حكومة اليمن لأمريكا: نحري دون نحرك!

[محرم 1431 هـ / 1 - 2010م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فما أن حصلت محاولة تفجير الطائرة الأمريكية قبل أيام حتى وقف العالم على رؤوس أصابعه مهطِعًا برأسه، مستنفرًا كل إمكاناته من وسائل إعلامه، وأجهزة استخباراته، ومؤسسات سياساته، وبدأ سيل التحليلات والقرارات يتدفق من وسط تلك الجحور بلا انقطاع ولا توقف، وشرَع المهتمون منهم في البحث عن علاج المشكلة حتى لا تتكرر فصالوا وجالوا، وفتشوا ونبشوا، وفحصوا ودققوا ولكن عقولهم التائهة وقلوبهم المريضة لم توصلهم إلى منبع الداء ولم يهتدوا بها بعدُ إلى لب المشكلة وأصل المعضلة فرجعوا إلى نقطة الصفر التي لم يخرجوا منها أصلًا محاولين علاج العرض والغض عن أصل المرض وما ذلك إلا لأنهم مرضى نوكى هلكى وليس لداء الحماقة دواء.

ص 2034

فكنا نحسب أن أمريكا المحتضرة وبعد هذه السنوات الطوال من الحرب الضروس والتي أنفقت فيها كنوز خزائنها، وألقت في أتونها فلذات أكبادها، وقذفت كل ما في جعبتها من المكر والكيد والتحالفات والمراوغات كنا نحسب أنها قد أدركت -ولو بالحد الأدنى من الفهم- أن التوعد والتهديد، والخطابات الفجة والكلمات المزخرفة، وتشديد الإجراءات الأمنية، وتنشيط مساعي كل الأجهزة الاستخبارية، وتسخير أحدث التقنيات كل ذلك لا يمكن أبدًا أن يجلب لها ولشعبها البائس اليائس الأمنَ الذي تلهث وراءه من أول حربها الصليبية وإلى اليوم -والغد أيضًا- ولكنها لم تجده ولم تشم رائحته، فصار جلُّ همِّ زعيمة العالم الحر، ورافعة لواء الديمقراطية التي تريد نشرها أو فرضها في العالم هو كيف تحصِّل الأمن لنفسها -ولو بالتقوقع على الذات- بدلًا عن نشر مبادئها وتوصيل حضارتها إلى الشعوب البائسة المظلومة المستعبدة الفقيرة المقهورة في العالم!

ونسيت أنه مَن لم يكن آمنًا فلن يؤمن غيره، ومن كان همه نفسه فلن يحمل همَّ أحد سواه، ومن لم يعتق نفسه كيف يسعى لعتق غيره؟! فأمريكا اليوم أصبحت رهينة جناياتها، وهذا يدفعها لأن تدرك تمام الإدراك أنه قد ولى زمان «الدولة العظمى» -إلا أن تكون عظمتها من قبيل دويلة أخرق ليبيا!، ويعلم ساستها علم اليقين أن دولتهم تنهار يوما بيوم بل لحظة بلحظة إلى هاوية لن تقوم لها بعدها قائمة أبدًا، فلا بقاء لجسمٍ لا يتوقف نزيفه مع اليأس من لأم جرحه، فكان على عقلائها -إن وُجدوا طبعًا- أن يعرفوا أن ما ستخسره دولتهم ماليًا واقتصاديًا ومعنويًا وسياسيًا وعسكريًا وهي تسعى لتأمين نفسها -بطريقتها المعهودة- هو أضعاف أضعاف خسارتها فيما لو أقرَّت بأخطائها واعترفت بخطاياها وكفت يدها وقطعت شرها وحفظت ما بقي من ماء وجهها الصفيق -إن كان فيه ماء!- قبل أن تقرع سن نادم، إلا أن هوس الاستعلاء، وجنون العظمة، وداء تقديس الذات، وعقلية شعب الله المختار، وفكرة الجنس المتفوق، وشره استذلال الشعوب، كل هذه مجتمعة وغيرها تصدها عن إنقاذ نفسها قبل فوات الأوان -ولعله قد فات- وبتقدير من الله تعالى تدفعها من مزلق إلى مزلق ومن نكبة إلى نكبة وهي تمشي مترنحة متخبّطة سكرى حيرى، كلما اكتشفت فداحة خطئها وضخامة ضريبته وبدلا من علاجه وتصحيحه انتقلت إلى خطأ غيره أقبح منه ولسان حالها يقول: لعلَّ النجاة فيه، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.

ص 2035

فقد جرَّبت الصومال من قبل وانقطع أملها في عملية «إعادة الأمل» فلا أمل في الإعادة ولا العودة بعدما سحل بضعة عشر جنديًا من جنودها في شوارع مقديشو الفقيرة التي جاءت لإعمارها!، فعُمِّرتْ ولكن بجثث الضعفاء وأشلاء الرجال والأطفال والنساء، فعلّمها فقراء الصومال أن تعمير الأرض لا يتم عبر تدمير الدين وانتهاك العرض، وأن معاناة الجوع أهون من مكابدة الخنوع، وأن الحرة تموت ولا تأكل بثدييها، ولكن أمريكا لم تفقه الدرس وعدَّته أمرًا قد دَرَسَ، ولا عجب فهم قوم: ﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

فغاب عن ذاكرة أمريكا هذا الدرس العابر الغابر وإذا بها تنضنض نضنضة الصل، وتحملق حملقة البازي المطل فانقضّت على أفغانستان في غرور بعد أن دلّاها به الغَرور وهي تَقدُم قومَها فأوردتهم مهلكة لا يزالون يتقلبون في جحيمها، والسعيد مَن وعظ بغيره إلا أن أمريكا لم ولن تكون سعيدة فما وعظت لا من نفسها ولا غيرها: ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11]، فظنّت أن نهاية المعركة هي بسقوط إمارة أفغانستان الإسلامية، وما درت أن هذا هو بدايتها، فشرعت قوافل التوابيت تتابع عليهم، وطاشت عقول جنودهم من هول ما رأوا وعاينوا، فاكتظت بهم مستشفيات الأمراض النفسية بل العقلية، وارتفعت نسبة الانتحار بشكل ليس له مثيل، كل هذا وأرض أفغانستان الأبية لم ترتو من دمائهم ولسان حالها يقول هل من مزيد.

ثم جاءت أحداث العراق -وما أدراك ما العراق- وذلك بعد طفرة نشوة انتصار موهوم في أفغانستان فحسب بوش وحزبه المشؤوم أن الكرة الأرضية كرة يقلبها بين يديه كيفما شاء، فحشد قواته لاحتلال العراق؛ لأن شعب العراق سيستقبلونه بالورود! هكذا ظنَّ، فكان ما علمه القاصي والداني من هزيمة منكرة أذهبت عنهم وساوس شياطينهم، وتلاشت معها هيبة أمريكا، وتبددت قوتها، وأصابتها فضيحة الدهر التي لا تُستر، ولحقتها مسبة العصر وطاردتها في كل محفل، زيادة على أن حلولها دار الخلافة كان سببًا في إيقاظ الأمة الإسلامية وضخ الدماء في عروقها بعد ذبولها، وبعث الأملِ في قلوب اليائسين الذين أثقلهم ركام سنين طوال من تسلط الجبابرة الطغاة، فأظهرت الأمة من التضحيات والثبات والفدائية وصلابة المواجهة وصرامة الإصرار وقوة الإرادة ما كان حقه أن يكتب في صفحات التاريخ بأحرفٍ من نور.

واليوم ها هي أمريكا تيمم شطر اليمن ولكن بحذر الغراب! بعد أن وجدت من الوكلاء والعملاء من يقول لها: نحري دون نحركِ، ظانة أن ذلك سيجعلها في مأمن ومكمنٍ لا يمسسها معه سوء أخذًا بنصيحة باحثي مؤسسة راند الذين قالوا في أحد توصياتهم:

ص 2036

«القوة العسكرية -وليس بالضرورة الجنود الأمريكان- قد تكون أداة ضرورية في حال انخراط القاعدة في تمرد مسلح. القوات العسكرية المحلية -الجيوش المحلية- كثيرًا ما تكون لديها شرعية أكبر للعمليات من الولايات المتحدة... كما أن لديهم فهمًا أفضل لبيئة العمليات حتى ولو كانوا محتاجين لتطوير قدراتهم أكثر على المدى الطويل للقدرة على التصدّي للمجموعات الإرهابية المتمرّدة عسكريًا. وهذا يعني أنه يجب ألا يظهر سوى أثر طفيف جدًّا أو حتى لا أثر على الإطلاق للقوَّات العسكرية الأمريكية... والقوات العسكرية الأمريكية من الممكن أن تلعب دورًا هامًا للغاية في بناء قدرات هذه القوات العسكرية المحلية... ولكن يجب أن تقاوم تمامًا جرها إلى عمليات قتالية مباشرة في المجتمعات الإسلامية؛ لأن وجودها وظهورها في هذه الحالة يشجع على زيادة التجنيد في صفوف الإرهابيين».

وواضحٌ من توصياتهم أن وجود تلك القوات العسكرية المحلية مضمونٌ بالنسبة لهم فهم يتحدثون كما لو أنها جيوشهم وقواتهم، وفي قبضتهم وتحت سلطانهم، وتجري عليها أوامرهم، وهم لهم جند محضرون، بحيث يستطيعون بكل يسرٍ إقامتها في الحروب المتعلقة بأمريكا مقام القوات الأمريكية لأداء المهمة نفسها، وما على القوات العسكرية الأمريكية إلا رفع مستوى عملائها «القوَّات المحلِّية»، وبناء قدراتها، وإتقان تدريب كلابها لتكون معلَّمة مكلَّبة؛ حتى لا يشعر السذج الأغمار بأن القتال قتالٌ أمريكي وإنما هو قتال مسلمٍ لمسلمٍ، أو على تقديرٍ آخر: قتال حكومة شرعية ممكنة لمتمردين أو شراذم من الإرهابيين!، فلا يؤدي ذلك إلى انتفاضتهم ولا يحرك حميتهم أو يزعج غيرتهم، فعندها تُقترف أقبح الجرائم والمسلمون في همود وركود؛ لأن الذي يباشرها ويتولاها اسمه عليٌ أو صالحٌ أو أحمد وليس جورج، وبايدن، وكلينتون.

وهذا يدعونا إلى التأكيد على عدة أمور وتصحيح بعض المفاهيم المخلوطة المغلوطة شرعًا وواقعًا، والتي يكررها الكثيرون:

ص 2037

الأول: بطلان التفريق بين العدو الخارجي والعدو الداخلي في حكم القتال، وبناء بعض الأحكام الشرعية على هذا التقسيم الذي ما أنزل الله به من سلطان، كالإصرار على أن القتال يجب أن ينحصر فقط ضد العدو الخارجي، إما بحجة أنه يستهدفنا جميعا «شعوبًا وحكومات» وعلينا أن نفوت عليه الفرصة، وأن نتلاحم ولا نجعل له منفذًا للتفريق بيننا، وهذه الحجة الداحضة لا حاجة للنظر فيها لسخفها وسفهها.

وإما بزعم أن شعوبنا المسلمة لا تستوعب واقع قتال العدو الداخلي «الحكومات المرتدة».

وهذا الأخير لا شك أن له حظًا من الحقيقة في كثير من الدول؛ وذلك بسبب شدة التلبيس الذي تمارسه وسائل الإعلام، والمفاهيم الباطلة التي يبثها علماء السوء، مع فشو الجهل بين الشعوب وغياب كثير من الحقائق الإسلامية المهمة، ولكننا عند العلاج عكسنا القضية فبدلًا من أن نسعى ونجتهد لرفع مستوى الأمة وإشعارها بخطورة الوكيل القريب، وفضح عمالته المفضوحة أصلًا صرنا نتنزل بأفهامنا وتأصيلاتنا وأعمالنا لمجاراة هذا الواقع المتردي وننحط معه، ونكيف أنفسنا لنسايره، وكان الواجب هو السعي لقتال من سمي بالعدو الداخلي عند تهيؤ الفرصة مع استنهاض الشعوب وتحريضها وبذل غاية الجهد لتفهيمها حقيقة العدو والمعركة التي تخاض ضده، وبيان التكليف الشرعي المنوط بها.

فعند استنكاف الناس عن القتال في معركة شرعية واضحة المعالم لا سيما إذا ألجأ إليها المجاهدون واضطروا لخوضها ينبغي الجمع بين أمرين: الأول: ممارسة القتال ومنابذة العدو، والثاني: تحريض المؤمنين وتحضيضهم على القيام به، كل هذا مع التوكل على الله تعالى وتمام الاستعانة به، كما قال لنبيه ﷺ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا﴾ [النساء: 84].

ص 2038

قال العلامة ابن عطية في هذه الآية: «هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي ﷺ دون الأمة مدة ما، المعنى -والله أعلم- أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: ﴿قَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾؛ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه السلام: (والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي)، وقول أبي بكر وقت الردّة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي»... ثم خص النبي عليه السلام بالأمر بالتحريض؛ أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم»٢٬٩٤٥المحرّر الوجيز: (2/164) [وحديث: (والله لأقاتلنهم)، رواه البخاري: (2731)، وأثر أبي بكر ذكره الزجاج في «معاني القرآن»: (2/85)]..

ومن كتب الله ﷻ له شرف ممارسة الجهاد، والدخول بكليته في التفاصيل العملية للقيام بهذه العبادة، والوقوف على مجريات أموره اليومية وحوادثه المتجددة، فإنه يرى البون الشاسع بين التنظير والواقع، وبين المقترحات والتطبيق، ويجد النسبة بين ما يكتب ويفترض وبين ما يُتَطلب ويُفرض كالنسبة بين الحقيقة والخيال! وليس هذا محيدًا عن الحقيقة إلى المبالغة والتضخيم وإنما الأمر كما ذكرتُ ووصفت، ومن جرَّب عرف، وليس الخبر كالمعاينة، ومن هذا الباب مسألة التفريق في القتال بين العدو الداخلي والعدو الخارجي، خاصة في الجهات التي دهمها العدو، فَمن حيث الواقع والممارسة تعد فكرة افتراضية خالصة، والعَنت في محاولة تطبيقها ربما لا يقل عن معاناة مقاتلة هذا العدو الداخلي إن لم يتجاوزه، نعم قد يكون هناك بعض الأعمال الجزئية التكتيكية المحضة التي يُخفف بها من شوكة العدو، وذلك كبثِّ الفرقة بينهم أو توهين عزيمة صفوفهم ببعض الإغراءات التي قد تقدم لهذا الطرف أو ذاك، وهذه حنكة سياسية عسكرية ميدانية وخدعة حربية ينبغي إتقانها في محلها المناسب مع تيقن إمكانية تطبيقها، بحيث لا تنقلب التصرفات الميدانية العسكرية الخالصة إلى أفكار مؤصلة وآراء قاطعة تكون معيارًا للتصحيح أو التخطئة.

ص 2039

الثاني: إذا كانت السمة البارزة لقتال الحكومات المرتدة من قبلُ مبنيةً غالبًا على مسألة الخروج على الحكام الكفرة وخلعهم بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله ﷻ، وهي مسألة خاض فيها الخائضون حتى ولّدت أفكارًا ممقوتة، وكوّنت جماعات بتصورات زائغة منحرفة، فإنها «الحكومات المرتدة» اليوم قد شرعت في ممارسة حرب الوكالة -وبشكل مفضوح- لتعزيز احتلال بلاد المسلمين أولًا وضمان سلامة وسعادة وأمن الدول الكافرة ثانيًا وعلى رأسها أمريكا، وهي صورة أوضح ما تكون اليوم في باكستان، وعلى خطاها تسير حكومة اليمن، وهذا يستدعى من المجاهدين أن يركزوا في إعلامهم وبياناتهم وأبحاثهم على إبراز طابع العمالة والوكالة و«المظاهرة» الجلية التي تقوم بها تلك الجيوش المرتدة، وأنها تمارس مهنة الدفاع المطلق عن الدول الكافرة، وتولي مهام محاربة الإسلام والتنكيل بالمسلمين بدلًا عنها.

بل سيدرك الناظر بأدنى تأمل أن المظاهرة التي تقوم بها هذه الحكومات وجيوشها هي أشنع وأبشع مما ذكره علماؤنا رحمهم الله، فإن الصورة التي افترضوها -ولعلهم لم يتصوروا غيرها- هي أن تخرج جيوش الكفار لقتال المسلمين فيظاهرهم ويعينهم في خروجهم بعض المنتسبين للإسلام، بمعنى أن يكون هؤلاء رفدًا وعونًا لتلك الجيوش الكافرة التي عليها مدار الحرب، فالمظاهِر والمظاهَر كلهم في ميدان القتال، أما أن يبقى الكفرة في مأمنهم، ويختفوا في مراكزهم ومعسكراتهم ومراكز قياداتهم ولا يتولى مباشرة القتال والدخول إلى ساحاته وخوض غماره وتقتيل المسلمين إلا أولئك المظاهِرون المنتسبون للإسلام فهذا ما لا يكاد يخطر ببالٍ، وهي درجة من النذالة والسفالة والخسة واللؤم لا تليق إلا بمن انسلخ من إنسانيته فضلًا عن دينه وشرفه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد: 25-26]، فكيف بمن قال لهم: سنطيعكم في كلِّ الأمر؟ وهل سمعتم أن هذه الحكومات قد ردَّت لأمريكا أمرًا؟

مما يبيِّن أن هذه الحكومات لا قيمة لها ولا وزن عند الغرب إلا عندما تكون مستعدة للذب عنهم، وهو ما شمرت حكومة اليمن عن ساعديها للقيام به بعدما وعدوها بشيء من الدعم وعقد المؤتمرات لمساعدتها، وهي سياسة التسول التي تنتهجها حكومة باكستان منذ أمد، والتركيز على هذه النقطة في غاية الأهمية لأنها بمثابة تحطيم الجدار الذي يتخفى وراءه الأمريكان ليمارسوا شرهم ويديروا حربهم دون أن يستفزوا الشعوب المسلمة.

ص 2040

وعلينا هنا أن نستحضر أن الذي ألجأ أمريكا إلى الشروع في سلوك هذه الطريقة، والعدول عن الظهور في المواجهة هو الخسائر الفادحة التي تكبدتها في ساحات الجهاد التي غامرت ودخلتها، وهذا إعلان مبطَّن لهزيمتها، ومنحىً جديد للفرار من ساحات القتال، واعتراف بعجزها عن تحقيق سيطرتها وبقية أهدافها من خلال جيشها، فانتقلت إلى تجربة ثانية وهي حرب الوكلاء وتصدير قوات العملاء؛ وهذا قد يعني أن المجاهدين كسبوا نصف المعركة، وقطعوا شطر الطريق -إن شاء الله- لأن هذه الدول إنما تستمد قوَّتها وقُوْتها من زعيمتهم أمريكا، وهي التي يحسبون أنها قادرة على كل شيء، ويرهبونها سرا وعلانية، فلما وفق الله المجاهدين لإيصالها إلى هذه الدركة وصارت متهيبة من المواجهة المباشرة وارتضت لجيشها الانسلال شيئًا فشيئًا من ميدان القتال، فإن هذا سيجعل دول العمالة تنحدر نحو الضعف والعجز، بل والانهيار بصورة سريعة؛ لأنها فعلا أصبحت تتعلق بما هو أوهى من خيوط العنكبوت، إذ أصبحت أمريكا بين خيارين كل واحد منهما أثقل من الآخر:

- فإما أن تدخل مباشرة في المواجهة وقد جربت ذلك مرارًا واكتشفت أنها طريقة فاشلة قاتلة.

- وإما أن تبقى تنفق من خزائنها على جيوش العمالة المرتدة لتؤدي عنها المهمة، وهذا يجعل خزينتها في نزيف دائمٍ خاصة مع شره هذه الدول واستغلالها للفرص التي تراها لا تتعوض.

ومن يرى الشروط المزرية المخزية التي فرضتها الإدارة الأمريكية لتمويل ومساعدة الجيش الباكستاني عَلم أنها بدأت تدرك فشل حرب الوكلاء كما اكتشفت من قبل فشل جيشها في ميادين المواجهة المباشرة، وشرعت في حرب المقايضة بحيث يكون الدعم مبنيًا فقط على العمليات الميدانية المحددة التي يقوم بها عبيدها، مع المحاسبة على كل دولار ينفق، فهم كما قالوا ويقولون مرارًا لن يكون هناك بعد اليوم توقيع على شيك أبيض! فعلى المجاهدين أن لا يترددوا في خوض غمار هذه المعركة بما يناسبها من الصرامة والصلابة، وستكون بإذن الله فضحًا لهذه الأنظمة لمن لا يزال على عينه غشاوة، وكسرًا لشوكتها بعد أن ضعف الطالب والمطلوب.

ص 2041

الثالث: لقد حاولت أمريكا بقدراتها الإعلامية الضخمة، أن تُفهم العالم بأن سبب حملتها التي تتهيأ لها على اليمن إنما هو محاولة إسقاط إحدى طائراتها، لتظهر في أعين السذج بمظهر المظلوم المكلوم المعتدى عليه الذي لا حول له ولا طول! والذي اضطر للدفع عن نفسه وهو مقهور مجرور، وهذا تضليل ليس بمستغرب أن تمارسه زعيمة الكذب المفضوح والدجل المقبوح، فالفطام عن المألوف شديد، ولكن أن يروج مثل هذا السخف على من له أدنى مسكة من عقل فهذا هو العجب! فقبائل اليمن قد تعرضت للقصف من قِبل الطائرات الأمريكية قبل حادثة الطائرة بزمنٍ، وقتل في هذه الجريمة عدد كبير من عوام المسلمين من النساء والرجال والولدان، وهذا أمر تكلم عنه حتى بعض البرلمانيين اليمنيين، فإذا كان قتل «المدنيين» جريمة مستنكرة فما الفرق بين أن يقتلوا بالطائرات أو في الطائرات؟! ولِمَ كان سائغًا مقبولًا إن تم بالصواريخ الجهنمية! بينما يعد جريمة مستشنعة مستبشعة إذا حصلت بعبوة ناسفة بدائية؟!: ﴿وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 24]، وأوباما قد صرح في خطابه الذي تحدث فيه عن استراتيجيته الجديدة في أفغانستان أنه لن يدع مكانًا آمنًا للقاعدة وخص من ذلك اليمن والصومال، وكأن الأرض كلها له يورثها من يشاء من عملائه، وهذا إعلان حربٍ -وهي معلنة وقائمة من قبل- صريحة ومفتوحة بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

وخلوص الاستخبارات الأمريكية إلى النخاع الحكومي اليمني أمرٌ لا يخفى على أحد، فهي التي تدير وتدبر، وتأمر وتسيّر، وسفارتها وكرُ مكرٍ وكيد ودسٍّ وتجنيد وإفساد، وبوارجها وبواخرها مواخر في بحار المسلمين غادية رائحة لا تحمل إلا الموت والدمار، كل هذا لا يعد في الميزان الأمريكي -ومن ورائه عالـمَ النفاق- جريمة تستحق أن يبكى لأجلها أو يسعى لدفعها وردعها؛ لأن الأرض المستباحة فيها أرض إسلامية، والدم المسفوك فيها دمٌ مسلمٌ وهو أرخص شيء في هذا العصر، وللأسف فإن كثيرا من المسلمين -ومنهم علماء- صاروا يصدرون أحكامهم الشرعية في النوازل بناء على التصورات التي تَحبِكها لهم وسائل الإعلام، ويغذون أفكارهم منها، فيكونون أسْراها وضحاياها، فترى التخبط المزري في كثير من المسائل مع قوة وضوحها وجلاء حقيقتها.

ص 2042

وهذا كله لو تعاملنا مع الأحداث بالنظرة القُطرية الضيقة، بمعنى لو أننا حاسبنا أمريكا على جرائمها في اليمن فقط، وهي بلا شك أكثر مما ذكرنا بكثير وإنما أشرنا إشارة تكفي اللبيب، أما إذا حاكمنا أمريكا بميزاننا الإسلامي الخالص الذي يجعل أمةَ الإسلام أمةً واحدة، وأن جسدها جسدٌ واحد، كما قال نبينا ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)٢٬٩٤٦متفق عليه، [سبق في: (ص 2031)].، وفي لفظ لمسلم: (المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله)٢٬٩٤٧[صحيح مسلم: (٢٥٨٦)]..

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلائِلٍ

مِنْ غَيْرهِ ابْتُغِيَتْ ولا أَعْلامِ٢٬٩٤٨[قاله: أبو تمام، انظر: دلائل الإعجاز (1/491)].

فهذه الحدود التي حصرونا بداخلها وحشرونا وسطها لا تعني في الميزان الشرعي شيئًا، بل هي تفريق للأمة، وتمزيق لجسدها الواحد، والرضا بها والتعامل على أساسها منزعٌ جاهليٌ باطلٌ؛ ومرتعٌ وخيم قاتل، وعليه فإن مصيبة المسلم في أقصى المشرق هي مصيبة أخيه في أقصى المغرب، وهو مطالبٌ بالسعي لرفعها عنه والتداعي له بالسهر والحمى فيبذل ما في وسعه من أجل ذلك وأقل الممكن الدعاء، دون النظر إلى لونٍ أو لغةٍ أو جنسٍ أو حدٍّ أو سدٍّ ما دام الجميع تحت مظلَّة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

ويغني عن الإفاضةِ: التفاتةٌ إلى أمِّ قضايا المسلمين وأعظم مآسيهم؛ وهل يدعَمُ دويلة إسرائيل ويحضنها ويرعاها ويُمدُّها في طغيانها وجبروتها تقتُل أهلَ فلسطين وتسجُن وتنتهك حرماتهم وتعذبهم وتحاصرهم وتجوّعهم وتميتُهم بدون حسيبٍ ولا رقيب ولا خوفٍ من عتابٍ بلهَ العقاب إلا أمريكا؟!

ص 2043

وإذن فغزو أمريكا لليمن أمرٌ مبيّتٌ منذ أمد، بل على الحقيقة هو قائمٌ من خلال ما ذكرنا، وإنما ظهرت أعراضه الآن باستنفار عملائها في صنعاء ليأتوا بسوءتهم مكشوفة صلعاء، وإنما اتخذت حادثة الطائرة كحجة تافهة لممارسة التسلط والاستعلاء والبغي والإجرام الذي ولدت أمريكا من رَحِمه، وتغذت من لبانه، والعرق دسَّاس.

أقول هذا مع وضوحه حتى لا ينطق بعض الرويبضة بأن المجاهدين قد استفزوا عليهم الدولة العظمى!، وجروا البلاد إلى ويلات كانت في غنى عنها، كما نسمع في كل حين، وكأن المسلمين قبل قدوم أمريكا يعيشون تحت ظل دولة هارون الرشيد وليس الأسود العنسي!

الرابع: وبناءً على ذلك فليس على المجاهدين -في اليمن أو غيرها- أن يضيقوا على أنفسهم فيما وسعه عليهم الشرع، فكما أن عدونا قد أعلنها علينا حربًا مفتوحةً فحربنا ضده يجب أن تكون مفتوحة سواء بسواء، وبما أن طائراتهم وبواخرهم وقواتهم قد قطعت آلاف الأميال وتجاوزت حدودها لتقتل وتقصف وتحاصر وتجوّع وتخرب وتدمر وتطارد وتأسر، وتصرح بأنها لن تترك مكانًا آمنًا لنا، فكذلك علينا أن نغامر ونخاطر لنقطع آلاف الأميال فنستهدفهم ونمنعهم الأمن الذي هو غاية الغايات وأقصى الأمنيات عندهم، إذ لا مال ولا اقتصادَ ولا رفاهية لهم بدونه، فهم الذين اختاروا بأن تكون الحرب بهذه السعة مكانًا وزمانًا، وعليهم أن يدفعوا ضريبة ما زرعوا.

وينبغي للمجاهدين أن يسعوا لتجاوز الجدار العازل «القوات المحلية»؛ لضرب من يختفي وراءه، لا لأن قتال هؤلاء العملاء مشكلٌ شرعًا، فهذا أمرٌ قد فرغنا منه، ولكن حتى لا ننشغل كثيرًا بقتال هؤلاء الأوباش ونستنفد قسطًا كبيرًا من طاقتنا فتنعم أمريكا وشعبها بالأمان الذي هو غاية مطلبهم، حتى قال رئيسهم في أحد خطاباته الأخيرة: «إذا كان أمننا على المحك فحياتنا على المحك» اهـ.

فلتشمروا عن ساعدكم، وتستعينوا بربكم، وتشدوا حملتكم، فإنما هي إحدى الحسنيين: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وكتبه / أبو يحيى الليبي

«27/ محرم الحرام / ١٤٣١ هـ»

❖ ❖ ❖

ص 2044

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا