الوقفة الرابعة
في قوله ﷻ في الآية الكريمة: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، إشارة إلى أن أولئك الرِبِّيِّين ممدوحون بما نفاه عنهم من عدم الوهن والضعف والاستكانة، وممدوحون أيضًا بما قابل ذلك من الصبر على الشدة التي لاقوها من عدوهم، ثم أثبت الله لهم محبته بصبرهم ذلك، ومع عموم هذه المحبة للصابرين إلا أن سياقها يدل على أن الرِبِّيِّين كانوا منهم وأولى الداخلين فيهم، كما قال العلامة الألوسي رحمه الله: «﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146] على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم، والمراد بالصابرين إما الربيون، والإظهار في موضع الإضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولًا أوليًا»١٬٧٥٥تفسير الألوسي: (3 / 256)..
وقال الإمام الطبري رحمه الله: «﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]؛ يقول: والله يحب هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته وطاعة رسوله في جهاد عدوه، لا مَنْ فشل ففرَّ عن عدوه، ولا من انقلب على عقبيه فذلّ لعدوه لأنْ قُتِل نبيه أو مات، ولا مَن دخله وهن عن عدوه، وضعفٌ لفقد نبيه»١٬٧٥٦تفسير الطبري: (7 /270)..
وهذا مما يهوِّن المصاب ويُنسي صاحبَه مرارته بل ربما انقلب راحة وحلاوةً وهناءً إن استحضر من قلبه واستيقن أن تحمُّله لتلك الشدائد وتجلده أمامها يدخله في زمرة المحبوبين عند الله تعالى، فأي مطلبٍ وراء هذا المطلب، وأية منقبة فوق هذه المنقبة، نسأل الله أن يجعلنا ممن يحبهم ويحبونه.
كما أن الآية تشير إلى أن سبيل الجهاد لا بد له من صبر على مكارهه ومكابدةٍ لمطالبه وجَلَدٍ على مضِّ نوازله ثم مصابرةٍ على تعنّت أعدائه ومعاندتهم، وذلك لأنه مظنة نزول الشدائد وحلول الجراح ومعالجة المشاق فاحتاج سالكه إلى معرفة كل ذلك ليتخذ صبره عليه عدةً يسلك بها دروبه على بينة وتثبت، ولا يكون دخوله لساحاته بمجرد طفرةِ حماسةٍ متقدة تخبو عند مواجهة الحقائق والنزول إلى ميدان العمل ومداخلة صنوف المشكلات، ففيه قتل وجرح، وانكسار وهزيمة، وجوع وفقر، وخوف وتخطُّف، وأسفارٍ وحصارٍ، إذ تتزلزل النفوس وتبلغ فيه القلوب الحناجر، وتدور الأعين كحال المغشيِّ عليه من الموت، وغير ذلك مما جمعه قوله ﷻ: ﴿وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]، وقال ﷻ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].
فلا غرو إذن أن حاجة المجاهد إلى الصبر أشد ما تكون في كل لحظة من لحظاته وعقبة من عقباته، ومن هنا جاء في الكتاب العزيز الأمر به والحث عليه والترغيب فيه ومدح أهله في مواطن عدةٍ كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وبيّن لنا الله ﷻ أن الصبر مما يستعان به على تخفيف الكروب وتجاوز المحن فقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال سبحانه أيضًا: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وقال ﷻ في معيته الخاصة لعباده المؤمنين الصابرين: ﴿وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقال ﷻ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وأخبرنا ﷻ بأنه يمتحن عباده المؤمنين ليعلم المجاهدين منهم ويعلم الصابرين وذلك في سياق آيات غزوة أحد فقال ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، والآيات في ذلك كثيرةٌ جدًا.
وبالصبر يتنزل النصر كما قال ﷻ في قصة أصحاب طالوت: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249]، وقال ﷻ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ [الأنفال: 65]، وفي الآية التي بعدها: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مئةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، وقال النبي ﷺ: (وأنَّ النَّصر مع الصَّبر)١٬٧٥٧رواه أحمد [(٢٨٠3)، وصححه الأرنؤوط]..
وروى ابن أبي الدنيا عن ربعي بن حراش أن عمر قال لأشياخ من بني عبس: «بم كنتم تغلبون الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قومًا إلا صبرنا لهم ما صبروا لنا»١٬٧٥٨[الصبر والثواب عليه: (٩٣)]..
«وقال بعض السَّلف: كلنا يكره الموت وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصَّبر. وقال البطَّال: الشجاعةُ صبرُ ساعة»١٬٧٥٩جامع العلوم والحكم: (195)..
فهؤلاء الربيون قد طردوا عنهم الوهن وأبعدوا الضعف ودفعوا الاستكانة بصبرهم على مُرِّ ما ذاقوا وتجلُّدهم أمام عدوهم، ومما أعانهم على الصبر علـمُهم أن كل ما أصابهم إنما هو في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 146]، فلـمّا أيقنوا أن ما يلاقونه إنما هو في طريق طاعة الله ورجاء ثوابه ونيل مرضاته هانت عليهم الجروح وذابت في بحر يقينهم الهموم فكان تحصيل صبرهم على كل ذلك يسيرًا، وفي هذا شيء من المعنى الذي ذكرنا سابقًا في قوله تعالى: ﴿وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ﴾ [النساء: 104]، وهذا كما روى البخاري ومسلم عن جندب بن سفيان: أن رسول الله ﷺ كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه فقال: (هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت)١٬٧٦٠[البخاري: (٢٨٠٢)، ومسلم: (١٧٩٦)]..
❖ ❖ ❖