رسالة للأمراء (3752)
ولتعلم -أخي المكرم- أن أخاك حقًا هو الذي يَصدُقُكَ لا الذي يُصدِّقكَ، والذي يُذكِّركَ لا الذي يَذكُركَ، والذي يَنصحُكَ لا الذي يَمدَحُكَ، فإنَّ قومًا رضوا بأن يكون حظُّهم من أعمالهم طلبَ مدح الناس وثنائهم وإشباع رغبات نفوسهم في ذلك؛ كانوا أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة، فخابوا وخسِروا، كما قال النبي ﷺ: (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)٣٬٧٥٣رواه مسلم [١٩٠٥]..
فهؤلاء ثلاثة كانوا باذلين لأَنْفَسِ شيءٍ، أحدهم لنفسه، والآخر لعلمه، وثالثهم لمالِه، وكل ذلك لم يغنِ عنهم من الله شيئًا، وما أهلكهم إلا (ليُقالَ)، فكان جزاؤهم يوم القيامة -مع حرِّ النار- (فقد قيل)، فجُمِع لهم بين عذاب النار لأجسادهم، وهوان التوبيخ لنفوسهم، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
٣٬٧٥٤[قال الأخ أبو عامر الناجي: أما الرسالة الثانية؛ فرسالة يوضح فيها الشيخ للأمراء مقصود الإمارة في الإسلام، وقد خطها في عدة مواضع من الرسالة.. بدأها في توضيح أن هذه الإمارة إنما هي مغرم وليست بمغنم، وأن الصالحين كانوا يسألون الله منها السلامة والعافية، قال ﷺ: (إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي، أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل) [قال محقق المجموع: رواه البزار: (2756)، والطبراني في مسند الشاميين: (١١٩٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (2173)].. ثم بيّن أنها أمانة، وتأدية هذه الأمانة يكون بأخذها بحقها كما أوجب الله تعالى، وأن من أبواب خيانة هذه الأمانة هو باستغلال صلاحيات الإمارة للتكبر في الأرض وظلم الخلق وقهرهم والعلو عليهم]. فإنَّك اليوم في موطنٍ خطِرٍ عظيمٍ، ومحلٍّ تهيَّبه أكابر الأئمة وأجلة العلماء ألا وهو الإمارة، والتي يعُدُّها البعض مغنمًا وهي -والله- شرُّ مغرمٍ إلا لمن قام بحقِّها وأدى واجبها وقليلٌ ما هم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)٣٬٧٥٥رواه البخاري، [وسبق في: (ص 2047)]..
إذًا فهي أمانةٌ تمامًا كما وصفها النبي ﷺ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، ولا خيانةَ أعظم من اتخاذ هذا المنصب -الذي اؤتمن عليه العبد- مطيةً لتحقيق الرغبات وتحصيل الأهواء فتسفك لأجل ذلك الدماء المحرمة، ويُقهر الناس ظلـمًا وعدوانًا بالضرب والسجن والنفي والهجران والمطاردات والملاحقات والتضييق، وتستحل أعراض المسلمين بالغيبة والنميمة والطعن والتُهَم، وتُملأُ البطون بلحومهم في المجالس تفكُّها وتندرًا إرضاءً للأمراءِ أو مجاملةً للجماعةِ.
ومَن ضيَّعها أو جعلها حظًا لنفسه، فإنها ستكون عليه يوم القيام خزيًا وندامةً، ولن ينفعه يومئذٍ -وهو واقفٌ بين يدي ربه وحيدًا- تعظيمُ الناس، ولا مدحهم، ولا توقيرهم، ولا ثناؤهم، ولن ينجيه أنْ كان ينادى في الدنيا «أمير صاحب»، أو «أمير محترم»، أو «البطل المقدام»، أو «القوي الحازم»، ولن يجد في ذلك الموطِن من يُظلِّل عليه، أو يفتح له بابَ سيارته، أو يُمهِّد له الفراش، أو يقدِّمه في كلِّ شيءٍ بل: ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ﴾ [القيامة: 14]، ورُبَّ مُمَّلَّكٍ في الدنيا معظَّمٍ بين أصحابه وأتباعه قد بسط سلطانه، وكثَّر أعوانَه، وملأ خزائنه ينادي في ذلك اليوم العصيب: ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ﴾ [الحاقة: 28-29]، ولن ينفع المرءَ يومئذٍ جماعةٌ، ولا حركةٌ، ولا تنظيمٌ.
إذن فلتعلم -أخي المكرم- أن الشقاء كل الشقاء هو أن يعمر المرء دنياه بخراب آخرته، وأشقى منه من يعمِّر دنيا غيره بتخريب أخراه، كما قال إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: سَمِعْتُ خَالِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، قَالَ -وَكَانَ أُسْتَاذَ مَالِكٍ- يَا مَالِكُ، منَ السَّفَلَة؟ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ أَكَلَ بِدِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: مَنْ سَفَلَة السَّفَلَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ أَصْلَحَ دُنْيَا غَيْرِهِ بِفَسَادِ دِينِهِ٣٬٧٥٦[شعب الإيمان للبيهقي: (6933)]..