الدعوة.. بين تنويع الأساليب وتمييع الحقائق
[صفر 1422 هـ / 5 – 2001م]
۞
إن مما نحتاج إلى إتقانه واستيعاب مداخله ومخارجه في هذا الزمان، بل وفي كل زمان هو: فن مخاطبة الناس على اختلاف مشاربهم وتفاوت مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم، وذلك من حيث اختيار المسائل والقضايا المناسبة واغتنام الفرص والأوقات الملائمة، واعتبار حال المخاطبين من جهة تفاعلهم وتقبلهم لما يخاطبون به، والتعمق في معرفة قدرات عقولهم على تفهم ما يلقى عليهم وما يراد منهم فهمه وتبنيه، وغير ذلك من الاعتبارات والملابسات المهمة التي لا ينبغي لكل من أراد أن يوصل كلمته وأن يجعلها مؤثرة مؤدية للغرض الذي يرنو إليه ويسعى لتحقيقه أن يهملها ويهمشها، بل عليه أن يكون على دراية تامة وإحاطة قوية بحال من يجتهد لإيصال صوته إليهم، والتأثير به عليهم، خاصة من تصدى لبيان الحق والهدى الذي جاء به النبي ﷺ، والسعي لإخراج الناس من ظلمات الكفر أو الجهل أو البدع والضلال إلى نور الإسلام والسنة والصراط المستقيم.
فكثيرًا ما يكون المرء على معرفة وعلم بما يدعو الناس إليه؛ بمعنى أن تكون له حصيلة وإحاطة معتبرة بالمسائل الشرعية بالنظر إليها مجردة، ولكن لا ريب أن هذا -مع حسنه- لا يكفي وحده ولا يغني بمفرده، حتى يتقن صاحبه الدور الثاني والمهم وهو القدرة على إيصال هذا الحق إلى الناس بالكيفية المناسبة، والدخول إليهم به من الباب الصحيح الذي يستقبلونه ويتقبلونه بنفوس راضية مرضية.
فالخطوة الأولى في فشل الداعية أو المربي أو المعلم أو المخاطِب بصورة عامة تظهر عندما يكون همه محصورًا في إبداء ما في صدره وإخراجه للناس وإيصاله إليهم بأي طريقة كانت، ومن غير مراعاة للظروف المؤثرة إيجابًا أو سلبًا، ومن غير دراية أو اهتمام بقدرات المخاطبين على تفهم القضية أو المسألة التي سيوصلها لهم.
فتراه يخاطبهم كلهم بطريقة واحدة وكيفية متساوية وبنفس الأسلوب، سواء عنده العالم والجاهل، والمسلم والكافر، وقديم العهد بالالتزام وحديثه، والمبتدع الضال والمتبع السني، والرجل والمرأة... إلخ.
وعندما يرى مِن هؤلاء أو بعضهم إعراضا عن دعوته وليا للأعناق عن سماع كلامه؛ انقلب فشله -الذي غالبا ما يكون نتيجة حتمية لفقدانه حسن الخطاب وتنويع الأسلوب- إلى نهاية أليمة سواء عليه أو على مخاطبيه.
ولسنا نقصد بمراعاة نفوس الناس واعتبار أحوالهم وعقولهم أن تَميع القضايا أو تمطط المسائل الشرعية وتحرف وتَغير لأجل إقناع طائفة من الناس مثلا بأن الإسلام دين اليسر والتسهيل أو نحو ذلك؛ فإن ثمة فرقًا بينا بين تحريف الحق وإخضاعه لأهواء الناس وبين إبقائه على حاله واضحًا جليًّا محددًا كما أنزله الله وبلغه رسوله ﷺ ولكن يختار «الأسلوب المناسب»، والوقت المناسب لإيصال ذلك الحق -كما هو في الشرع- للناس.
فكثيرًا ما يحدث خلط في هذه ا لقضية ويقع فيها اللبس أو التلبيس، فتُزَوَّر الحقائق الشرعية وتُغَيَّر باسم سماحة الإسلام ورفقه ويسره والحكمة في الدعوة إليه ونحو ذلك، وهذه الأمور صحيحة في نفسها، ولكن تفسيرها بهذه الكيفية ليس على وجهه الصحيح.
فالإسلام دين الرفق نعم، ودين السماحة ودين اليسر ورفع الحرج، ولكن ليس معنى ذلك أن نأتي إلى حقائقه الثابتة ومسائله البيّنة وقضاياه الجلية، ونصرفها عن مدلولها الشرعي الصريح الصحيح ونؤول معناها، بل نحرفه بغية إقناع الناس بها؛ فنحن بهذا العمل -وفي حقيقة أمرنا- لا نقنع الناس بحقائق الإسلام التي أنزلها الله ﷻ، والتي أراد منهم الإيمان بها والالتزام بتعاليمها ولكننا تركنا «حقائق الإسلام» الصحيحة جانبًا، وقدمنا لهم ما تشتهيه أنفسهم وتهواه قلوبهم بـ «اسم الإسلام».
وليس هذا هو موطن الحكمة في الدعوة إلى الله ﷻ، ولكن الحكمة وحسن التبليغ أن نتقن إيصال الحق البيّن دون خدش ولا تحريف إلى الناس؛ فالحكمة إنما تكون في الأسلوب والطريقة والكيفية والوسيلة التي نوصل بها «الحق»، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النحل: 125]، فالدعوة إنما تكون إلى ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: 125] التي هي الإسلام الذي أنزله على نبيه ﷺ، كما قال ﷻ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام: 153]، وكما قال الله ﷻ: ﴿ٱهـۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].
وما أجمل ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله حيث يقول: «إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه»٢٬٦١٠الظلال: (4/2201)..
والحقيقة أن تحريف مسائل الشرع -ولو كانت في عين البعض صغيرة- أمر في غاية الخطورة، وهو في واقع أمره من الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ ولهذا، فإن الشارع قد جوز للعالم أو الداعية أن يكتم بعض العلم لمصلحة معتبرة يراها وله في بعض الأحيان السعة في هذا الأمر.
ولكنه لم يجوز لهم بحال أن يغيروا أو يبدلوا شيئا مما بينه وقرره الشرع تحت أي دعوى ولا اعتبار لما يتوهَّمه البعض من المصالح الموهومة المتعلقة بذلك، بل جاء الوعيد الشديد والتهديد الأكيد الذي يزجر القلوب عن ذلك أشد الزجر ويردعها عنه أعظم الردع كل ذلك إبقاءً للحق على نصاعته وحفظًا له وصيانة لمصادره.
فقد بوب البخاري رحمه الله قائلًا: «باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟»٢٬٦١١[البخاري: (١٢٧)].، وساق تحته حديث معاذ رضي الله عنه عندما كان رديف النبي ﷺ على حمار.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»٢٬٦١٢رواه مسلم في مقدمة صحيحه..
هذا فيما يتعلق بترك بيان بعض العلم جلبًا لمصلحة شرعية راجحة، أو درءًا لمفسدة كالتي ذكرها ابن مسعود رضي الله عنه.
أما تحريف الحق وتغييره والتصرف فيه فهذا ما لا يجوز بحال، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي أغرق فيه اليهود ورفعوا لواءه: ﴿قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠﴾ [التوبة: 30].
فينبغي التفريق بين سعة الأمر في كيفية الدعوة واختيار الأسلوب المناسب والوقت الملائم، وبين حفظ ما يدعو المسلـمُ إليه وعدم خدشه وتمييعه.
وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلًا يتضح به المراد أكثر ويتجلى به المقصود، وذلك من واقع توجيهات النبي ﷺ لأصحابه في مثل هذه المسائل:
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا، فقال: إنه منافق فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة؛ فتجوزت فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ: (يا معاذ أفتان أنت ثلاثا، اقرأ والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها)»٢٬٦١٣رواه البخاري [٦١٠٦] ومسلم [٤٦٥] وغيرهما..
فالمفسدة التي وقعت لهذا الرجل وهي نفوره من الصلاة وتركه الجماعة وانفصاله عن إمامه لم يهملها النبي ﷺ ولم يغض الطرف عنها، بل اعتنى بها أشد الاعتناء وأولاها بالغ الاهتمام، ولكنه لم يعالجها بشيء يقدح في حقيقة الصلاة الشرعية المأمور بها، فلم يأمر معاذًا بترك شيء من واجبات الصلاة أو أركانها أو حتى مستحباتها، بل أرشده إلى الإبقاء على الحقيقة الشرعية والهيئة الصحيحة مع إقامتها بما يتناسب مع من خلفه من الضعفة وذوي الحاجات.
فالصلاة بقيت صلاة على حالها بصورتها وهيئتها وهكذا ينبغي أن تبقى كل الحقائق الشرعية التي ندعو الناس إليها ونعلمهم إياها، ولكن نقدمها بالأسلوب المرتجى أن يكون سببًا في تقبلهم لها واقتناعهم بها، أما العبث في تلك الحقائق والتصرف بها بالنقص والزيادة فيها من أجل الناس فهذا ما لا يقره الشرع وهي هفوة عظيمة وزلة جسيمة في حقه.
وأوضح من حديث معاذ رضي الله عنه في إيضاح هذه المسألة المهمة: حديثُ الأعرابي الذي بال في المسجد، فعن أنس رضي الله عنه قال: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه»، وقال لأصحابه رضوان الله عليهم لما زجروا الأعرابي وشددوا عليه: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)٢٬٦١٤متفق عليه [البخاري: (٢٢٠) واللفظ له، ومسلم: (٢٨٥)].؛ فالنبي ﷺ قد أقر أصحابه على أن ما فعله هذا الأعرابي مُنكر ينبغي تغييره وإزالته، ولكن نهاهم عن الأسلوب والطريقة التي أرادوا بها تغيير ذلك المنكر وهي زجرهم وتناولهم للأعرابي، ثم بين النبي ﷺ الكيفية الصحيحة والأسلوب الأمثل القويم في إزالة ما رأوه من ذلك المنكر، ولهذا ترك الأعرابي حتى فرغ من بوله فدعاه وقال له: (إن هذا المسجد لا يصلح لشيء من القذر والبول، إنما هو لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة)٢٬٦١٥[صحيح ابن خزيمة: (٢93)].، وقال النبي ﷺ معلـمًا لأصحابه ومرشدًا وموجهًا لهم لما وقع منهم ما وقع مع هذا الأعرابي: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).
والصحابة رضي الله عنهم إنما وقع منهم الخطأ في هذه الحادثة في الكيفية التي أرادوا بها تغيير ما رأوه من المنكر؛ بمعنى أن «التعسير» كان في الأسلوب الذي اتخذوه لذلك، أما كون ما فعله الأعرابي من البول في المسجد منكرًا؛ فهذا شيء لم ينكره عليهم ﷺ، بل أقرهم عليه من خلال تعليمه للأعرابي وإراقة الماء على بوله، وهذه القصة تشير إلى مثيلاتها وتبيّن حكم نظيراتها، وقد استطردنا في هذه القضية لأهميتها وبسبب الخلط الواقع فيها وسوء فهم الكثيرين لها.
وكما ذكرنا أعلاه فإن هم الخطيب أو الداعية أو الكاتب ينبغي ألا يكون محصورًا في إيصال ما عنده فحسب دون اهتمام واعتناء وحرص لفهم المخاطبين لقضيته واستيعابهم لمقاصده ومسائله.
فكثيرًا ما تسمع: «عليك بالبلاغ ولا يهمك مَن قَبِل ممن لم يقبل»، وهذه الكلمة تحتمل معنى صحيحًا -وإن كان ليس المتبادر إلى الأذهان- وتحتمل معنى خاطئًا٢٬٦١٦[فائدة: ذكر ابن المناصف في مطلع كتابه: الإنجاد (ص 15)، مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنها من الجهاد باللسان، وذكر لوجوب هذا الجهاد باللسان شروطًا عدة، «منها: أن يرجو في قيامه كف ذلك المنكر وإزالته؛ فإن أيس من ذلك فقد قيل: لا يجب عليه إلا تبرعًا، والأظهر عندي في هذا الوجه: أنه يجب عليه القول، وإن كان يائسا من كف ذلك المنكر؛ لأن الإنكار أخص فريضة، ولا يسقطه عدم تأثير المنكر عليه، ألا ترى أن إنكار القلب حيث لا يُستطاع الإنكار بالقول واجبٌ باتفاق، وهو لا أثر له في دفع ذلك المنكر؛ فكذلك يجب القول إذا أمكنه، وإن لم يؤثر، وأيضًا ففي إعلان الإنكار تقرير معالم الشرع، فلو وقع التمالؤ في مثل هذا على الترك؛ حيثُ لا يؤدي إلى الكف والإقلاع لأوشك دروسها..» اهـ، قال محققه الشيخ مشهور سلمان: ولهم في هذه المسألة قولان: 1- عدم وجوبه هنا وهو قول الغزالي وابن ملك والتفتازاني. 2- أنه واجب في هذه الحالة، وهو رواية عن أحمد صححها أبو يعلى، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وعزاه ابن رجب لأكثر العلماء، قال النووي في شرح مسلم (2/23): «ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول»، وهو الراجح]..
أما المعنى الصحيح: فهو أن المسلم ينبغي أن تشد همته نحو الدعوة إلى الله ﷻ وتبليغ دينه وإيصاله للناس، ويبذل جهده في اختيار الأساليب وتنويعها بحسب أحوال من يخاطبهم والصبر عليهم في تفهيمهم الحق، ثم بعد ذلك من نكص على عقبيه وأعرض وتولى أو أصر واستكبر فلا يحمل الداعية همه ولا يحرف الحق لأجله أو يشوه صورته ويمسخ شخصه استعطافا لقلبه، فيكون معنى العبارة آنفة الذكر من نحو قوله ﷻ: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]، وقوله ﷻ: ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].. وغيرها من الآيات.
أما المعنى السقيم لتلك العبارة: فهو أن الداعية لا يعتني بأساليب الدعوة ولا يهتم بوسائلها ولا ينظر إلى حال من يخاطبهم ولا يعتبر أحوالهم وعقولهم ومستوياتهم، إنما يقول ما يريد ويفصح عما يعتقد بكيفية واحدة وطريقة ثابتة في أي مجلس كان ومع أي قوم كانوا ولا يهمه قبول الناس لما يقول، فإذا ما أعرض الناس عن تقبلهم لما عنده «بسبب أسلوبه في إيصال الحق»؛ فإنه لا يهتم بذلك ولا يعبأ ولا يصلح من حاله أو يغير من شأنه، إنما يقول: «علينا أن نقول ولا يهمنا القبول»، ولا شك في خطأ هذه الفكرة وانحرافها عن الجادة.
فإن المسلم الداعية معني ببذل الجهد واستفراغ الوسع في اختيار «الأسلوب أو الطريقة» التي يبلغ بها دعوته بما يؤدي الغرض ويوصل إلى المقصد وهو «هداية الناس» ودخولهم في «سبيل الله»، فلا يصح أن يكون المسلم داعية إلى الحق بنيته وقصده وصادًا عنه بأسلوبه وطريقته.
والبون شاسع بين أن يكون صدود الناس وعدم قبولهم للحق بسبب إعراضهم أو استكبارهم وطمس الله على قلوبهم، وبين أن نكون سببًا في التنفير من الحق لفساد طرق الدعوة، أو بسبب فقدان القدرة على تبليغه، ولأن إفهام الناس الحق ومحاولة إيصالهم إلى معانيه بالوسائل الصحيحة المناسبة لهم أمرٌ ذو أهمية وهو من مهام الخطوات التي لا بد من التنبه لها، ولهذا أرسل الله ﷻ كل رسول بلسان قومه ليبيِّن لهم، كما قال ﷻ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4].
قال سيد قطب رحمه الله عند هذه الآية: «وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة؛ فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم، ليبين لهم وليفهموا عنه فتتم الغاية من الرسالة..»٢٬٦١٧[في ظلال القرآن: (4/2087)]..
ولا أدلَّ على الاعتناء بطرق دعوة الناس إلى الحق ما تضمنه القرآن الكريم -وهو أساس الدعوة وقطبها- من الأساليب المتنوعة من الترغيب والترهيب والوعد والوعيد والإنذار والتبشير والوعظ والتذكير، ومخاطبة العقول بالحجج العقلية المفحمة القاطعة، والأمر بالتفكر في الآيات الكونية المنصوبة القائمة، والدعوة إلى مقارعة الحجة والبرهان بمثلها والمجادلة بالتي هي أحسن، وضرب الأمثال وتصريف الآيات للناس ليفهموا الحق ويعقلوه، وقد جاء ذلك مبيّنًا في آيات لا تحصى كما قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ [الإسراء: 41]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ [الإسراء: 89]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف: 54]، وقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا﴾ [طه: 113]... وغير ذلك من الآيات.
والمقصود أن القرآن هو أكمل صور الوعظ وأتم أحوال التذكير، وهو متضمن لكافة أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يتمرس فيها ويتقنها ويبذل جهده في اختيار أمثلها حسب أحوال من يخاطبهم، ودون إهمال لقدرات وفهم وخلفيات وعلائق من يحب هدايتهم؛ فإذا اجتهد في ذلك وسدد وقارب فأعرض الناس وتولوا تلا قول الله ﷻ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [القصص: 56].
ولا شك أن الموضوع أعمق مما دوناه هنا، وهو بحاجة إلى تَقَصٍّ يكشف عن مكنونه، وفهم يوصل إلى لب مضمونه ولعل هناك من ينشط لذلك.
والله الهادي إلى سواء السبيل
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا