الدرس السابع
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابهِ أجمعين وعلى من اهتدى بهديه وسارَ عل سنته إلى يوم الدين، ثمّ أما بعد...
فإن الوقتَ لا يتسع للتفصيل الذي كنا نسير عليهِ في تفسير الآيات، ولذلك سنقتصرُ على ذكر المعاني التي يتضحُ بها المعنى العام للآية من غيرِ دخول في كثيرٍ من التفاصيل والأمور الأخرى التي ربما كنا نشير إليها بين حينٍ وحين؛ فنحاول إن شاء الله أن نمرَّ على ما بقي من آيات سورة الحجرات، وكنا قد وقفنا عند قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: 12].
وقلنا: إن هذه الآية قد نهت عن ثلاثة أمور وأوجبت على المسلمين أن يتقوها وأن يجتنبوها:
أولها: سوء الظن بالمسلمين، فإنه كما قال النبي ﷺ: (إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ)٢٬٤٣٣[متفق عليه، البخاري: (٥١٤٣)، ومسلم: (٢٥٦٣)]..
والثاني: التجسس ومعناهُ البحث والتحسس لمحاولة الاطلاع على عورات المسلمين، وكما قال النبي ﷺ في الحديث الذي ذكرناه بالأمس: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المؤمنين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يفضحه الله ولو في عقرِ داره)٢٬٤٣٤[رواه -بلفظ قريب- أحمد: (١٩٧٧٦)، وأبو داود: (٤٨٨٠)، وقال الألباني: «حسن صحيح»].؛ فالمسلم إذن مطالب بأن يستر على أخيه المسلم، لا أن يفضحهُ، وأن يُشهِّر بهِ، ويذكر معايِبَه في المجالس وينشرها بين الناس، وربما يفرحُ بما يكتشفه من الأخطاء والعيوب والزلات والهفوات التي يقع فيها المسلم، فهذا أخوك: سِترك له هو سترٌ لك أنت، كما ذكرنا في الآية السابقة التي قبل هذه؛ قول الله ﷻ: ﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات: 11].
والأمر الثالث الذي نهت عنه هذه الآية: الغيبة، وقلنا: إن الغيبة داءٌ عضال إذا انتشر في المجتمعات؛ فإنه يفرق ويقطع أواصرها وما بينها من الروابط وتورث الشحناء والبغضاء والعداوة، وتجعل الإنسان المسلم يكيد لأخيه المسلم، ويحاول أن يوقعه فيما يكرههُ؛ فلهذا نهى الله ﷻ عنها أشد النهي، ونهى عنها النبي ﷺ أشد النهي، وورد في ذلك أحاديث متعددة لا مجال لذكرها والمرور عليها، وكلنا نعلم الأحاديث، كقول النبي ﷺ في حجةِ الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم كحرمة يومك هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)٢٬٤٣٥[تقدم في: (ص 247)].، فالنبي ﷺ سوَّى في الحرمة بين هذه الأمور، الدماء؛ يعني فلا تسفكوها بغير حقٍ، والأموال؛ فلا تأخذوها بغير حقٍ، والأعراض؛ فلا تنتهكوها.
ولذلك -كما ذكر شيخ الإسلام وغيره- تجد الإنسان يتورع كثيرًا عن سفك دم أخيه المسلم، ويتورع عن أخذ مال أخيه المسلم بغير حق، ولكنه لا يتورع عن تقطيع عرض أخيه المسلم؛ فتجدهُ في المجالس يخوض في عرض هذا، ويخوض في عرض هذا، ويذكر معايب هذا، ويذكر أخطاء هذا، وهو لا يدري بذلك أنه قد ارتكب محرمًا لا يكاد يقل في حرمته عن سفك دم المسلم.
بل كثير من الناس يرضى أن تقتلهُ ولا يرضى أن تتكلم في عرضه، ولهذا قال النبي ﷺ: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم)٢٬٤٣٦[سبق قبل قليل]..
وذكرنا بالأمس بعض الصور التي استثناها العلماء وجازَ فيها غيبة المسلم، وقلنا: ضابطُ ذلك أن يكون هناك مصلحةٌ شرعية تدعو إلى ذكر هذا العيب، وأن لا يمكن التوصل لهذه المصلحة إلا عبر الغيبة، فإذا وجد هذان الشرطان فإنها تجوزُ، بل ربما تجبُ؛ إذا ترتب عليها دفعُ ضررٍ محققٍ في حق المسلـمِ.
[أحكام التوبة وفضلها]
ثمَّ قال الله ﷻ بعد ذلك في آخر الآية: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحجرات: 12]، فأمر أولًا: بتقوى الله ﷻ، وقد مرَّ معنا هذا الأمر مكررًا في هذه السورة وفي غيرها من السور، فالله ﷻ يأمر بتقواه؛ لأنها هي الحائل بين المسلم وبين اقتحام محارم الله ﷻ، والتقوى: أن تجعل بينك وبين المحارم وقاية وحاجز يمنعك من دخولها، وهذا الحاجز هو خشية الله ﷻ ومراقبة الله ﷻ، وهو العلم والتيقن بأنك معروضٌ؛ ستعرض على الله ﷻ، وأنه سيسألك عن كل صغيرٍ وكبيرٍ من أعمالك، سواءٌ منها ما يتعلق بحق الله ﷻ، أو ما يتعلق بحقوق العباد؛ فالإنسان إذن مأمور بتقوى الله ﷻ، وقد أمر الله ﷻ بالتوبة في كتابه؛ فقال: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [النور: 31]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8].
والتوبة قسمان:
1- التوبة العامة: بمعنى أن الإنسان يتوب توبةً عامة من كل ذنبٍ ارتكبه، فالإنسان لا يستطيع أن يستحضر ذنوبه كلها في كل حين، ولكن يستطيع أن يعزم بقلبه على أن لا يعصي الله ﷻ ما استطاع، وأنه سيقلع عن الذنوب التي كان يفعلها، فهذه توبة عامة.
2- التوبة الخاصة: التي تتعلق بذنبٍ معين يعلمه الإنسان.
قال العلماء: إن التوبة واجبة، وتصحُّ التوبة من بعض الذنوب، مع عدم التوبة من بعضها؛ أي الإنسان قد لا يتوب من ذنبٍ معين، ويتوبُ من ذنبٍ آخرَ على وجه الخصوص.
فالله ﷻ أمرَ المؤمنين بالتوبة، فقال ﷻ: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: 31]، ليس هناك مؤمنٌ على وجه الأرض لا يحتاج إلى التوبة؛ لأنه ليس هناك أحد معصوم من معصية الله ﷻ، وأقل ذلك: التقصير في حق الله ﷻ، فالمسلم مهما عبد الله ﷻ، ومهما صلى، ومهما صام، ومهما سجد، ومهما ذكر.. إلا أنه لم يؤدِّ شيئًا من شكر نِعم الله ﷻ، فنِعم الله ﷻ عليه عظيمة، قال ﷻ: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ [إبراهيم: 34]، وإذا كنت أنتَ عاجزًا عن عدِّ نِعَم الله فكيف ستؤدي شكرها؟!
وقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «توضع يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوانٌ للحسنات وديوانٌ للسيئات -المعاصي- وديوانٌ للنعم -ديوان لنعم الله ﷻ- فيقول الله ﷻ: قايسوا بين نعمي وبين عبادات عبدي»٢٬٤٣٧[هكذا أورده ابن القيم موقوفًا عن أنس، وأورده موقوفًا عليه: الدينوري في «المجالسة» (حديث: 5) وضعفه محققه، ولكن قال ابن القيم في: رسالة إلى أحد إخوانه (1/52): هذا ثابتٌ عن أنس. والظاهر أنه مقبول موقوفًا، والله أعلم]. أي: انظروا هل تكافِئُها؟ فأي عمل يمكن أن يكافئ نعم الله ﷻ؟! لا يوجد.
فَنِعم الله ﷻ تَستهلك الطاعات كلها؛ فتبقى المعاصي تحتاج إلى شيء يقابلها من الحسنات، ولذلك لن يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما برحمة الله ﷻ، ومع ذلك -كما قلنا- فإنَّ الإنسان مطالب بالتوبة، والتوبة -كما ذكر العلماء- لها شروطٌ، فليست هي مجرد كلمة يقولها الإنسان ويرددها على لسانه، وإنما هي عمل يجتمع فيها عمل الجوارح وعمل القلب أيضًا.
1- وأول هذه الأعمال أو أول هذه الأمور التي يحتاجها التائب: العزمُ على عدم العود إلى هذا الذنب، سواء كان هذا الذنب مما يتعلق بحقوق الله ﷻ أو ما يتعلق بحقوق العباد، الإنسان يعزم بقلبه عزيمة قاطعة أن لا يرجع إلى هذا الذنب مرةً أخرى.
2- الأمر الثاني: الندم على ما فعله؛ يعني الانكسار والحياء والندم، لماذا هو اقترف هذا الذنب في حق الله ﷻ أو في حق أحدٍ من عباده.
3- الأمر الثالث: أن يقلع عن الذنب؛ فلا يصح أن يكون الإنسان مُنغمسًا في معصية من المعاصي ويعُبُّ منها عبًا ويقول مع ذلك: أنا أتوب إلى الله ﷻ! وإنَّما التوبة لا بد أن يكون فيها أعمال الجوارح، بأن يقوم المسلم بمفاصلة هذه المعصية، وهذا الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا ثم تمم بالراهب مئة، فأرشده العالم إلى الخروج من هذه الأرض التي يرتكب فيها المعصية، ومفاصلتها والابتعاد عنها فإنها أرض سوءٍ٢٬٤٣٨[قصة قاتل المئة نفس وتوبته في: صحيح مسلم (2766)]..
قال العلماء: هذه الشروط تُطلب إذا كان الذنب حقًا لله ﷻ، فأما إذا كان الذنب من حقوق العباد فيُضاف إليه شرطٌ آخر وهو: التحلل من صاحب هذا الحق، أي طلب الصفحِ والعفوِ من صاحب هذا الحق، سواء كان هذا الحق ماديًّا كأموالٍ أخذتها منه بغير حقٍ، أو كان هذا معنويًّا كالغيبة والنميمة والكذب والافتراء عليه، ولكن قال العلماء: بعض المعاصي الشخصية كالغيبة ربما يؤدي ذهابك لأخيك الذي اغتبته وتحللك منه؛ إلى زيادة العداوة، فقالوا في هذه الحالة: يكفي الإنسان لتحقيق التوبة أن يذكر مَن اغتابه في المجالس التي استنقصه فيها؛ بأن يمدحه ويذكر ما فيه من المحاسن؛ حتى يتحلل مما ارتكبه، وأن يدعوَ له في ظهر الغيب.
ولهذا قال الله ﷻ هنا في آخر الآية: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾؛ يعني أنَّ الإنسان لا ييأس من رحمة الله ﷻ وعليه أن يتوب إلى الله ﷻ من كل ذنبٍ قبلَ أن يحال بينه وبين التوبة، فإذا خرج الإنسان من هذه الدنيا وعلى ظهرهِ أوزارٌ من حقوق العباد، أو من حق الله ﷻ؛ فخلاص سيحاسب على هذه الأعمال، أما ما دام في الدنيا وفي السعة وبإمكانه التوبة والإقلاع والندم والاستغفار والإكثار من الحسنات التي تُكفر السيئات؛ فالباب أمامه مفتوح، ما الذي يمنعه؟
قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ [هود: 114]، وقال ﷺ: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها)٢٬٤٣٩[رواه أحمد: (٢١٣٥٤)، والترمذي: (١٩٨٧)، وقال: «حسن صحيح»]..
إذن نحن محتاجون إلى التوبة ومحتاجون إلى تقوى الله ﷻ التي وصى بها الأولين والآخرين، كما قال الله ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ [النساء: 131].
[تفاوت مراتب الناس وتفاضلهم بحسب تقواهم لله تعالى]
ثمَّ قال الله ﷻ بعد ذلك: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13].
تبيِّنُ لنا هذه الآيةُ الميزانَ الصحيح عند الله ﷻ في تفاوت مراتب الناس؛ فذكر الله ﷻ ابتداءً الأصل الذي يتساوى فيه جميع الناس الأسود والأحمر والأبيض، العبد والسيد، القريب والبعيد.. كلهم كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾، وانظروا كيف خاطبهم بالناس، وما قال: يا أيها الذين آمنوا، فهذا خطاب لجميع الناس، وهذا الخطاب ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ من المعهود في السور المكية، وليس في السور المدنية، فالسور المكية هي التي تجد فيها ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ لأن الخطاب كان عامًا ولم يكن للمسلمين مجتمع خاص بهم يفردهم به عن الكفار، وذلك مثل قوله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ﴾ [الحج: 1]، وغيرها من الآيات.
وقول الله ﷻ هنا: ﴿إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ﴾، يعني بهما: آدم وحواء؛ أي كلكم يرجع أصلكم إلى آدم وحواء، فالنسب الطيني من حيث أصل الخلقة لا تفاوت فيه بين الناس، وكلهم فيه سواء، كما قال النبي ﷺ: (كلكم لآدم)٢٬٤٤٠[رواه الترمذي: (٣٩٥٦)، بلفظ: (والناس بنو آدم)، وقال: «حسن صحيح»].، وكذلك قال الله ﷻ هنا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾، ثم بعد ذلك فرق الله ﷻ العباد وجعلهم شعوبًا وهم أعم من القبائل، والقبائل جزء من الشعوب؛ أي أنَّ الشعوب تتركب من القبائل، وهكذا.. وهي ست مراتب يذكرها العلماء٢٬٤٤١[انظر: رسائل المقريزي (ص 77) قال: «والعرب كلها على ست طبقات: شعوب، وقبائل، وعمائر، وبطون، وأفخاذ، وفصائل»]..
وقد ذكر الله ﷻ وبيَّن لنا ما هي الحكمة من جعل الناس شعوبًا وقبائل؛ فقال ﷻ: ﴿لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾؛ أي ليقع التعارف فيما بينكم فينتسب هذا إلى هذه القبيلة، وينتسب هذا إلى هذه القبيلة، أو إلى هذا الشعب، فكون الإنسان ينتمي إلى شعبٍ من الشعوب أو إلى قبيلة من القبائل هذا بمجرده لا يدل على التفاضل، وإنما الحكمة فيه فقط ليقع التعارف بين الناس: ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾.
ثم بيَّن الله ﷻ الميزان الحقيقي الذي على الناس أن يتنافسوا فيه؛ وهو الذي تكون به درجاتهم ومنزلتهم عند الله ﷻ، فقال ﷻ: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ ليس صاحب المال، ولا صاحب الجاه، ولا صاحب السلطان، ولا صاحب الحكم، ولا صاحب الجمال، ولكن الكريم عند الله ﷻ هو التقي، وهذا باب يستطيع كل إنسان أن يجتهد فيه هذه المراتب، يستطيع كل واحد من الناس أن يبذل جهده ليكون تقيًا لله ﷻ، فالأعمال أمامك والقدرة عندك والله ﷻ موجود لتستعين به في أداء الطاعات واجتناب المحرمات، فما الذي يمنعك من تقوى الله ﷻ لتكون من الأكرمين؟ وتكون بعد ذلك من المقدمين؟
وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تؤكد هذا المعنى، فالنبي ﷺ سأله الصحابة رضي الله عنهم فقالوا: «من أكرم الناس؟»، قال: (أتقاهم لله)٢٬٤٤٢[صحيح البخاري: (٣٣٨٣)].، أتقاهم لله ﷻ، والتقوى تشمل القيام بالطاعات واجتناب المحرمات، وعندما نقول: أداء الواجبات والطاعات؛ فهذا بابٌ واسعٌ عظيم فيه يتنافس المتنافسون، سواء كان من الفرائض العينية، أو الواجبات الكفائية، أو المستحبات، أو ترك المشتبهات والمكروهات، وكذلك اجتناب المحرمات.
إذن هذه هي الحقيقة التي يتفاوت بها الناس، أما من أراد أن يفاضل بين الناس بالقومية أو بالشعوبية أو بالمال أو بالجاه أو بالقوة أو بالعقل أو بغير ذلك؛ فهذه كلها لا ميزان ولا قيمة لها عند الله ﷻ، قال ﷺ: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)٢٬٤٤٣[تقدم في: (ص 2631)].؛ فلا فضل لعربي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال ﷻ: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
ولهذا فمن المعاني التي دائمًا ما نكررها: أنَّ الذين يريدون أن يغرسوا في قلوب شعوبهم -سواء كانت الشعوب العربية أو غيرها- الترفع على بقية الشعوب بمجرد الانتماء لهذا الشعب أو لغيره؛ فهؤلاء قد ناقضوا وخالفوا الميزان الشرعي الذي جاء به كتاب الله ﷻ، فالميزان الذي جاء به كتاب الله ﷻ هو: تقوى الله ﷻ، وأما الصورة والجمال والمال والجاه والقومية والوطنية والمصلحة المشتركة.. وغير ذلك؛ فهذه كلها لا قيمة لها عند الله ﷻ.
وأذكر هنا حديثًا يبيِّنُ لنا أنَّ الميزان عند الله ﷻ هو بالأعمال الصالحة التي يقوم بها العبد، فقد كان النبي ﷺ في طريقه إلى غزوةٍ فجاءه رجل وقال: «يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح المنظر منتن الريح» -هكذا يقول هذا الرجل عن نفسه-، قال: «أرأيت إن قاتلت هؤلاء فقُتلت فأين أنا؟»؛ قال ﷺ: (في الجنة)، فقاتلهم وقُتل هذا الرجل، فقال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده إنه لمن ملوك الجنة)٢٬٤٤٤[ذكره الشيخ بالمعنى، ورواه البيهقي بنحوه في الشعب: (٤٣١٧)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (١٣٨٢)]..
هذا الرجل لا يلبس الكرافات، ولا يخفف لحيته، ولا يسرح شعره يمينًا ولا يسارًا، وليس مفتونًا بحضارة غربية، ولا بتقدم موهوم، وإنما كان عمله فقط: «إن قاتلت هؤلاء؛ فقتلت فأين أنا؟» قال: (في الجنة)، وهذا الرجل هو الذي يقول عن نفسه: لوني أسود! شكلي قبيح! رائحتي منتنة! هذا أنا.
إذن فالذين يحاولون أن يفاضلوا بين الناس بهذه المعايير الأرضية التي ابتلوا بها والتي غزتهم من الشعوب المادية التي تعطي قيمة للناس بحسب غناهم وبحسب مالهم وبحسب جاههم؛ هؤلاء لا يدركون هذا الميزان الشرعي الذي جاءَ به كتاب الله ﷻ.
ثمَّ قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ فالله ﷻ هو الذي يعلم التقي ويعلم الصالح، والله ﷻ يعلم المفسد من المصلح؛ فما في القلوب لا يعلمه إلا الله ﷻ، والتقوى -كما قلنا- مقسمة على أعمال الجوارح، ومقسمة أيضًا على أعمال القلوب، وفيها يتنافس المتنافسون.
[كراهية تزكية النفس، وبيان أنَّ الجهاد دليل صحة الإيمان وصدقه]
ثم قال الله ﷻ بعد ذلك: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 14]؛ هؤلاء الأعراب أقوامٌ دخلوا في الإسلام، وفي أول دخولهم للإسلام زعموا أنهم قد بلغوا حقيقة الإيمان؛ أي أن الإيمان قد تمكن في قلوبهم، وأنهم قد أتوا بحقائقه؛ فقال الله ﷻ: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ﴾ أي: آمنا إيمانًا حقيقيًا راسخًا؛ فقال الله ﷻ: ﴿قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ﴾ وليس المقصود أنكم كفار.. كلا، ولكن المراد أن الإيمان المتمكن في القلوب والذي يأتي به صاحبه بحقائقه؛ هذا لم يدخل في قلوبكم بعد.
وقوله ﷻ: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا﴾ استدل بهذه الآية بعض العلماء على أنَّ الإيمان والإسلام مختلفين وأن الإيمان أخص من الإسلام فكل مؤمن مسلم وكل محسن مؤمن ولكن ليس كل مسلم مؤمنا ولا كل مؤمن محسن؛ فالإيمان أخص من الإسلام، والإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
وقول الله ﷻ هنا: ﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ معناه: لم يدخل الإيمان في قلوبكم بعدُ؛ بمعنى الدخول المتمكن الذي تحصلون معه على حقيقة الإيمان.
ثم قال سبحانه تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ﴾ أي: إذا أطعتم الله ﷻ وأطعتم رسوله لا يُنْقصكم من أعمالكم شيئًا، كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ﴾ [الطور: 21] أي: وما أنقصناهم من عملهم من شيء فلا يخافوا ظُلـمًا ولا هضْمًا، فحقك لا يضيع عند الله ﷻ، فإذا أديت طاعة الله ﷻ وطاعة رسوله ﷺ على الوجه الذي أمرت به؛ فلا تخاف أن يضيع هذا العمل الصالح.
وقول الله ﷻ: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ هذه الآية تدلنا على أن الإنسان عليه أن لا يزكي نفسه؛ لأنه لا يعرف حقيقة نفسه، قال ﷻ: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 49]؛ فالله ﷻ هو الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يعلم تقواك ويعلم قدرها، ويعلم إن كنت صادقًا فيها، وهو الذي يعلم إيمانك ويعلم قدره، ويعلم إن كنت صادقًا فيه، فالإنسان عليه أن لا يغتر بعمله؛ لماذا؟
أولًا: لأن هذا العمل قد يكون متضمنًا لأمر يمنع من قبوله عند الله ﷻ وأنت لا تشعر.
ثانيًا: أنك لا تدري أيبقى هذا العمل بعد أدائه أو لا يبقى، فقد ترتكب من المعاصي ما يؤدي إلى إحباط هذا العمل.
ثالثًا: إنك لا تدري أتموت على الإيمان أم لا تموت على الإيمان.
فالإنسان عليه إذن أن لا يغتر بعمل صالح قام به، ولكن يشكر الله ﷻ على أن وفقه لأداء هذا العمل، سواء كان هذا العمل صلاةً أو ذكرًا أو تلاوةً أو تهجدًا أو جهادًا أو إعدادًا أو نصحًا أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن المنكر أو تعلـمًا أو تعليمًا، كل عمل صالح وفقك الله ﷻ إليه فاشكر الله ﷻ عليه وأكثِر من شكر الله ﷻ على هذا العمل، ولا تغتر بهِ، لا تغتر بهذا العمل، ولا بأس أن تفرح به من باب أن الله ﷻ يسره عليك ووفقك إليه.
ثم قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، فهؤلاء هم المؤمنون الذين كمُل إيمانهم، والذين رسخت قلوبهم في الإيمان: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي الكاملون الذين آمنوا باللهِ ﷻ؛ آمنوا بألوهيته وبربوبيته وبأسمائه وصفاته ﷻ ﴿وَرَسُولِهِۦ﴾ وآمنوا برسوله أيضًا، فصدَّقوا النبي ﷺ فيما أخبر وأطاعوه فيما أمر وانتهوا عن ما عنه نهى وزجر، وكانوا مجتهدين في طاعة الله ﷻ.
قال ﷻ: ﴿ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ﴾ فقلوبهم راسخة في الإيمان، وهم على يقين لم يتطرق إليهم شك ولا ريب ولا تذبذب ولا تردد، وإنما ثبتت قلوبهم ورسخت في حقيقة الإيمان، فحال أحدهم في حال السعة كحاله في حال الشدة، وحاله في حال العسر كحاله في حال اليسر، وحاله في حال الكرب كحاله في حال الفرج، قلبه راسخ متعلق بالله ﷻ ويعلم أن الله ﷻ هو الذي يقلِّبُ أمره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ هذا هو المؤمن الحق.
ثم إنهم أضافوا على إيمانهم وطاعتهم لله ﷻ أمرًا آخر وهو أنهم: ﴿وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾؛ إذن الجهاد هو عنوان الصدق، قال الله ﷻ: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ فالذين جمعوا بين هذه الأمور -بين الإيمان بالله ﷻ والإيمان برسول الله ﷺ وقد لا يكفي هذا وحده-؛ لا بد لهم من البرهان، ولا بد من البيِّنة، ولا بد من وجود الإثبات لهذه الدعوى: ما هي؟ هو الجهاد في سبيل الله، لماذا؟ لأن الجهاد هو الساحة التي يقدم فيها الإنسان السلعة التي طالبه الله ﷻ بها، قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم﴾ [التوبة: 111]، فإذا كنت مؤمنًا حقًا بالله وبرسوله فالله ﷻ يقول لك: إني قد اشتريت منك نفسك وثمن نفسك هو الجنة فقدمها.. وأين تقدمها؟ في ساحات الجهاد، فإذا وُفِّقت لهذا الأمر وقدمت نفسك بسخاءٍ وبرضا، وأنت تطلب الشهادة وتجاهد في سبيل الله ﷻ؛ فهذا من توفيق الله ﷻ، وهو من علامات الصدق.
إذن قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ فالذي يدفع عن الإنسان الريب والذي يعزز صدقه في نصرة دين الله ﷻ، وفي إيمانه بالله ﷻ، وفي حبه لله ﷻ؛ هو الجهاد في سبيل الله، وذلك لأنه في الجهاد يقدم نفسه لله ﷻ وهي أغلى ما يملك، ولأنه به يترك الدنيا كلها وراءه من أجل إرضاء الله ﷻ، فيترك بيته وأهله وتجارته ومسكنه وأبنائه وشهادته وجامعته ووظيفته... وغير ذلك، من أجل أن يثبت أنه مستعد لأن يقدم نفسه إرضاء لله ﷻ، كما قال الله ﷻ: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ [التوبة: 24]، وهل هناك شيء فوق هذه الأمور التي ذكرها الله ﷻ في هذه الآية مما يتشبث به الناس؟
ما من أحد يبتعد عن الجهاد ويتعذر في ترك الجهاد، إلا ويحتج بشيء مما ذكره الله ﷻ هنا؛ إما أن يحتج بخدمته لبيته وأبنائه وأهله، أو يحتج بوظيفته والتي هي: ﴿تِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا﴾ أو يحتج بتعمير البلاد والبيت... ونحو ذلك، أو أن البلاد محتاجة إلينا ولأعمالنا ﴿مَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ﴾ ونحوها من الأمور؛ فالإنسان ما دام هناك شيء من أمور الدنيا يثبطه، فهو من أهل: ﴿ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [التوبة: 38] وليعلم أنه ما زال في دائرة المحنة يحتاج إلى إثبات صدقه في الإيمان.
ولذلك قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي الكُمَّل الذين كَمُل إيمانهم ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ أي: الذين وافق قولهم فعلهم، وتطابق فعلهم مع اعتقادهم، ومع إيمانهم بالله وبرسوله ﷺ.
ثم قال الله ﷻ: ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات: 16]؛ هذا رد على الأعراب الذين قالوا: آمنا؛ أي: قل أتخبرون الله بحقيقة دينكم؟! الله هو الذي يعلم إن كنتم آمنتم كما قلتم، ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ﴾ أوْ لم تكونوا كذلك، فمعنى: ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ﴾ أي قل: أتخبرون الله ﷻ بحقيقة دينكم الذي هو إيمانكم، والله ﷻ يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله ﷻ لا تخفى عليه خافية؛ فهو الذي يعلم إن كنتم مؤمنين حقًا، والله ﷻ يعلم إن كان إيمانكم ضعيفًا أو إن كنتم مسلمين، أو إن كان في إيمانكم وهن ورقة؛ فالله ﷻ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ثم قال الله ﷻ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ﴾ أي: هؤلاء يمنون عليك أيها النبي بأنهم أسلموا وذكروا أنهم قوم من العرب أسلموا وقالوا: إن العرب قاتلتك ولم نقاتلك، كأنهم يمنون على النبي ﷺ، فقال الله ﷻ وصحح لهم هذا الفهم الخاطئ قال: ﴿قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ﴾ كما قال: ﴿فَمَنِ ٱهـۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ﴾ [يونس: 108]، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ﷻ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
قال ﷻ: ﴿قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ﴾ نعم؛ الله ﷻ هو الذي يمنُّ على عبده أن فتح له باب الهداية، وشرح صدره لنور الإيمان، وأخرجه من الظلمات إلى النور، وأنقذه من الكفر إلى الإيمان، وأخرجه من المعصية إلى الطاعة، وهذا كله بتوفيق الله ﷻ، وتيسيره وإعانته ﷻ؛ فهو الذي يمنُّ على عباده ليشكروه على هذه النعمة.
ثم قال الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحجرات: 18]، وهذا من باب الأمر العام، فهناك أخبرهم الله ﷻ: ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ﴾ [الحجرات: 16] أي: أتخبرونه بما في قلوبكم إن كان إيمانًا أو لم يكن كذلك، وهنا في هذه الآية أخبرهم بأن الله ﷻ يعلم كل غيبٍ في السماوات وفي الأرض، وهو البصير بأعمالكم؛ يعلم إن كانت موافقة للحق أو مخالفة، يعلم إن كنتم صادقين فيها أو لم تكونوا كذلك؛ فالله ﷻ هو الذي يعلم السر وأخفى ﷻ.
نسأل الله ﷻ أن ينفعنا بما علمنا وأن يجعلنا من الصادقين وأن يختم لنا ولكم بالشهادة في سبيله إنه سميعٌ قريب، وصل اللهم على خير خلقك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وجزاكم الله خيرًا، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: تأملات.. في سورة الحجرات
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.