[الحكمة من العبادة]
الله ﷻ من رحمته بعباده يأمرهم بأوامره ويهديهم إلى طاعاته، ثم يبيِّن لهم حكمة ما أمرهم به، ويرشدهم إلى ذلك تحفيزًا لهم على الاستجابة لأوامره، وإلا فإن المؤمن مأمورٌ ومطالبٌ بأن يستسلم لأمر الله ﷻ وأمر نبيه ﷺ استسلامًا تامًا وينقاد ويذعن لذلك إذعانًا كاملًا ولو لم تظهر له حكمة ذلك الأمر، مع علمنا وتيقِّننا أنه ما من أمر أمرنا الله ﷻ به إلا لحكمة بالغة يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها.
والله ﷻ بيَّن لنا حكمة أمره بعبادتنا له، فقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، فهذا أوَّلُ أمر في كتاب الله ﷻ وهو الأمر بعبادته في سورة البقرة. ثم بيَّن لنا الله ﷻ الحكمة في هذا الأمر وهو تحصيل تقواه، والتقوى هي أن تجعل بينك وبين معصية الله ﷻ -والتي هي سببٌ إلى ورود النار- أن تجعل بينك وبينها وقاية فقال الله ﷻ: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]؛ إذن فتحصيل التقوى بعبادة الله ﷻ يشمل كلَّ أفراد العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحجٍّ وجهاد وغير ذلك.
وقد نصَّ الله ﷻ وبيَّن هذه الحكمة التي هي تحصيل التقوى على أعيان بعض العبادات، كالصيام والذي نتكلّم عنه في هذا الشهر العظيم، وقال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فإذا تأملنا في هذا المقصد وهذه الغاية وهذه الحكمة وتدبَّرنا فيها؛ لعلمنا أن مقصد الصيام شيءٌ عظيمٌ هو وراء ما يتخيَّله الناس وهو وراء ما يظنُّه الناس؛ إنه تحصيل وبلوغ تقوى الله ﷻ حتى تكون هذه التقوى سجيّةً عند العبد.
فعمر الإنسان يحتاج إلى محطَّات يتوقَّف فيها مع نفسه يحاسب فيها نفسه ويحرمها من كثير من الشهوات حتى لا ينحطَّ الإنسان إلى حضيض الحيوانات! فمن حكمة الله ﷻ أن شرع لنا هذه العبادة الجليلة؛ التي يمسك فيها الإنسان عن الطعام وعن الشراب وعن الجماع وغير ذلك.
وإذا تأملنا وتدبَّرنا في هذه الحكمة فعلينا أن نبحث عن أسبابها؛ فالناس كلهم يصومون ويمتنعون عن الأكل وعن الشرب وعن غير ذلك من المفطرات، بل ربَّما يدخل بعضهم في التنطَّع والتشدَّد والغلوِّ الذي لم يأمر به الله ﷻ ولا جاء به النبي ﷺ، ولكن ليس كل الناس ينالون هذه المنحة الإلهية وهي حصول التقوى.
فشهر الصيام إذن هو الشهر الذي يجدّد فيه المرء المسلم علاقته مع الله ﷻ؛ فالإنسان قد يكون في غمرة الأعمال والهموم والأشغال والمشاكل إلى غير ذلك فيحتاج إلى فترة هدوء وسكينة يتفرَّغ فيها قليلًا مع نفسه يجدِّد فيها العلاقة مع الله ﷻ ويزكِّي فيها نفسه ويهذِّبها ويردُّها إلى الحق، وهذا ما يكون في هذا الشهر.