المسألة الثانية: بيان بطلان ما ادعاه من الإجماع القطعي في هذه المسألة

بيَّن الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز من هم أنصار الطواغيت الذين عقد لهم مبحثه بقوله: «القسم الثاني: حكم أنصار الطواغيت: والمقصود بهم أنصار الحكام المرتدين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله في شتى بلدان المسلمين اليوم، وأنصارهم هم: الذين يحمونهم ويمنعونهم وينصرونهم على من يريد خلعهم من المسلمين المجاهدين، وأنصارهم هم: الذين يذبون عنهم بالقول، ويقاتلون دونهم بالسلاح، وهم سبب دوام أحكام الكفر بهذه البلاد»٧٢الجامع في طلب العلم الشريف: (2/597)..

وبهذا يظهر أنه يتحدث عن واقعة معينة، ونازلة حادثة؛ فلا بد إذن -قبل الدخول في تفاصيل قضية الإجماع- من توجيه عدة أسئلة حول هذا الإجماع الذي ادعاه، واعتمد عليه في تقرير حكمه، والذي نسبه للصحابة رضي الله عنهم؛ فمن تلك الأسئلة:

هل وقع إجماع الصحابة المدعى على نازلة مطابقة ومساوية من كل جهة للواقعة الطارئة -وهي واقعة أنصار الحكام المرتدين- التي أجرى عليها حكمه؟ أم أن الإجماع المنقول عن الصحابة وقع على مسألة أخرى قد شابهت النازلة الجديدة في جوانب معينة ثم عمم الشيخ عبد القادر الحكم المتعلق بها ليشمل أنصار الحكام المرتدين وذلك بناء على اعتبار الجوانب المشابهة بين الحادثتين وبالنظر إليها؟

ص 92

ثم لو كان الأخير هو الواقع؛ فهل هذه الجوانب المشابهة أو المطابقة التي اشتركت فيها الواقعتان، تعد أساسية وجوهرية بحيث لا يضر أو يؤثر معها وجود بعض الاختلافات الأخرى بين المسألتين؟ أم أن الأمر على العكس من ذلك؟ بمعنى أن وجود أمور متشابهة ومشتركة بين النازلتين لا يعد شيئًا مهمًا، ذلك بالنظر إلى ما اختلفتا فيه من القضايا الأساسية التي تعد حقيقة ولب كل منهما، وعليه -إذا صح ذلك- لا يمكن جعل المسألتين متشابهتين ولا متساويتين في حكمهما؛ لوجود فوارق أصلية مؤثرة هي أصل ذلك الحكم وأساسه؛ لأنها السبب الحقيقي في انعقاد ذلك الإجماع، وانعدامها في النازلة الثانية يمنع من جعلها مع الأولى في صورة واحدة وحكم متطابق؟

ومن خلال الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تظهر حقيقة الإجماع الذي ذكره، وذلك بالحديث عن أربعة أمور قد يكون بينها تداخل يعسر معه فصل بعضها من بعض كليًا، ونجملها أولًا ثم نتكلم عليها بالتفصيل.

الأمر الأول: حقيقة النازلة التي انعقد عليها إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

الأمر الثاني: ذكر بعض أوجه التشابه بين الواقعتين.

الأمر الثالث: أهم الفوارق المؤثرة بينهما.

الأمر الرابع: عدم صحة الإجماع القطعي المدعى على تكفير أنصار الحكام المرتدين.

الأمر الأول: حقيقة النازلة التي انعقد عليها إجماع الصحابة رضي الله عنهم

من الأصول العظيمة المتقررة التي يعرفها كل مسلم حق المعرفة، ويعلمها علم اليقين، أن محمدًا ﷺ، أرسله الله بدين الإسلام إلى الثقلين كلهم إلى يوم القيامة، وأنه لا نبي معه ولا بعده ﷺ؛ لا يختلف في هذا اثنان من أهل القبلة، أولهم وآخرهم، سُنِّيهم وبِدْعيهم؛ فهو أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فكل من خالف في هذا أو شك فيه، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وَوَلَّاه ظهره، وانقلب على عقبيه، وصار مرتدًا إن كان قد دخل في الإسلام قَبلًا، ولن يدخل الإسلام أحد إلا إذا أقَرَّ بهذا الأصل العظيم، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، وهو إجماع الأمة قاطبة، فمن أدلة عموم الرسالة المحمدية، قوله ﷻ: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وقوله ﷻ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ [سبأ: 28]، وقوله ﷻ: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، وغيرها من الآيات.

ص 93

وأما الأحاديث فمنها قوله ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي -منها قوله: وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يرسل إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)٧٣متفق عليه [البخاري (328)، مسلم (521)].، وقال أيضًا: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بي إلا دخل النار)٧٤رواه مسلم [153]..

وأما كونه ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين؛ فمن أدلته من كتاب الله قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 40].

ومن السنة قوله ﷺ: (وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يدعي أنه نبي وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)٧٥[سنن الترمذي (٢٢١٩)، وصححه الألباني] وغيرها كثير، وهو أمر -كما ذكرنا- معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ بحيث لا يحتاج إثباته وتقريره إلي كثرة أدلة، وبهذا تعلم أن مدعي النبوة ومن تبعهم وصدقهم مكذبون بصريح هذه الأدلة، مشاقُّون للنصوص القطعية ثبوتا ودلالة، ومخالفون مخالفة صريحة لما أطبق عليه أهل الإسلام جميعهم، سنيهم وبدعيهم، إنسهم وجنهم، أولهم وآخرهم، ومعارضون معارضة قطعية لما هو معلوم من دين الإسلام ضرورة، ولذلك لم يكن لهم نصيب منه، ولا تصور ذلك أصلا، بل هم كفار مرتدون بإجماع من أشرقت عليه الشمس، من أهل الإسلام، ولوضوح هذا الأمر واشتهاره بين المسلمين قلما تجد من يستدل على تكفير من ادعى النبوة بإجماع الصحابة على تكفير مسيلمة وأمثاله، بل تراه يحكي إجماعًا مطلقًا دون تقييده بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم.

ص 94

وادعاء النبوة وإن حدث على عهد رسول الله ﷺ بظهور الأسود العنسي في اليمن؛ إلا أنه بلغ أوج قوته، وغاية مبلغه، وشاع وذاع بعد وفاة النبي ﷺ، حيث تولى كبره، وتقلد أمره، مسيلمة الكذاب -لعنه الله-، وطليحة المتنبئ الكذاب، وسجاح المتنبئة الكذابة، واتّبع كل واحد من هؤلاء همل من الرعاع، وجموع غفيرة من أقوامهم فصدقوهم وآزروهم وآمنوا بهم وقاتلوا دونهم، حتى كانت المعارك والحروب التي خاضها الصحابة معهم أشد ضراوة، وأشرس مما لاقوه من الفرس والروم، وهذه أمور معلومة، ووقائع مشهورة، لا يماري فيها أحد، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومعه جميع الصحابة في وجه هؤلاء المرتدين خير قيام، وقاتلوهم أعنف قتال، وأظهروا لهم من الشدة والغلظة ما لم يظهروه لغيرهم؛ فغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم، وشردوهم أشد التشريد، ونكلوا بهم أعظم التنكيل، ومزقوهم كل ممزق، وتحملوا رضي الله عنهم في قتالهم من الجراحات والمشاق وذهاب الأنفس ما لا يوصف، حتى أذاقوا من حارب منهم حربًا مُجلِيَة، وأسلموا من استسلم إلى سلم مخزية، كانوا فيها أعرابًا يتبعون أذناب الإبل.

ومن أعظم فضائل أبي بكر رضي الله عنه أن وفقه الله إلى قتالهم، وثبته أمام جحافلهم؛ فما حال الحول إلا والأمور قد رجعت إلى نصابها، والفتنة أوصدت أبوابها، وتلاشى شرها، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والحمد لله رب العالمين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة -أولهم وآخرهم- أنه قاتل المرتدين، وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة؛ بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب وكانوا فيما يقال نحو مئة ألف. والحنفية أم محمد بن الحنفية سَرِيَّةُ علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات إذا كان المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين، فكيف استجاز عليّ أن يسبي نساءهم ويطأ من ذلك السبي؟

-إلى أن قال- بل كُفْرُ بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود والنصارى والمجوس؛ فإن أولئك كفار مِلِّيون، وهؤلاء مرتدون، وأولئك يقرون بالجزية وهؤلاء لا يقرون بالجزية، وأولئك لهم كتاب أو شبهة كتاب، وهؤلاء اتبعوا مفتريًا كذابًا، لكن كان مؤذنه يقول: أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله، وكانوا يجعلون محمدا ومسيلمة سواء.

ص 95

وأمر مسيلمة مشهور في جميع الكتب التي يذكر فيها مثل ذلك، من كتب الحديث والتفسير والمغازي والفتوح، والفقه والأصول والكلام، وهذا أمر قد خلص إلى العذارى في خدورهن»٧٦منهاج السنة النبوية: (8/324)..

فالصحابة رضي الله عنهم لم يختلفوا أبدا في تكفير وقتال المتنبئين وأتباعهم، لا في الابتداء ولا في الأثناء، مما يؤكد استقرار هذا الأمر ووضوحه وبداهته عند جميعهم قبل أن يشيع وينتشر أمر الدجالين من أمثال مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وسجاح، وهذا بخلاف مانعي الزكاة؛ فإن الشبهة قد عرضت لعمر رضي الله عنه في تكفيرهم ومن ثَمَّ في قتالهم، وذلك لاعتقاده عدم كفرهم بمجرد منعهم إياها، مع إتيانهم بالشهادتين وغيرها من الأركان؛ فناظره في ذلك أبو بكر رضي الله عنه وكشف له شبهته، وأزالها عنه بأوجز عبارة وأبلغها، مما يبين فقهه العميق لدين الله تعالى، وإدراكه لمقاصده، وكيف لا؟ وهو العتيق٧٧[العتيق: القديم، وقيل في المسجد الحرام: سُمِّي البيت ‌العتيق لأنه أعتق من الجبابرة، فليس جبار يدعي أنه له. والأول أظهر لغةً] الصِّدِّيق، رفيق رسول الله ﷺ في العسر واليسر، وصاحبه في السفر والحضر، فانعقد إجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد المناظرة والمحاورة على ما قال أبو بكر.

قال شيخ الإسلام: «بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه، ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة؛ فهؤلاء حصل لعمر أولا شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصديق، وبين له وجوب قتالهم، فرجع إليه، والقصة في ذلك مشهورة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)؟ قال أبو بكر: ألم يقل: (إلا بحقها)؟ فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق»٧٨منهاج السنة النبوية: (8/328). [والحديث في: صحيح البخاري: (1335)، وصحيح مسلم: (20)].

