[شهر رمضان شهر الصفح والعفو]

الأمر الآخر أيها الإخوة: أن هذا الشهر ينبغي أن يكون شهر صفح فيما بيننا، وشهر عفو فيما بيننا؛ فعلينا أيها الإخوة أن نترفَّعَ عن حظوظ أنفسنا، ولا بد أن نتنازل لإخواننا، وإذا ظلمك أخوك أو قصَّر في حقِّك أو ظننت أنه ظلمك: ﴿وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ [النور: 22]. والله ﷻ يقول للنبي ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ﴾ [آل عمران: 159]؛ يعني: هؤلاء الصحابة الذين أشاروا عليك بالخروج إلى غزوة أحد ثم حصل بسبب مشورتهم ما حصل من القتل والجراح وكثرة الشهداء، أو الذين خالفوا أمرك عندما نزلوا من الجبل فقال الله ﷻ للنبي ﷺ ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ﴾ [آل عمران: 159].

ص 2732

فإذن علينا أن نجعل هذا الشهر -أيها الإخوة- شهر عفو، وكما في الآية التي ذكرتها أولًا وهي آية عظيمة قال الله ﷻ: ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ [النور: 22]، وسبب نزول هذه الآية وهي جزء من آيات حادثة الإفك التي رُمِيت فيه أمنا عائشة رضي الله عنها الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق؛ أن أحدَ الذين تكلَّموا فيها رجل اسمه مسطح بن أثاثة، وهذا كان تحت كفالة ونفقة أبي بكر الصديق والد عائشة رضي الله عنها؛ فلما تكلَّم على عائشة رضي الله عنها غضب أبو بكر رضي الله عنه على عرض ابنته وكان الأمر عظيمًا حتى إن أبا بكر رضي الله عنه من مرارة الحدث قال: «والله ما رُمينا بهذا في الجاهلية؛ أنُرمى به في الإسلام»؟!٣٬٤٤٤[تاريخ المدينة لابن شية: (1/321)]. فمن شدّة الغضب قال: «والله لا أنفق على مسطح».

وهذا ليس شيئًا صغيرًا، فأن يتكلّم المرء على عرض ابنتك، أو على عرض زوجتك، فليس عظيمًا أن تحرمه وأن تمنعه من النفقة عقوبةً له، ولكن الله ﷻ يريد منا أن نكون فوق حظوظ أنفسنا، ويريد منا أن تكون أعمالنا له ﷻ، ويريد منا أن نطمع في مغفرته بهذه المواقف؛ فوجَّه أبا بكر رضي الله عنه فقال: ﴿وَلَا يَأۡتَلِ﴾ يعني: حتى ولو أقسم أولو الفضل منكم والسعة يعني أبا بكر؛ فلا يمتنعوا أن يعطوا وأن ينفقوا على أولي القربى والمساكين والمهاجرين، واعفوا عنهم كما تحبون أن يعفو الله ﷻ عنكم.

فإذن.. من كان بينه وبين أحد إخوانه شحناء أو بغضاء أو خصومة أو أي شيء فعليه أن يجعل هذا الشهر شهر تزكية، شهر صفح، شهر عفو، شهر تنازل، شهر تجديد للعلاقة بينه وبين إخوانه، وليحتسب ذلك عند الله ﷻ؛ فالله ﷻ عندما عدَّد صفات المتَّقين جعل منها: ﴿وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ [آل عمران: 134]، والنبي ﷺ يقول: (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا رفعة)٣٬٤٤٥في صحيح مسلم [٢٥٨٨] من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).، أو كما قال النبي ﷺ؛ يعني كلما عفوت رفعك الله ﷻ.

ونحن أيها الإخوة ننتظر الموت والقتل لحظة بلحظة؛ فحتى إذا وقعت بينك وبين أحد إخوانك شحناء أو مشكلة أو أي شيء فلتعلم أنك ستفارقه قريبًا، وسيكون لك قبر وله قبر ولن تلتقيَ معه إلا في الدار الآخرة؛ فلتصبر عليه سنة أو سنتين وربما يومًا أو يومين وربما أقلَّ من ذلك، ولتحتسب ذلك عند الله ﷻ.

فإذن -يا أيها الإخوة- علينا أن نجعل هذا الشهر شهر تجديد علاقة مع الله ﷻ، وتجديد علاقة مع أنفسنا وتجديد علاقة مع إخواننا؛ فلا بد أن يشعر كل واحد منا بعدما يخرج من هذا الشهر إن أبقاه الله ﷻ أنه خرج بصورة غير التي دخل بها في إيمانه: في تقواه، في تزكيته لنفسه، في عبادته، في استشعاره وتذوِّقه لحلاوة الإيمان.

وأما أن الإنسان يدخل عليه هذا الشهر وهو على حال من المشاكل والقيل والقال وإضاعة الأوقات وكثرة السؤال ثم يخرج عليه هذا الشهر وهو على تلك الحال وربما أسوأ؛ فهذا نقول له ما قال النبي ﷺ في حقّه: رغم أنفه.

ونعيذ أنفسنا ونعيذ إخواننا المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأوطانهم وأموالهم وعاشوا غرباء بعيدين عن أهليهم وعن قومهم وعن إخوانهم أن يضيّعوا أوقاتهم وأن يكون هذا الشهر شهر إضاعة للوقت نعيذ أنفسنا ونعيذ إخواننا المهاجرين الغرباء النزّاع من القبائل من ذلك وأسأل الله ﷻ أن ينفعنا وإياكم بهذه التذكرة، وإنما هي تذكرة لنفسي أولًا ثم لإخواني.

نسأل الله ﷻ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسلِّمنا لرمضان وأن يسلِّم رمضان لنا وأن يجعلنا فيه من المعتوقين من النار، وأن يجعلنا من المغفور لهم فيه، وأن يرفع فيه درجاتنا، وأن يكفّر فيه سيئاتنا، وأن يجعله شهر فتح، ونصر، وتمكين لعباده المؤمنين المهاجرين، وشهر توسعة لعباده الأسرى المنكوبين، إنه سميع قريب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

❖ ❖ ❖