🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

تأملات في سورة الحجرات - الدرس الثاني

الدرس الثاني

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد...

[خطر الإشاعة ووجوب التثبت في الأخبار وإذاعتها]

كنا بالأمس قد وقفنا عند قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقلنا: إنَّ في هذه الآية إرشادًا إلى خلق عظيم يجب على المسلم أن يتأدب به، وهو التثبت في سماع الأخبار ونقلها، وإن التهاون في هذا الأمر وتلقف الأخبار من كل جهة وإشاعتها من غير تثبت ولا تحرٍّ ولا تبيُّن؛ يؤدي بلا شك إلى وقوع المسلم في الإثم وظلمه لغيره من المسلمين، قال تعالى: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾، وكما ذكرنا بالأمس أن النبي ﷺ يقول: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع)٢٬٣٩٢[رواه مسلم: (5)]..

ص 1441

وقلنا: إننا نحن المجاهدون بحاجة لهذا الأدب حاجة ملحة وعظيمة؛ لأن خطأ المجاهد في نقل الأخبار وإشاعتها وبثها ليس كخطأ غيره، قد يترتب على ذلك سفك دماء ونهب أموال وغير ذلك، فحريٌّ بنا ونحن في هذه النعمة العظيمة التي منَّ الله ﷻ بها علينا وهي نعمة الجهاد ونعمة الاجتماع على هذه الطاعة، وأننا دائمًا بفضل الله ﷻ في مجتمع إسلامي.. وهذه من النعم التي يندر أن يتحصل عليها المسلم؛ فإذا لاحظت حياتك تجد أنك في جل وقتك تعيش بين إخوانك أو بما نسميه بالمصطلح المعاصر: بين «الملتزمين»، وقلَّ ما تَحْتَكُّ بالفسقةِ والفجار وبالعوام وبغيرهم، فوقتك كله في مجتمعٍ محافظ، ومجتمعٍ إسلامي؛ مجتمعٍ يسعى لإقامة دين الله ﷻ، فنحن أولى الناس بأن نتمسك بهذه الآداب فيما بيننا.

[علامة صحة الإيمان: طاعة رسول الله ﷺ وفيها النجاة في الآخرة]

ثم قال الله ﷻ بعد ذلك: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]، فهنا منَّ الله ﷻ، أو ذَكَر بعض مِنَنِه على الصحابة رضي الله عنهم، وقال: اعلموا أيها الصحابة أو أيها المؤمنون أن رسول الله ﷺ يقيم بين أظهركم؛ فعليكم أن تتأدبوا معه وأن تعظموه وتبجلوه وتوقروه، كما ذكر في الآيات التي في مطلع هذه السورة ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]، هذه الآية قد جعلت الإنسان في مفرق طرق إما إلى العنت والمشقة والحرج والضيق وإما إلى الفلاح والنجاح والسعة باتباعه لأمر النبي ﷺ.

قال ﷻ: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ﴾ [الحجرات: 7]؛ يعني إما أن تطيعوا رسول الله ﷺ؛ فتسعدوا وتفلحوا، وإما أن تحاولوا أن تأخذوا أو أن تجذبوا رسول الله ﷺ إلى طرفكم من أجل أن يطيعكم فيما تريدونه؛ فبعد ذلك ستقعون في الحرج والضيق والعنت ﴿لَعَنِتُّمۡ﴾ [الحجرات: 7]؛ أي لأصابتكم المشقة، وهذا يبيّن لنا أن حرص النبي ﷺ علينا أشد من حرصنا على أنفسنا، وأن نظره لمصلحتنا أعظم من نظرنا لمصلحتنا، كما قال الله عزوجل: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ [الأحزاب: 6].

ص 1442

إذن فالإنسان بين أمرين: طريق سعادةٍ وهي في اتباع سبيل النبي ﷺ، وأن لا يقدم رأيه على رأي النبي ﷺ، وأن لا يظن المصلحة فيما يذهب إليه عقله مما هو مخالف لشرع الله ﷻ؛ لأنك لو حاولتَ أن تُطوع الشرع أو أن تطوع أحكام الشريعة لما تحبه أنت وتهواه أو لما يراه عقلك أو لما يوافق عاداتك، فاعلم أنك تسلك سبيل العنت والمشقَّة والضيق والحرج.. هذا هو الذي تدل عليه هذه الآية.

فالإنسان المسلم متبِعٌ، يقف مع أثر النبي ﷺ والائتساء به؛ فهذا هو سبيل الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة، قال ﷻ: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]، وأنت ماذا تريد سوى الله ﷻ واليوم الآخر؟

إذا أردت النجاة في الآخرة، وإذا أردت رضوان الله ﷻ؛ فما عليك إلا أن تقتديَ بالنبي ﷺ.

إذا ظهر لك حُكم الله ﷻ وبانت لك سنة النبي ﷺ؛ فاعلم أن مصلحتك فيها.. مصلحتك في اتباع سنة النبي ﷺ، وأن مشقتك وعنتك في مخالفة أمره ﷺ، والمؤمن ليس له الخيرة من أمره، لا يتخير من أحكام الله ﷻ، قال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]، المؤمن إنما يقول سمعنا وأطعنا، قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ﴾ [النور: 51].

واتباع أمر النبي ﷺ هو السبيل الذي يتحصل به المسلم على محبة الله ﷻ، كما قال الله ﷻ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، كما قال بعض العلماء: «ادعى بعض الناس محبة الله فطُولبوا بالبينة»٢٬٣٩٣[قال ابن القيم: «لمَّا كَثُر المدَّعُون للمحبة ‌طولبوا ‌بإقامة ‌البينة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى الخليُّ حُرقة الشجيِّ، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينةِ».. ثم ذكر الآية. زاد المعاد (3/88)].، وطُولبوا بالبرهان على صدق محبتهم لله ﷻ، ما هي هذه البيّنة التي عليهم أن يثبتوا بها صدق محبتهم لله ﷻ؟ هو اتباعهم للنبي ﷺ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ -كما تقولون- ﴿فَٱتَّبِعُونِي﴾؛ يعني فاتبعوا النبي ﷺ إذا فعلتم ذلك يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم.

قال الله ﷻ: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ﴾؛ العنت هو المشقة والتعب، ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ [الحجرات: 7]، هذه من نعم الله ﷻ؛ وهو أن يُحبب الإيمان للإنسان، فالإنسان بنفسه لا يملك أن يحب هذا وأن يكره هذا، فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيفما يشاء.

ص 1443

فالإنسان لا يملك لنفسه الهداية؛ بمعنى هداية التوفيق، فهذه لا يملكها إلا الله ﷻ، كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 145]، قال كذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [يونس: 100] سبحان الله! تأمل تدبر في حالك، حيثُ صِرت من أهل الإيمان، وصرت من اتباع النبي ﷺ، وما أحببت الإيمان وكرهت المعاصي إلا بفضل الله ﷻ.. الله رب السماوات والأرض هو الذي غرس في قلبك حب الإيمان، وهو الذي غرس في قلبك حب اتباع النبي ﷺ.

وأنت أيها الإنسان -الضعيف الفقير المغمور الذي لا يُلتفت إليه ولا يسمع لرأيه- اللهُ ﷻ اختارك من بين آلاف -بل ملايين- البشر الضالة التائهة التي لا تفرق بين حق وباطل ولا بين ظلمات ونور ولا بين كفر وإيمان؛ ثم قذف في قلبك نور الإيمان.. هذه نعمة عظيمة من الله ﷻ، ولا يملكها أحدٌ حتى النبي ﷺ أكرمُ الخلقِ على الله ﷻ لا يملك هذا الأمر، كما قال الله ﷻ له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [القصص: 56].

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

‌وَلَقَدْ ‌عَلِمْتُ ‌بِأَنَّ ‌دِينَ ‌مُحَمَّدٍ

مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا

وأبو طالب هو الذي تعهد أمام النبي ﷺ بأنه لن يسلمه لأحد حتى يموت، كما يقول في شعره:

‌وَاللهِ ‌لَنْ ‌يَصِلُوا ‌إِلَيْكَ ‌بِجَمْعِهِمْ

حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا٢٬٣٩٤[انظر البيتين في: دلائل النبوة للبيهقي: (2/188)].

ص 1444

لن يصلوا إليك! ومتى هذا؟ عندما كان النبي ﷺ أحوج ما يكون إلى من يحميه، أحوج ما يكون إلى من يدافع عنه، أحوج ما يكون إلى من يجيره؛ فالنبي ﷺ كان يطوف ويمشي في أيام الحج وينادي: من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟ يبحث عن هذا الأمر وأبو طالب قام بهذه المهمة، ومع ذلك عندما جاء الأجل وحان الموت، وأبو طالب على فراش الموت؛ يطلب منه النبي ﷺ كلمة واحدة، كلمة واحدة يمكن أن يحرك بها لسانه، من الذي منع لسان أبي طالب من أن ينطق بهذه الكلمة؟ قال له: (يا عم! قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة)٢٬٣٩٥[صحيح البخاري: (٣٨٨٤)].، كلمة واحدة! لا يريد منه عملًا، فقط تنطق بهذه الكلمة وتخرج من الدنيا، ولكن كانت شياطين الإنس فوق رأسه: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» قالوا له: أتترك ملة عبد المطلب؟ يعني هو كان يدافع عن النبي ﷺ حمية وعصبية وهو على ملة عبد المطلب؛ يعني على ملة الشرك والكفر، وعندما خرج من الدنيا قال: «أنا على ملة عبد المطلب»، خلاص! خسرَ الدنيا والآخرة.

هذا حال عمِّ النبي ﷺ، الذي قدَّم هذه الأعمال الصالحة العظيمة عندما كان النبي ﷺ أحوج ما يحتاج إليها، ولهذا فإنَّ النبي ﷺ لمعرفته بما قدمه أبو طالب قال: (والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عن ذلك)٢٬٣٩٦[متفق عليه، البخاري: (١٣٦٠)، ومسلم: (٢٤)].، حتى أنزل الله ﷻ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

والله ﷻ أنزل في إثر ذلك: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [القصص: 56].

فيا أيها العبد، يا أيها المسلم، يا من هداك الله ﷻ: هل قدمت من الأعمال لخدمةِ الإسلام كما قدم أبو طالب؟ لا والله ما قدمت.

حماية النبي ﷺ لا يعدلها شيء، الذبُّ عن النبي ﷺ، وعن شخصه في وقت الضيق ووقت الضعف والعجز، والكفرة كلهم يتكالبون عليه، وهو يقف حاجزًا أمامهم؛ هذا الأمر ليس كالدفاع عن الإسلام مجردًا أو الدفاع عن العقيدة مجردةً، فهذا الذي قام به عمل صالح وهو جهاد وهو أمر عظيم، ولا شك أن ما فعله أبو طالب لو كان من مسلمٍ مخلص لما عدله شيءٌ.

ص 1445

ولذلك فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يساويهم مَن بعدهم؛ لأنهم صبروا واحتسبوا وتحملوا الأذى ودافعوا عن النبي ﷺ، فلماذا كان أبو بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة؟ لأنه وقف مع النبي ﷺ في كل موقفٍ حرج، وفي كل لحظة كان يحتاج إليه فيها، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه عندما كان كفار قريش يؤذون النبي ﷺ كان يدفع عنه ويقول: «أتقتلون رجلًا يقول: ربي الله»٢٬٣٩٧[صحيح البخاري: (٣٦٧٨)].، هذا هو حال الصحابة رضي الله عنهم.

إذن؛ نعمة الإسلام نعمة عظيمة، ولهذا ذكَّر الله ﷻ بها، فقال: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾، وأنت اليوم عندما ترى هذه الشريعة؛ تراها بأحكامها، بِحِكَمِها، بآدابها، بتناسقها، بتوافق أحكامها.. لا شكَّ أن حبك يزداد إليها ويقينك يزداد بها، وهذا من فضلِ الله ﷻ.

﴿وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ﴾ والعياذ بالله: الكفر معلوم، ﴿وَٱلۡفُسُوقَ﴾ يعني الكبائر، ﴿وَٱلۡعِصۡيَانَۚ﴾؛ وهو جميع ما يخالف أمر الله ﷻ من الصغائر ومن غيرها، فالله ﷻ هو الذي جعل قلبك ينفر من هذه المعاصي، قال ﷻ: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]، فالذين كانوا على هذا السبيل وعلى هذا الطريق وأهل النعمة؛ هم أهل حب الإيمان، وأهل بغض الكفر والعصيان والفسوق، هؤلاء هم الذين على طريق الرشد؛ أي على الصراط المستقيم، وأما من سواهم فهو على طريق الغواية والضلالة مهما زينوا ومهما نمقوا ومهما مدحوا إلا أنهم على ضلالة وانحراف والعياذ بالله، وما من أحد يسلك طريقًا ولو كان اعوجاجه يراه كل أحد، إلا أنه يزعم أنه على طريق الرشد حتى فرعون، وهو من هو في الكفر ومحادة الله ﷻ عندما يخاطب قومه ماذا يقول لهم؟ ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، فصار فرعون يهدي قومه إلى سبيل الرشاد! ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ﴾ [الزخرف: 54].

ص 1446

وهكذا ما نسمعه اليوم من الطغاة المجرمين الذين حاربوا دين الله ﷻ؛ يصفون الظلمات والكفر والقوانين الوضعية والديمقراطية وكل نِحلة وملة بأنها سبيل التقدم وسبيل الحضارة وسبيل الرقي وسبيل كذا.. هذه هي طريق الرشد عندهم! ولكن ماذا نقول لهم: ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].

ديننا هو دين الإسلام، الدين الذي قال الله ﷻ فيه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام: 153]، لا يوجد إلا طريقٌ واحدٌ يوصلُ إلى الله ﷻ وهو طريق الإسلام، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿ٱهـۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، فهو صراط واحد.. فالإنسان إذا وجد نفسه على طريق الهداية في معتقده، في عباداته، في أخلاقه، في سلوكه، في معاملاته؛ فليحمد الله ﷻ، وليعلم أن الله ﷻ قد جعله من الراشدين على طريق النجاة التي توصله إلى الله ﷻ.

بعد ذلك قال الله ﷻ: ﴿فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾؛ يعني ما نلتموه أنتم من هذه الأمور التي كنا نذكرها ونعددها هو محض فضل من الله ﷻ، وليس استحقاقًا من عند أنفسكم، وإنما هو تفضل وإكرام وجود من عند الله ﷻ، ﴿فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [الحجرات: 8].

نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من الراشدين وأن يجعلنا ممن يحيا على الصراط المستقيم ويموت على الصراط المستقيم إنه سميعٌ قريب.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

❖ ❖ ❖

ص 1447