المورد العذب لبيان حكم الاستعانة بالكفار في الحرب
تاريخ نشر الكتاب:
شعبان 1428 هـ
8 - 2007م
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
عَلَى أَنَّنِي رَاضٍ بِأَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى | وَأَخْلُصَ مِنْهُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا١٬٠٢٣[البيت لمجنون ليلى، انظر: المرقصات المطربات (ص 12)]. |
ولكنَّ عفو الله أوسع، ورحمته أسبق، وفضله كبير.
فلما منَّ الله سبحانه ببلوغ الغاية منه، وحيث بقيتُ زمنًا للتأمل والمشاورة في مسائله وترقب ملاحظات بعض العلماء والفضلاء، جاءتني مبشِّرة فكان مما رأيت فيها الإمام الشافعي والإمام النووي رحمه الله ونحن في سيارة من النوع الذي اعتاد المجاهدون على استعماله، وبيدي قلمٌ وورقة فقال لي الإمام الشافعي: اكتب، وأصبح يملي عليَّ فقال عن نفسه: إني ذكرتُ أو قررتُ في كتاب كذا عن حكم الاستعانة بالمشركين -وذكر حكمًا لم أعد أذكره-، ثم قال: وأنا الآن أقول بما قلتَه في كتابك، وفي الرؤيا أمور أخرى لم أجد حاجة لذكرها في هذا الموضع.
وقد استبشرتُ بها خيرًا من غير اغترار، فعرضتها على بعض العلماء المؤولين فعبرها تعبيرًا حسنًا، وهو الذي أشار عليّ بكتابتها في مقدمة البحث اقتداءً بأئمة أجلة نهجوا هذا النهج فألحقتها بها استجابة لطلبه واتباعًا لمشورته أجزل الله له الأجر والمثوبة ورفع قدره في الدنيا والآخرة.
❖ ❖ ❖
وأما عن موضوع البحث فقد ورد في مسألة الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال عدة أحاديث وآثار قولية وفعلية ظاهرها التعارض، فبعضها صريح في نفي الاستعانة بهم مطلقًا، وبعضها يفهم منه جواز ذلك، وعليه انبنى اختلاف العلماء في هذه المسألة تبعًا لمسالك ترجيحاتهم فيها وطرق جمعهم بينها.
والأمر المقطوع به أن التعارض التام من كل وجه بين الآيات القرآنية أو السنن النبوية الصحيحة أو هي معًا وبصورة لا يمكن الجمع بينها لا يتصور وقوعه بحال من الأحوال؛ لأن الكل وحيٌ من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والتعارض والتناقض إنما هو من شأن البشر الذين يعرض لهم الجهل والنسيان والغفلة والقصور، وتعالى الله عن هذه النقائص وعن كل نقص علوًا كبيرًا وهو الذي أحاط بكل شيء علـمًا وأحصى كل شيء عددًا: ﴿۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]، ولهذا أنكر الله حال الذين يقرؤون كتابه المحكم المفصل المتقن الـمُبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم هم مع ذلك كله يتمادون في كفرهم ويصرون على ضلالهم فقال:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82].
ووصف سنة نبيه ﷺ بأنها وحيٌ يوحى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ [النساء: 105]، وقال جل وعز: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 67].
فالمقصود أن ما قد يتوهم من وقوع تعارض بين الأدلة في هذه المسألة أو غيرها إنما هو من جهة الناظر إليها لا من حيث أصلها، ومن هنا فقد أوجب العلماء على كل من يبحث مسألة أن يستفرغ وسعه في استيعاب أدلتها واستقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وبه يتم له السداد غالبًا، ويقل خطؤه عند الترجيح، ويرفع عنه الحرج عند الخطأ كما قال النبي ﷺ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد فأخطأ فله أجر)١٬٠٢٤متفق عليه [البخاري: (٧٣٥٢)، ومسلم: (١٧١٦)، وهكذا أورده النووي في رياض الصالحين: (ص ٥١٣)، لكن المثبت في الصحيحين يخالفه بألفاظ يسيرة لا تغير المعنى] عن عمرو بن العاص رضي الله عنه..
والله تعالى أعلم
❖ ❖ ❖
فهرس القسم: المورد العذب لبيان حكم الاستعانة بالكفار في الحرب
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا