، وقاتل الأقربين قبل الأبعدين، حتى أظهره الله على عدوه، وقر عينه بالفتح العظيم، فسبيله هي السبيل لمن أراد إعزاز الدين وسلوك سيرة سيد الأولين والآخرين، والائتساء به في الشدة الرخاء، والسراء والضراء، ومن هنا قال الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، والله المستعان وعليه التكلان.
أولًا: اتفاق العلماء على وجوب خلع الحاكم الكافر
إذ لا خلاف بين العلماء أن الولاية لا تنعقد لكافر ابتداء، وأنه لو طرأ عليه الكفر فيها لوجب خلعه، فالإسلام شرطٌ في الولاية مطلقًا لا بد من ثبوته في الابتداء والأثناء، كما جاء في الموسوعة الفقهية: «لا ولاية لكافر على مسلم، لا ولاية عامة ولا خاصة، فلا يكون الكافر إمامًا على المسلمين، ولا قاضيا عليهم، ولا شاهدًا، ولا ولاية له في زواج مسلمة، ولا حضانة له لمسلم، ولا يكون وليا عليه ولا وصيًا... والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدا»٢٬٨٨٢[الموسوعة الفقهية الكويتية: (7/146)].، وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله: «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال»٢٬٨٨٣أحكام أهل الذمة: (2 / 414)..
وذلك لأن الولاية منصب شرف وموطن ديانة، ومهامها من أعظم المهام، فالإمامة كما قال عنها إمام الحرمين الجويني رحمه الله: «رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا، متضمَّنُها حفظُ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين»٢٬٨٨٤غياث: (15).، فهل يُنتظر أن يقوم بهذه المهام العظام ويتولى أمر إقامة الدين وصيانة الدنيا أعداؤه الكفرة ونابذوه الفجرة؟!
والكافر-أصليًا كان أم مرتدًا- هو محل الإذلال والامتهان، والضعة والصغار، وأعماله كسراب بقيعة أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فكيف يتبوأ هذا المنصب الشريف، ويرتقي هذا المرتقى المنيف، وتصبح له اليد في الأمر والنهي، والإعطاء والمنع، والرفع والوضع، والوصل والقطع، والمكافأة والمعاقبة، والتولية والعزل، والتقديم والتأخير، وقد بين الله لنا حال الكفرة وما هم فيه من الخسة والدناءة، والسفالة والرداءة، فنعتهم سبحانه بأرذل النعوت فقال ﷻ: ﴿۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، وقال سبحانه: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ﴾ [التوبة: 28]، فكيف يكون مَن هو شر الدواب، وأضل من الأنعام، النجس النحس واليًا على المسلمين وحاكمًا لهم؟!
ولهذا قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، وهذه الآية وإن كان ظاهرها الخبر إلا أن كثيرًا من العلماء قد استنبطوا منها أحكامًا تكليفية تتعلق بمنع ولاية الكافر على المسلم في صغير الأمور وكبيرها، قال الإمام ابن كثير في هذه الآية: «وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال»٢٬٨٨٥تفسير ابن كثير: (2 / 437)..
وقال العلامة أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله عند هذه الآية: «ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلًا في إمساكها في بيته، وتأديبها، ومنعها من الخروج، وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح، كما قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 34] فاقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] وقوع الفرقة بردة الزوج وزوال سبيله عليها لأنه ما دام النكاح باقيا فحقوقه ثابتة وسبيله باق عليها»٢٬٨٨٦أحكام القرآن: (3 / 279)..
وإذا كانت الولاية في مثل هذه الأمور الجزئية المحدودة لا تنعقد لكافر، فكيف بالإمامة العامة ومحلها من الدين ما عُلم، ولهذا قال النبي ﷺ: (الإسلام يعلو ولا يعلى)٢٬٨٨٧رواه الدارقطني [٣٦٢٠]، والبيهقي [١٢١٥٥]، والضياء المقدسي [في الأحاديث المختارة: (8/240)]، والروياني [٧٨٣] عن عمرو بن عائذ، [وحسنه الألباني في الإرواء: (1268)].، وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تقولوا للمنافق سيدًا؛ فإنه إن يكُ سيدًا فقد أسخطتم ربكم ﷻ)٢٬٨٨٨رواه أحمد [٢٢٩٣٩]، وأبو داود [(٤٩٧٧) وصححه الألباني]، والنسائي [١٠٠٠٢]، والبخاري في الأدب المفرد [760] وغيرهم.، فإذا كان النبي ﷺ قد أخبرنا أن مجرد مناداة المنافق بالسيد يسخط الله ﷻ-مع أن المنافق ظاهره الإسلام- فكيف بتولية أشرف المناصب وأعظمها خطرًا في الدين للكفرة الفجرة الذين يحادون الله ورسوله، وكيف إذا أضيف لذلك تعظيمهم وتفخيمهم وتصديرهم وتوقيرهم ومخاطبتهم بعبارات التبجيل والتقدير والاحترام والإعظام، فيكف إذا أضيف إلى ذلك إسلام أمور الإسلام إليهم، وجعلهم قادةً يأمرون وينهون، ويُكرِمون ويهينون، ويقربون ويبعدون، ألا يكون ذلك أدعى لغضب الله وسخطه ومقته -ونعوذ بالله من ذلك- لا سيما وهم يجاهرون بالمشاقة لسبيل المؤمنين، ويتفاخرون بسلوك سبيل المجرمين.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله في الحديث السابق: «فتأملنا ما في هذا الحديث، فوجدنا السيد المستحق للسؤدد هو الذي معه الأسباب العالية التي يستحق بها ذلك، ويبين بها عمن سواه ممن ساده... فكان من يستحق هذا الاسم والكون بهذا المكان من هذه صفته، وكان المنافق بضد ذلك، ولما كان كذلك لم يستحق به أن يكون سيدا، وكان من سماه بذلك واضعًا له بخلاف المكان الذي وضعه الله بذلك، وكان بذلك مسخطا لربه»٢٬٨٨٩مشكل الآثار: (13 / 201)، [ح: ٥٩٨٧]..
وقد كان السلف رضي الله عنهم أشد الناس حذرًا واحتراسًا من تسلل الكفرة شيئًا فشيئًا لاعتلاء أدنى المناصب التي قد يتخذونها مدخلًا لإفساد المسلمين وإطلاق أيديهم للعبث بدينهم، آخذين بحزم وجدٍ قول الله تعالى لعباده المؤمنين محذرًا إياهم من عاقبة تهاونهم في هذا الأمر وركونهم إلى ما قد يتظاهر به الكفرة من الرغبة في النصح والحرص على الإصلاح: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
قال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله: «بطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ويثق بهم في أمره؛ فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين، وأن يستعينوا بهم في خواص أمورهم، وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال: ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ [آل عمران: 118] يعني: لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد أموركم؛ لأن الخبال هو الفساد، ثم قال: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ﴾ [آل عمران: 118] قال السدي: «ودوا ضلالكم عن دينكم» وقال ابن جريج: «ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على المشقة فيه»؛ لأن أصل العنت المشقة؛ فكأنه أخبر عن محبتهم لما يشق عليكم، وقال الله تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 220] وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة»٢٬٨٩٠أحكام القرآن: (2 / 47)..
ولما اتخذ أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كاتبًا نصرانيًا زجره عمر رضي الله عنه أشد الزجر وأغلظ له في القول فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «أن عمر رضي الله عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه وقال: إن هذا لحافظ، وقال: إن لنا كتابا في المسجد، وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ، قال أبو موسى: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد. فقال عمر رضي الله عنه: أجنب هو؟ قال لا بل نصراني قال فانتهرني وضرب فخذي، وقال: أخرجه، وقرأ: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، قال أبو موسى: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ أخانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله فأخرجه»٢٬٨٩١أخرجه البيهقي بهذا اللفظ [٢٠٤٠٩]..
وليس بين العلماء اختلاف البتة في أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وأنه لو طرأ على الإمام كفرٌ وجب خلعه وتنصيب إمامٍ مسلم يحكم بشرع الله تعالى، وهذا هو مقتضى مساق الشرع الذي يدعو إلى التضييق على الكفرة حتى في الطرقات، فأمر باضطرارهم إلى أضيقها كما قال النبي ﷺ: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)٢٬٨٩٢رواه أحمد [٧٦١٦]، ومسلم [٢١٦٧] -واللفظ له-، وأبو داود [٥٢٠٥]، والترمذي [٢٧٠٠] عن أبي هريرة رضي الله عنه..
وأما أقوال الأئمة في وجوب خلع الحاكم الكافر فكثيرة منها: قول الإمام النووي رحمه الله: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْإِمَامَة لَا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْر اِنْعَزَلَ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَة الصَّلَوَات وَالدُّعَاء إِلَيْهَا... قَالَ الْقَاضِي: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْر وَتَغْيِير لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَة خَرَجَ عَنْ حُكْم الْوِلَايَة، وَسَقَطَتْ طَاعَته، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَام عَلَيْهِ، وَخَلْعه وَنَصْب إِمَام عَادِل إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقَع ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِيَام بِخَلْعِ الْكَافِر، وَلَا يَجِب فِي الْمُبْتَدِع إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَة عَلَيْهِ، فَإِنْ تَحَقَّقُوا الْعَجْز لَمْ يَجِب الْقِيَام، وَلْيُهَاجِرْ الْمُسْلِم عَنْ أَرْضه إِلَى غَيْرهَا، وَيَفِرّ بِدِينِهِ»٢٬٨٩٣شرح النووي على مسلم: (6 / 314)..
وقال العلامة الملا علي القاري رحمه الله: «وأجمعوا على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ولو طرأ عليه الكفر انعزل وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها وكذا البدعة..»٢٬٨٩٤مرقاة المفاتيح: (11 / 303).، ثم نقل كلام القاضي المذكور آنفًا.
وكلام هؤلاء الأئمة يتضمن أمرين: الأول: أن انعزال الحاكم عن ولايته يحصل بمجرد طروء الكفر عليه، بمعنى أن صفة الولاية الشرعية تنتزع منه مباشرة عند اتصافه به وتلبسه بالكفر البواح الصراح، فلا يبقى في أعناق الناس شيءٌ من حقوق الولاة عليهم، فلا بيعة، ولا سمع ولا طاعة، ولا يمضي له عقد، ولا يُلزم الناسَ بعهد، فوجود الشوكة والقوة والتمكين وتسيير الأمور وإدارة البلاد من قِبل الحاكم الكافر لا يجعله بذلك واليًا شرعيًا، لأن ثوب الولاية المعتبرة قد نُزع منه بوقوعه في الكفر البين، وهذا ما يدل عليه تعبير الأئمة السابق بقولهم: «انعزل» وبقولهم: «خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته»، فالإمامة الشرعية والكفر لا يجتمعان في شخص، وكما قال إمام الحرمين رحمه الله: «الإسلام هو الأصل والعصام فلو فرض انسلال الإمام عن الدين لم يخفَ انخلاعه وارتفاع منصبه وانقطاعه»٢٬٨٩٥غياث الأمم: (1 /75)..
وهذا يبين لك ما يزل فيه كثيرٌ من الناس المفتونين بثقافة الغرب والمتضلعين من أفكاره والمفتتنين بمصطلحاته من وصفهم لِمن خلع ربقة الإسلام من عنقه من الحكام الكفرة بأنهم الرؤساء الشرعيون، أو أنهم وصلوا إلى الحكم بطريقة شرعية، أو هم ولاة الأمر المعتبرون، وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على إثبات صفة الشرعية لهم وهي التي نزعت منهم ورفعت عنهم من حين وقوعهم في الكفر الأكبر المستبين.
ففرقٌ بين العزل والانعزال، فالأول يقتضي تكلفًا وعملًا واجتهادًا من قبل المسلمين لإزاحة الحاكم الكافر من منصبه وإقصائه عن ولايته فلا تبقى له يدٌ في إدارتها وتسييرها، وأما الانعزال فمن معانيه عدم بقاء الصفة الشرعية للولاية في حق الكافر المتغلب، بمعنى أنه لم يعد واليًا -ولو مع وجوده وقوته وتمكنه- يستحق شيئًا من حقوق الولاية، لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
الثاني: وهو ما يترتب على هذا «الانعدام الشرعي» أو الانعزال الذي حصل للمتولي الكافر، وذلك وجوب القيام عليه وخلعه وتنصيب إمامٍ للمسلمين يقوم مقامه وهو ما عبر عنه الأئمة بقولهم فيما نقلناه آنفًا: «وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَام عَلَيْهِ، وَخَلْعه وَنَصْب إِمَام عَادِل»، فهذا الحكم الشرعي مبنيٌ ومعلَّلٌ بالأمر الأول وهو وقوع الحاكم في الكفر.
ومعلومٌ أن الأئمة متفقون على وجوب تنصيب إمام للمسلمين يأمن سبلهم ويحفظ بيضتهم ويقيم فيهم أحكام الملة، كما قال الإمام القرطبي رحمه الله عند قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة: 30] قال: «هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه»٢٬٨٩٦تفسير القرطبي: (1 / 264)، وقول الأصم ذكره القرطبي بعده فقال: «قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك»..
وهذا الحكم يتأكد إن كان منصب الإمامة قد تغلب عليه حاكمٌ كافرٌ وذلك لعظم المفسدة التي تترتب على بقائه وتحكمه، ففرقٌ بين شغور منصب الإمامة شغورًا حقيقيًا لعدم مَن يقوم عليه وبين أن يسدَّه رجلٌ كافرٌ محادٌّ لله ولرسوله، فإن ضرر الثاني على المسلمين أشد وفساده أكبر لدعوته الناس إلى الكفر ترغيبًا وترهيبًا، وحسده للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله كما قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]، وقال ﷻ: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109]، وقال ﷻ: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89]، وقال عز من قائل: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]
ومبنى إجماع وجوب خلع الحاكم الكافر هو حديث النبي ﷺ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» رواه البخاري، ومسلم٢٬٨٩٧[رواه بنحوه: البخاري: (٧٠٥٥)، ومسلم: (١٧٠٩)].، وغيرهما.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض»٢٬٨٩٨فتح الباري: (13/123)..
إذن فالحكم الشرعي المتقرر باتفاق العلماء سابقهم ولاحقهم أن الولاية لا تنعقد لكافر -أي كافر- وأنه لو طرأ على الإمام كفرٌ بينٌ بواحٌ وجب خلعه وتحتم الخروج عليه، وأولى الناس بالنهوض لهذا الواجب هم العلماء، لأنهم المؤتمنون على الشرع المأمورون بتبيينه المنهيون عن كتمانه وإخفائه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ﴾ [آل عمران: 187]، ولن يقوم هذا الدين إلا بالعلماء المبلغين للحق كما أنزل، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر لا يخافون في الله لومة لائم، ولهذا جاء في نفس حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قوله: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم».
والعلماء رحمهم الله حينما قرروا هذا الحكم وبينوه يعلمون أن للحاكم الكافر الذي زالت ولايته بكفره طائفة من الناس تقاتل دونه وتنافح لحمايته، فالخروج عليه يقتضي حتمًا مقاتلة كل مَن يقف مدافعًا عنه، ومعينًا له في بقاء سلطانه واستمرار حكمه، لأن أمر العزل لو كان يتعلق بتغيير الحاكم من غير إراقة دماء ولا احتدام قتال لكان يسيرًا ولما عبر العلماء بقولهم: «وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَام عَلَيْهِ»، هذا مع أن التاريخ والواقع والفطر شاهدة على أن إزالة حاكمٍ متسلطٍ وإقامة آخر محله من غير قوة ولا مدافعة ولا مقاتلة أشبه بالأحلام، ومن هنا فإن التورع في قتال جيش أو طائفة الحاكم الذي زالت ولايته بكفره هو تورع في غير محله لأنه مؤدٍ إلى تعطيل حكم شرعي واجبٍ بصريح حديث النبي ﷺ واتفاق العلماء وهو وجوب خلع هذا الحاكم الكافر المتسلط وتنصيب إمام مسلمٍ مكانه.
وهذا يبيِّن أن نطق هذه الطائفة المدافعة عن الحاكم الكافر بالشهادتين أو إتيانها بأركان الإسلام أو بعضها أو غير ذلك من شعائر الإسلام لا يمنع من الاجتهاد في مقاتلتها، فالعلماء رحمهم الله علقوا وجوب الخروج على الحاكم بكفره هو ولم يشترطوا كفر طائفته التي تقاتل دونه، وهذا مُدرَكٌ بالاعتبار لأن الفساد العريض والشر المستطير والظلم الكبير الذي سيشمل الدين والدنيا يكفي في شيوعه وفشوه كفر الحاكم وخلعه ربقة الإسلام من عنقه.
عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبي ﷺ عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: (إنه يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ من رضي وَتَابَعَ قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نُقَاتِلُهُمْ قال لَا ما صَلَّوْا)٢٬٨٩٩رواه مسلم [١٨٥٤]، وأحمد [٢٦٥٢٨]، وأبو داود [(٤٧٦٠) بخلاف يسير]، وغيرهم.، فهؤلاء المدافعون عن الحاكم الكافر الذي أمر المسلمون بخلعه وإزالته لم يكتفوا بعدم الإنكار، أو الرضى القلبي، بل أيدوه بأنفسهم، وقاتلوا دونه بأسلحتهم، وحفظوا ملكه بمهجهم، فهم متابعون له ولا شك، فلا محل إذن في هذه الصورة للبحث عن إسلام أو كفر هؤلاء المقاتلين عن الحاكم الكافر الذي أوجب الشرع خلعه، لأن الخطاب الشرعي قد توجه إلى جهة محددة، وصار له مقصدٌ معينٌ ألزم به الناس وهو إزالة هذا الحاكم الكافر الذي تسلط على المسلمين وبلادهم، فكل من وقف دون تحقيق هذا المقصد الشرعي فهو جزءٌ من المنكر الذي يجب تغييره وإزالته، ومعلومٌ أن هذا الواجب لا يمكن تحقيقه إلا بقتالهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: (الْعَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ! فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)٢٬٩٠٠رواه مسلم [(٢٨٨٤) واللفظ له بخلاف يسير]، وأحمد [٢٦٤٥٨]..
قال الإمام النووي رحمه الله في هذا الحديث: «وفي هذا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا»٢٬٩٠١شرح النووي على مسلم: (18 / 7).، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله به»٢٬٩٠٢رواه أبو يعلى [ولم أجده في نسخة مسند أبي يعلى التي بين يديّ، لكن نسبه له غير واحد، كالبوصيري في إتحاف المهرة: (3297)، وابن حجر في المطالب العالية: (١٦٦٠)]..
إذا تقرر هذا فمن المعلوم أن باكستان لم يزل يتعاقب على حكمها رؤساء كفرة لا يزيدونها من دين الله إلا بعدًا، ولا من أنظمة أهل الكفر إلا قربًا، وكلما جاء رئيس لعن سابقه ووعد شعبه ومنَّاه، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فيزيد أهلها نكدًا على نكدهم، ورهقًا فوق رهقهم، فتزداد البلاد والعباد نأيًا عن دين الإسلام وشريعته شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، من موالاة أعداء الله، ومناصرتهم على عباده المؤمنين، ومحاربتها جهارًا للذين يأمرون بالقسط من الناس، وكل هذه الجرائم تتم على أيدي جيشها وأجهزة استخباراتها التي صارت عصًا غليظة في أيدي حامية الصليب وشرطية العالم أمريكا.
فإذا كان المسلمون في باكستان مأمورين شرعًا بإزالة وخلع هؤلاء الحكام الكفرة الفجرة المفسدين المتعاقبين عليها، فإن ذلك لن يتم لهم ولن يتحقق إلا بقتال من يحميهم ويدافع عنهم ويقوي شوكتهم ويحولون بين المسلمين وبين تحقيق الواجب الشرعي وهم جيوشهم وأجهزة استخباراتهم، ولا يسقط عنهم هذا الواجب إلا شيء واحد وهو العجز المحقق الذي يسقط معه التكليف الشرعي إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومع ذلك -إن تحقق هذا العجز-؛ فيجب الإعداد لذلك بكل ما أمكن وتحريض الناس عليه، وحثهم على الاستعداد له، وتعريفهم بحقيقة حكامهم وأحكامهم.
أما باقي الأعذار التي يتعلق بها البعض من قبيل أن هذا الجيش هو الذي يقوم بحماية مصالحنا، ويتولى الدفاع عن أرضنا، أو أنهم مسلمون ينطقون بالشهادتين وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام كالصلاة والصيام والحج ونحوها، فكل تلك الأمور لم يعتبرها الشرع مانعةً من الخروج على الحاكم الكافر الذي تقوم دونه طائفة تحميه وتقويه وتمكن لحكمه، ولو استقامت هذه الأعذار لكان تكليف الشرع لنا بأداء واجب الخلع متناقضًا -وحاشاه-، إذ كيف يأمرنا بأن لا نجعل للكافرين علينا سبيلًا، ويوجب علينا خلع الحاكم الكافر المتسلط، ويحتم علينا تنصيب إمام مسلم يحكم بالشرع، ثم في ذات الوقت ينهانا عن ذلك حينما تكون طائفته التي تدافع عنه طائفةً مسلمة حقيقة أو ادعاءً، مع أن هذا القول لم يذهب إليه أحدٌ من العلماء فيما نعلم، وقد رأيتَ أقوالهم في مسألة وجوب خلع الحاكم الكافر فلم يشترطوا كفر طائفته معه، بل علقوا الأمر على مجرد كفره هو وهو مناط الحكم الذي عليه المدار والله تعالى أعلم.
وهذا على افتراض أن هذه الطائفة المقاتلة دون الحكام الكفرة لا تتعدى مسألة الدفاع العسكري المجرد لحمايتهم، أما ما نحن فيه اليوم فهو أمرٌ وراء ذلك بكثير إذ أصبحت هذه الأجهزة ركنًا ركينًا في تسييس الدولة وتسييرها والتقنين لها وحماية قوانينها ونظمها وفرضها بالقوة والقهر على الناس والتنكيل بكل من يسعى -أو حتى يفكر- في الخروج عنها أو عدم الإذعان إليها وغير ذلك من المهام التي تقوم بها هذه الأجهزة مباشرة، وتنص عليها قوانينها ونظمها صراحة، حتى أصبحت بذاتها وشخصيتها شيئًا مقدسًا لا يمكن المساس به ولا انتقاده ولا التعريض به.
وإذا كان عذاب الله تعالى يعم المستبصر، والمجبور -وهو المكره-، وابن السبيل، كما جاء في حديث الجيش الذي يغزو الكعبة، فكيف إذا كان أصحاب هذا الجيش متطوعين متبرعين من عند أنفسهم فلا إجبار عليهم في دخوله ولا إكراه للانضمام إليه كما هو الحال في الجيش الباكستاني الذي لا يكره أحدٌ من الناس لأن يكون ضمنه ابتداءً، جاء في الموسوعة العربية العالمية: «تتكون القوات المسلحة الباكستانية من جيش قوامه نحو «500000» رجل، إضافة إلى قوة صغيرة من سلاح البحرية والقوات الجوية. وجميع الأفراد المنضوين تحت لواء الجيش الباكستاني هم من المتطوعين».
ثم على افتراض أن فيهم المكرهين المجبورين، فإن الله ﷻ -وهو العليم بذات الصدور وخلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو القادر على أن ينزل عقابه على المستبصرين المتقصدين للقتال فقط- قد اقتضت حكمته أن ينزل العقاب ليعم جميعهم ثم يبعثهم يوم القيامة على نياتهم، فكيف يستطيع المجاهدون أن يميزوا بين المكره والمستبصر والجاهل والمتأول داخل هذا الجيش الذي تولى كبر الدفاع عن هؤلاء الحكام الكفرة وأنظمتهم الغربية، بل إن قتال المجاهدين لهذا الجيش وأمثاله هو نوع من العذاب الذي يصيبهم الله به كما قال سبحانه: ﴿وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].
ولهذا قال العلامة أبو العباس رحمه الله: «فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته المكره فيهم وغير المكره، مع قدرته على التمييز بينهم مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه، كما روي أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ لما أسره المسلمون يوم بدر: يا رسول الله إني كنت مكرها فقال: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله)٢٬٩٠٣[صحيح، وتقدم في: (ص 868)].، بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضًا؛ فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتِلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار، ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضًا في أحد قولي العلماء»٢٬٩٠٤مجموع الفتاوى: (28/537)..
وإذا كان الله ﷻ لم يعذر من بقي بمكة ولم يهاجر مع احتجاجه بأنه كان مستضعفًا وزعمه أنه أخرج إلى بدرٍ مكرهًا، وجعل دماءهم هدرًا، ومآلهم -والعياذ بالله- جنهم، فكيف بهؤلاء المجرمين الذين يخرجون لقتال المسلمين طواعيةً، ويسلكون كل سبيل ليكونوا ضمن هذا الجيش بتمام اختيارهم وكامل إرادتهم، فتأمل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]، قال العلامة أبو بكر الجصاص: «وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام، وروي عن ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي، إن الآية نزلت في قوم من أهل مكة تخلفوا عن الهجرة، وأعطوا المشركين المحبة، وقتل قوم منهم ببدر على ظاهر الردة»٢٬٩٠٥أحكام القرآن: (3 / 228)..
أما إثبات كفر الحكام القائمين على باكستان فهذا أظهر من أن يُظهَر، وأشهر من أن يُشهر، ولو لم يكن فيهم إلا موالاتهم التامة ومظاهرتهم العلنية للنصارى في احتلالهم لأفغانستان وإعانتهم لهم على قتال المجاهدين وأسرهم وتسليمهم للكفرة يعذبونهم وينكلون بهم، وفتح أبواب الإمداد على مصارعها أمام العدو المحتل حتى أصبح أكثر من «80%» من مواده العسكرية والتموينية وغيرها تأتي عن طريق باكستان وتحت حماية الجيش الباكستاني، لو لم يكن إلا هذا لكفى، فكيف ومكفراتهم التي تلبسوا بها قد ركبوها طبقًا على طبق.
ولك أن تسأل وقد ناهز عمر باكستان منذ نشأتها الستين عامًا؛ كم من الحدود الشرعية التي طبقت وأقيمت على أصحابها منذ ذلك الوقت؟! وهل يعقل أن دولة خاضت ثلاث معارك كبيرة، وقوام جيشها نصف مليون أن تكون عاجزة خلال ستين عامًا عن إقامة المحاكم الشرعية التي لا تحكم ولا تتحاكم إلا إلى شرع الله القويم؟ مع أنها في المقابل لم تزل تخرِّج قضاة المحاكم الوضعية أفواجًا، أفواجًا، وتفسح المجال أمامهم ليجروا أحكامهم الطاغوتية ويفرضوها على الناس؟ فهل يصدقهم بعد ذلك في ادعائهم العجز إلا أبله؟! وعلى كل صادق مع نفسه حريص على تحكيم شريعة ربه أن ينظر إلى الواقع الذي تعيشه باكستان والمنحدر الذي تهوي إليه منذ نشأتها وإلى يومنا هذا، فهل يرى هذه الدولة تقترب من دين الله وإقامة أحكامه وتحكيم شرائعه أم أنها لا يمر عليها يوم إلا وهي تزداد عن ذلك بعدًا ولأهله معاداة ومحادة؟
فأين لا إله إلا الله التي يزعم الزاعمون أن باكستان قامت على أساسها ولأجلها، وهل قيمة هذه الكلمة وحقيقتها هي مجرد أحرف يزين بها شياطين الجيش جدران ثكناتهم ومراكزهم: إيمان، تقوى، جهاد في سبيل الله؟ ثم ينقضونها بالإيمان بالطاغوت، والتقوى لقوى الكفر، والجهاد لأولياء الرحمن إرضاء لأولياء الشيطان؟
إن دين الله تعالى لم ينزل ليكون شعارات تزين بها الجدران والحيطان والخرق واللافتات، ولا ليصبح هتافات يُصرخ بها في الطرقات، ويُتنغَم بها في المحافل والمنازل، وإنما جاءت شريعته لتكون مهيمنة على الحياة كلها، لا يشذ عنها شيء في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والقضاء، والعلاقات، والإعلام وكل شعبة من شعب الحياة، وإلا فلو كانت «لا إله إلا الله»، ومعاني شريعة الإسلام تقتصر على ما يتوهمه البعض، فما كان أيسر مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين كابدوا كل عناء، وتحملوا كل لأواء، وعادوا القريب والبعيد، ونابذهم لأجلها العزيز والدنيء، وما ذلك إلا لأنهم أدركوا أن الأمر يقتضى انقلابًا تامًا على نمط الحياة الذي اعتادوه وألفوه وعبروا عنه بقولهم: ﴿حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ [المائدة: 104]، وبقولهم: ﴿بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ [لقمان: 21]؛ فها هي الأعمار تنقضي، والأجيال تتابع، ولا يمر زمنٌ على هذه الدولة إلا وهي نقضت عروة من عرى الإسلام، وأبرمت عقدة من عقد الكفر، حتى يكاد يصدق فيها قول النبي ﷺ: (لتنقضن عرى الإسلام عروةً، عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة)٢٬٩٠٦رواه أحمد [٢٢١٦٠]، وابن حبان [٤٨٦٦]، والطبراني [في الكبير: (٧٤٨٦)]، والحاكم [٨٦١١]، وغيرهم [وجوّد إسناده الأرنؤوط]..
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]، قال العلامة أبو بكر الجصاص رحمه الله: «وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول، والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي ﷺ قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان»٢٬٩٠٧أحكام القرآن للجصاص: (3 /181)..
وإذا كانت هذه الحكومات وجيشها عاجزة عن تطبيق الشريعة الإسلامية -كما تدعي وتزعم- فلماذا إذن تشن حربها وتحشد كل قواها وتستنفر سائر أجهزتها لمحاربة من يدعو إلى تحكيم الشريعة وتطاردهم وتلاحقهم وتنكل بهم، ألم يكن من الواجب عليها -إن كانت صادقة- أن تدعم أولئك المنادين بتحكيم الشرع الإسلامي، وتسهل لهم سبل تحقيق ذلك الهدف، وتحارب كل من وقف في طريقهم؟
ثم هم اليوم يزعمون أنهم سيسمحون للمجاهدين بتطبيق الشريعة في سوهات -ونحن نعلم أن هذا محض المخادعات والتلاعب- وهذا إقرارٌ صريحٌ منهم بعدة أمور:
الأول: أن سوهات لم تكن تُحكم بالشريعة الإسلامية طِوال الزمن الماضي، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
الثاني: أن الذي يحول بين تطبيق الشريعة في سوهات هو الحكومة الباكستانية نفسها، فهي التي كانت تمنع منها، وهي التي تزعم اليوم أنها «تسمح» بتطبيقها.
الثالث: أن قتالها للمجاهدين طوال الفترة الماضية كان من أجل منعهم من تطبيق الشريعة الإسلامية، أي أن حكومة باكستان -وعن طريق جيشها وقواتها- كانت تقاتل المسلمين في سوهات وتدمر ديارهم وتشرد أهلهم؛ لأنهم يسعون لتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي تأبى ذلك وتمتنع عن ذلك وتقاتل حتى لا يتحقق هذا المطلب.
الرابع: أن زعمها بأنها ستسمح بأن تُحكَم سوهات بالشريعة الإسلامية هو اعترافٌ بأن باقي باكستان لا تُحكَم بالشرع، أي أن سوهات قد خرجت عن الحكم العام القائم في باكستان، وهو قوانينهم الوضعية الوضيعة وأحكامهم الطاغوتية اللعينة.
الخامس: أن حكومة باكستان قادرة على تطبيق الشرع لو أرادت ولكنها تأبى ذلك وتعاند وتقاتل من أجل منع الناس عن الحكم بشريعة الإسلام، وأن جيشها إنما أُنشئَ وأقيم وتأسس لا ليقيم الشرع -كما يزعمون- ولكن ليمنعه، ولا ليؤيد الساعين لتطبيقه ولكن ليحاربهم، ولا لإزالة أحكام الجاهلية ولكن لترسيخها والمقاتلة دونها، وكلام العلماء قديمًا وحديثًا في كفر من حكّم وشرَّع من دون الله وحكم بغير شرعه سبحانه، معلومٌ مشهور.
فمن ذلك قول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50] قال: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله الـمُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه؛ فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير»٢٬٩٠٨تفسير ابن كثير: (3 / 131)..
وقال رحمه الله أيضًا بعدما ذكر شيئًا من قوانين الياسق الذي وضعه جنكيز خان: «وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين»٢٬٩٠٩البداية والنهاية: (13 / 139)..
وقال العلامة أحمد شاكر رحمه الله: «إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواحٌ لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها؛ فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين»٢٬٩١٠عمدة التفسير (4/174)..
إذن فليسأل كل إنسان نفسه: هل القوانين الجارية اليوم والحاكمة في باكستان هي قوانين الشريعة الإسلامية، سواء في السياسة، أو الاقتصاد، أو الحرب، أو العقوبات، أو العلاقات الدولية، أو غيرها، فإذا لم تكن هي أحكام الإسلام وقوانينه فما هي إذن؟ ومن أين جاءت، وكيف فرضت على الناس؟ ومن الذي يفرضها ويحكِّمها ويلزمهم بها؟ ولماذا نبذ شريعة الرحمن ورضي بشريعة الشيطان؟ والواقع المشاهد هو خير مجيب على هذه الأسئلة كلها والله المستعان.
وهنا حقيقة يغفل عنها الكثيرون ممن يقررون مسألة الخروج على الحاكم الكافر، والتي وقع الإجماع على أن الولاية لا تنعقد له ولا يقر عليها بحال، وذلك أن مسألتنا المعاصرة سواء في باكستان أو في غيرها، ليست هي مجرد ارتداد حاكم بارتكابه ناقضًا من نواقض الإسلام الخاصة به كجحوده لوجوب الصلاة، أو لاستحلاله الخمر، أو غير ذلك، وإنما أصبحت هذه الدول بهيئتها وشخصيتها وكيانها الكلي تقوم على أصول الكفر وأسس الردة والتمرد على الحق، نابذة قاعدة الاستسلام للشرع والإذعان لأحكامه وراءها ظهريا، ولذلك تراها لا تتأثر بذهاب طاغية ومجيء آخر، بل الدولة هي، هي، بدستورها «ياسقها»، ومؤسساتها، وأجهزتها، وسياساتها، وقوانينها، ونُظمها، وما قد يحصل فيها من تغييرات أو «انفتاح» يسعد به البعض، فهو لا يخرج عن الإطار العام الذي يلتزمه الجميع ألا وهو الخضوع للدستور واحترام التشريعات العامة التي لا تمت للإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد.
فالأمر الشرعي المتحتم لم يعد متعلقًا فقط بالخروج على فردٍ حاكمٍ ارتد من أجل إسقاطه، وإنما باقتلاع جذور هذا النظام الجاهلي الطاغوتي الذي ضرب بجرانه في المجتمعات المسلمة وصارت ترزح تحته وتغوص في أعماقه، والسعي لإرجاع الدولة بكاملها إلى الاستسلام للإسلام والانقياد لأحكامه والإقرار بسيادته وسلطته وهيمنته، وهذه المسألة لا بد أن يدركها المجاهدون تمام الإدراك وأن يتعمقوا في فهمها وهو أن سعيهم اليوم لم يعد مقتصرًا على مجرد «الخروج على الحاكم الكافر» وإنما الخروج على النظام والقانون والحكم والتشريع الكافر الذي تمرد بكليته على دين الله وتشريعه وأحكامه وزحزحه وحلّ مكانه. والله تعالى أعلم.
ثانيًا: كون الجيش الباكستاني يشكل طائفة ممتنعة عن كثير من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة.
فالعقوبات التي جاءت بها الشريعة على قسمين:
القسم الأول: عقوبة المقدور عليه، وهو الذي يكون تحت قبضة السلطان، بحيث يستطيع إجراء الأحكام عليه وإلزامه بأداء الفروض والحقوق، وهذا تجري عليه تلك العقوبات وفق ما جاء مبينًا ومنصوصًا في الشرع، إما بإقامة الحد فيما شرعت فيه الحدود، أو بالعقوبات التعزيرية فيما لا حد فيه ولا كفارة.
القسم الثاني: عقوبة الطائفة الممتنعة بالشوكة والقوة، وهي كل طائفة امتنعت عن أداء واجب من الواجبات، أو تواطأت على فعل محرم من المحرمات، وزادت على ذلك نصبها للشوكة وتظاهرها بالقوة، فلا يمكن إلزامها إلا بقتال، فمثل هذه الطوائف يجب قتالها باتفاق العلماء حتى تلتزم أداء الواجبات والكف عن المحرمات، كما قال العلامة ابن تيمية رحمه الله: «العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:
أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد كما تقدم.
والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال، فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله؛ فكل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»٢٬٩١١مجموع الفتاوى: (28/349)..
والكلام هنا هو على النوع الثاني من العقوبات، وهو عقوبة الطائفة الممتنعة، كالتي تمتنع عن أداء الصلاة، أو الزكاة، أو التعامل بالربا، أو سفك الدم الحرام، أو نشر الفواحش، أو مناصرة الكفار على المسلمين، أو الحكم بغير ما أنزل الله، أو غير ذلك من الواجبات، فكل طائفة من الطوائف امتنعت على شيء مما ذكر فإنه يجب قتالها بإجماع العلماء حتى تلتزم ما امتنعت عنه، وعلى هذا أدلةٌ كثيرةٌ من كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، والعلماء من بعدهم.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله فقد وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، قال العلامة أبو بكر الجصاص رحمه الله: «قال ابن عباس والحسن: «حتى لا يكون شرك». وقال محمد بن إسحاق: «حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه»، والفتنة ههنا جائز أن يريد بها الكفر وجائز أن يريد بها البغي والفساد؛ لأن الكفر إنما سمي فتنة لما فيه من الفساد، فتنتظم الآية قتال الكفار، وأهل البغي، وأهل العبث والفساد، وهي تدل على وجوب قتال الفئة الباغية»٢٬٩١٢أحكام القرآن: (3 / 65)..
ونحن نعلم يقينًا أن الدين في باكستان ليس كله لله، بل النظم والقوانين والأحكام الجارية والمفروضة على الناس إنما جرى فيها «المشرعون» مجرى الكفرة الفجرة الذين يسنون ما يشاؤون من الأحكام والتشريعات تبعًا لأهوائهم وشهواتهم، وكان حالهم في تقسيم الأحكام والعياذ بالله بينهم وبين الله وانتخابهم ما يشاؤون منها وردهم لما لا يرضونها كحال الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الأنعام: 136] وقد قال النبي ﷺ: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)٢٬٩١٣رواه مسلم [(٢٩٨٥) واللفظ له]، وابن ماجه [٤٢٠٢]..
كما أننا نعلم يقينا أن هذه الحكومات وجيوشها سائر أجهزتها هي التي تمنع من أن يكون الدين كله لله، وهي التي جعلته عضين وعزين تقسمه كيفا تشاء، فتقبل منه ما تهوى وترد ما تأبى فكانوا داخلين قطعًا؛ فمن وجب قتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-279].
قال العلامة الخازن في هذه الآية: «قال أهل المعاني: حرب الله النار وحرب رسوله السيف واختلفوا في معنى هذه المحاربة فقيل المراد بها المبالغة في الوعيد والتهديد دون نفس الحرب، وقيل: بل المراد منه نفس الحرب وذلك أن من أصر على أكل الربا وعلم به الإمام قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان آكل الربا ذا شوكة وصاحب عسكر حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، قال ابن عباس: من كان مقيمًا على أكل الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع أي تاب وإلَّا ضرب عنقه»٢٬٩١٤تفسير الخازن: (1 / 316).، فأنت كما تراه قد فرق بين العقوبتين عقوبة المقدور عليه وعقوبة ذوي الشوكة.
وقد أطال الإمام أبو بكر الجصاص النَفَس في هذه الآية وأوضحها أتم إيضاح فكان مما قاله رحمه الله: «وقوله تعالى: ﴿فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ [البقرة: 279] إخبار منه بعظم معصيته وأنه يستحق بها المحاربة عليها وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على الإمام، فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزير والردع، وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها، وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا، وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة. وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا ممتنعين.
وهؤلاء أعظم جرمًا من آكلي الربا لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين جميعًا، وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة؛ لأنه أعطاه بطيبة نفسه، وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين؛ إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة، فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال... فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر، وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة، وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا، وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا»٢٬٩١٥أحكام القرآن للجصاص: (1 / 572)..
وقال الإمام مالك رحمه الله: «الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله ﷻ فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه»٢٬٩١٦الموطأ: (2 / 3809)..
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: «وقال ابن خويز منداد: ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: ﴿فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ [البقرة: 279]»٢٬٩١٧تفسير القرطبي: (3 / 364)..
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5]، فقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين في هذه الآية بقتل المشركين حيثما وجدوا ولا يكف عن قتلهم إلا توبتهم -وهي دخولهم في الإسلام- وإقامتهم الصلاة وإيتاؤهم للزكاة وهو التزامهم لشعائره سواء منها ما يتعلق بحقوق الله أو بحقوق العباد، فإن امتنعوا من ذلك بشوكتهم وقوتهم لم يكف عنهم ولم يتوقف قتالهم.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: «ولهذا اعتمد الصديق، رضي الله عنه، في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته. ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة، التي هي حق الله ﷻ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)... الحديث»٢٬٩١٨تفسير ابن كثير: (4 / 111)، [والحديث سبق في: (ص 95)]..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «وفي هذه الآية، دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه»٢٬٩١٩تفسير السعدي: (1 / 329)، وهو قريبٌ من قوله سبحانه: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 11].
وأما من السنة فمنها قول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)٢٬٩٢٠متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، [وقد سبق في: (ص 95)].
وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعي الزكاة، مع نطقهم بالشهادتين، والتزامهم بسائر أركان الإسلام الأخرى كالصلاة، والصيام، والحج، وإنما وقعت الشبهة لعمر في مبدأ الأمر وبعد مناظرة يسيرة مع أبي بكر رضي الله عنه ظهر له الحق فانقاد له وأطبقت كلمتهم على اتباع أبي بكر في قتالهم واستحلال دمائهم حتى أرجعوهم إلى التزام الزكاة، وكان هذا من أعظم مناقب أبي بكر رضي الله عنه حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام»٢٬٩٢١[الديلمي في الفردوس: (٥٠٧٨)].
فعن أبي هريرة قال: لما توفي النبي ﷺ واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)، قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. متفق عليه٢٬٩٢٢[سبق تخريجه قبل قليل]..
قال الإمام النووي رحمه الله في الفوائد المأخوذة من هذا الحديث: «وفيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الاسلام قليلا كان أو كثيرا لقوله رضي الله عنه لو منعوني عقالا أو عناقا»٢٬٩٢٣شرح النووي على مسلم: (1 / 212)..
وأقوال العلماء والأئمة كثيرة مشهورة في وجوب قتال أية طائفة امتنعت عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، وهم متفقون على ذلك، لا اختلاف بينهم فيه، وقد نقلنا بعضه آنفًا عن الإمام أبي بكر الجصاص وغيره.
قال الإمام ابن العربي رحمه الله: «فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ مَنْ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ يُحَارَبُ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالرِّبَا، وَعَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ»٢٬٩٢٤أحكام القرآن: (2 / 134)..
قال العلامة ابن بطال رحمه الله في التفريق بين المقدور عليه والممتنع: «قال المهلب: من أبى قبول الفرائض فحكمه مختلف، فمن أبى من أداء الزكاة وهو مقر بوجوبها، فإن كان بين ظهراني المسلمين، ولم ينصب الحرب، ولا امتنع بالسيف؛ فإنه يؤخذ من ماله جبرا، ويدفع إلى المساكين ولا يقتل. وقال مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه. ومعناه: إذا أقر بوجوبها، لا خلاف في ذلك. قال المهلب: وإنما قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة؛ لأنهم امتنعوا بالسيف، ونصبوا الحرب للأمة. وأجمع العلماء أن من نصب الحرب في منع فريضة، أو مَنَع حقا يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أتى القتل على نفسه فدمه هدر»٢٬٩٢٥شرح صحيح البخاري: (8 / 576)..
وقد تواترت أقوال الأئمة رحمهم الله في نقل الإجماع على قتال كل من أبى الالتزام بفريضة من فرائض الله الظاهرة، وامتنع على ذلك بالشوكة، كما قال العلامة البدر العيني الحنفي رحمه الله: «وأجمع العلماء على أن من نصب الحرب في منع فريضة أو منع حقا يجب عليه لآدمي وجب قتاله فإن أتى القتل على نفسه فدمه هدر»٢٬٩٢٦عمدة القاري: (34 / 410)..
وقال الإمام أبو العباس رحمه الله: «وكل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المعلومة يجب قتالها -ولو تشهدوا- مثل أن لا يصلوا، أو لا يزكوا، أو لا يصوموا، أو لا يحجوا البيت، أو قالوا نفعل هذا ولا ندع الخمر، ولا الزنا، أو الربا، أو الفواحش، أو لا نجاهد، أو لا نضرب الجزية على أهل الذمة، أو نحو ذلك قوتلوا حتى يكون الدين كله لله»٢٬٩٢٧مختصر الفتاوى المصرية: (1 / 167)..
وقال أيضًا: «كل طائفة خرجت عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس، وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن الصيام في شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة.
وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء، والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها، بحكم الكتاب والسُّنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون»٢٬٩٢٨[مجموع الفتاوى: (28/510-511)]..
وقال كذلك: «فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، وعن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، وعن التزام جهاد الكفار وضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء»٢٬٩٢٩[مجموع الفتاوى: (28/503)]..
والمقصود هنا أن قتال الطوائف الممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة هو أمرٌ متفق عليه بين العلماء وقبل ذلك دل عليه الكتاب والسنة، ولا يشترط في هذه الطائفة أن تكون كافرة، بل مجرد امتناعها يوجب قتالها، كما بين ذلك الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله بقوله:
«وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على شيئين: أحدهما: الكفر، والآخر: منع الزكاة؛ وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض الزكاة ومن أدائها فانتظموا به معنيين أحدهما الامتناع من قبول أمر الله تعالى وذلك كفر، والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام، فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا، ولذلك قال: لو منعوني عقالا، وفي بعض الأخبار عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، فإنما قلنا: أنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة؛ لأن الصحابة سموهم أهل الردة، وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا، وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم، ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة، وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر الأول، ولا من بعدهم من المسلمين، أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أهل الردة، فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلًا له فهو كافر، وإن كان ممتنعًا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة، وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا، وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا»٢٬٩٣٠أحكام القرآن للجصاص: (2 /193)..
فكما ترى فإن أمر القتال وتعينه ليس متوقفًا على تكفير الطائفة الممتنعة كما هو واضح في كلامه على آكل الربا؛ إذا تبيَّن هذا الحكمُ فمن المعلوم المقطوع به أن حكومة باكستان وجيشها وأجهزة استخباراتها، قد صارت بمجموعها طائفة ممتنعة بشوكتها وقوتها عن الالتزام بأكثر شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وأول ذلك امتناعها عن تحكيم شريعة الله تعالى، ومقاتلتها وتنكيلها بكل من سعى لذلك سعيًا صادقًا، فالكل يعلم أن القوانين الجارية على العباد في باكستان والتي تحكم في أعراضهم ودمائهم وأموالهم وحياتهم مرجعها إلى الأهواء والآراء التي لا تستند إلى شرع الله ودينه، فهذه الدولة -وباعتبارها طائفة ذات شوكة ومنعة- لم تكتف بامتناعها عن إقامة حكم الله تعالى والتخلي عن أحكام الطواغيت الجاهلية، بل زادت على ذلك إلزام الناس بها، وقهرهم عليها، وحملهم على الالتزام بها والتحاكم إليها، ومعاقبة ومطاردة من يحاول تغييرها ورفضها. وهذه الدولة وإن زعمت أن دستورها إسلامي.
وأن مبادئها تنص صراحة على عدم الخروج عن شيء من شريعة الإسلام فإن هذا ضربٌ من التلاعب والاستخفاف بالعقول والاستهزاء بالشرع وأهله، فإن هذا الدستور الذي تزعم إسلاميته، إن كان هو شرع الله تعالى وأحكامه التي أمر بالتزامها قولًا وعملًا فلتطبقه حقيقة في جميع نواحي حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية وفي علاقاتها الدولية وغير ذلك، وإن كان دستورهم شيئًا سوى دين الله تعالى فهو دستور طاغوتي كغيره من الدساتير التي ملأت الأرض ولا ينفعهم تسميته بالإسلامي شيئًا: ﴿ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4].
وما حال هذه الدولة المارقة مع دستورها الذي تزعم إسلاميته إلا كحال شخص يقول إن مرجعي هو الإسلام، ثم يأبى الانقياد له والرجوع إليه والالتزام به، فهل تنفعه دعواه آنذاك، ولو كانت مثل هذه الدعاوى منجية لأصحابها وحجة لمن يتعلق بها لما أمكن عقوبة أحد ولا إلزامه ولفنيت الأعمار وانقضت الأزمان في المطالبات بالرجوع إلى «الدستور الإسلامي» الذي تزداد الدولة له نبذًا وعنه بعدًا ولحباله قطعًا.
وتأمل سيرة الصديق رضي الله عنه وأرضاه مع مانعي الزكاة الذين كانوا يقرون بالإسلام كله ويلتزمونه ظاهرًا وباطنًا ولم يشذوا إلا عن حكمٍ واحدٍ من أحكامه وهو عدم التزامهم أداء الزكاة، ومع ذلك إنما اقترفوا ما اقترفوه بتأويل تعلقوا به وشبهة اعتمدوا عليها، أي أنهم ما زالوا يجعلون مرجعهم حتى في ترك الزكاة هو القرآن الذي احتجوا به على فعلهم، ورغم ذلك لم يعذرهم أبو بكر، ولم يقل دعنا ندعوهم للرجوع إلى «دستورهم الإسلامي»، وإنما شهر السيف في وجوههم وضرب به أعناقهم وأغار على حاضرتهم وباديتهم حتى استسلموا لأمر الله والتزموا أحكامه كاملةً.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103] «ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًا برسول الله ﷺ؛ ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: 103] وقد رَدَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يُؤدونها إلى رسول الله ﷺ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عِقالًا -وفي رواية: عَناقًا- يُؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه»٢٬٩٣١تفسير ابن كثير: (4 / 207)..
وما الجماعات الإسلامية القائمة في باكستان والتي تطالب بتطبيق «الدستور الإسلامي!» إلا شاهدة على ما قلناه من كون هذه الدولة بحكوماتها وجيوشها واستخباراتها وقوات أمنها رافضة وممتنعة من تطبيق دين الله ﷻ، فأصبح هناك مطالِبٌ وهم جميع المسلمين، ومطالَب ممتنِع وهي حكومة باكستان ومن يلف في فلكها، ومطالَبٌ به وهو تحكيم الشرع، فكانت النتيجة بكل يسر ووضوح أن باكستان ممتنعة من تحكيم شرع الله تعالى وإن حصره بعض الناس في الدستور.
وإذا كان بعض العلماء قد أوجبوا قتال الطوائف التي تمتنع عن بعض السنن التي لا يعدها بعض جهلة الناس في هذا العصر شيئًا، فكيف بمن امتنع عن شريعة الله كاملة وأوجب على الناس اتباع شرائع الشيطان وطارد ونكل وشرد من يخالفه قال العلامة ابن نجيم الحنفي رحمه الله: «وفي الظهيرية، والولوالجية، والتجنيس وغيرها: أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر أدبهم الإمام وحبسهم، فإن لم يمتنعوا قاتلهم، وإن امتنعوا عن أداء السنن فجواب أئمة بخارى: بأن الإمام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفرائض؛ لما روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال لو أن أهل بلدة أنكروا سنة السواك لقاتلتهم كما نقاتل المرتدين»٢٬٩٣٢البحر الرائق: (4 / 192).، ومعلوم أن السواك إنما هو سنةٌ باتفاق العلماء، فما بالك بمن ينكر وجوب تحكيم الشرعية رأسًا.
فقل لي بربك أي الفريقين أحق بالمقاتلة، أهم مانعو الزكاة الذين كانوا مقرين بكل شعائر الإسلام وملتزمين بها إلا أداء الزكاة فقط، أم هذه الدولة المارقة وجيشها وقوات أمنها التي تأبى إباءً تامًا وترفض رفضًا باتًا التزام أحكام الشرع والتمسك بشرائعه، بل وزادت على ذلك محاربة كل من يرفض الإذعان لها ويحاول الخروج عليها، وهو ما لم يفعله مانعو الزكاة ولا خطر لهم على بال.
وإلا فما الذي يمنع دولة قائمة حاكمة تزعم أن لها السيادة المطلقة، وترفض أن يعرِّض أحدٌ باستقلالها أو يتعرض لما تسميه بأمنها القومي، وقد نشرت قواتها عبر طول البلاد وعرضها، وبثت من عيونها وجواسيسها ما يحصي على الناس حركاتهم وتنقلاتهم ويلاحقهم في ظلمات بيوتهم، ما الذي يمنعها من إقامة شرع الله، وفرض أحكامه إلا الإباء السافر، والرفض الجاهر، والتنكر للحق عنوة، فما قيمة قواتها، وما فائدة بث عيونها وجواسيسها، وأي معنى لأمنها واستقرارها، وما هذه السيادة التي تتحدث عنها وتأبى أن تتهم فيها؟
فلو لم يكن من صور امتناعها عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة إلا هذه لكفي وأغنى فكيف وهي قد ضمت إلى ذلك من صور الامتناع وصنوفه ما لا يكاد يحصى؟! فالكل يعلم علم اليقين أن باكستان قد وقفت وقوفًا مطلقًا مع حاملة الصليب أمريكا في حربها ضد المسلمين في أفغانستان قبل وأثناء وبعد إسقاط إمارة أفغانستان الإسلامية، وما زالت إلى يومنا هذا تتمادى في هذه المعاونة وتنوِّعُ صورها حتى أصبحت باكستان قاعدة أساسية ومنطلقًا رئيسًا ومعتَمدًا قويًا لقوات الصليب، وأضحت هي وكر المكر والكيد والدس الذي يحاك للمسلمين عمومًا والمجاهدين خصوصًا، بحيث لم يعد خافيًا أن أمريكا رغم قوتها وتطور آلاتها لا يمكنها أن تقدم أو تؤخر لولا وقوف ومساندة باكستان لها في الحرب التي تشن على المسلمين في أفغانستان وباكستان على حدٍ سواء.
ومثل هذه الأمور يجب على المسلمين -والعلماء خصوصًا- أن لا يمروا عليها مرورًا عابرًا وكأن الأمر لا يعنيهم، بل يتحتم عليهم أن يقفوا موقفًا صريحا صارمًا في بيان هذه الحقائق وتجليتها وتوضيحها للناس بقدر وسعهم، والدعوة إلى مقاتلة القائمين عليها الخائنين لدينهم سرًا وعلانية، فإن مناصرة المسلم للمسلم واجبٌ شرعيٌ إذ المسلمون أمة واحدة، وهم يدٌ على من سواهم، فلا تفرقهم الحدود، ولا تحول بينهم السدود كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 71]، وقال النبي ﷺ: (انصر أخاك ظالما أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه)٢٬٩٣٣متفق عليه [تقدم في: (ص 1386)].، وقال ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)٢٬٩٣٤متفق عليه، [البخاري: (٢٤٤٢)، ومسلم: (٢٥٨٠)]..
فالمقصود أن أجهزة الدولة من جيش وشرطة واستخبارات قد كوَّنت بمجموعها طوائف ممتنعة لها كيانها وشوكتها وقوتها ووقفت مع قوات الصليب الغازية لبلاد المسلمين وقوفًا تامًا، ودعمتها دعمًا مطلقًا، وأفسحت لهم المجال في البر والبحر والجو لتصب حممها وقنابلها على المسلمين الضعفاء في أفغانستان وباكستان، ووقفت تلك القوات حامية وحارسة لقوافلهم وقواعدهم العسكرية، وسجونهم السرية، واستنفرت لمطاردة المجاهدين أينما كانوا وسلمتهم إلى أمريكا النصرانية تسليمًا مباشرًا لتنكل بهم وتستبيح أعراضهم وتدنس كتاب الله أمام أعينهم نكايةً فيهم، ولم يسلم من ذلك التسليم حتى النساء، فهل بعد كل هذه الجرائم والقبائح يبقى أدنى شكٍ في وجوب مقاتلة هؤلاء المجرمين، وهل يمكن لـمُنصفٍ القول بأن جريمة مانعي الزكاة الذين اتفق الصحابة على قتالهم هم أعظم ضررًا وأشد إجرامًا وأكبر فسادًا وإفسادًا من هذه الطوائف التي أشرنا إليها؟
ثالثًا: الجيش الباكستاني أصبح عدوًا صائلًا على الدين يجب دفعه وقتاله.
والمقصود بكونه صائلًا أنه لم يكتفِ بما ذكرناه أعلاه من امتناعه عن الالتزام بكثير من شرائع الإسلام الظاهرة فحسب، بل زاد على ذلك إلزام الناس وقهرهم وإجبارهم على اقتراف الموبقات وترك كثير من الفرائض والواجبات، وهذا من أعظم الفساد في الأرض، وهو في الحقيقة أكبر من فساد قطاع الطرق الصائلين على الدماء والأموال، فإن ضرر هؤلاء -أي قطاع الطرق- إنما يتعلق غالبًا بجهات معينة وطوائف محدودة من الناس الذين يسلكون بعض السبل، أما هؤلاء المجرمون فإن فسادهم قد عم البلاد ودهم العباد وشمل جوانب الدين كلها من عقائد، وشرائع، وشعائر، وأخلاق، وسياسات، ومعاملات، وغيرها.
والصيال له معنى واضح مدرَكٌ يتحقق بوجوده وقيامه، ولا يحتاج إلى عنتٍ في فهمه وإدراكه، فإن الله ﷻ قد أنزل الشرائع لحفظ الضروريات المعلومة وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فما مِن اعتداءٍ يقع على واحدةٍ من هذه الضروريات إلا وقد جعل الشرع لها عقوبة مقدرة -وهي الحدود- أو غير مقدرة -وهي التعزيرات- وهذا حيثما يكون المعتدي مقدورًا عليه وواقعًا تحت سلطان المسلمين وفي قبضتهم ويمكن إجراء أحكام الإسلام على مقترفها طوعًا أو كرهًا، فحفظ الدين شرعت له عقوبة الردة، وحفظ الأنفس القصاص، والعقل حد الخمر، والنسل حد الزنا وكذلك حد القذف، والمال حد السرقة، أما حينما يكون «الصيال» على واحدٍ من هذه الضروريات من قِبل صاحب الشوكة والقوة والمنعة ممن لا تناله سلطة سلطان ولا تردعه قوة إمام فهذا يجب دفعه وردعه حتى ينقطع شره وينكف فساده، كما جاء في أحاديث متعددة عن النبي ﷺ.
فمن ذلك ما جاء عن أبي هريرة قال: (جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)٢٬٩٣٥رواه مسلم [١٤٠].، وعن سعيد بن زيد: أن رسول الله ﷺ قال: (من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)٢٬٩٣٦رواه الترمذي [١٤٢١]، وأبو داود [٤٧٧٢]، والنسائي [٤٠٩٥]، وابن ماجه [(٢٥٨٠) مختصرًا]، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».. وقد انتظم هذا الحديث أربعًا من الضروريات التي يدفع الإنسان فيها عن نفسه كلَّ من قصده، وهي الدين، والنفس، والمال، والعرض، وعن سويد بن مقرن رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد)٢٬٩٣٧رواه النسائي [(٤٠٩٣) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي]، والضياء [في فضائل الأعمال: (462)]، ورواه أحمد [٢٧٧9] عن ابن عباس رضي الله عنه..
فإذا تقرر هذا وعلمنا ما يقوم به الجيش الباكستاني -بل سائر أجهزة الدولة الأمنية- من اعتداء صريح على شريعة رب العالمين بإقصائها عن الحكم وإبعادها عن حياة الناس، ومنعهم من تحكيمها والتحاكم إليها، وإلزامهم بالقوة والقهر على قبول شرائع الشياطين من أهل الغرب والشرق، وفرضها عليهم فرضًا لا مخرج لهم منه؛ علمنا عندها أن ما تقوم به هذه الحكومات المتعاقبة إنما هو «صيالٌ» على شريعة رب العالمين يجب دفعه بكل ما أمكن، فمن المعلوم أن هذه الطوائف، لم تكتف بالامتناع عن إقامة أحكام الشرع ورفض الالتزام بشرائعه، بل زادت على ذلك بدؤها ومبادرتها وإعلانها للحرب السافرة على كل من يسعى لإقامة الدين، ويطالب بتحكيم شريعة رب العالمين، ويحاول الخروج عن أحكامهم الجاهلية، وتستحل منه كل شيء، فهي بذلك قد أضافت إلى الامتناع «صيالَها» على الدين والأنفس والأموال والأعراض، فصار قتالهم بذلك قتالًا لدفع عدو صائلٍ يقصِد قبل أن يُقصَد، ويعتدي قبل أن يعتدى عليه.
والأمر كما قال العلامة أبو العباس رحمه الله: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم وبين طلبه في بلاده»٢٬٩٣٨الفتاوى الكبرى: (5 / 537)..
ولا نقصد بصيال الحكومة الباكستانية وجيشها على المسلمين هو فقط ما تقوم به من غزو ديارهم والتسلط على هدم بيوتهم والتنكيل برجالهم ونسائهم كما يحصل في «بجاور، ووزير ستان، وسوهات»... وغيرها، فإن هذا هو مظهر من مظاهر صيالها واعتدائها، وإنما برز هذا الاعتداء وصار عيانًا للناس بعدما سعى الصادقون من أهل الإيمان إلى دفع صيالها الأول واعتدائها السابق على الشريعة بتعطيلها وإبطال أحكامها ومطاردة الساعين لتحكيمها، فكون هذه الحكومة وقواتها قد تسلطت على بلاد المسلمين وحكمتهم بشرائع الشياطين، ووضعت البرامج المتقنة لتهديم وتدمير أخلاقهم عبر وسائل الإعلام المتنوعة، ومسخت عقول وأفكار الناس عن طريق مناهج التعليم المنحرفة، وفرضت عليهم نظمًا اقتصادية غربية لا صلة لها بالإسلام، ثم حوَّطت كل هذه الأمور بقوتها وشوكتها حفاظًا عليها وفرضًا لها على الناس كل ذلك داخلٌ في معنى «الصيال» الذي يوجب مدافعتها ومقاتلتها ومبادأتها بذلك ولا ينتظر أن تزيد على هذا الصيال والاعتداء صيالًا جديدًا واعتداءً زائدًا.
والمعنى الذي أردت إيصاله في هذا الموطن، أن الصيال الذي أقصده والذي يوجب قتال هذه الطوائف الممتنعة ليس محصورًا في الصورة التي يتوهمها البعض مما تقوم به القوات الباكستانية في وزيرستان، أو بجاور، أو سوهات، أو غيرها، بل كل ذرة من الأراضي الباكستانية فإنها مصولٌ عليها، ويجب دفع ذلك الصول عنها، ومعلومٌ أن هذه الحكومة بقواتها وهيئاتها لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى من يدفعها عن غيها ويردعها عن ظلمها واعتدائها، بل ستدافع عن نفسها وعن «نظامها الكفري» وستقاتل كل من يحاول منعها من الاستمرار على تسلطها واستعلائها، ومن هنا تبرز بعض الصور التي ترُى فيها حالات مدافعة صيالها ويشاهدها الناس عيانًا كما هو الحال في المناطق التي أشرنا إليها.
وهنا مسألة أخرى لها تعلقٌ بما نحن فيه، وهو أن العلماء متفقون على أن العدو إذا داهم بلاد المسلمين تعين الجهاد على أهلها، فإن أخرجوه فذا وإلا اتسعت دائرة الوجوب شيئا فشيئًا حتى يتحقق المقصود أو يعم الفرض الأرضَ كلها كما قال العلامة أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله: «ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم»٢٬٩٣٩أحكام القرآن: (4 /312)..
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: «إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين. ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو. ولا خلاف في هذا»٢٬٩٤٠تفسير القرطبي: (8 / 152)..
كما أنه من المعلوم أن أفغانستان كانت إمارة إسلامية تحكم بشرع الله تعالى أمِن فيها الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم، فاجتمعت جيوش النصارى من بلدانهم المختلفة على قتال تلك الإمارة حتى أسقطوها وتغلبوا على أهلها وتسلطوا فوق أرضها، فالجهاد في هذه الأرض متعين على أهلها وعلى من قاربهم وأولهم وأولاهم بهذا الحكم أهل باكستان لدنوهم منهم ولقدرتهم على ما لا يقدر عليه غيرهم من واجب النصرة التي فرضها الله على المسلمين، والحال اليوم لا يختلف إطلاقًا عما كان عليه الاحتلال الروسي الشيوعي الملحد لأفغانستان حينما أفتى علماء باكستان بأن الجهاد فرض عين في تلك الآونة حتى طُرد المحتلون.
ومن المعلوم أيضًا أن صفة تلك الجيوش النصرانية المحتلة لأفغانستان هو كونها عدوًا صائلًا على بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأموالهم وعلى رجالهم ونسائهم، وليس فوق مفسدة تسلطه مفسدة، ومن ظن أنه يمكن أن ينال منهم أدنى خير في دينه ودنياه فإنه ضالٌ مضلٌ، مخبولٌ مخذول، مكذبٌ لكتاب الله تعالى الذي وصف الكفرة بعدة أوصاف تدل على حقيقتهم كقوله ﷻ: ﴿وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، وقوله ﷻ: ﴿لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ﴾ [التوبة: 10]، ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]، وقال ﷻ: ﴿كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]، فكيف يرجى خير من قوم هم الظالمون المعتدون المفسدون.
وهذا أمرٌ مشاهدٌ يراه الناس رأي العين، كما أنه لا يستطيع أحدٌ -كائنًا من كان- أن يتردد في أن حكومة باكستان وأجهزتها من جيش وشرطة واستخبارات تمد هذا العدو «الصائل» بكل ما أوتيت من قوةٍ عسكرية واستخباراتية وغيرها، وأن جيشها واستخباراتها تقف وقوفًا صريحًا معلنًا مع تلك القوات النصرانية المعتدية على بلاد المسلمين في أفغانستان، بعد أن فتحت الموانئ لبواخرهم وإمداداتهم، وسهلت الطرق لقوافلهم وأسلحتهم، ورسخت القواعد العسكرية لطائراتهم وقواتهم، وأقامت سجونها لاعتقال الصلحاء والمجاهدين من المسلمين يُنكل بهم وتمزق أجسادهم إرضاء لأولئك الكفرة، وحشدت قواتها لتكون حارسة وفية على ما يسمونه الحدود بينها وبين أفغانستان لمنع المسلمين المجاهدين من معونة إخوانهم وأداء الواجب الشرعي المتحتم عليهم.
وبعد هذا التوصيف الذي لا يكابر فيه أحد، فما هو الفرق -من جهة الشرع الخالص- بين ما تقوم به القوات الصليبية وأعوانها في أفغانستان، وبين ما يقوم به الجيش الباكستاني وسائر الأجهزة الأخرى من الوقوف التام مع تلك القوات المحتلة ومشاركتها ومشاطرتها في سائر الجرائم التي يقترفونها ضد المسلمين عمومًا وفي أفغانستان خصوصًا، وما الذي يبيح قتال الجندي الأفغاني الذي رضي بأن يقف جنبًا إلى جنب مع القوات الصليبية من أمريكية وغيرها، ويمنع من قتال الجندي الباكستاني الذي رضي بالمهمة ذاتها.
بل إن الجندي الأفغاني والقوات الصليبية لا يمكنها أن تؤدي عشر معشار ما تقوم به من الجرائم اليومية ضد المسلمين هناك لولا معونة ومظاهرة وتقوية الحكومة الباكستانية لها، فنحن نعلم أن الأحكام الشرعية لا تعلق على مجرد الأسماء ولا ترتبط بالحدود الموهومة، فلا يجب قتال الأفغاني لكونه أفغانيًا، ولا يمنع من قتال الباكستاني كونه باكستانيًا، ولا يتحتم قتال الأمريكي لكونه أمريكيًا، بل لصفة منضبطة تلبس بها أيٌ من هؤلاء أوجبت قتاله، وفي هذا الموطن الذي نحن بصدده، فإن الاعتداء من قبل الأمريكان، والمظاهرة والمعاونة من قبل من أعانهم من الأفغان أو الباكستان هي التي ألحقتهم بهم وأعطتهم حكمهم.
ومعلومٌ أن جمهور العلماء على أن حكم الردء «وهو المعين» والمباشر في قطاع الطريق سواءٌ، فيجري الحدُّ على من باشر ومن أعان، كما قال العلامة الهمام ابن الهمام الحنفي: «قوله: «وإن باشر القتل أحدهم»؛ أي واحد منهم والباقون وقوف لم يقتلوا معه ولم يعينوه «أجري الحد على جميعهم» فيقتلوا..»٢٬٩٤١فتح القدير: (12 / 354)..
وقال العلامة أبو العباس رحمه الله: «وأما الردء فيما يحتاج فيه إلى المعاونة كقطع الطريق فجمهورهم على أن الحد يجب على الردء والمباشرة جميعًا، وهو قول أبي حنيفة ومالك»٢٬٩٤٢منهاج السنة النبوية: (6 / 175).، وقال أيضًا: «وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مئة وأن الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة: هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء؛ ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته، والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب»٢٬٩٤٣مجموع الفتاوى: (28 /311)..
فإذا كان هذا الحكم متقررًا -عند جمهور العلماء- في حق المعين لقطاع الطريق والناظر لهم ولو لم يباشر جريمة القتل بنفسه وفعله، فكيف بهؤلاء المجرمين من حكومة باكستان وجيشها الذين لم يكتفوا بأن يكونوا ردءًا للكفرة الصليبيين المحتلين لأفغانستان فحسب بل شاركوهم مشاركة مباشرة وأعانوهم إعانة ظاهرة مطلقة في سائر ما يقترفونه من الجرائم ضد المسلمين في أفغانستان وغيرها، حتى صاروا لا ينفكون عنهم بل لم يزل رؤوس الكفرة وقادتهم يصرحون بأن وقوف باكستان معهم يعد من أهم أسباب نجاحهم فيما يسمونه الحرب على الإرهاب وما هو في الحقيقية إلا حربٌ على الإسلام.
فلا شك بعدها أن هذا الجيش المجرم هو شريكٌ لجيوش النصارى فيما يقومون به من الجرائم، وعليه أن يكون شريكًا معهم في العقوبة التي تنزل بهم وهي قتالهم وجهادهم سواء بسواء، ومحاولة الفصل بينهم في ذلك وتخصيص القتال بأولئك المحتلين لأفغانستان أو من أعانهم على ذلك من أهلها وداخل أرضها ضرب من الأوهام التي لا تستند إلى شرع الله ولا تعتمد على أدلته وإنما هي لوثة من لوثات الجاهلية، وتأثرٌ بدعوتها ودعاياتها الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
والمقصود من هذا أن الصيال والاعتداء والظلم الذي تمارسه قوات الصليب على المسلمين في أفغانستان من سفكها لدمائهم، وانتهاكها لأعراضهم، وتنكيلها برجالهم ونسائهم، وتقتيلها وترويعها لأطفالهم، ونهبها لخيرات بلادهم وغير ذلك، إنما يتم بمعونة مباشرة ومشاركة فعلية من قِبل الحكومة الباكستانية وجيشها العميل الذليل واستخباراتها المجرمة، فهم جميعًا قد صاروا «عدوًا صائلًا» يجب دفعه عن المسلمين لكف شره وقطع دابره، مع استحضار أن المسلمين كلهم أمة واحدة لا تقطعهم الحدود ولا تفرق بينهم السدود ولا تمنع تناصرهم الحواجز ولا يفاضل بينهم إلا التقوى والعمل الصالح، فهم كما وصفهم نبيهم ﷺ بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)٢٬٩٤٤رواه أحمد [١٨٣٧3]، ومسلم [٢٥٨٦]..
فالصَّول والاعتداء الذي ينال المسلم في أفغانستان هو من الصول والاعتداء الذي ينال المسلم في باكستان، والمعتدي الصائل على المسلمين في أفغانستان هو معتد صائل على المسلمين في باكستان وعلى الجميع أن يتناصروا ويتعاضدوا ويتعاونوا لدفع الاعتداء والصيال عنهم.
هذا وموجبات قتال الجيش الباكستاني وباقي الأجهزة التي تعد أركانًا لدولتهم الطاغوتية كثيرة جدًا وإنما ذكرت ثلاثة منها لأنها تعد كالأصول لما لم أذكره، فليس المقصد هنا هو الاستقصاء والتتبع والحصر وإنما الإشارة التي تغني اللبيب، فعلى المسلمين في باكستان وخاصة علماءهم الكرام أن يأخذوا الأهبة وأن ينتفضوا لأداء هذا الواجب فقد يسر الله لهم من الإمكانات والأسباب التي تؤهلهم للنجاح والوصول إلى الهدف المقصود ما لم يتيسر لغيرهم، وهذا يؤكد الواجب في حقهم، وبه تزداد المطالبة إلحاحًا، وليحذروا من مزالق الشيطان وتزيين الأهواء والجنوح إلى ثقلة الأرض التي تبرز في صور متنوعة، وتغري الملتفتين إليها بطلعاتها المزخرفة، وليعلموا أن الفتنة كل الفتنة في ترك الجهاد والزهادة في طلب الاستشهاد كما قال رب العباد: ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 49].
فما فر منها أحدٌ ولا تنكر لها متنكرٌ إلا زلت قدمه في مزالق الفتن التي لا يعلم منتهاها إلا الله ﷻ، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] فنعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونسأل الله أن يستعملنا ولا يستبدلنا ويثبتنا على الحق والهدى والرشاد حتى نلقاه راضين مرضيين ونحن على سبيل الجهاد بخاتمة الاستشهاد إنه سميع قريب.
والحمد لله أولا وآخرًا..
وكتبه/ أبو يحيى الليبي
«الجمعة 16/ ربيع الأول / 1430هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا