ملحق لمسائل متناثرة وأقوال متفرقة

المسألة الأولى: مع أن مذهب السادة الأحناف -كما نقلته آنفًا- هو عدم قتل الجاسوس المسلم، إلا أن المجاهدين في أفغانستان وباكستان -أيدهم الله- قد قتلوا كثيرًا منهم، بل هم من أشد الناس تتبعًا للجواسيس، وملاحقة لهم، وفتكًا بهم، وذلك لما عاينوا ضررهم، ورأوا عظيم خطرهم، وأن جل اعتماد الكفرة عليهم، حتى أصبح عوام الناس كلما رأوا طائرة تجسس تحوم في الجو عرفوا أن لها جاسوسًا على الأرض.

وهؤلاء المجاهدون بينهم العلماء «المولوية» والمفتون الذين يعرفون المذهب جيدًا، وهم يفتون بقتل الجواسيس ويحضون على تتبعهم، وقد استفتيت بعض أكابرهم بنفسي؛ فأفتوا بما ذهب إليه الإمام ابن القيم رحمه الله وخلاصته مذهب الإمام مالك رحمه الله.

ومع ذلك فلا أرى فيما يقومون به مخالفةً لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أصلًا، لدخوله فيما يسمى عندهم في المذهب «بالقتل سياسة»، ولأن هذا عندهم ساعٍ في الأرض بالفساد، ولهم في ذلك مسائل مفترقة.

جاء في «تنقيح الحامدية»: «سُئلَ في رجل عواني مفسد غماز يسعى في الأرض بالفساد، ويوقع الشر بين العباد، ويغري على أخذ الأموال بالباطل وذبح العباد، ويؤذي المسلمين بيده ولسانه ولا يرتدع عن تلك الأفعال إلا بالقتل فما حكمه؟ الجواب: إذا كان كذلك وأخبر جم من المسلمين بذلك يقتل، ويثاب قاتله، لما فيه من دفع شره عن عباد الله تعالى»١٬٦٢١تنقيح الفتاوى الحامدية: (2 / 170)..

ص 906

وجاء في الفتاوى الهندية: «المكابر بالظلم، وقطاع الطريق، وصاحب المكس، وجميع الظلمة، والأعوان، والسعاة، يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم كذا في النهر الفائق»١٬٦٢٢الفتاوى الهندية: (2 /167)..

وجاء في «الدر المختار»: «المكابر بالظلم، وقطاع الطريق، وصاحب المكس، وجميع الظلمة بأدنى شيء له قيمة، وجميع الكبائر، والأعونة، والسعاة يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم. انتهى

وأفتى الناصحي بوجوب قتل كل مؤذ»١٬٦٢٣الدر المختار: (4 / 64).، وقد شرح العلامة ابن عابدين بعض هذا الكلام فقال: «قوله: «المكابر»؛ أي الآخذ علانية بطريق الغلبة والقهر.

قال في المصباح: كابرته مكابرة غالبته مغالبة، قوله: «وقطاع الطريق»؛ أي إذا كان مسافرًا ورأى قاطع طريق له قتله وإن لم يقطع عليه بل على غيره، لما فيه من تخليص الناس من شره وأذاه كما يفيده ما بعده، قوله: «وجميع الكبائر»؛ أي أهلها.

والظاهر أن المراد بها المتعدي ضررها إلى الغير، فيكون قوله والأعونة والسعاة عطف تفسير أو عطف خاص على عام، فيشمل كل من كان من أهل الفساد كالساحر، وقاطع الطريق، واللص، واللوطي، والخناق، ونحوهم ممن عم ضرره ولا ينزجر بغير القتل، قوله: «والأعونة» كأنه جمع معين أو عوان بمعناه، والمراد به الساعي إلى الحكام بالإفساد، فعطف السعاة عليه عطف تفسير.

وفي رسالة أحكام السياسة عن جمع النسفي: سُئل شيخ الإسلام عن قتل الأعونة والظلمة والسعاة في أيام الفترة.

قال: يباح قتلهم؛ لأنهم ساعون في الأرض بالفساد، فقيل إنهم يمتنعون عن ذلك في أيام الفترة ويختفون.

قال: ذلك امتناع ضرورة -﴿وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ [الأنعام: 28] - كما نشاهد.

ص 907

قال وسألنا الشيخ أبا شجاع عنه، فقال: «يباح قتله ويثاب قاتله»»١٬٦٢٤رد المحتار: (15 /218).، والظاهر أن معنى قوله: «في أيام الفترة»؛ أي في أيام عطلتهم.

ولن يكون ضرر الجاسوس المعين للأمريكان والمرتدين أقل ممن ذكروا، إذ لا شك في عموم ضرره وتعديه، وشمول فساده للدين والدنيا، وتناوله للأنفس والأموال والأعراض، ويكفي -وبحسب تعبيرهم- أنه من أعوان الظلمة بل هو رأسٌ من رؤوسهم. والله تعالى أعلم.

قال العلامة ابن عابدين رحمه الله: «مطلب: يكون التعزير بالقتل قوله: «ويكون التعزير بالقتل»، رأيت في «الصارم المسلول» للحافظ ابن تيمية أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل: القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر، فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة.

وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي ﷺ من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه وقالوا: يقتل سياسة...

.. ومن ذلك ما سيذكره المصنف من أن للإمام قتل السارق سياسة أي إن تكرر منه، وسيأتي أيضًا قبيل كتاب الجهاد أن من تكرر الخنق منه في المصر قتل به سياسة لسعيه بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل، وسيأتي أيضًا في باب الردة أن الساحر أو الزنديق الداعي إذا أخذ قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته، ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت وأن الخناق لا توبة له»١٬٦٢٥حاشية ابن عابدين: (4 / 63)..

ص 908

وقد سألت بعض أهل العلم الفضلاء ممن يعتمد مجاهدو الإمارة على فتاويهم وقضائهم عن هذه المسألة أعني قتل الجاسوس المسلم، وكيفية إثبات التهمة عليه مع تعذر البينة والإقرار الاختياري في الظروف التي لا تخفى عليه فأجاب -حفظه الله- إملاء بقوله: «أنا أحكم وأقضي على الجاسوس بغلبة الظن وإظهار أمارات الجاسوسية عليه؛ لأن غلبة الظن حجة موجبة للعمل، وأيضا يوجب العمل بالقرائن القاطعة إذا لم يكن فوقها دليل، ولا حاجة إلى الشهادة والإقرار الاختياري خصوصًا في الجاسوس الذي ليس في أيدينا -أي الممتنع-، وخصوصًا في هذا الزمان -أي زمان الجهاد- الذي لا نقدر فيه على سجنه وعلى القضاء الصحيح مع انعدام القضاة العادلين غالبًا، وقتله إنما هو لأجل سعيه بالفساد، وقد اتفقت كتبنا على قتل الساعي في الأرض بالفساد، ولا فساد أعظم مما يفعله بدلالته للكفار على عورات المسلمين».

ولهذا العالم المجاهد الجليل كتابٌ واسع في أحكام الجهاد تناول فيه الكثير من مسائله العصرية، ولولا أنه كتبه بغير العربية لنقلت شيئًا مما دونه، كما أنني قرأت عليه خلاصة هذا البحث التي كتبتها في آخره فأقرها وأيدها.

وقد ذكر الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أن بعض قضاة المجاهدين في وقته كانوا يحكمون على كثير من الجواسيس بالقتل تعزيرًا؛ فقال: «وفي أفغانستان: حدثني القاضي محمد عمر من بروان: أني حكمت على كثير من الجواسيس بالقتل تعزيرًا لاحدًا»١٬٦٢٦إعلان الجهاد: (7)..

المسألة الثانية: قال الشيخ حسن مأمون رحمه الله في فتوى له طويلة حول واقعة تجسس: «الجاسوسية واقعة مادية تثبت بالإقرار، وبالبيّنة، كما تثبت بالأوراق القاطعة في ذلك»١٬٦٢٧فتاوى الأزهر: (6/73)..

فقد قرر أن الأوراق القاطعة تثبت بها الجاسوسية على المتهم، مع أنها ليست إقرارًا، ولا شاهدين، وهناك كثيرٌ من الأجهزة والتقنيات العصرية التي ثبت في ساحات الجهاد ثبوتًا قطعيًا أنها من معدات التجسس، ولا يستعملها إلا الجواسيس، ومثل ذلك بطاقات أجهزة الأمن السرية التي يكون فيها صورة الجاسوس وتوقيعه أو بصماته ونحو ذلك.

ص 909

وكثيرٌ من هذه الأشياء هي أشد قطعية من الأوراق التي تحتمل التزوير، وهي من القرائن القاطعة التي لا يكاد يتطرق إليها الاحتمال إلا مع التكلف والبعد، جاء في مجلة الأحكام وشرحها: «القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين، مثلًا: إذا خرج أحد من دار خالية خائفًا مدهوشًا، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورئي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فلا يشتبه في كونه قاتل ذلك الشخص، ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة، كأن يكون ذلك الشخص المذكور ربما قتل نفسه»١٬٦٢٨درر الحكام شرح مجلة الأحكام: (4/431)..

وقال العلامة أبو الحسن التسولي المالكي رحمه الله في جوابٍ طويلٍ حول القبائل التي تتكتم على الجواسيس ونحوهم: «ثم بعد تقدم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد على الطرقات من أهل الثقات، العارفين بمغابن الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منه، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممن كلفهم بحراسة، أو ثبت على أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بينة، فلا إشكال أنه يحل له عقوبة الجميع، أما عقوبة الجاسوس فتكون القتل، ولا تقبل له توبة»١٬٦٢٩أجوبة التسولي على مسائل الأمير عبد القادر الجزائري (114-115)..

فقد جعل من طرق معرفة الجواسيس الترصدَ عليهم في الطرقات خفيةً، وجعل هذا كافيًا في إثبات التهمة عليهم تمامًا كالإقرار والبينة، ولهذا عطف هذين على كلامه السابق بحرف «أو» وجعل حكم الجميع القتل.

المسألة الثالثة: كما جاء في روايات قصة حاطب رضي الله عنه، فإن النبي ﷺ قد علم بكتابته للكتاب، وبما احتواه من تبليغ قريشٍ الخبر، وحمل المرأة له، ومكان وجودها بالوحي، وذلك لأن حاطبًا رضي الله عنه قد قام بعمله ذلك خفية واستسرارًا، وذلك يدل على أمور منها:

ص 910

الأول: خطورة ما يترتب على عمل الجاسوس، حتى نزل الوحي من السماء ليُطلِع النبي ﷺ على كل ذلك، ولولا ذلك لوقع المحظور ووصل خبر النبي ﷺ إلى قريش، وهذا مع أن ما تضمنه كتاب حاطب رضي الله عنه إنما هو إعلامٌ بعزم النبي ﷺ على غزوهم، ومعلومٌ أن الوحي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ، وبقي خطر الجاسوس على حاله بل تضاعف في هذا الزمان وتفاقم شره، وكفُّ شر الجواسيس لا ريب أنه مقصودٌ شرعًا وإلا لما نزل الوحي بخبر حاطب، وحيث لا وحي يبين حقيقتهم ويعرف بأشخاصهم ويكشف أسرارهم، فلا بديل إلا الاحتراز والتيقظ واعتماد القرائن والشواهد للتفحص والتفتيش والتعرف عليهم، لأن عمله أساسًا يقوم على التخفي والتمويه والتكتم بنقل الأخبار والأسرار، ولهذا أخذ بعض العلماء من هذا الحديث جواز التجسس على الجواسيس، كما قال القاضي عياض رحمه الله: «وفيه جواز التجسس على الجواسيس، ومن يبغي ضرر المسلمين، وجواز الاطلاع على كتبهم»١٬٦٣٠إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: (7/271)..

الثاني: أن النبي ﷺ كان يعرف أعيان كثير من المنافقين، وبعضهم بأوصافهم وسيماهم ولحنهم بالقول، وكانوا يتحدثون فيما بينهم بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]، وكان يبلغه عن بعضهم أقوال قبيحة، ومع ذلك لم يعاقبهم ولم يكن ينقب عن أحوالهم أو يفتش عن مكنوناتهم وحقائقهم وإنما يعاملهم بحسب ظاهرهم، وذلك لأنهم في قبضة المسلمين وتحت سلطانهم، بل إن أصل ظهور نفاقهم وتظاهرهم بالإسلام إنما سببه ومرده قوة شوكة المسلمين، ولهذا لم يكن في مكة منافق لعدم الحاجة لذلك باعتبار أن الغلبة كانت للمشركين.

أما في حال الجاسوس فقد رأينا أن النبي ﷺ قد أرسل عددًا من الفرسان وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمرهم أن يأخذوا الكتاب من المرأة التي حدد لهم مكان وجودها، وعندما حاولت الإنكار هددوها وتوعدوها، بل جاء في بعض روايات الحديث الضعيفة أن النبي ﷺ قال لهم: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها)١٬٦٣١أسباب النزول: (282)، [وتقدم في: (ص 795)]..

قال الإمام الزيلعي رحمه الله: «هو كذلك بتمامه في تفسير الثعلبي، ثم البغوي، وكذلك في أسباب النزول للواحدي، قلت: غريب بهذا اللفظ»١٬٦٣٢تخريج أحاديث الكشاف: (3/448)..

والفرق بين المنافق والجاسوس أن المنافق يسر كفره، ويكتم ضغينته، ومن ثَم فضرره حائق به، فلا ضير في التغاضي عنه وإجراء الأحكام معه على حسب ظاهره ومعاملته بعدها معاملة المسلمين، أما الجاسوس فإن ضرره متعدٍ، وانتفاع الكفار به بينٌ ظاهرٌ، وربما أدى التغاضي عنه إلى وقوع طوام لا يعلم مداها إلا الله تعالى، فهو وإن كان كاتمًا لشره مستخفيًا في سعيه إلا أن حقيقة الضرر لاحقة بالمسلمين ولا بد، ولهذا تعين كف ذلك الضرر، وتوجَّب حماية أهل الإسلام مما قد يلحقهم بسببه من الأذى والشر والنكاية، ففرقٌ كبيرٌ بين من تمنى النكاية بالمسلمين وكتم تمنيه في صدره أو تحدث به بين الموثوقين من حزبه وبين من سعى لإحداث تلك النكاية سرًا واجتهد في إعانة من يمكنه إيقاعها بأهل الإسلام خفيةً، فالأول هو حال المنافقين في الغالب، والثاني هو حال الجواسيس؛ ولهذا قال العلماء عن الجاسوس: هو أضر من المحارب، وصدقوا وايم الله.

والمنافق سالمٌ من العقوبة ما لم يظهر نفاقه، وليمت بعدها بغيظه كما قال تعالى: ﴿۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 60-62].

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «دلت هذه الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم، وأنهم لا يجاورنه بعد الإغراء بهم إلا قليلا، وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا، وإنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق؛ لأنه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم.

وكذلك قال الحسن: «أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه وأسروه»، وقال قتادة: «ذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموا»»١٬٦٣٣الصارم المسلول: (353)..

ص 911

المسألة الرابعة: ذكرت في مقدمة البحث أنني كنت قد أرسلت بعض الأسئلة المتعلقة بالموضوع إلى عدد من العلماء الأجلاء، ولم يصل من طرفهم جوابٌ عليها، وعذرهم في ذلك معهم، فسأنقل هنا بعض تلك الأسئلة كما هي لتبقى معروضة على مَن لم نستطع إيصالها إليه من العلماء لعلهم يسعفونا بأجوبة عنها مأجورين مشكورين، وهذا هو نصها:

«الحمد لله القائل: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الطيبين، وصحبه الميامين وتابعيهم إلى يوم الدين وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فهذه أسئلة نبعثها إلى سادتنا العلماء، وأئمتنا الفضلاء، وقدواتنا النبلاء، مفاتيح الرشاد، ومصابيح السداد، راجين منهم أن يسعفونا بأجوبة وافية كافية تغني عما سواها، وتقرّ بها عينا من قرأها وتملاها، ونسأل الله لنا ولهم التوفيق لكل خير في الدنيا والآخرة وأن يجعل قلوبنا مجتمعة على محبته، متآلفة على طاعته، قائمة على الإخلاص في إقامة شرعته آمين، آمين.

كما تعلمون -نفع الله بكم- أن أكبر ما يعاني منه المجاهدون اليوم في ساحات الجهاد المختلفة، ويلاقون من جرائه الويلات والويلات، هم الجواسيس، الذين يعدون اليوم أعظم جنود الصليب وأتباعهم، ولا تأثير للأمريكان إلا بهم، ولا بلوغ -في الغالب- إلى أهدافهم الدقيقة والخطيرة إلا عن طريقهم، ومع ذلك فالوصول إلى هؤلاء الجواسيس واكتشافهم ليس بالأمر اليسير، وإثبات تهمة الجوسسة عليهم بالطرق القضائية المعروفة شأنٌ عسير، عسير، بل مستحيل، فليس للمجاهدين أرض يمكنون فيها تمكينًا تامًا تجري فيه أحكام القضاء على وجهها، بل هم معرضون في أغلب الأحيان للمداهمات والمطاردات وتغيير مراكزهم، ثم إن هؤلاء الجواسيس إنما يتم القبض عليهم بعد طول ترصد وبحث واحتياط فهم في الحقيقة ممتنعون لا يمكن الوصول إليهم بمجرد استدعائهم وطلب حضورهم، بل لا بد من الكمن لهم، ومتابعتهم، واغتنام أول فرصة للقبض عليهم، فهذا وصف مختصر للحال، والأمر يحتاج إلى زيادة إسهاب ولكن ما أردناه هو تقريب الصورة، ولا نحسب أنها تغيب عنكم غيابا تامًا فعلى ضوء ذلك:

ص 912

أولًا: هناك من الجواسيس من تقوى في حقه التهمة كأن يقبض معه على جهاز «تنصت» أو بطاقة شخصية تدل على انتمائه لجهة من الجهات الكافرة المحاربة للمجاهدين كأجهزة الاستخبارات، فبعد القبض عليه يقر بذلك، أحيانًا مباشرة، وأحيانًا بعد مسه بشيء من العذاب كالضرب، بحيث لا يبقى شكٌ في صدقه مع قرائن أخرى تنضاف إلى ما ذكر، فهل يجوز قتله في مثل هذه الحالة بناء على اعترافاته؟

ثانيًا: أحيانًا يعترف عدد من الجواسيس على إخوان لهم يقومون بنفس المهمة، بحيث تتفق كلمتهم وتتطابق القصص التي يذكرونها عنهم، مع العلم أن ذلك يقع مع عدم لقاء هؤلاء الجواسيس المعتقلين لبعضهم أثناء الاعتقال، وهذا التوافق والتطابق في الكلام والقصص الجزئية التي لا يمكن أن تكون مختلقة ولا مكذوبة فالعادة تحيل تواطؤهم على الكذب واتفاقهم عليه بهذه الطريقة الدقيقة، ويكون هذا الشخص المعترَف عليه صعبًا الوصول إليه واعتقاله لامتناعه بنوع قوة، فهل يجوز في مثل هذه الحال الاعتماد على ما قاله أولئك الجواسيس والمبادرة إلى قتله واغتياله، مع العلم أن تركه يقود إلى مفاسد لا يعلمها إلا الله وقد تؤدي إلى قصف مراكز أو اعتقال مجاهدين، والقبض عليه أمر متعذر أو متعسر؟

ثالثًا: هل يمكن القول بالتفريق في مسألة الجواسيس بين حالة التمكن والقدرة كالتي كان فيها حاطب رضي الله عنه حينما استدعاه النبي ﷺ وسأله واستفسر منه واستبين حاله وهو موجود داخل الدولة الإسلامية وتحت سلطتها وقدرتها ويمكن إحضاره إلى المجلس طوعًا أو كرهًا، وبين حالة الامتناع والحرب حيث يكون المجاهدون في غير تمكين والاستفصال عن كل حالة شيء متعذر.

وإيكال هؤلاء الجواسيس إلى أقوالهم وإنكارهم مع القطع بكذبهم والتيقن بلصوق التهمة بهم «وذلك بالقرائن القوية والاعترافات القسرية أحيانًا»؛ يعني بالضرورة عدم قتل أي جاسوس ينسب نفسه إلى الإسلام وهذا باب شرٍ مستطير على المجاهدين؛ لأن اعتماد الكفرة اليوم على الجواسيس والعيون أضعاف أضعاف اعتمادهم على الجيوش العسكرية العلنية المدججة بالأسلحة.

ص 913

وهل يمكن أن يجعل حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: (اطلبوه فاقتلوه)، دليلًا على هذا التفريق، حيث استبين من حاطب رضي الله عنه حينما كان في المدينة وتحت سلطان المسلمين، وأمر بقتل المشرك الهارب مباشرة لامتناعه ورجوعه إلى طائفته، مع أنه كان يمكن أن يقبض عليه لأن سلمة إنما قتله بعد أن أنزله من ظهر جمله، فحاطب مقدور عليه، وهذا ممتنع ولهذا كان التعامل مع الحالتين مختلفًا، فهل يستقيم هذا التقرير؟

رابعًا: وفي كل هذا وذاك فماذا يرى سادتنا العلماء في كيفية التعامل مع هذه المسألة بصورة عملية، ولا نقصد حكم الجاسوس من حيث جواز القتل أو عدمه، وإنما من جهة كيفية إثبات صفة الجوسسة التي يستحق بها القتل، ومن ذلك: «القرائن المتعددة كالأجهزة المتطورة، والتنصت على مكالماتهم الهاتفية التي تثبت بأصواتهم أنهم يبلغون الأخبار إلى الأعداء، واستصحابهم لبعض الصور أو التقارير التي التقطوها أو كتبوها عن المجاهدين ونحو ذلك وهو باب واسع لا يكاد يحصر، أو بالضرب ومسه بشيء من العذاب مع قوة السبب الداعي لذلك وهذا أكثر الأساليب استعمالا بين المجاهدين في كل ساحات الجهاد تقريبًا، أو باعتراف عدد من الجواسيس على شخص معين بحيث يقع اليقين بصدقهم فيما يقولون لعدم إمكانية اتفاقهم على الكذب في قصص مفصلة وأحداث مروية دقيقة»؛ أجيبونا مأجورين مرحومين بإذن الله؟

ووضحوا لنا المسألة أثابكم الله، وجزاكم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رجب 1429هـ»

المسألة الخامسة: قد ذكرت من قبل أن جواسيس العصر لا تقتصر مهمتهم على مجرد نقل المعلومات وتوصيل الأخبار المجردة إلى الأعداء كما هو غالب الجواسيس الذين يذكرهم الفقهاء في كتبهم، وإنما أصبحوا في هذا العصر مشاركين مشاركة حقيقية فعلية في العمليات، بما يخرجهم عن وصف التجسس المجرد ويدخلهم في زمرة الجنود الفعليين.

ص 914

وفي هذا الموطن صور لبعض ما يستخدمه الجواسيس ويتحملون العناء والمخاطر حتى يوصلوها إلى الأهداف التي يطالبهم بها أولياؤهم الكفرة فتكون سببًا في توجيه صورايخ القتل والدمار التي تصب حممها على المجاهدين والمستضعفين.

ص 915