المسألة الأولى: بيان بعض المسائل المتعلقة بالإجماع عند الأصوليين

الإجماع: هو الدليل الثالث من أدلة الأحكام الإجمالية؛ فمرتبته تأتي بعد الكتاب والسنة وذلك لأنه متفرع عنهما، وأدلة حُجيته مبسوطة بتوسع واستيفاء في كثير من كتب الأصول، وليس هذا موضع سردها كاملة ومفصلة، فمما استدل به على حجيته من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

ومن السُّنَّةِ ما أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة ومن شذ؛ شذَّ في النار)٢٢[سنن الترمذي: (2167) وصححه الألباني دون قوله: ومن شذ. المستدرك (٣٩٥) وذكر اختلافًا في إسناده، السنة لابن أبي عاصم (80)، وضعفه محققه الجوابرة]..

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «باب في الإجماع؛ عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: (اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمتي إلا على هدى)٢٣رواه أحمد [21293، قال محققه الأرنؤوط: ضعيف جدا، وقال الألباني: موضوع]، وفيه البختري بن عبيد بن سلمان وهو ضعيف.، وعن أبي بصرة صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (سألت ربي أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)٢٤رواه أحمد [27224، قال الأرنؤوط: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لإبهام الراوي عن أبي بَصْرة، ولهذا قال الشيخ أبو يحيى]، وفيه رجل لم يسم [وللحديث شواهد تجعله صحيحًا لغيره]..

ص 71

وعن عبد الله بن مسعود قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالاته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ)٢٥رواه أحمد [3600] والبزار [1702] والطبراني في الكبير [8583] ورجاله موثقون [وحسن إسناده الأرنؤوط وغيره]..

ومن السنة أيضًا قوله ﷺ: (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة)٢٦[السنة لابن أبي عاصم (83)]، قال الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع [1786]: «حسن»..

واستُدِلَّ كذلك بأحاديث الطائفة المنصورة كقوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك)٢٧أخرجه مسلم (1920)، والترمذي وابن ماجه..

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: «وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما يستدل به له من الحديث، وأما حديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فضعيف»٢٨شرح مسلم: (13/67)..

هذا ومن أراد الاطلاع على تفاصيل أدلته ويرغب أن يتوسع في معرفتها فليراجعها في مظانها.

ونشير هنا إلى أنه لم يخالف في حُجية الإجماع -وإن اختُلف في بعض تفاصيله- إلا الشيعة والخوارج والنَّظَّام من المعتزلة ولا ريب أن خلاف هؤلاء كعدمه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الطريق الرابع: الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة؛ لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبًا»٢٩مجموع الفتاوى: (11/341)..

أولا: تعريف الإجماع

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَهُوَ الاتِّفَاقُ مِنْ مُجْتِهِدِي

الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ أَحْمَدِ٣٠[مراقي السعود: بيت رقم (603)، وانظر شرحه في نثر الوورد: (1/388)].

ص 72

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «وأما في الاصطلاح فهو: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور، والمراد بالاتفاق: الاشتراك إما في الاعتقاد أو القول، أو في الفعل»٣١إرشاد الفحول: (132)..

ثانيًا: أنواع الإجماع

قسَّم علماء الأصول الإجماع إلى قسمين: صريحٍ وسكوتي، وذلك باعتبار الكيفية التي يقع بها؛ فإنه لا يخلو انعقاده من إحدى الصور التي سنذكرها:

1- أن يكون بالقول، وذلك بأن ينص كل واحد من المجتهدين في عصرٍ من الأعصار بالقول على حكم مسألة معينة ويتفقوا على ذلك الحكم.

2- أو يفعل كل المجتهدين فعلًا يدل على حكم في قضية معينة.

3- أن ينص بعضهم على حكم في مسألة ما ويفعل الباقون فعلًا يوافق مقتضاه ذلك القول، وذلك كأن يفتي بعضهم بمشروعية قتال طائفة ويقوم الآخرون من المجتهدين بقتالها فعلًا.

4- أو أن يقول أو ينقل لبعضهم قولًا وينتشر في الباقين ويسكتوا عنه من غير إنكار ولا إقرار.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَيَحْصُلُ الْإِجْمَاعُ بِالْأَقْوَالِ

مِنْ كُلِّ أَهْلِهِ وَبِالْأَفْعَالِ

وَقَوْلِ بَعْضٍ حَيْثُ بَاقِيهِمْ فَعَلْ

وَبِانْتِشَارٍ مَعْ سُكُوتِهِمْ حَصَلْ٣٢علم أصول الفقه: (51).

وقال الزركشي: «وقد يتركب من القول والفعل بأن يقول بعضهم هذا مباحٌ، ويُقدم الباقي على إباحته بالفعل، فيعلم أنه إجماع منهم، وإن كان بعضهم قائلًا وبعضهم فاعلًا»٣٣البحر المحيط (4/509)..

وقال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: «أما الإجماع من جهة كيفية حصوله فهو نوعان:

أحدهما: الإجماع الصريح: وهو أن يتفق مجتهدو العصر على حكم واقعة بإبداء كل منهم رأيه صراحة بفتوى أو قضاء، أي أن كل مجتهد يصدر منه قولٌ أو فعلٌ يعبر صراحة عن رأيه.

ص 73

وثانيها: الإجماع السكوتي: وهو أن يبدي بعض مجتهدي العصر رأيهم صراحة في الواقعة بفتوى أو قضاء، ويسكت باقيهم عن إبداء رأيهم فيها بموافقة ما أبدى فيها أو مخالفته»٣٤[انظره في: شرح الشيخ ابن عثيمين على نظم الورقات (ص174)]..

أما عن حجية هذين القسمين: فإن الإجماع الصريح يُعتبر حجة عند جميع القائلين بحجية الإجماع ولم يخالف إلا من لا يُعتد بمخالفته ممن ذكرنا، وأما الإجماع السكوتي فإن الخلاف قد وقع بين العلماء في حجيته؛ بل وفي اعتباره إجماعًا أصلًا.

قال الشيخ حافظ ثناء الله الزاهدي: «أنواعه -أي الإجماع- وحجيته:

1-الإجماع الصريح، أو القولي، أو النطقي، أو الفعلي، وهو: «اتفاق المجتهدين بأقوالهم أو أفعالهم في عصرٍ من العصور على حكم مسألة معينة»، وهو حجة عند جميع من قال بحجية الإجماع.

2- الإجماع السكوتي «وهو أن يقول بعض المجتهدين في المسألة قولًا أو أن يفعل فعلا، ويسكت الباقون بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار»٣٥تيسير الأصول: (230 – 231).، واختلفوا في حجيته على مذاهب.

وأهم الأقوال حول حجية الإجماع السكوتي من عدمها هي:

أ- أنه يُعتبر إجماعًا وحجة.

ب- ليس بإجماع ولا حجة.

ج- هو حجة وليس بإجماع.

د- إجماع بشرط انقراض العصر؛ أي موت كل المجتهدين المعاصرين للمسألة المجمع عليها.

ص 74

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «وإذا قال بعض المجتهدين قولًا، أو فعل فعلًا، واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد ولم ينكره مع قدرتهم على الإنكار، فقيل: يكون إجماعا، وقيل: يكون حجة لا إجماعًا، وقيل: ليس بإجماع ولا حجة، وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم وهذا أقرب الأقوال»٣٦الأصول من علم الأصول: (59)..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وجَعْلُ من سَكَتَ مِثْلَ مَنْ أَقَرْ

فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ قَدِ اشْتَهَرْ

فَالاِحْتِجَاجُ بِالسُّكُوتِيِّ نَمَا

تَفْرِيعَهُ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَا

وَهْوَ بِفَقْدِ السُّخْطِ وَالضِّدِّ حَرِيْ

مَعْ مُضِيِّ مُهْلَةٍ لِلنَّظَرِ

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: «والاختلاف في الإجماع السكوتي مقيد بثلاثة شروط...

الأول: هو ألا يقوم دليل على أن الساكتين أو بعضهم ساخطون لذلك الحكم غير راضين به، فإن قام على ذلك دليلٌ فليس بإجماع اتفاقًا.

الثاني: ألاّ يقوم دليلٌ على أن الساكتين كُلَّهم راضون بذلك موافقون عليه، فإن قام دليل على ذلك فهو إجماع اتفاقًا.

الثالث: هو أن تمضي بعد سماع الساكتين مهلة، أي مدة تكفي عادة لنظرهم في ذلك القول، أما قبيل مضي تلك المدة فليس بإجماع قولًا واحدًا»٣٧نثر الورود على مراقي السعود: (2/438-439)، وفيه تجد الأبيات..

وعلى هذا؛ فإن اقترن بالسكوت أمارة أو قرينة تدل على رضا المجتهدين الساكتين بالحكم فلا يُعدُّ والحالة هذه إجماعًا سكوتيًا، إذ المعتبر في ذلك معرفة رأي المجتهد في المسألة ومذهبه فيها، وليس مهمًا أن تكون المعرفة واقعة بقولٍ أو كتابة أو فعل أو قرينة أو أي دليل آخر يمكن أن يُعرَفُ به رأي الساكتين.

ص 75

قال البناني: «ومثل التصريح المذكور، ما لو قامت قرينة الرضا من الساكت فتدل على أنه موافق كما لو صرح، وليس هذا هو الإجماع السكوتي، لأن ضابطه كما تقدم أن يكون السكوت مجردًا عن أمارة الرضا والسخط»٣٨حاشية البناني على المحلى: (2/196)..

والصحيح -والله اعلم- أن سكوت بعض المجتهدين مع انتشار قول الآخرين ووجود زمن كاف للنظر يُعتبر إجماعًا سكوتيًا، وحجة ظنية بحيث لا يرقى إلى مقاومة النصوص المعلومة، وإنما يحتج به عند عدم الدليل من كتاب أو سنة بل ومعه أيضًا، أما كونه إجماعًا، فلعدم وجود مخالف بقولٍ أو فعلٍ في ذلك الحكم وهذا حسب الظاهر، وأما كونه حجة ظنية؛ لأن الغالب في الساكت والظاهر من حاله الإقرار على ما يراه أو يسمعه، ولهذا اشترطوا انتشار القول حتى يغلب على الظن بلوغه إلى كل المجتهدين، وبما أن ذلك الإقرار ليس أمرًا مقطوعًا به، بقي في إطار الظن اعتبارًا للعوارض التي يمكن أن تُلجئ إلى السكوت وإن لم تكن هي الأصل.

قال شيخ الإسلام: «وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء»٣٩مجموع الفتاوى: (20/14)..

وقال رحمه الله: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي، بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به، فلا يجوز أن تُدفع النصوص المعلومة به، والظني لا يدفع به النص المعلوم لكن يحتج به ويُقدم على ما هو دونه بالظن، ويُقدم عليه الظن الذي هو أقوى منه»٤٠مجموع الفتاوى: (19/267-268)..

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: «إذا قال بعض الصحابة قولًا في تكليف فانتشر في بقية الصحابة فسكتوا ففي ذلك ثلاثة أقوال، والحق أنه إجماع سكوتي ظني»٤١مذكرة أصول الفقه: (ص 158)..

وقال أيضا: «واعلم أن الإجماع السكوتي يُقدم عليه النص لجواز مخالفته لدليل أرجح منه»٤٢نثر الورود: (2/611)..

ص 76

وقال الآمدي رحمه الله: «وعلى هذا فالإجماع السكوتي ظنيٌّ، والاحتجاج به ظاهرٌ لا قطعي»٤٣الإحكام في أصول الأحكام: (1/315)..

ثالثًا: قسم علماء الأصول الإجماع إلى إجماع قطعي وإجماع ظني:

وذلك باعتبار ثبوته ودلالته وكيفية انعقاده، والمقصود باعتبار ثبوته؛ النظر إلى السند الذي نقل به ذلك الإجماع وهل هو متواتر أم لا؟.

أما المقصود بدلالته؛ فهو كون ذلك الإجماع المنقول دالًا على حكمٍ ما دلالة قطعية كدلالة النص على مدلوله ومعناه، بحيث لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو لا يكون كذلك بأن تكون دلالته ظاهرة مثلًا. وأما المقصود باعتبار كيفية انعقاده فهو ما ذكرناه في المبحث السالف من أن الإجماع ينقسم بهذا الاعتبار إلى صريحٍ وظني وقد مضى تفصيل ذلك بما فيه الكفاية.

1- الإجماع القطعي:

والكلام على الإجماع القطعي في هذا الموضع نراه من الأهمية بمكان، وذلك لأن مدار استدلال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز ومحور كلامه يرتبط به ارتباطًا تامًا؛ فلا بُدَّ من تفصيل القول في بيان حقيقته وكيفية انعقاده، حتى تصبح صورته واضحة لدى القارئ الكريم، ولو أدى ذلك إلى شيء من الإطالة.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَهْوَ الْمُشَاهَدُ أَوِ الْمَنْقُولُ

بِعَدَدِ التَّوَاتُرِ الْمَقُولُ

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في شرحه لقول صاحب المراقي: «الإجماع القطعي يكون في صورتين:

الأولى: أن تشاهده؛ بأن لا يكون بينك وبينه واسطة، كما لو فرض أن جميع المجتهدين في عصرٍ من الأعصار اجتمعوا وأنت حاضرٌ وشاهدتهم اتفقوا على أمرٍ.

ص 77

الثانية: هو الإجماع المقول أي النطقي خاصة دون السكوتي، المنقول بعدد التواتر في جميع طبقات السند، فقوله المقول يعني النطقي وهو نعت للمنقول»٤٤نثر الورود: (2/437)..

وقال أيضًا: «واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني، والقطعي: هو القولي المشاهد، أو المنقول بعدد التواتر، والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد»٤٥مذكرة أصول الفقه: (151)..

قال الشيخ محمد يحيى الولاتي رحمه الله شارحًا البيت المذكور: «يعني أن الإجماع القطعي الذي يُقدم على ما خالفه؛ فهو الإجماع المقول أي النطقي المشاهد، أو النطقي المنقول بعدد التواتر، وأما السكوتي أو النطقي المنقول آحادًا فلا يُقدم على الكتاب والسنة لأنه ظني»٤٦فتح الودود على مراقي السعود: (ص134)..

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون؛ فالمقطوع ما وُجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقلَه أهل التواتر»٤٧روضة الناظر: (135)..

قال العلامة ابن بدران رحمه الله في تعليقه على كلام ابن قدامة: «قوله: الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون.. الخ، ذكر في هذا الفصل أقسام الإجماع، ومحصلها أن الإجماع إما نطقي أو سكوتي وكل واحدٍ إما منقول بالتواتر أو بالآحاد، فالأقسام أربعة وإليك بيانها؛ فأما النطقي فهو: ما اتفق عليه مجتهدو الأمة جميعهم بحيث إن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة نفيًا أو إثباتا، والسكوتي: ما نطق به البعض وسكت عنه البعض الآخر، وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترًا أو آحادا على صفته، بأن ينقل أن الكل نطقوا به أو نطق به البعض دون الآخر، وهذه الأقسام درجات؛ فأقواها: النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادًا، ثم السكوتي المتواتر، ثم السكوتي الآحادي، وباعتبار هذه المراتب يكون ترجيح أحدها على غيره»٤٨نزهة الخاطر العاطر: (1/386)..

ص 78

وقال الدكتور صالح بن عبد العزيز آل منصور: «يُقسِّم ابن تيمية الإجماعَ إلى قسمين: قطعي، وظني؛ فالإجماع القطعي: هو ما نقل بالتواتر قولًا أو فعلًا، وقطع فيه بانتفاء المخالف، ويكون مستنده نصًا من الكتاب أو السنة»٤٩أصول الفقه وابن تيمية: (2/326)..