ص 96

ولا يصح أن يقال هنا: إن عمر رضي الله عنه إنما خالف ابتداء في قتالهم مع موافقته لأبي بكر على تكفيرهم -كما زعم بعض الباحثين المعاصرين- محتجًا بقوله: «كيف تقاتل الناس... إلخ»؟!، فعمر رضي الله عنه أفقه وأعلم من أن يظن به هذا الظن؛ فكيف يتوهم أحد أن عمر يظن أو يعتقد أن لا إله إلا الله يمكن أن تعصم قائلها من القتل مع ردته عن الإسلام؟ وإلا فأي فائدة في أن يقول لأبي بكر: وهم يقولون: لا إله إلا الله مبينًا بذلك ومحتجًا بالعاصم لدمائهم، وهو بلا شك لا يعني الألفاظ المجردة لهذه الكلمة، ولكن يقصد: كيف تقاتلهم مع إسلامهم، فإذا كان يرى أن مانع قتالهم هو مجرد التَألف والتلطف معهم -مع ردتهم- فما وجه التعليل بأنهم يقولون: لا إله إلا الله! أم تراه يحتج على أبي بكر بشيء لا يرى له تأثيرًا في الحكم أصلًا؟ والحق إن مثل هذا القول الردي لا يقوله من عرف دينه حق المعرفة فضلًا عن أن يكون عمر رضي الله عنه، ومن تأمل أدنى تأمل في المناظرة المذكورة تجلى له الحق من غير تكلف ولا عناء.

وبما عرفت من أن تكفير المتنبئين وأتباعهم أمر مستقر لدى كافة الصحابة الكرام قبل وقوع الردة وظهورها في عهد أبي بكر -خلافًا لمانعي الزكاة- يتبين لك أن إجماعهم على ذلك لم يكن إلا زيادة تأكيد للمؤكد، وإظهار للظاهر، وإحكام للمحكم، إلا أن أكثر أحكام قتال المرتدين إنما تؤخذ من سيرتهم في حربهم وقتالهم للمتنبئين وغيرهم.

ص 97

فحقيقة النازلة التي لم يختلف الصحابة في حكمها على الإطلاق -والتي بنى عليها الشيخ عبد القادر حكمه- أن قوما زمن الصحابة رضي الله عنهم ادعوا النبوة، بعضهم ادعى مشاركة النبي ﷺ في نبوته كعدو الله مسيلمة عليه اللعنة، وبعضهم ادعاها مطلقا كطليحة الأسدي الكذاب، ثم اتبعهم في دعواهم تلك جموع غفيرة من الناس، فصدقوهم وآمنوا بهم، وناصروهم وآزروهم، وقاتلوا من قصدهم، فأكفرهم الصحابة رضي الله عنهم رؤوسًا وأتباعًا بسبب ادعاء النبوة والتصديق بها، لما في ذلك من التكذيب الصريح بصحيح الأدلة وصريحها، والقاضية بأن محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله بدين الإسلام الذي لا يقبل الله سواه إلى الناس كافة، عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم، إنسهم وجنهم، فبقي هذا الحكم ثابتًا لا يتغير أبدًا، فكل من ادعى النبوة مع النبي ﷺ، أو بعده، من ذكر أو أنثى فهو كافر كفرًا أكبر ينقل عن الملة، وكل من صدقه في دعواه النبوة فهو كافر مثله، لا يختلف عنه في شيء، وهذا ما لا يتنازع فيه اثنان من أهل القبلة، بل من خالف فيه أو شك في كفره فهو كافر مثله، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «إن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي ﷺ، ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبيًا ما مات، ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة، ظنا أن النبي أشركه في النبوة؛ لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر... إلخ»٧٩مجموعة التوحيد: (35)..

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: «ومن ذلك قوم مسيلمة لما صدَّقوا رسول الله ﷺ، وآمنوا به، وصاموا وصلوا، ولكنهم ادعوا أن مسيلمة شريك في الرسالة؛ صاروا عند أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم كفارًا لا نزاع بين أهل العلم في ذلك، ولو صلوا وصاموا وقالوا إن محمدا رسول الله، لأنهم لما قالوا مسيلمة شريك في الرسالة كفى هذا في كفرهم؛ لأنهم بهذا قد كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ﴾ [الأحزاب: 40]، كما كذبوا الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين.

وهكذا القاديانية، لما آمنوا بأن غلام أحمد نبي، وأنه يوحى إليه صار من آمن منهم بهذا كافرًا كفرًا أكبر؛ لأنه مكذب لله ورسوله، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم»٨٠مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: (3/39)..

وقال الشيخ حسنين محمد مخلوف رحمه الله: «إنه ﷺ آخر أنبياء الله ورسله، فلا نبي ولا رسول بعده إلى قيام الساعة، فمن زعم النبوة بعده فهو كذاب أفاك، وكافر بكتاب الله وسنة رسوله، ولذا أفتينا بكفر طائفة القاديانية أتباع المفتون أحمد القادياني الزاعم هو وأتباعه أنه نبي يوحى إليه، وأنه لا تجوز مناكحتهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين»٨١صفوة البيان لمعاني القرآن: (533-534)..

ص 98

والمقصود أن الحكم بتكفير المتنبئين وأتباعهم بقي قائمًا وشاملًا لكل من اتصف بهذه الصفة، وركب هذا المذهب إلى يوم الدين، وبهذا يتضح جليًا أن صورة الواقعة التي انعقد عليها إجماع الصحابة، هي قطعًا ليست صورة مطابقة للنازلة المعاصرة التي ادعى الشيخ عبد القادر أن الصحابة قد اتفقوا على حكمها؛ وذلك لأن الواقعة الأولى هي ظهور متنبئين واتباع بعض الناس لهم، وإيمانهم بهم، أما النازلة العصرية فهي ظهور حكام مرتدين ومعهم طوائف من الناس تقاتل دونهم وتناصرهم، وتنافح عنهم، وتحمي دولتهم، فما دامت الصورتان مختلفتين، والواقعتان متغايرتين، لم يبق إلا البحث عن الجوانب المشتركة أو المتشابهة، والأوجه المتفقة بينهما مما يحتمل أن يصيرهما ويجعلهما سواء في الحقيقة والمضمون، وإن قطعنا بتغايرهما في الشكل والظاهر، وهو ما سيكون الكلام عليه في الأمر الثاني إن شاء الله تعالى.

الأمر الثاني: بعض أوجه التشابه بين الواقعتين

والحديث على الأوجه التي تشابهت فيها الحادثتان، واتفقت النازلتان لا يعني استقصاء وتتبع كل جوانب التطابق والتشابه كما يظهر لنا، إنما المقصود في ذلك محاولة تحديد الأمور التي ربط بها الشيخ عبد القادر بين الواقعتين مما اعتمده هو حتى جعل حكمهما واحدا بناء على ما تقرر لديه من جوانب الاشتراك بينهما.

وبمعنى آخر، إذا كان قد تقرر في الأمر الأول الذي كنا نتكلم عنه أن الصورتين مختلفتان، فما هي الأمور الأساسية، والقضايا الجوهرية التي ألغت ذلك الاختلاف الذي بينهما، بحيث صارت الصورتان بمثابة صورة واحدة متحدة الحكم؟

ونحن ننقل هنا جملة من كلامه الذي تضمن الحكم مع شيء من الأمور المشتركة التي ربط بها بين الواقعتين، ونعلق على ما نراه يستحق التعليق من ذلك، والأقوال كلها في الجزء الثاني من كتابه «الجامع في طلب العلم الشريف».

قال: «وقد أجمع الصحابة على كفر أنصار أئمة الردة؛ كأنصار مسيلمة المتنبئ الكذاب، وأنصار طليحة المتنبئ الكذاب، فقد غنموا أموالهم، وسبوا نساءهم، وشهدوا على قتلاهم بأنهم في النار، وهذا تكفير منهم لهم على التعيين».

ص 99

هذا وقد ذكرنا في الأمر الأول أن الصحابة رضي الله عنهم لم يقع بينهم اختلاف البتة في تكفير المتنبئين من أمثال مسيلمة وطليحة وسجاح وأتباعهم وأنصارهم، وأن سبب ظهور الإجماع وبروزه هو خروج هؤلاء المتنبئين واتباع من اتبعهم وصدقهم من الناس، وبناء على ذلك فإن الحكم بتكفير من حاله كحال هؤلاء: ثابت ومستقر ومستمر ومنسحب عليه، كما نقلنا تكفير الشيخ ابن باز رحمه الله والشيخ مخلوف رحمه الله للقادياني وأتباعه، ثم لا شك أن الحكم بتكفير هؤلاء إنما هو على التعيين، كما وقع من الصحابة في حق المتنبئين وأتباعهم.

فإذا كان قصد الشيخ عبد القادر بإجماع الصحابة على تكفير «أنصار أئمة الردة على التعيين» تكفيرهم لأنصار المتنبئين على وجه الخصوص؛ فهذا حق بلا ريب ولا تردد، وعليه فيكون المقصود «بأئمة الردة» في كلامه السابق هم المتنبئين لا غير، إذ هم الذين كانوا يمثلون الواقعة التي انعقد عليها إجماع الصحابة في زمنهم ومن ثم جرى هذا الحكم على من ماثلهم ممن جاء بعدهم، وأما إذا قصد بذلك تكفيرهم «على التعيين» لأنصار أي إمام من أئمة الردة كالحكام المرتدين، فادعاء إجماع الصحابة على ذلك -بناء على إجماعهم على تكفير أنصار المتنبئين- يعوزه الدليل الواضح الذي يمكن معه نسبة مثل هذا الحكم إليهم، فضلًا عن القطع بأن هذا إجماعهم «القطعي» الذي يكفر مخالفه، وهذا هو محل النقاش، وموضع الخلاف، وموطن الإشكال، إذ الحديث والتساؤلات تدور حول تكفير الصحابة «العيني» لأنصار كل إمام مرتد، أم هو خاص ومحصور في الصورة التي أجمعوا عليها والتي ظهرت في زمانهم والمتمثلة في المتنبئين وأتباعهم، وسنتكلم على المسألة أكثر عند الحديث عن بعض الأخطاء التي وقع فيها خلال استدلاله بإجماع الصحابة المذكور.

وقال أيضًا: «فهذا نقل صحيح، وإجماع صريح من الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين، دون تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم، لما كانوا ممتنعين بالشوكة»، وذكر الخلاصة في الإجماع بقوله: «والخلاصة: أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعا قطعيا ليس فيه منازع».

ص 100

فمن هذين النقلين نحاول أن نستخلص بعض القواسم المشتركة بين النازلتين والتي اعتمد عليها، وبسببها قطع بهذا الإجماع وجعل الحكم في الأولى هو عين الحكم في الثانية:

1- أن الطوائف التي أكفرها الصحابة كان لها «أئمة ردة» وهم المتنبئون، وكذلك الحال في الطوائف المعاصرة، فرؤوسها ورؤساؤها هم الحكام المرتدون، وهم أيضا وبلا شك «أئمة ردة».

2- أن الذين أكفرهم الصحابة كانوا أنصارا وجنودا «لطواغيت»، وهو الحال بالنسبة لجنود وأنصار «طواغيت العصر وقوانينهم».

3- الذين أكفرهم الصحابة كانوا ممتنعين بالشوكة، وهو ما نراه من الطوائف الممتنعة المنافحة عن الحكام المرتدين وقوانينهم.

4- امتناعهم بالشوكة كان سببا في تكفير الصحابة إياهم من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع؛ فالطوائف الممتنعة المعاصرة ينبغي أن يكفر أفرادها على التعيين دون تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع لوجود السبب نفسه وهو الامتناع بالشوكة.

وقبل أن ننتقل إلى الأمر الثالث المتعلق ببيان أهم الفوارق بين المسألتين؛ نحب أن نقف يسيرا لنبين حقيقة مهمة، يسهل معها بيان صحة هذا الإجماع من عدمها، وهي -أي تلك الحقيقة- أن كل ما فعله الشيخ عبد القادر في استدلاله بإجماع الصحابة على حكم أنصار الحكام المرتدين، لا يعدو في حقيقة أمره أن يكون قياسا تمثيليا، وهو القياس الأصولي المعروف -شعر أم لم يشعر- فالقياس كما عرفه علماء الأصول هو: إلحاق فرع بأصل في حكمه لمشاركته له في العلة.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

بِحَمْلِ مَعْلُومٍ عَلَى مَا قَدْ عُلِمْ

لِلِاسْتِوَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ وُسِمْ

وَإِنْ تُرِدْ شُمُولَهُ لِمَا فَسَدْ

فَزِدْ لَدَى الْحَامِلَ وَالزَّيْدُ أَسَدْ٨٢[نشر البنود على مراقي السعود: (2/106)]

وأركانه أربعة: الأصل، وحكمه، والفرع، والعلة.

ص 101

قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «إن الشارع قد ينص على حكم معين في واقعة، ويعرف المجتهد علة هذا الحكم، ثم توجد واقعة أخرى لم يرد نص بحكمها، ولكنها تساوي الواقعة الأولى في علة الحكم، فيلحق المجتهد هذه الواقعة بالواقعة الأولى ويسوي بينهما في الحكم فهذا الإلحاق هو القياس»٨٣الوجيز في أصول الفقه: (195)..

وهذا هو عين ما فعله الشيخ عبد القادر في إثباته الحكم لهذه النازلة الطارئة؛ فالأصل الذي اعتمد عليه وورد فيه حكم الإجماع هو «المتنبئون وأتباعهم»، فهي هنا الواقعة التي جاء الشرع بحكمها، والحكم الذي ثبت لهذا الأصل هو «تكفير المتنبئين ومتبعيهم -على التعيين- الثابت بإجماع الصحابة»، وعليه فيقال: إنَّ كل من ادعى النبوة أو اتبع من ادعاها فقد «كفر»، وهذا الحكم «التكفير» ثابت بالإجماع، والفرع الذي ألحقه بالأصل في الحكم هو «أنصار الحكام المرتدين»؛ فهي الواقعة التي أراد معرفة حكمها الشرعي، والعلة التي اجتهد في استنباطها وجعلها جامعة بين الأصل والفرع هي «امتناعهم بالشوكة على مناصرة الطواغيت».

قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «أركان القياس:

أولًا: الأصل؛ ويسمى بالمقيس عليه وهو ما ورد النص بحكمه.

ثانيًا: حكم الأصل؛ وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل ويراد تعديته للفرع.

ثالثًا: الفرع؛ ويسمى بالمقيس، وهو ما لم يرد نص بحكمه ويراد أن يكون له حكم الأصل بطريق القياس.

رابعًا: العلة؛ وهو الوصف الموجود في الأصل، والذي من أجله شرع الحكم فيه، وبناء على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم»٨٤الوجيز: (195)..

ص 102

وهذه الأمور كلها متوفرة وظاهرة في كلام الشيخ كما بيناه أعلاه، ولا ينفي وجودها واعتبارها أركانًا للقياس عدمُ فصل بعضها عن بعض أو عدم تسميته لها قياسًا، فإن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئًا، فالحكم الذي عداه إلى الفرع يدل عليه قوله: وقد أجمع الصحابة على «كفر» أنصار أئمة الردة، والأصل الذي تعلق به هذا الحكم دل عليه قوله: «كأنصار مسيلمة المتنبئ الكذاب، وأنصار طليحة المتنبئ الكذاب»، والدليل الذي ثبت به الحكم المذكور هو إجماع الصحابة، وقد تكرر ذكره في كلامه مرارًا، أما العلة التي أناط بها الحكم -وهو التكفير على التعيين من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع- فيشير إليها قوله: «لما كانوا ممتنعين بالشوكة»، وأما الفرع الذي عدى إليه الحكم فهم أنصار الحكام المرتدين، وهم الذين خصص البحث لمعرفة حكمهم.

فعلى مقتضى سياق كلامه وتعليله، أنه لو سأل سائل: لماذا أكفر الصحابة رضي الله عنهم أنصار المتنبئين على التعيين من غير أن يتبينوا فيهم الشروط والموانع؟ لكان الجواب: «لأنهم كانوا ممتنعين بالشوكة»، وكذا لو سأل أيضًا: ولم حكمت على أنصار الحكام المرتدين بالكفر على التعيين دونما تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم؟ لأجاب: «لأنهم ممتنعون بالشوكة» أيضًا، وبهذا يظهر أن الامتناع بالشوكة على نصرة أئمة الردة هو العلة الحقيقية التي لأجلها ألحق الفرع -أنصار الحكام المرتدين- بالأصل -أنصار المتنبئين- وهي مدار اجتهاده في الاستدلال بالإجماع المذكور.

وبسبب هذه العلة أيضًا جعل الصورتين كصورة واحدة في الحكم، ومناقشة هذه الأمور المشتركة، وإبداء الفوارق بينهما هي موضوع الأمر الثالث.

الأمر الثالث: أهم الفوارق المؤثرة بين الصورتين

ص 103

اتضح لنا فيما سبق أن حقيقة ما استدل به الشيخ عبد القادر في تقريره للحكم، هو اعتماده على القياس، واستنباطه لعلة جامعة بين الأصل والفرع، بحيث أناط الحكم بها في الأول، ثم عداه إلى الثاني، ولا يقال إن هذا هو لازم قوله وصنيعه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه ويحسب عليه، لأن لازم الشيء -كما هو معلوم- أمر خارج عن حقيقته «ماهيته» ومنفصل عنها، إلا أنه ملازم لها بحيث لا يتصور وجود ذلك الشيء إلا وهو معه، والأمر هنا ليس كذلك؛ لأن فعله هذا هو ذات الحقيقة وعينها وليس أمرًا خارجًا عنها، وإن لم يسمه هو قياسًا؛ فإن العبرة بالمسميات لا بمجرد الأسماء.

فعلى هذا فإن المناقشة هي بحقيقة قوله؛ لا بلازمه، فأنت كما علمت من قبل أن الصورتين المذكورتين هما قطعًا ليستا متحدتين، فإن الأولى هي ظهور متنبئين وأتباع ومناصرة طوائف لهم، أما الصورة الثانية فهي ظهور حكام مرتدين ومناصرة طوائف لهم، ونحن نجزم أن المتنبئين والحكام المرتدين ليسوا سواء -على الأقل حسب الظاهر والصورة-، وإن كنا نعتقد أن كلًا منهم يعد طاغوتًا، وعلى ذلك فإن أنصارهم كذلك غير متساوين، فأنصار من يدعي النبوة ليسوا هم أنصار الحكام المرتدين، والإجماع -إجماع الصحابة- في هذا الموطن الذي وقع به الاستدلال، إنما ثبت وانعقد على صورة المتنبئين وأتباعهم، وليس على صورة الحكام المرتدين ومناصريهم، فمن أين لنا والحالة هذه أن نحكي إجماعًا على صورة الحكام المرتدين «المعاصرين» وأنصارهم من غير أن يكون ثمة رابط بين الصورتين مما له أو يظن أن يكون له تأثير في الحكم، والبحث عن هذا الرابط الذي يوحد الحكم بين النازلتين، وإيجاد ذلك فعلًا هو حقيقة القياس؟ وهو عين ما فعله الشيخ عبد القادر في إثباته الحكم لنازلة العصر.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالدَّلِيلِ

قِيَاسُ الاسْتِقْرَاءِ وَالتَّمْثِيلِ٨٥[السلم المنورق، مع الإيضاح: (ص 17)].

ص 104

أما عن الجهات التي يرد بسببها الخطأ على القياس فيقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله: «اعلم أن القياس يتطرق إليه الخطأ من خمسة أوجه:

1- ألا يكون الحكم معللًا؛ كأن يعلل نقض الوضوء بلحم الجزور بأنه حار؛ فيلحق به لحم الظبي فيجعله ناقضًا، وهذا بناءً على أن نقض الوضوء بلحم الجزور ليس تعبديًا.

2- ألا يصيب علته في نفس الأمر؛ كأن لا تكون علة الربا في البر الطعم بالنسبة إلى من يعلل بالطعم.

3- أن يقصر في بعض أوصاف العلة؛ كأن يقول: علة القصاص «القتل العمد» ويحذف العدوان، فيلزم على علته القصاص من ولي الدم، إذا اقتص من القاتل لأن قصاصه منه قتل عمد.

4- أن يجمع إلى العلة ما ليس منها؛ كما لو جعل علة وجوب الكفارة على المواقع في نهار رمضان كونه أعرابيًا مجامعًا، فيلزم عليه أن الحضري ليس عليه كفارة وهو باطل.

5- أن يخطئ في وجود العلة في الفرع، كما لو ظن التفاح مكيلا، فيلحقه بالبر في الربا بجامع الكيل»٨٦مذكرة أصول الفقه: (247-248)..

وعن اختلاف العلماء في صحة القياس على حكم ثبت بالإجماع يقول الدكتور عبد الكريم زيدان عند ذكره لشروط حكم الأصل: «أن يكون حكمًا شرعيًا ثبت بنص من الكتاب أو السنة، أما إذا كان ثبوته بالإجماع، فقد قال بعض الأصوليين: لا يصح القياس في هذه الحالة؛ لأن القياس يقوم على معرفة علة الحكم، وعلى أساس وجودها في الفرع يسوى بالأصل في حكمه، وهذا لا يتأتى فيما ثبت حكمه بالإجماع؛ لأن الإجماع لا يشترط فيه ذكر مستنده، ومع عدم ذكر المستند لا تعرف علة الحكم فلا يمكن القياس.

ص 105

وقال آخرون: تصح تعدية الحكم إلى الفرع بالقياس، وإن كان ثبت الحكم بالإجماع؛ لأن معرفة علة الحكم لها طرق، منها المناسبة بين الأصل وحكمه... فلا يضر عدم ذكر مستند الإجماع ولا يحول هنا دون معرفة العلة»٨٧الوجيز: (197-198)..

وهذا كما ذكرنا من قبل على التسليم بصحة القياس واستقامته في المسألة المذكورة، فمهما بلغت قوة دلالته فلن تتجاوز مرحلة الظن، ولن يخرج عن دائرته بأي حال من الأحوال، فكيف وقياسه منتقض من أساسه، وباطل من أصله؟! كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

والمتأمل في كلام الشيخ عبد القادر مما نقلناه عنه وغيره عند بحثه للمسألة المعنية «حكم أنصار الطواغيت»؛ يظهر له أن العلة التي اعتمدها في تعدية الحكم المجمع عليه من الصحابة، هي علة مركبة؛ لأنها تضمنت أوصافًا متعددة، وبالنظر إلى مجموعها اعتبرها صالحة للتعليل، ومن المعلوم أن العلة المركبة لو انتقص منها وصف واحد لانتقضت العلة ولم تعد صالحة للتعليل، ومن ثم يتبعها انتقاض الحكم إن كان أصل التعليل بها صحيحًا وصالحًا، وتعليق الحكم عليها سليمًا قويمًا، مع الإشارة هنا إلى أن العلماء مختلفون في صحة التعليل بالعلة المركبة، وقول أكثر الأصوليين صحته وجوازه.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَقَدْ يُعَلَّلُ بِمَا تَرَكَّبَا

وَامْنَعْ لِعِلَّةٍ بِمَا قَدْ أَذْهَبَا

قال الشنقيطي: «يعني أنه يجوز التعليل بالعلة المركبة عند أكثر الأصوليين، كما قاله القرافي في التنقيح، ومثاله: القتل عمدًا عدوانًا لمكافئ غير والد؛ فإن مجموع هذه الأوصاف المذكورة علة القصاص... وقيل: لا يجوز التعليل بالعلة المركبة»٨٨نثر الورود: (2/464)..

فالعلة المركبة التي أشرنا إليها آنفًا يمكن استخلاصها وتلخيصها من عباراته المتكررة مما نقلناه، ومما لم ننقله، بحيث تجمل في: «مناصرة أئمة الردة «الطواغيت» وامتناعهم على ذلك»؛ فهي مركبة من ثلاثة أوصاف:

ص 106

1- المناصرة 2- كون المناصرة للطواغيت 3- الامتناع على ذلك.

وإنما ذكرناها بهذا التفصيل والتجزئة مع تداخل بعضها في بعض تسهيلًا للفهم؛ فكل وصف من هذه الأوصاف الثلاثة كان له مدلوله وتأثيره في تعليل وتعدية الحكم الذي ذهب إليه الشيخ، فالمناصرة هي أحد المناطات المكفرة التي تلبس بها أنصار الحكام المرتدين وجنودهم، بل هو أبرز وأشمل المناطات في حقهم، فهم بين مناصر بالقول أو بالفعل أو بهما معًا؛ فلوضوح هذا المناط وشيوعه بين أنصار الحكام المرتدين، ولوجوده في أنصار المتنبئين الذين قاتلهم الصحابة، جعله جزءًا من العلة الجامعة بين أولئك وهؤلاء ولأجله سمى كلا من الطائفتين «أنصارًا»، وقال مبيّنًا من هم أنصار الطواغيت الذين قصدهم في بحثه: «والمقصود بهم أنصار الحكام المرتدين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله في شتى بلدان المسلمين اليوم، وأنصارهم هم الذين يحمونهم ويمنعونهم وينصرونهم على من يريد خلعهم من المسلمين المجاهدين، وأنصارهم هم الذين يذبون عنهم بالقول ويقاتلون دونهم بالسلاح، وهم سبب دوام أحكام الكفر بهذه البلاد»٨٩الجامع: (2/597)..

وأما الوصف الثاني بالنسبة للعلة المركبة، وهو كون المناصرة لأئمة الردة؛ فهو بيِّنٌ في كثير مما نقلناه عنه سابقًا، ولا يخفى كذلك إظهار تأثيره في إلحاق نازلة العصر بواقعة المتنبئين، بيان ذلك: أن المتنبئين من أمثال مسيلمة وطليحة وسجاح والأسود العنسي هم بلا شك ولا مرية أئمة في الردة، ومن ناصرهم ونافح عنهم وذاد عن حياضهم، هو في ذلك كله مناصر لأئمة الردة ومدافع عنهم، وكذلك الحكام المرتدون العصريون، هم بلا امتراء أئمة في الكفر والردة، ومن ناصرهم وقاتل دونهم فهو حام لحماهم، مناصر لكفرهم ومعين له على بغيهم، فلهذا تكررت عبارة: «أنصار الطواغيت، وأنصار أئمة الردة» في كلامه مرارًا؛ حيث يضيف الأنصار إلى أئمتهم وطواغيتهم؛ لأن المناصرة إنما كانت لأولئك الطواغيت.

ص 107

هذا ولعل استخدام عبارة «أئمة الردة» في كلامه، وتقييد المناصرة في هذا الموضع بكونها لهم، ليخرج أمثال مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة، فإنهم تآزروا وتناصروا فيما بينهم، إلا أن تلك المناصرة والمؤازرة -مع وجودها- لم تكن لأجل إمام من أئمة الردة، فلا وجه بعدها لجعلهم من أنصاره وجنوده أصلًا، وعليه فإلحاق النازلة العصرية بهم يشوبه اختلاف من هذا الوجه، يشوش على الاستدلال بها والتعويل عليها.

وأما الوصف الثالث من أوصاف العلة المركبة؛ وهو الامتناع، فيعد أهمها وأكثرها تأثيرًا في الحكم، وأظهرها ربطًا بين الواقعتين، فلوجوده وقيامه في حق أنصار الحكام المرتدين حكم عليهم بالكفر عينا دون تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع، ظنا منه أنه في ذلك متبع للصحابة رضي الله عنهم إذ إنهم -وحسب قوله- إنما أكفروا أنصار المتنبئين على التعيين من غير تبيّن لوجود الشروط وانعدام الموانع في حقهم؛ لأنهم كانوا ممتنعين بالشوكة، فقد قال: «فهذا نقل صحيح وإجماع صريح من الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة وجنودهم على التعيين دون تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم لما كانوا ممتنعين بالشوكة»٩٠الجامع: (2/598)..

«فالمناصرة لأئمة الردة» وكما ذكرنا من قبل: هو أحد المكفرات التي تلبسوا بها، ولولا امتناعهم بالشوكة لكان ذلك من كفر النوع؛ بمعنى أنه لا يحكم على معينهم بالكفر إلا بعد تبين شروط التكفير وانتفاء موانعه في حقه، وهذا ما يفهم من قوله: «لما كانوا ممتنعين بالشوكة»، هذه خلاصة أثر كل جزئية من جزئيات العلة في الحكم الذي قرره؛ فهل يا ترى يتوجه التعليل بهذه الطريقة ويستقيم بها الاستدلال؟ وما مدى صحة جعل مجموع هذه الأوصاف قاسما مشتركا يربط بين الواقعتين؟ يتبيّن هذا -إن شاء الله- عند معرفة كل جزئية من أجزاء «العلة المركبة»، والكشف عن مدى حقيقة تأثيرها في الحكم وجودًا وعدمًا.

أولًا: المناصرة؛ وهي الوصف الأول من أوصاف العلة:

ص 108

مما لا شك فيه أن مناصرة الكفار -مرتدين كانوا أو أصليين- على المسلمين ومظاهرتهم لهم كفر أكبر مخرج من الملة، وهو أحد نواقض الإسلام التي عددها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، كما أنه لا ريب في وجود هذه المناصرة وقيامها في حق أنصار الحكام المرتدين وجنودهم، والأمر كذلك في حق من قاتل مع المتنبئين وشدَّ أزرهم وقوى شوكتهم.

ولكن السؤال الذي ينبغي أن يجاب عنه بوضوح: هل كان تكفير الصحابة رضي الله عنهم لأنصار المتنبئين بسبب مناصرتهم لهم، وذودهم عنهم؟ أم أن السبب الحقيقي والمرجع الأساسي في ذلك هو تصديقهم للمتنبئين في دعوى النبوة؟ وبمعنى آخر: هل التفت الصحابة إلى مناط «المناصرة» في حقهم فجعلوه محور حكمهم وقطب رحاه، أم أنهم اكتفوا منهم باتباعهم وتصديقهم للمتنبئين، في حكمهم عليهم بالردة؟

قد ذكرنا سابقًا أنه ليس عند أي مسلم أدنى ارتياب أو شك في أن من ادعى النبوة بعد النبي ﷺ أو معه كهؤلاء المذكورين -مسيلمة وطليحة وسجاح والعنسي- وكل من شاكلهم، لاشك أنه كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة بمجرد دعواه تلك، امتنع أم لم يمتنع، وكذلك كل من اتبعه وصدقه في ما ادعاه هو كافر مثله سواء بسواء، امتنع أم لم يمتنع، ناصر أم لم يناصر، وما امتناعه ومناصرته إياه إلا ازدياد في كفره، وتماد في بغيه وغيه، وهذا أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، يستوي فيه الخاصة والعامة، فلا معنى إذن لذكر المناصرة في حق من كان هذا حاله، إذ لا تأثير لها في أصل حكم التكفير البتة، وذلك لوجود المتابعة للمتنبئين والتصديق بهم وهذا أشمل وأعم من مجرد المناصرة، وتأثيره في الحكم ألصق وأقوى وأكثر.

ص 109

فالعبارة الصحيحة التي ينبغي استخدامها والتعويل عليها في حق من قاتلهم الصحابة هي «أتباع المتنبئين»، وليسوا «أنصار أئمة الردة» فقط، فمن المعلوم بداهة أن التابع قد يكون مناصرًا لمتبوعه، وقد لا يكون كذلك، فهو أعم من المناصر، فكل مناصر تابع، وليس كل تابع مناصرًا، فالمناصر يندرج ويدخل في الأتباع ولا عكس، فالتشبث الحرفي بعبارة «أنصار أئمة الردة» يخرج أتباعهم من غير المناصرين، مع أننا نجزم أن كل من اتبع المتنبئين وصدقهم في دعوى النبوة فهو كافر مرتد ولو لم يناصر، فلا يصح التعليل بالأخص «المناصرة» وربط الحكم به وتعليقه عليه، مع وجود الأعم «الإتباع والتصديق» مما له تأثير ظاهر وقوي في أصل الحكم بالتكفير؛ لأن ذكر الأول يصير لغوا وعديم الفائدة والتأثير.

قال شيخ الإسلام: «فإن الأعم إذا كان مستقلًا بالحكم كان الأخص عديم التأثير»٩١الصارم: (403).، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض ذكره لحجج القائلين بجواز قتل الجاسوس المسلم: «لأنه علل بعلة مانعة من القتل منتفية في غيره، ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلل بأخص منه؛ لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى»٩٢زاد المعاد: (3/113).، وقال أيضًا: «فإن الأعم متى كان علة للحكم كان الأخص عديم التأثير»٩٣زاد المعاد: (5/342)..

فكون المناصرة موجودة في الفرع «أنصار الحكام المرتدين» ومؤثرة في أصل حكمهم؛ هذا لا يعني بالضرورة أن تكون هي المؤثرة في حكم الأصل «أتباع المتنبئين» وإن وجدت في حقهم، فهناك فرق بين وجود الوصف وتأثيره في الحكم، وقد يكون انتفاء التأثير إما لعدم الصلاحية للتعليل أصلًا لكونه وصفًا طرديًا، أو لوجود ما يمنع ويحول بينه وبين تعليله في ذلك الموضع بخصوصه كوجود الأعم الصالح للتعليل مع الأخص، ولهذا ترى العلماء عند حديثهم عن المتنبئين وأتباعهم يعلقون حكم الكفر والردة على مجرد الدعوى والتصديق بها، دون خوض أو تعرض لمناصرة أو غيرها، وذلك لوجود ما هو أعم وأكثر تأثيرًا.

قال ابن قدامة رحمه الله: «ومن ادعى النبوة أو صدَّق من ادعاها فقد ارتد؛ لأن مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه، وقال النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله)٩٤[صحيح البخاري (6704) بنحوه]»٩٥المغني: (12/298)..

ص 110

وكلام ابن قدامة رحمه الله في غاية الوضوح، فأنت تراه علق كفرهم على مجرد دعوى النبوة والتصديق بها، ومثَّل لذلك بطليحة ومسيلمة وأتباعهما، ولم يشر أدنى إشارة إلى المناصرة، وذلك لعدم تأثيرها في أصل كفرهم وردتهم، وإنما هي بالنسبة إليهم زيادة في الكفر، وذلك كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: «لما قالوا: مسيلمة شريك في الرسالة؛ كفى هذا في كفرهم؛ لأنهم بهذا قد كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ﴾ [الأحزاب: 40]، كما كذبوا الأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على أن رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين»٩٦فتاوى ومقالات متنوعة: (3/39)..

وقال أيضًا: «وقد أجمع المسلمون إجماعًا قطعيًا معلومًا من الدين بالضرورة، ومنقولًا في كتب أهل العلم التي تحكي الإجماع والخلاف على أن من كذب الله سبحانه، أو كذب رسوله ﷺ، ولو في شيء يسير، أو أجاز الخروج عن دينه، أو قال: إن محمدًا ﷺ رسولٌ إلى العرب خاصة، أو إلى أهل زمانه خاصة؛ فهو كافر مرتد عن الإسلام يباح دمه وماله، ليس في ذلك بين أهل العلم بحمد الله خلاف»٩٧المرجع السابق: (3/373)..

ص 111

والمقصود أن الصحابة ما داموا لم يكفروا «أتباع المتنبئين» لأجل مناصرتهم إياهم، وإنما لإيمانهم بهم وتصديقهم بنبوتهم، فلا معنى إذن لإقحام المناصرة وإدراجها في مؤثرات الحكم، والحال أن ما كفروا به شيء وراء ذلك، وهو تصديقهم وأتباعهم لمن ادعى النبوة، فالمناصرة وإن كانت أهم أعمال الكفر تأثيرًا، وأبرزها في أنصار الحكام المرتدين اليوم، إلا أنها ليست كذلك في حق أتباع المتنبئين، وهذا مع وجودها فيهم، ولكن لا اعتبار لها في أصل الحكم مع قيام ما هو أعظم وأهم وأعم في حقهم، فقول الشيخ عبد القادر: «وإنما حكموا بردتهم بسبب النصرة والمعاونة»٩٨الجامع في طلب العلم الشريف: (2/611).، ليس بصحيح، بل لتصديقهم واتباعهم لمن ادعى النبوة، فالفرق بين الصورتين واضح، والبون شاسع، لاختلاف أهم مناطات الحكم فيهما، وهو التصديق في الأولى والمناصرة في الثانية؛ وبالتالي يبطل صحة جعل المناصرة جزءا من العلة في الأصل «أتباع المتنبئين» وهذا كافٍ في بيان فساد العلة من أصلها.

ثانيًا: كون المناصرة لأئمة الردة:

انقسم العرب بعد وفاة النبي ﷺ إلى أربع طوائف، ذكرها الإمام ابن حزم رحمه الله بقوله: «فطائفة ثبتت على ما كانت عليه من الإسلام لم تبدل، ولزمت طاعة أبي بكر، وهم الجمهور والأكثر، وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا إلا أنهم قالوا: نقيم الصلاة، وشرائع الإسلام إلا أنا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر، ولا نعطي طاعة لأحد بعد رسول ﷺ، وكان هؤلاء كثيرًا إلا أنهم دون من ثبت على الطاعة، وطائفة ثالثة أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وسجاح، وسائر من ارتد، وهم قليل بالإضافة إلى من ذكرنا، وطائفة رابعة توقفت فلم تدخل في أحد من الطوائف المذكورة، وبقوا يتربصون لمن تكون الغلبة»٩٩الفصل: (2/66-67)..

والطائفة الثانية التي ذكرها ابن حزم رحمه الله، هم مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم قديمًا وحديثًا، وكلا الفريقين من العلماء ينسب ما اختاره ورجحه إلى الصحابة، وجنح الشيخ عبد القادر في كتابه المذكور إلى القول بكفرهم، وجعله ثابتًا بإجماع الصحابة، ونقل في ذلك شيئًا من كلام العلماء القائلين بذلك؛ فالمقصود من هذا أنه لما حكم على مانعي الزكاة بالكفر، وما دام الحكم عنده ثابتًا بإجماع الصحابة، فلماذا أغفله وأهمله عند بحثه لحكم أنصار الحكام المرتدين، وانتقل إلى حكاية إجماعهم على تكفير «أنصار المتنبئين»؟ أَلِأن مانعي الزكاة لم يكن لهم رؤوس وأئمة بارزون يناصرونهم ويدافعون عنهم كما لأنصار الحكام المرتدين؟ أم لأن هذا لا يساعده في جعل الإجماع قطعيا يكفر مخالفه؟ فإن المخالفين في تكفير مانعي الزكاة من العلماء كثير إن لم يكونوا الأكثر.

ص 112

فالانتقال في الاستدلال من الإجماع على كفر مانعي الزكاة إلى صورة المتنبئين ومحاولة تشبيه واقعة أنصار الحكام المرتدين بها؛ لأن في كلتيهما «أنصارا لأئمة الردة»: لا معنى له، ولا طائل وراءه، هذا إذا قصد به قصر وحصر حكم الإجماع «القطعي» على من كان مناصرًا لأئمة الردة دون سواهم ممن كان ممتنعًا على مكفر من المكفرات؛ فإن مناصرة الكفار على المسلمين، وتقوية ساعدهم، هي من المكفرات المعلومة بصرف النظر عن كونها لإمام من أئمتهم أم لا، فمانعوا الزكاة الذين قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم قد اجتمعوا وتناصروا وتآزروا فيما بينهم على منعها، وقاتلوا الصديق ومن معه على ذلك، ولم يكن لهم إمام من أئمة الردة ينتسبون إليه، ويقاتلون دونه ويحمون كفره، ومع ذلك -وعلى الأقل حسب ما اختاره الشيخ- أكفرهم الصحابة بالإجماع؟

فلو تعلق بتكفير الصحابة لهم لكان أنسب وأقرب إلى حالة النازلة المعاصرة من إلحاقها بصورة أتباع المتنبئين، وذلك لأن مانعي الزكاة قد امتنعوا عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أما أنصار الحكام المرتدين فقد امتنعوا عن شرائع شتى، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله عندما يفتي بقتال التتار ومن شابههم من الطوائف الممتنعة عن الشرائع الظاهرة المتواترة -وهي حال تطابق حال المعاصرين- يستدل بقتال الصحابة لمانعي الزكاة والخوارج ويقول: إن قتالهم من جنس قتالهم، ولا يشير إلى أنهم مثل أتباع المتنبئين، هذا مع أن شيخ الإسلام وحسب ما يظهر من كلامه يحكم على مانعي الزكاة بالردة، وفتاواه في التتار كانت مع وجود العلماء المعاصرين له ممن كانوا يجعلون قتالهم من باب قتال أهل البغي، بل وتوقف بعضهم في قتالهم فضلًا عن تكفيرهم.

ص 113

إلا أن سلوك هذا المسلك، وهو الاستدلال بتكفير الصحابة لمانعي الزكاة على تكفير أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، لا يساعد الشيخ عبد القادر في حكاية الإجماع «القطعي» الذي يكفر مخالفه؛ فإن اختلاف كبار العلماء وتنازعهم في كفر مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة أمر مشهور ومعلوم، لا يستطيع أحد رده ولا جحده، ولا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الفقه، بل جُل من لم يكفرهم جعلهم بغاة غلب عليهم اسم الردة لغة لاختلاطهم بمن كفر من العرب، ولسنا هنا في صدد بيان الراجح من الأقوال في تكفير مانعي الزكاة، ولكن ما نريد أن نبينه هو كون الشيخ عبد القادر قد عدل عن الاستدلال والتمسك بتكفير وقتال الصحابة لمانعي الزكاة، وآثر الانتقال إلى ما يبدو شبهه بواقعة العصر متشبثا في ذلك بمجرد الشكل والهيئة، ولذا ألحقهم بالمتنبئين.

فغض الطرف عن هذا الإجماع -على الأقل حسب اختيار الشيخ- الأقرب إلى واقعة العصر من جهة ما امتنعوا عليه وهي إحدى شرائع الإسلام الظاهرة المتمثلة في الزكاة، والالتفات إلى ما هو أبعد: لا يخلو من نوع تساهل، والاعتماد على مجرد ظاهر الصورة دون تفحص الحقيقة التي عليها مدار الأمر وبناء الحكم، هو الذي ساق إلى هذا الاستدلال الخاطئ.

فإن اتفاق الصحابة -ابتداءً- على تكفير المتنبئين وأتباعهم، ووقوع الشبهة لبعضهم في تكفير وقتال مانعي الزكاة، ثم اتفاق العلماء بل الأمة عن بكرة أبيها، على تكفير المتنبئين ومن صدقهم من أولئك وغيرهم، وبقاء الاختلاف في تكفير مانعي الزكاة بين كبار أئمة الأمصار، على مدار الأعصار، إن هذا من الأمور المهمة التي ينبغي للباحث أن يقف عندها طويلًا، ويحاول أن يجد ويعرف الأسباب الحقيقية التي جعلت اتفاقهم على تكفير المتنبئين وأتباعهم ليس فيه أدنى شبهة أو تردد، لا في الابتداء ولا بعد ذلك، حتى أصبح -بل هو كذلك من قبل- أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة يعرفه العامة والخاصة على حدٍ سواء، ويكفر من خالف أو ارتاب فيه.

بينما الأمر ليس كذلك في مانعي الزكاة؛ فهل الفرق بين الطائفتين أن لأحدهما إمامًا في الردة وليس للأخرى إمام؟ أم هل الفرق أن نصرة الأولين «أنصار المتنبئين» تعلقت بإمام ردة؟ أما نصرة الآخرين «مانعي الزكاة» هي نصرة ليست كذلك وإن كانت مكفرة؟ وهل يصلح ويصح جعل مثل هذه الفروق مؤثرة في الأحكام؟ وإذا ألغيت ولم تعتبر، فما الذي جعل الإجماع على تكفير أتباع المتنبئين إجماعًا قطعيًا معلومًا من الدين بالضرورة، بينما الاختلاف في كفر مانعي الزكاة ما زال جاريا وباقيا لم يرتفع؟ وهذا مع أن كلا الطائفتين امتنعت على مكفر من المكفرات وقاتلت دونه، الأولى على اتباع المتنبئين، والثانية على منع الزكاة ورفض أدائها، وكلاهما قد خرجتا في زمن واحد وقاتلهما الصحابة في الوقت نفسه؟

ص 114

إن أهم الأسباب المفرقة بين هاتين الصورتين اللتين وقعتا في زمن واحد «زمن الصحابة» هو كون كفر متبع النبوة ومصدقه، ليس محل اختلاف أو نقاش أو تردد لدى أحد من المسلمين على الإطلاق، بل تكفيرهم وإخراجهم من الملة موضع اتفاق، ولا يلتفت في حقه إلى نصرة أو غيرها، ولا امتناع ولا قدرة، فكل هذه لا يتوقف الحكم بتكفيره عينا عليها، وليست هي محلا لتعليق الأحكام في حقه، ولا اعتبار لجهله ولا شبهته أو تأويله؛ فأين هذا من مانعي الزكاة ومَن شاكلهم كأنصار الحكام المرتدين، ممن هم محل نظر وتأمل، واعتبار لشبهاتهم وتأويلاتهم، وبسبب اعتبار الموانع في حقهم وأن لها تأثيرًا في الحكم توقف الشيخ عبد القادر عن القطع بكفرهم، مكتفيًا بتكفيرهم في الظاهر فقط كما قال: «أما حكم أنصارهم من علماء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كفار على التعيين في الحكم الظاهر»١٠٠الجامع: (2/597)..

وقال في موضع آخر: «ولما كان الحكم بالكفر يقع على الممتنعين بدون تبين الشروط والموانع، فحكمنا بكفرهم، إنما هو على الظاهر ولا نقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم»١٠١الجامع: (2/616)..

فكيف يسوى بين الفريقين والحالة كما نرى؟

قال ابن حزم رحمه الله: «وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنبوة أحد من الناس بعد رسول الله ﷺ فلا يعذرون بتأويل أصلًا، بل هم كفار مشركون على كل حال»١٠٢الدرة لابن حزم: (441)..

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ذكره لأقسام المرتدين بعد وفاة النبي ﷺ: «... منهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظنًا أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس، ومع ذلك أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر»١٠٣مجموعة التوحيد: (35)..

ص 115

وقصة الرَّجَّال ‌بن ‌عُنْفُوَة التي يذكرها أهل السير والتاريخ مشهورة، حيث شهد لمسيلمة أن النبي ﷺ قد أشركه في أمر النبوة معه، وفي هذا تلبيس شديد وشبهة قوية، ولهذا كان شهادته ووقوفه بجانب المتنبئ الكذاب أشد فتنة على بني حنيفة من مسيلمة نفسه كما ذكر ذلك كثير من العلماء الذين صنفوا في التاريخ، وذلك لأنه كان قد أسلم ولقي الرسول ﷺ، وقرأ البقرة وغيرها من القرآن وتعلم شيئًا من السنن، بل بعثه النبي ﷺ ليثبت المسلمين من بني حنيفة، ويكشف لهم زيف وكذب مسيلمة لعنه الله، إلا أن شهادته لمسيلمة، وأن النبي ﷺ قد أشركه معه في الأمر، وما بثه في قلوب بني حنيفة أتباع مسيلمة من الشبهة، كل هذه الأمور لـمَّا تعلقت بأمر قطعي لا يحتمل التأويل ولا تعتبر فيه الشبهات لم تكن لتمنع من تكفيرهم، أو من القطع بكفرهم والشهادة لقتلاهم بأنهم في النار، وما ذلك إلا لأنه مصادم لأمر قطعي جلي معلوم من دين الإسلام بالضرورة، ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: «ومما يدل على كذب الرجَّال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام»١٠٤البداية والنهاية: (5/ 49)..

قال الإمام الطبري رحمه الله: «وكان معه نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي وقرأ القرآن وفقه في الدين، فبعثه معلـمًا لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدًا يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له وأمروه بمكاتبة النبي ﷺ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه، وكان ينتهي إلى أمره وكان يؤذن للنبي ﷺ، ويشهد في الأذان أن محمدًا رسول الله، وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة قال: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم»١٠٥تاريخ الطبري: (3/300)..

ص 116

وقال أيضًا: «وكان الرجال رجلًا من بني حنيفة، قد كان أسلم وقرأ سورة البقرة؛ فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله قد كان أشركه في الأمر، فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة، وكان المسلمون يسألون عن الرجال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيهم في أوائل الناس متكتبًا»١٠٦تاريخ الطبري: (3/304)..

أما مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة، فما زال العلماء يذكرون شبهتهم التي احتجوا بها على منعها، وهي استدلالهم بقوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: 103]، حيث قالوا: إننا لن نعطي زكاتنا إلا لمن كانت صلاته سكنا لنا وليس ذلك لأحد إلا رسول الله ﷺ، فاعتبر كثير من العلماء تأويلهم هذا مانعًا من تكفيرهم، مع أن شبهتهم قد تكون في حقيقتها أوهى من شبهة الرجَّال التي لبَّس بها على بني حنيفة، ولذلك قال شيخ الإسلام عن مانعي الزكاة: «وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين» وفي هذا تمام الإشارة إلى أن أمثال هؤلاء قد تكون لهم شبهة سائغة يتمسكون بها تمنع من تكفيرهم، فكما يظهر من كلامه أن تكفيرهم والحكم عليهم بالردة كان بسبب عدم اعتبار ما احتجوا به وتأولوه من القرآن؛ وبمعنى آخر أن ما تعلق به مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة لو كان سائغًا ووجيها لامتنع الصحابة من تكفيرهم، مما يدل على تأثير عارض الشبهة والتأويل -وجودًا وعدمًا- عند هؤلاء وأمثالهم، وهذا بخلاف أتباع المتنبئين الذين لا تعتبر في حقهم الشبهات، ولا ينظر إلى ما تشبثوا به من التأويلات، بل هم كفار مرتدون على جميع الحالات، وكافة الاحتمالات.

فتكفير الصحابة العيني لأتباع وأنصار المتنبئين من غير تبيّن لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم، لم يكن مرده إلى أنهم ناصروا إمامًا من أئمة الردة فحسب، بل أصل مرجعه أن ما تلبسوا به من الكفر أمر معلوم من الدين بالضرورة بحيث يستوي فيه الممتنع وغيره لعدم تصور تأثير عارض الشبهة والتأويل عند أمثالهم أصلًا، فالبحث عن الموانع في حقهم ومن شابههم يعد في حكم البحث عن المعدوم.

ص 117

وهذا يدل على أن ذكر «أئمة الردة» «والطواغيت» في ثنايا كلام الشيخ ليكون له تأثير يختص به في الحكم عن بقية الطوائف الممتنعة الأخرى لا معنى له، بل ينبغي إن كان إجماع الصحابة القطعي -حسب فهم الشيخ له- صحيحًا؛ أن يعم وينسحب على كل من امتنع على مكفر من المكفرات ولو لم يكن له إمام من أئمة الردة، كمانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة، والخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وكفروهم، والتتار وغيرهم من الطوائف المشابهة التي خرجت عبر التاريخ الإسلامي، فيقال في حق هذه الطوائف جميعها كما قال الشيخ عبد القادر في حق أنصار الحكام المرتدين المعاصرين: «إن تكفيرهم قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعًا قطعيًا ليس فيه مخالف، فمن خالف في هذا الحكم؛ فقد كفر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم!»، ولا يخفى ما في هذا من المجازفة، وإذا لم يكن الأمر كذلك وتم التفريق بين طائفة لها إمام في الردة يقودها وتناصره وبين طائفة أخرى لم يكن لها إمام ورأس؛ فليبيِّن لنا الشيخ ما وجه التفرقة بين الطائفتين الممتنعتين على مكفر من المكفرات؟ وما الذي جعل حكم الإجماع القطعي المذكور خاصًا بأنصار «أئمة الردة» دون سواهم، ما دام أمر التكفير راجعًا إلى ما امتنعوا عليه «أي المناط المكفر» وليس إلى صورة الامتناع وهل هي على إمام من أئمة الردة أم لا؟

وهل يصح أن يقال: إن كانت منعتهم على إمام من أئمتهم؛ فهو إجماع الصحابة «القطعي» وإلا فلا؟! والحقيقة أن هذا ما لا يستقيم جعله مفرقًا بين الصورتين، ولا يظهر وجه التفرقة به أصلًا.

ص 118

فأنصار الحكام المرتدين وإن شابهوا من قاتلهم الصحابة من أنصار المتنبئين، بأن كان لكل من الفريقين رأس وزعيم في الردة يلتفون حوله ويناصرونه على كفره، إلا أن هذا وحده لا يصلح أن يعول عليه في جعلهم سواء، ما دام كفر المتنبئين وأتباعهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا شيء يختصون به عن هؤلاء، كما اختصوا به عن مانعي الزكاة، حيث لم يجعل كفرهم ثابتًا بإجماع الصحابة القطعي الذي يكفر مخالفه، فإذا كان مانعو الزكاة الذين قاتلهم الصحابة مع أتباع المتنبئين في الزمن نفسه لم يكونوا على درجة واحدة من الحكم معهم، حيث لم يدع أحد أن كفرهم ثابت بإجماع الصحابة القطعي، فكيف يجعل أنصار الحكام المرتدين الذين بينهم وبين المتنبئين وأتباعهم كل هذه العصور والدهور -زيادة على الفروق الأخرى- على مرتبة واحدة من الحكم؟ بل وفوق ذلك يقال: إن ذلك الحكم وهو كفرهم على التعيين ثابت بإجماع الصحابة القطعي!

ثالثًا: الامتناع؛ وهذا هو الوصف الثالث والأخير من أوصاف العلة المركبة التي استخلصناها ولخصناها من عبارات الشيخ المتكررة، وكما ذكرنا من قبل فإن تأثير هذا الوصف في الحكم كما يفهم من كلام الشيخ، هو تعيين التكفير للممتنعين؛ بمعنى أن الحكم بالكفر يصير بالامتناع منسحبا على كل فرد من أفراد الطائفة من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم.

فالذي يفهم من التعليل عند قوله: «لما كانوا ممتنعين بالشوكة» أن الصحابة رضي الله عنهم إنما حكموا على أنصار المتنبئين بالكفر على التعيين، من غير أن يتبينوا فيهم الشروط والموانع بسبب امتناعهم، ولولا ذلك لتوقفوا عن تكفيرهم عينا حتى يتبينوا فيهم الشروط والموانع، وهذا القول لا شك في بطلانه وفساده؛ لأن من صدق المتنبئين واتبعهم، لا يحتاج في تكفيره إلى تبيّن الشروط والموانع، لعدم الاعتداد بها في حقه أصلًا حاشا الإكراه المعتبر، وهذا يمكن أن يوجد في الممتنع وغيره على حد سواء، والأصل عدمه، أما الجهل والتأويل فلا وجه لذكرهما أو افتراض وجودهما في حق المتنبئين وأتباعهم؛ بل هم كفار على التعيين بكل حال، امتنعوا أم لم يمتنعوا، ناصروا أم لم يناصروا، جهلوا وتأولوا أم علموا وجحدوا.

ص 119

وقد نقلنا ما يدل على ذلك قريبًا من كلام الإمامين الجليلين ابن حزم ومحمد بن عبد الوهاب، ومما يستدل به على ذلك أي تكفير من اتبع وصدق مدعي النبوة من غير تبين لتوفر الشروط والموانع في حقه ولو لم يكن ممتنعًا، أن النبي ﷺ لما جاءه رسول مسيلمة الكذاب وهو عبد الله بن النواحة وشهد هذا الرسول أن مسيلمة رسول الله قال له ﷺ: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك)١٠٧[مسند أحمد (15989)، وقال الأرنؤوط: صحيح بطرقه وشواهده].؛ فبيَّن ﷺ أن المانع من قتله هو كونه رسولًا فقط؛ وهذا يعني أن موجب القتل وهو الردة كان متلبسًا به، وبهذا استدل الإمام ابن القيم على أن الرسول لا يقتل ولو كان مرتدًا، كما قال: «ومنها أن الرسول لا يقتل ولو كان مرتدا هذه السنة»١٠٨زاد المعاد: (3/613)..

ثم إن عبد الله بن النواحة قد ظفر به عبد الله بن مسعود مع جماعة في مسجد بني حنيفة وهم يقرأون قرآن مسيلمة، فضرب عنق ابن النواحة وقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حقك: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك)، فأنت اليوم لست برسول والقصة بطولها في سنن البيهقي وغيرها بألفاظ مختلفة وأخرجها البخاري مختصرة ومعلقة.

ففي سنن البيهقي: «عن حارثَةَ بنِ ‌مُضَرِّبٍ قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة فسمع مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة الكذاب رسول الله وأنه سمع أهل المسجد على ذلك فقال عبد الله: من ها هنا؛ فوثب نفر فقال: علي بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم وأنا جالس، فقال عبد الله بن مسعود لعبد الله بن النواحة: أين ما كنت تقرأ من القرآن، قال: كنت أتقيكم به، قال: فتب، قال: فأبى، قال: فأمر قرظة بن كعب الأنصاري فأخرجه إلى السوق فضرب رأسه، قال: فسمعت عبد الله يقول: من سره أن ينظر إلى بن النواحة قتيلًا في السوق فليخرج فلينظر إليه، قال حارثة: فكنت فيمن خرج فإذا هو قد جرد، ثم إن بن مسعود استشار الناس في أولئك النفر فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم؛ فقام جرير والأشعث فقالا: لا بل استتبهم وكفلهم عشائرهم فاستتابهم؛ فتابوا فكفلهم عشائرهم»١٠٩[السنن الكبرى، للبيهقي (16886)]..

ص 120

وفي سنن أبي داود: «عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَة، وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة؛ فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير بن النواحة، قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لولا أنك رسول لضربت عنقك)، فأنت اليوم لست برسول؛ فأمر قَرَظَةَ بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق»١١٠[سنن أبي داود: (2762)، وصححه الألباني، والحِنة: الحِقد]..

والمقصود باستتابتهم في هذه الروايات هو: طلب رجوعهم إلى الإسلام، وليس تبيُّن الشروط والموانع في حقهم؛ فقد جاء في رواية الحاكم أن ابن مسعود استنكر عليهم اتخاذ كتاب غير كتاب الله ورسول غير رسوله وقال لهم: «ويحكم؛ أَكِتابٌ غيرَ كتاب الله تعالى؟! ورسول غير رسول الله؟! فقالوا: نتوب إلى الله فإنا قد ظلمنا، فتركهم عبد الله لم يقتلهم وسيرهم إلى الشام غير رئيسهم ابن النواحة أبى أن يتوب، فقال عبد الله لقرظة: اذهب فاضرب عنقه»١١١[المستدرك: (4378) وقال الذهبي: صحيح]..

ولما استشار ابن مسعود رضي الله عنه مَن كان معه في شأن هؤلاء قام عدي ابن بن حاتم الطائي رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد: «فثؤلول من الكفر أطلع رأسه فاحسمه فلا يكون بعده شيء، وقام الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله فقالا: لا بل استتبهم وَكَفِّلْهُمْ عشائرهم؛ فاستتابهم فتابوا ‌وَكَفَلَهُمْ عشائرهم، ونفاهم إلى الشام»١١٢انظر: معتصر المختصر لأبي المحاسن الحنفي: (1/225)، قال شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود (7/314): «فاستتابهم أي طلب التوبة منهم غير ابن النواحة... قال الخطابي: ويشبه أن يكون مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة؛ أنه رأى قول النبي ﷺ: (لولا أنك رسول لضربت عنقك) حكما منه بقتله لولا علة الرسالة؛ فلما ظفر به ورفعت العلة أمضاه فيه ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين»..

ص 121

فهؤلاء الصحابة قد أكفروا عبد الله بن النواحة، ومن معه في مسجد بني حنيفة بالكوفة، عندما شهد مؤذنهم أن مسيلمة رسول الله، وهم لم يكونوا ممتنعين ذوي شوكة، بل كانوا في قبضة المسلمين وفي سلطانهم، ومع ذلك لم يتوقف أحد في كفرهم حتى يكشفوا عن حالهم، بل أكفرهم الصحابة في الحال، وإنما اختلفوا في قبول توبتهم، وفيها يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة»١١٣مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (219)..

فهذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم على تكفير أتباع المتنبئين «غير الممتنعين» على التعيين من غير تبيّن لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم؛ مما يبيّن لك أن تكفيرهم لأتباع مسيلمة وطليحة على التعيين من غير تبين الشروط والموانع، ليس لأنهم ممتنعون كما زعم الشيخ عبد القادر، بل لأنَّ ما خالفوا فيه أمر معلوم من الدين بالضرورة؛ فتكفير المتنبئين وأتباعهم لا يتوقف أو يشك فيه أحد من أهل القبلة أصلًا، بل من شك في كفرهم وردتهم فهو كافر مثلهم، ولا يتوقف تكفيرهم عينًا على امتناعهم، فالممتنع وغير الممتنع في الحكم سواء، وهذا بخلاف أنصار الحكام المرتدين الذين فرق الشيخ عبد القادر فيهم بين الممتنع وغيره، ولذلك أدخل مسألة تبعض الأحكام في بحثه، مما يظهر أن حال الفريقين وحقيقة الطائفتين متغايران، فما دام الامتناع لا تأثير له في الحكم على أنصار أتباع المتنبئين على التعيين، فما وجه إقحامه وإدخاله إذا؟ وما ثمرة ذكره ونصبه رابطا بين الواقعتين؟ وقد علم أن وجوده وعدمه سواء؟

فتكفير الصحابة والأمة قاطبة لمسيلمة وطليحة وسجاح وكل من تابعهم على التعيين، لم يكن لامتناعهم، ولا لمناصرتهم، ولكن لادعائهم النبوة وتصديق من صدقهم من المرتدين.

ص 122

قال شيخ الإسلام: «والاستفاضة: مثل أن نعلم أن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، واتبعه طوائف كثيرة من بني حنيفة، فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا الكذاب»١١٤منهاج السنة النبوية: (7/437).، وقال أيضًا: «فإنه -أي أبو بكر- إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب واعتقدوا نبوته»١١٥منهاج السنة النبوية: (4/ 494)،، وقال أيضًا: «وكما يعلمون كذب من روى أن مسيلمة وقومه كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإنما قاتلهم الصديق لكونهم لم يعطوا الزكاة، فإنهم قد علموا بالتواتر أن مسيلمة ادعى النبوة، واتبعه قومه على ذلك، وأنه كتب إلى النبي ﷺ في حياته يقول: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، فكتب إليه النبي ﷺ: (من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب)١١٦[تاريخ المدينة لابن شبة (2/574) بإسناده، والحديث منتشر في كتب السير].، ويعلمون أنه كان له مخاريق، وأنه ظهر كذبه من وجوه متعددة، وأن أبا بكر الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة، وقاتلوا قومه على ردتهم عن الإسلام واتباعهم نبيًا كاذبًا، لم يقاتلوهم على كونهم لم يؤدوا الزكاة لأبي بكر»١١٧الجواب الصحيح: (6/474)..

وبهذا ينتهي الكلام على أهم الفوارق بين الواقعتين مما يجعلهما مختلفتين تمامًا، ولا يصح جعل حكمهما واحدًا.

الأمر الرابع: بيان عدم صحة الإجماع القطعي على كفر أنصار الحكام المرتدين

وهذا الأمر يعتبر تلخيصًا وخلاصة لمعظم ما ذكرناه في المسائل السابقة، وذلك جمعا للشتات، وتسهيلًا للفهم، ويمكن جعله في النقاط التالية:

الأولى: أن صورة وحقيقة النازلة التي انعقد عليها إجماع الصحابة الذي اعتمد عليه الشيخ عبد القادر مغايرة تمام المغايرة، ومختلفة كل الاختلاف عن صورة وحقيقة النازلة المعاصرة التي ادعى الإجماع القطعي عليها؛ فصورة إجماع الصحابة خروج المتنبئين كمسيلمة وطليحة، وتصديق طوائف كثيرة من الناس لهم في دعوى النبوة، بينما صورة الواقعة المعاصرة هي بروز الحكام المرتدين وقيام جموع من الناس بمناصرتهم والدفاع عنهم.

الثانية: ما دامت الحادثتان متباينتين -على الأقل حسب الظاهر- فلا بد من إيجاد ما يجمع بينهما، مما يمكن أن يوحد حكهما، حتى تستقيم دعوى الإجماع، وهذا يكون بأحد أمرين:

- الأمر الأول: العموم اللفظي؛ بأن توجد ألفاظ ممن انعقد بهم الإجماع على الصورة الأولى، تدل على عموم وشمول الحكم لكل ما يتناوله اللفظ من الحوادث المشابهة مما سيطرأ بعد انعقاد ذلك الإجماع، أو أن تكون تلك الألفاظ العامة موجودة في الدليل الذي انعقد عليه الإجماع.

ص 123

- الأمر الثاني: أن تعلم العلة التي لأجلها انعقد الإجماع على النازلة الأولى، فينظر في إمكانية تعدية الحكم إلى الواقعة الطارئة إن وجدت فيها عين العلة، وهذا من باب القياس وهو على درجات: أولى ومساوي وأدون، ولكل واحد درجته في الدلالة.

الثالثة: الإجماع الذي زعمه الشيخ على تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين من غير تبين الشروط والموانع، أخذه -حسب ما ذكر- من إجماع الصحابة على تكفير «أنصار أئمة الردة»، والمقصود بهم في هذا الموطن: الذين ناصروا مسيلمة المتنبئ الكذاب، وطليحة المتنبئ الكذاب، واستطرد في إثبات وتقرير أن الصحابة أكفروا هؤلاء الأنصار على التعيين، والأمر أهون من ذلك بكثير؛ إذ كان يكفي أن يقول إن كفرهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويكفر من توقف أو شك في كفرهم.

الرابعة: من خلال العبارات التي اعتمد عليها في تقرير هذا الحكم، لا يظهر في أقوال الصحابة الملابسة لأحداث المتنبئين مما نقله؛ أن الحكم شامل ومنسحب على كل طائفة لها إمام في الردة التفَّتْ حوله وناصرَتْه؛ فعلى هذا لا تدخل النازلة المعاصرة في حكم الإجماع المذكور بطريق العموم اللفظي، فلم يبق إلا النظر والبحث عن وجود علة جامعة تربط بين الواقعتين، وتوحد حكمهما، خاصة وقد علمنا فيما سبق أن الواقعتين متغايرتان.

الخامسة: من خلال النظر في عبارات الشيخ عبد القادر التي استخدمها في إثبات حكم الإجماع للنازلة المعاصرة، يظهر أن ربطه بين الحادثين، وتشبيههما ببعضهما كان بالأمور التي ذكرناها من قبل مفصلة، ونذكرها هنا مجملة:

1- أن كلتا الطائفتين كان لها «أئمة ردة».

2- أنهم كانوا جنودا وأنصارًا «للطواغيت» الأولون للمتنبئين، والآخرون للحكام المرتدين.

3- امتناع كلا الفريقين بالشوكة.

4- الامتناع بالشوكة هو سبب التكفير عينا من غير تبين الشروط والموانع في الفريقين.

ص 124

السادسة: لما خرجت دلالة العموم اللفظي عن كونها المثبتة لحكم الإجماع للنازلة المعاصرة، وانحصر الأمر في البحث عن علة تربط بين الصورتين -وهو حقيقة ما فعله الشيخ عبد القادر- علمنا أن النازلة العصرية إنما أثبت حكمها بطريق القياس على صورة الإجماع الأول الذي انعقد في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فالقياس هو إلحاق فرع بأصل في الحكم لمساواته له في العلة.

السابعة: لو كان قياسه صحيحًا ووجيهًا ولا اعتراض عليه؛ لكفى في جعل حكم تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين ظنيا، وذلك لأمور:

- الأول: أن دلالة القياس على مذهب الجمهور القائلين به ظنية.

- الثاني: وجود من يخالف في أصل دليل القياس وينفيه بشدة، وهم الظاهرية.

- الثالث: اختلاف العلماء في صحة القياس في حكم ثبت بالإجماع، كما هو الحال هنا.

- الرابع: اختلافهم أيضا في صحة التعليل بالعلة المركبة، كالتي جمع بها الشيخ عبد القادر بين الصورتين، والتي لخصناها في «مناصرة أئمة الردة -الطواغيت- والامتناع على ذلك».

الثامنة: أن القياس هنا لا يصح ولا يستقيم؛ لأن الأوصاف التي ربط بها بين الواقعتين، وعلق الحكم عليها، وجعله متحدا بسببها، غير صالحة للجمع بينهما، لوجود ما يمنع التعدية، ويجعلها قاصرة على أصلها، وأهم تلك الفوارق:

ص 125

1- لا شك أن المتنبئين «طواغيت» و«أئمة ردة»، وكذلك الحكام المرتدون؛ إلا أن كفر المتنبئين من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، يعلمه كل مسلم عالم أو عامي، ومن شك في كفرهم فهو كافر مثلهم، بينما كفر الحكام المرتدين ليس هو دائما مما علم من الدين بالضرورة؛ بحيث يكفر كل من خالف أو شك فيه، ونحن نرى في هذا الزمان هؤلاء الحكام مع ظهور أمرهم لدى كثير من الدعاة والعلماء وكثرة ما كتب عنهم وفيهم؛ إلا أن تلبيسهم وتدليسهم لا يزال جاريا على بعض العلماء والدعاة أيضًا، وما فتئ البعض من هؤلاء يَعُدُّهم ولاةَ أمر تجب طاعتهم ويحرم الخروج عليهم، وهذا القول وإن كان في غاية السقوط والبطلان والضلال، وكثيرًا ما يتبناه بعض المغرضين الخبثاء وربما الزنادقة، إلا أنه لا يمكن أن يقال: إن كل من قال به متأولا مجتهدا فهو خبيث النية فاسد الطوية فيجري عليه هذا الحكم مثلهم.

2- وكذلك كفر من صدق أو اتبع المتنبئين، مما هو معلوم من الدين بالضرورة ولا يستطيع أحد أن يدعي أن الأمر كذلك بالنسبة لأنصار الحكام المرتدين إلا على وجه المكابرة، وإلا فإذا كان الحكام المرتدون أنفسهم -مع ظهور الأمر فيهم أكثر من أنصارهم بدرجات، ومع الإجماعات الصحيحة الواضحة المنقولة في حق أشباههم- لا يصح إطلاق عبارة: من لم يكفرهم على التعيين فهو كافر مثلهم؛ فكيف بأنصارهم؟

3- إن تكفير الصحابة «لمتبعي المتنبئين» على التعيين من غير أن يتبينوا الشروط والموانع في حقهم، لم يكن بسبب امتناعهم بالشوكة، بل لأن ما أتوا به من الكفر وهو «تصديقهم للمتنبئين، وإيمانهم بهم»؛ لا مجال فيه لذكر الشروط والموانع أصلًا، لذلك أجمعوا على تكفير ابن النواحة ومن معه -ولم يكونوا ممتنعين- من أهل مسجد الكوفة دون نظر إلى توفر الشروط والموانع في حقهم؛ لما شهد مؤذنهم أن مسيلمة -لعنه الله- رسول الله وأقروه على ذلك.

4- ما دام الممتنع وغير الممتنع من أتباع المتنبئين يستوون في الحكم عليهم بالكفر عينا دون تبين الشروط والموانع؛ فحينئذٍ لا وجه لجعل أنصار الحكام المرتدين مثلهم في الحكم من جهة تكفيرهم على التعيين دون تبين الشروط والموانع في حقهم؛ لأن هؤلاء فرق فيهم الشيخ عبد القادر بين الممتنع وغير الممتنع، وليس الأمر كذلك بالنسبة لأتباع المتنبئين وإن لم يذكر هو ذلك.

5- أن مناط الكفر البارز والمؤثر في أصل حكم التكفير بالنسبة «لمتبعي المتنبئين» هو تصديقهم وإيمانهم بمن ادعى النبوة، وكفر من هذا حاله معلوم من الدين بالضرورة كما ذكرنا ذلك مرارا، والممتنع وغيره فيه سواء، بينما الأمر بخلاف ذلك تماما في حق «أنصار الحكام المرتدين» الذين تعد المناصرة أحد أبرز ما تلبسوا به من المكفرات، ولذلك علق تكفيرهم على التعيين قبل تبيّن الشروط والموانع في حقهم على امتناعهم بالشوكة.

ص 126

6- أن الإجماع القطعي الذي زعمه ينبغي أن يجريه ويلتزمه في كل طائفة امتنعت على أمر مكفر، ولو لم يكن أفرادها مناصرين لإمام من أئمة الردة، فوفقا لطريقة استدلاله عليه أن يكفر أفراد كل طائفة ممتنعة تلك صفتها على التعيين من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم؛ لأنه -وما دام أمر التكفير على التعيين معلقا على الامتناع- لا يوجد فرق بينها وبين من أكفرهم الصحابة وبين أنصار الحكام المرتدين إلا أن لهؤلاء أئمة في الردة وأحيانا ليس لمثل هذه الطوائف أئمة، ولا ريب أن مثل هذا لا يصلح أن يكون مفرقا في مثل هذا الحكم.

7- أن تكفير الصحابة لمانعي الزكاة لم يَدِّع أحد من العلماء القائلين به، أنه قطعي يكفر مخالفه، مع أن خروج مانعي الزكاة واكب خروج المتنبئين وأتباعهم وقوتلوا جميعا في الوقت نفسه، فكيف يدعى إجماع الصحابة القطعي على تكفير أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، الذين هم بلا شك أقرب إلى مانعي الزكاة منهم إلى أتباع المتنبئين، ولا يكون ذلك الإجماع قطعيا يكفر مخالفه في حق مانعي الزكاة، فالعلماء في تكفير مانعي الزكاة فريقان:

- إما مكفر لهم لعدم اعتبار الشبهة التي تلبسوا وتمسكوا بها وعدَّ تلك الشبهة ليست سائغة لديهم.

- وإما ممتنع من تكفيرهم بسبب اعتبار ما لديهم من الشبهة.

فعلى كلا القولين؛ مرجع التكفير من عدمه في حقهم لاعتبار الشبهة من عدم اعتبارها، وهذا مع امتناعهم بالشوكة اتفاقا، ولم يقل أحد من العلماء أنهم كفار في أحكام الدنيا فقط لاحتمال أن يكون لبعضهم مانع معتبر؛ فلهذا لا يشهد لهم بالنار كما يقول الشيخ عبد القادر في حق أنصار الحكام المرتدين، بل هم بين حاكم لهم بالإسلام وحاكم لهم بالكفر.

ص 127

وبهذا يظهر وبجلاء لا خفاء فيه أن الإجماع القطعي على تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين والذي نسبه الشيخ عبد القادر إلى الصحابة، وحكم بالكفر على من خالفه، وجعله مفارقا لجماعة المسلمين، ومتبعا غير سبيلهم، لا وجود له أصلًا، فضلًا عن أن يكون قطعيًا يكفر مخالفه، وما هو إلا محاولة لإلحاق النازلة المعاصرة التي أراد معرفة حكمها، بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبقطعية من قطعياته التي لا يتصور ورود الخلاف ووجوده فيها لا من قريب أو بعيد، وسلك في إلحاقها مسلك القياس وإن سماه إجماعًا، ومع ذلك لم يكن قياسه سليمًا ولا صحيحًا، لوجود فوارق كبيرة ومؤثرة بين الصورتين، مما لا ينبغي إهماله أو إغفاله، وبهذا ينتهي الكلام على المسألة الثانية المتعلقة ببيان بطلان دعوى الإجماع القطعي، لننتقل إلى المسألة الثالثة وهي في بيان بعض الأخطاء التي وقع فيها عند استدلاله بإجماع الصحابة.

وبالله التوفيق

❖ ❖ ❖

ص 128