فكلامه هذا تضمن ثلاثة أمور باجتماعها يُحكم على الإجماع بأنه قطعي:

الأول: أن يكون الإجماع صريحًا، بأن يثبت بقول كل المجتهدين أو بفعلهم، ويدل على هذا قوله: «قولًا أو فعلًا»، وبهذا خرج الإجماع السكوتي؛ لأنه إنما يكون بقول بعض المجتهدين مع سكوت الآخرين منهم.

الثاني: أن يُنقل الإجماع تواترًا فإذا نُقل آحادًا -وإن كان صريحًا- خرج عن كونه إجماعًا قطعيًا وأشار إلى ذلك بقوله: «هو ما نقل بالتواتر».

الثالث: أن يستند الإجماع إلى نصٍّ من الكتاب أو السنة فإذا انعقد على اجتهادٍ أو قياسٍ فهو ظني وهذا ذكره بقوله: «ويكون مستنده نصا من الكتاب أو السنة».

ص 79

والحقيقة إن٥٠[كذا ذكر الشيخ «إنَّ» مكسورة الهمز، ولعل الصواب فتحها: أنَّ؛ لأنها وما قبلها في موضع المبتدأ، ومثالها: حسنٌ أنك مجاهدٌ]. العبارة التي ذكرها الدكتور صالح في تعريف الإجماع القطعي والتي نقلناها عنه، لم أعثر عليها بنصها عند شيخ الإسلام -وهو لم ينسبها إليه- فلعله فهم هذا المعنى للإجماع القطعي من مجمل ما ذكره شيخ الإسلام في ذلك، ومن ثَمَّ صاغ مضمونه في هذه العبارة، أو أنه أطلع عليها ونقلها من كتب لشيخ الإسلام قصر نظرنا عنها، وعلى العموم فإن ما ذكره صحيح لا غبار عليه ويمكن فهمه واستخراجه بسهولة من عدة عبارات لشيخ الإسلام تتحدث عن هذا الموضوع في أكثر من موضع، وهو موافق في الجملة لما نقلناه عن العلماء قبلُ، وزاد عليهم اشتراط استناد الإجماع إلى نص من الكتاب أو السنة حتى يصير إجماعًا قطعيًا إضافة للشرطين الآخرين، ومن نقلنا عنهم آنفا لم يشيروا إلى هذا الاشتراط، ونحن نحاول أن نذكر المواضع التي تضمنت تقرير شيخ الإسلام لهذه الشروط، وذلك من خلال نقل بعض المقاطع من كلامه تتميمًا للفائدة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النساء: 115] -إلى أن قال- وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين؛ مما بين الله فيه الهدى. ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص»٥١مجموع الفتاوى: (7/38-39)..

فإذا تأملت في كلامه رحمه الله تجلت الشروط الثلاثة التي ذكرناها قبل قليل وهي كالتالي:

1- فقوله: «فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع»؛ أي يقطع بأن هذه المسألة قد وقع فيها إجماع وهذا -والله اعلم- إشارة إلى اشتراط التواتر في النقل، وهو أحد شروط الإجماع القطعي، ولا ريب أننا لا نستطيع القطع يقينًا بوقوع إجماع -صريحًا كان أو سكوتيًا- على مسألة معينة بكيفية معينة إلا حيث وصلنا انعقاده عن طريق التواتر وإلا فهو باقٍ في دائرة الظن.

ص 80

2- قوله: «وبانتفاء المنازع من المؤمنين» وهذا ظاهرٌ في اشتراط كون الإجماع صريحًا بأن ينعقد بقول جميع المجتهدين أو فعلهم أو بهما معًا، بحيث لا يبقى بعضهم ساكتًا دون ما يدل على إقراره، أو أن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وذلك لأنه في مثل هذه الحالات فقط يمكن القطع يقينًا بعدم وجود مخالف، أما الإجماع السكوتي فيبقى احتمال وجود مخالف قائمًا مما يجعله لا يتجاوز دائرة الظن كما ذكرنا من قبل، قال شيخ الإسلام: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي، بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجدُ في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي، وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية»٥٢مجموع الفتاوى: (19/467)..

وقوله رحمه الله هنا: «وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي» مع حكمه على الإجماع الإقراري والاستقرائي بأنه حجة ظنية، يوضح أن القطع بعدم وجود المخالف لا يكون في الإجماع الإقراري والاستقرائي، ولا يوجد غيره من الإجماعات إلا الإجماع الصريح المنعقد بقول جميع المجتهدين أو فعلهم أو بهما، أو كان معلوما من الدين بالضرورة، وذلك لأنه ليس من قسم الإجماع الإقراري والاستقرائي، وبهذا صار هو فقط الذي يمكن القطع فيه بعدم وجود المخالف، وعلى هذا فهو المقصود في كلام شيخ الإسلام هنا، ولا يقال إنه سماه إجماعًا قطعيًا بالنظر إلى الجزم بعدم وجود المخالف من غير مراعاة نقله تواترًا لأن الأول مستلزمٌ للثاني، إذ لا يمكن القطع والجزم بعدم وجود المخالف إلا إذا اعتبرنا النقل بالتواتر في الإجماع الصريح، لأن الظن كما يكون بسبب الكيفية التي انعقد بها الإجماع كذلك يكون بسبب السند إن نُقل آحادًا وهذا بيّنٌ والحمد لله.

3- وقوله رحمه الله: «وإن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نصٌ عن الرسول»، هو بيان للشرط الثالث وهو أن الإجماع القطعي لا بد أن يكون مستندًا إلى نصٍ من الكتاب أو السنة فلا يُتصور أن الأمة جميعها تغفل عن نص صريح في المسألة وتلجأ إلى اجتهادٍ أو قياسٍ تعتمد عليه في إجماعها -مع وجود النص- فإن حصل من بعضها فلا يكون من كلها.

وقال شيخ الإسلام: «ما من حكم اجتمعت الأمة عليه إلا وقد دل عليه النص، فالإجماع دليل على نص موجود معلوم عند الأئمة ليس مما درس علمه، والناس قد اختلفوا في جواز الإجماع عن اجتهاد؛ ونحن نجوز أن يكون بعض المجمعين قال عن اجتهاد، لكن لا يكون النص خافيا على جميع المجتهدين، وما من حكم يعلم أن فيه إجماعا إلا وفي الأمة من يعلم أن فيه نصا وحينئذٍ، فالإجماع دليل على النص»٥٣منهاج السنة النبوية: (8/344)..

ص 81

وقال أيضا: «وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به»٥٤مجموع الفتاوى: (19/194-195)..

وقال أيضًا: «والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفرُ مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما عُلِمَ ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع»٥٥مجموع الفتاوى: (19/270)..

ومما يفهم منه اشتراط ابن تيمية للأمور الثلاثة المذكورة آنفا حتى يحكم على الإجماع بأنه إجماع قطعي؛ قوله رحمه الله: «.. والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع، ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا؛ فهذا يجب القطع بأنه حق، وهذا لا بد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى»٥٦مجموع الفتاوى: (7/39)..

فقوله: «ما يقطع به من الإجماع»؛ هذا هو الشرط الأول من الشروط الثلاثة، وهو أن الإجماع ينبغي أن ينقل بطريق التواتر كي يحكم بقطعيته وقد أوضحنا وجه ذلك سابقًا.

وقوله: «ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلًا»؛ هو الشرط الثاني المتعلق ببيان الكيفية التي ينعقد بها الإجماع حتى يكون قطعيا، وذلك بأن يكون صريحا، ولا يكون كذلك إلا حيث انعقد بقول جميع المجتهدين أو بفعلهم أو بهما جميعا، أو يكون فيما علم بالضرورة من الدين، فلا يبقى لإدخال الإجماع السكوتي وجه، إذ يستحيل القطع فيه بعدم وجود مخالف إلا إذا احتفت القرائن بالساكتين مشيرة إلى رضاهم وإقرارهم بالحكم، ومثل هذا لا يسمى إجماعًا سكوتيًا كما مر بيانه.

ص 82

وقوله: «وهذا لا بد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى»؛ هو إشارة إلى الشرط الثالث من أن الإجماع لا بد أن يستند إلى نص من الكتاب أو السنة ليصلح أن يكون قطعيًا والله أعلم.

وخلاصة القول في حقيقة الإجماع القطعي حسبما بينها علماء الأصول وأوضحوها في كتبهم؛ أنه يُحكَم عليه بذلك إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:

الأول: أن تكون الكيفية التي حصل بها الإجماع واقعة بالإجماع الصريح، وذلك بقول كل المجتهدين أن الحكم في المسألة الفلانية كذا أو بفعلهم جميعا، بأن يفعلوا -كلهم- فعلا يدل على حكم في مسألة معينة، أو أن يقول بعضهم ويفعل الباقون ما يوافق حكم القائلين، أو يكون الإجماع على أمر معلوم من الدين بالضرورة، وبهذا يتبين أن الإجماع السكوتي لا يمكن أن يكون إجماعًا قطعيًا بأي حال من الأحوال، لا سيما إذا علمنا أن بعض الأصوليين لم يجعلوا الإجماع قطعيا إلا إذا وقع بالنطق فقط، كما نقلناه عن ابن بدران والشنقيطي، مع أن الظاهر -والله أعلم- أنه لا معنى لتخصيصه به، فالقول والفعل كلاهما من أقسام الإجماع الصريح، ولا موجب للتفرقة بينهما، إلا إذا قصدوا شمول النطقي للفعلي فيصح؛ مع أن فيه بعدًا.

الثاني: أن تنقل الكيفية المذكورة التي انعقد بها الإجماع بالتواتر، فإذا نقل عن طريق الآحاد فلا يحكم للإجماع بأنه قطعي، أو أن يكون الإجماع الصريح مشاهدا، فيحصل القطع لمشاهده دون من سواه. والمقصود بالمتواتر: هو ما رواه عدد تحيل العادة تواطئهم على الكذب.

الثالث: وهذا مأخوذ من كلام شيخ الإسلام، وهو كون الإجماع المنعقد بالكيفية المذكورة والمنقول تواترًا، كونه مستندًا إلى نص من الكتاب أو السنة، وإلا فلا يحكم بقطعيته، وإن كان من جهة الواقع ليس ثمة إجماع إلا وفيه نص قد يعلمه بعض المجتهدين ويخفى على بعضهم، ولكن لا يمكن أن يغيب عن جميعهم.

ص 83

ويبقى هنا أمر مهم يلزم التنبيه عليه، وهو دلالة الحكم المجمع عليه على الواقعة المراد إدخالها في ذلك الحكم، فينبغي أن تكون تلك الدلالة قطعية أيضا، إذ إن الظن كما يكون بسبب الكيفية أو بسبب السند فإنه يحصل كذلك بسبب الدلالة، وفي مثل هذه الحالة قد يكون الإجماع قطعيا في نفسه إلا أنه ظني بالنسبة لشمول حكمه للنازلة الطارئة، ومن هنا نعلم أن الخطأ في الاجتهاد قد يكون من هذه الحيثية، إذ قد يظن المجتهد أحيانا أن الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع يندرج فيه ما أراد معرفة حكمه الشرعي وليس الأمر كذلك في نفسه.

بل قد يظن أن دخوله في ذلك الحكم قطعي وهو بخلاف ذلك؛ فيقع بسبب ذلك الخطأ في الاجتهاد، وليس هذا خاصا بدليل الإجماع، بل يدخل في ذلك الكتاب والسنة أيضا، فإننا نعلم أن آيات القرآن وكثيرا من الأحاديث النبوية قطعية الثبوت إلا أنها كثيرا ما تكون ظنية الدلالة ولهذا تجد في الآية الواحدة أو الحديث الواحد أقوالا متعددة ومختلفة للعلماء.

فالأدلة تنقسم من حيث ثبوتها ودلالتها إلى أقسام أربعة:

الأول: قطعية الثبوت والدلالة، كبعض النصوص المتواترة التي لم يختلف فيها، كقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾ [البقرة: 196].

والثاني: قطعية الثبوت ظنية الدلالة، كبعض النصوص المتواترة التي يختلف في تأويلها.

والثالث: ظنية الثبوت قطعية الدلالة، كبعض أخبار الآحاد الظنية ذات المفهوم القطعي.

والرابع: ظنية الثبوت ظنية الدلالة، كبعض أخبار الآحاد التي يكون مفهومها ظنيًا.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في كلامه على قطعية الأحاديث من حث ثبوتها ودلالتها: «ثم هي منقسمة إلى ما دلالته قطعية؛ بأن يكون قطعي السند والمتن، وهو ما تيقنا أن رسول الله قاله، وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة، وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية.. وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث؛ هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أولًا؟ وهذا أيضًا بابٌ واسع، فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه، أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع»٥٧مجموع الفتاوى: (20/257-259)..

ص 84

وما ذكره شيخ الإسلام هنا وإن كان أصل كلامه على السنن إلا أنه يمكن حمل كلامه على الإجماع من حيث قوة ثبوته وقطعية دلالته، وذلك لأن المعاني التي ذكرها في كلامه يمكن أن تتناوله.

قال محمد بن سليمان بن عمر الحنفي المتوفى سنة «879» في كتابه التحرير والتحبير: «3/ 33-34» مبيّنًا أقسام الإجماع من حيث قطعيته في الدلالة والثبوت ومقارنا له بنصوص الكتاب والسنة: «ويتحرر هنا أقسام ثمانية: كون الإجماع والنص قطعي السند والمتن، كونهما ظنيي السند والمتن، كون الإجماع قطعيهما والنص ظنيهما، كون الإجماع ظنيهما والنص قطعيهما، كون الإجماع قطعي السند ظني المتن والنص كذلك، كون الإجماع ظني السند قطعي المتن والنص كذلك، كون الإجماع قطعي السند ظني المتن والنص بالعكس، كون الإجماع ظني السند قطعي المتن والنص بالعكس».

وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: «إنه لا يلزم من قطعية دلالته على الحكم قطعيته في نفسه، كما لا يلزم من قطعية الدال قطعية المدلول، بل تارة يكون الدليل قطعي الدلالة والثبوت معا، وتارة ظنيهما، وتارة قطعيا في أحدهما ظنيا في الآخر، فلا مانع من كون الإجماع قطعي الدلالة ظني الثبوت»٥٨سلم الوصول لشرح نهاية السول: (3/ 318).، وهذا -كما أشرنا إليه سابقًا- كدلالة كثير من الآيات القرآنية على الأحكام؛ فإنها مع بلوغها الغاية في القطع والثبوت، إلا أن دلالتها على حكم معين قد تكون مظنونة، ومثل ذلك بعض الأحاديث، وكل هذا لا يقدح في حجيتها وصلاحيتها للاستدلال.

ص 85

فباختلال أي شرط من هذه الشروط يخرج الإجماع من مسمى الإجماع القطعي ويكون ظنيا، ولا يشترط فقدانها كلها، بل فقدان واحد منها -ولو مع وجود غيره- كاف في الحكم على الإجماع بأنه ظني؛ إلا أنه هناك قسم من الإجماع القطعي الذي لا يشترط فيه وجود هذه الشروط بالتحديد، ومع ذلك فيعد من أقوى الإجماعات بل أقواها هو ما لم يختلف العلماء كلهم في القول به واعتباره، وهو الإجماع على القضايا أو المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وإن اختلفوا في تكييفه من حيث: هل قطعيته اكتسبها من اتفاق الناس عليه؟ أم من النصوص الشرعية الصريحة التي اعتمد عليها؟

قال السيوطي رحمه الله: «منكر المجمع عليه أقسام: أحدها ما نُكَفره قطعًا وهو ما فيه نص وعلم من الدين بالضرورة، بأن كان من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام؛ كالصلاة والزكاة والصوم والحج وتحريم الزنا ونحوه»٥٩الأشباه والنظائر: (1/488)..

وبهذا ننهي الكلام على الإجماع القطعي لننتقل إلى مقابله وهو الإجماع الظني.

2- الإجماع الظني:

ولا نرى موجبًا للإطالة والتفصيل في الكلام على الإجماع الظني، إذ بعدما استوفينا -بحمد الله- الحديث حول الإجماع القطعي ووضح حده، وتجلت حقيقته، وتبينت شروطه؛ صار من السهل الوقوف على معنى الإجماع الظني -وبضدها تتبين الأشياء-، فهو: كل ما اختل فيه شرط من الشروط المذكورة في الإجماع القطعي، ولو مع وجود بعضها؛ فالإجماع السكوتي لا يكون إلا ظنيًا ولو مع نقله تواترًا، والمنقول بطريق الآحاد لا يكون إلا ظنيًا ولو كان صريحًا.

- قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: «والمظنون ما اختل فيه أحد القيدين، بأن توجد شروطه مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين، أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد»٦٠روضة الناظر: (135)..

وراجع ما نقلناه عن شيخ الإسلام من قوله: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي.»..

ص 86

- وقال الولاتي الشنقيطي: «وأما السكوتي أو النطقي المنقول آحادا، فلا يقدم على الكتاب والسنة لأنه ظني»٦١فتح الودود: (136)..

- وقال الشنقيطي: «والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد»٦٢المذكرة: (151)..

- وقال الطوفي: «اعلم أن الإجماع إما ظني أو قطعي؛ فالظني كالسكوتي تواتًرا أو آحادًا، وكالنطقي آحادا»٦٣شرح مختصر الروضة: (3/136)..

تنبيه: قد يستشكل البعض بأن السبيل المذكور في إثبات الإجماع القطعي والتقيد بشروطه المنصوص عليها يجعل من المستحيل وقوعه، ثم ما هي ثمرة تقسيم الإجماع إلى قطعي وظني إذا كان كل منهما دليلًا وحجة في إثبات الأحكام؟

والجواب عن هذا يكون في أمرين:

الأول: أنه لا يسلم استحالة وقوعه؛ لأنه واقع فعلًا في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس وعلى عدد ركعاتها، وعلى وجوب الزكاة بشروطها، وصوم شهر رمضان، وحج البيت للمستطيع، وكإجماعهم على تحريم الفواحش، كالزنى وغير ذلك مما يشترك الخاصة والعامة فيه؛ فإن هذه الأمور وغيرها مما يماثلها، يعلم المرء علـمًا يقينيًا قطعيًا أنه لا اختلاف بين الأمة فيها، وأنهم كلهم مُقِرُّونَ بوجوب الواجب منها وتحريم المحرم، بل هم متفقون على كفر من خالف في حكمها، كمن أنكر وجوب الصلاة أو تحريم الزنا والربا ونحو ذلك؛ فهذا القسم من الإجماع يعد أقواها.

قال الجصاص الحنفي: «وإجماع آخر، وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة؛ كإجماعهم على تحريم الزنى والربا، ووجوب الاغتسال من الجنابة، والصلوات الخمس ونحوها؛ فهذه أمور علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده به»٦٤أحكام القرآن: (1/264)..

ص 87

ولهذا فإنَّ بعض العلماء حصر الإجماع القطعي في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يتعدَّها إلى غيرها، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «الإجماع نوعان: قطعي وظني.. فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنا، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة، ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله»٦٥الأصول من علم الأصول: (58)..

بل من العلماء من لا يعتبر من الإجماعات شيئًا إلا ما كان منها معلومًا من الدين بالضرورة؛ كما هو ظاهر كلام الإمام ابن حزم رحمه الله حيث يقول: «مسألة: والإجماع هو: ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله ﷺ عرفوه وقالوا به ولم يختلف منهم أحد كتيقننا أنهم كلهم رضي الله عنهم صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك.. -إلى أن قال- وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين، وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع»٦٦المحلى: (1/75)..

وينبغي التنبيه هنا إلى أن الإجماع إذا توفرت فيه الشروط الأربعة المذكورة؛ فإنه سيكون مما هو معلوم من الدين بالضرورة ولا بد، فالطرح الصحيح للاستشكال أن يقال فيه: يندر وقوعه بشروطه المذكورة ولا يستحيل، وندرة الوقوع شيء واستحالته وعدمه شيء آخر؛ خاصة إذا علمنا أن الإجماع القطعي متى ثبت وعارضه نص آخر حكم بتقديم الإجماع عليه، وإلغاء النصوص وإهمالها بمجرد دعوى لا يقين معها ليس أمرا هينا ولا مرتقى سهلا، لذا لزم التحرز والاحتياط، إضافة إلى ذلك كله أن إثبات الإجماع القطعي ليس أمرا مقصودا لذاته، بل لتقرير الأحكام، فمتى ثبت بالصفة المذكورة والشروط المعلومة، كان حجة قطعية، وأما إن لم يثبت الإجماع بهذه الكيفية فإنَّ إثبات الأحكام وتقريرها ليس منحصرا فيه، ولا متوقفا عليه، فنصوص الكتاب والسنة، أكثر من أن تحصى، والتي لها المرجع أولا وآخرا في بيان الأحكام الشرعية، والله أعلم

ص 88

الثاني في بيان فائدة التقسيم إلى إجماع قطعي وظني مع أن كلا منهما حجة: أما كونهما -أي الإجماع القطعي والظني- حجة فهذا صحيح، اتفاقا في الأول وعلى الصحيح في الثاني، وأما جدوى تقسيم الإجماع إلى قطعي وظني فهي ظاهرة؛ فإننا نعلم أن الأدلة تتفاوت دلالاتها فيما بينها، فمنها النص والظاهر، ومنها الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، إلى غير ذلك، ولكل واحد من هذه الدلالات مرتبة يقدم فيها على غيره، ويقدم غيره عليه عند التعارض، ومثل ذلك طرق إثبات الأخبار والآثار منها المتواتر ومنها الآحاد بأقسامه المعروفة، وبعضها أقوى من بعض، مع أن الكل حجة في إثبات الأحكام، فثمرة هذه التقسيمات، ومعرفة مرتبة كل قسم منها تظهر عند تعارضها، والاحتياج إلى الترجيح فيها، بحيث يقدم الأقوى ثبوتًا أو دلالة، فكذلك الإجماع منه القطعي والظني، وكلاهما حجة تثبت به الأحكام الشرعية، إلا أن مرتبتهما ليست واحدة، وقوتهما ليست متساوية، وهذا التفاوت سواء بالنظر إليهما معًا، أو بالنظر إلى أحدهما بالنسبة إلى باقي الأدلة.

فالإجماع القطعي متى ثبت بشروطه المذكورة، فهو مقدم على كل نص معارض له، ومقدم على الإجماع الظني كذلك، عند تعارضهما، أما الإجماع الظني فليس مقدما على النصوص مطلقا، بل على ما دونه في القوة، هذا مع التنبيه والتأكيد على أنه لم يوجد قط إجماع قطعي أو ظني صحيح على خلاف النص، فكثيرًا ما يتوهم البعض أن هناك إجماعًا في مسألة، ويرى أدلة تخالف ذلك الإجماع المدعى فلا يجد ما يلجأ إليه للتوفيق إلا القول: بأن النص من الكتاب أو السنة منسوخ بدليل آخر لم نطلع عليه أو يتكلف في إظهار ذلك الناسخ، مع أن الإجماع الذي ذهب إليه واعتمده ليس صحيحًا أصلًا، بل يكون هناك من خالف في ذلك الحكم من العلماء، ولكن خفي قولهم ولم يطلع عليه فحكى الإجماع.

ص 89

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء»٦٧مجموع الفتاوى: (28/112)..

وقد بين شيخ الإسلام هذا الأمر بيانًا كافيًا وقرره تقريرًا شافيًا بما لا مزيد عليه في أكثر من موضع، من ذلك قوله: «والإجماع نوعان: قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي... فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به؛ لأن هذه حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف، وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي، وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية، والظني لا يدفع به النص المعلوم، لكن يحتج به ويقدم على ما هو دونه بالظن الذي هو أقوى منه، فمتى كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه لثبوت الإجماع قدم دلالة النص ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا»٦٨مجموع الفتاوى: (19/267-268)..

وقال أيضًا: «إنه يمتنع تعارض النص المعلوم والإجماع المعلوم فإن كليهما حجة قطعية، والقطعيات لا يجوز تعارضها، لوجوب وجود مدلولاتها، فلو تعارضت لزم الجمع بين النقيضين، وكل من ادعى إجماعًا يخالف نصًا، فأحد أمرين لازم: إما بطلان إجماعه وإما بطلان نصه، وكل نص اجتمعت الأمة على خلافه، فقد علم النص الناسخ له، وأما أن يبقى في الأمة نص معلوم والإجماع مخالف له؛ فهذا غير واقع»٦٩منهاج السنة النبوية: (8/360)..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَقَدِّمَنْهُ عَلَى مَا خَالَفَا

إِنْ كَانَ بِالْقَطْع يُرَى مُتَّصِفَا

ص 90

قال الشيخ الشنقيطي موضحًا معنى البيت: «يعني أن الإجماع القطعي يجب تقديمه على ما خالفه، ولو نصًا قاطعًا ككتاب أو سنة؛ لأنه يدل على النسخ، بخلاف الإجماعات الظنية كالسكوتي والمنقول آحادا؛ فالنصُّ من كتاب أو سنة مقدم عليهما، وحاصل البيتين أن الإجماع مقدم على غيره من الأدلة إن كان قطعيا خاصة»٧٠نثر الورود: (2/437)..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

رَجِّحْ عَلَى النَّصِّ الَّذِي قَدْ أُجْمِعَا

عَلَيْهِ وَالصَّحْبَ عَلَى مَنْ تَبِعَا

كَذَاكَ مَا انْقَرَضَ عَصْرُهُ وَمَا

فِيهِ الْعُمُومُ وَافَقُوا مَنْ عَلِمَا٧١نثر الورود: (2/626) البيت (903 – 904).

وبهذا التنبيه وما تضمنه من أقوال العلماء تعلم أن الحكم على إجماع بأنه ليس قطعيًا لا يعني أنه ليس حجة، ولكنه وضع له في موضعه الصحيح، وذلك حتى لا تترتب عليه أحكام ليست له، وحتى لا يرجح على غيره من النصوص والإجماعات الأقوى منه بمجرد توهم قطعيته؛ فيحدث بذلك خلل واضطراب في إصدار الأحكام وتنزيلها، وكل ذلك نتيجة عدم وضع الدليل في موطنه الحقيقي الذي يستحقه.

وبهذا التنبيه أيضا ينتهي الكلام على المسألة الأولى المتعلقة ببيان بعض القواعد الأصولية المرتبطة بالإجماع والتي لها صلة بهذا البحث، وسننتقل للحديث عن المسألة الثانية حسب الترتيب الذي ذكرناه أول البحث.

❖ ❖ ❖

ص 91