في رثاء الشيخ مصطفى أبي اليزيد
[شعبان 1431 هـ / 7 - 2010م]
۞
﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 139-140]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
أمّة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
مِنَ الَّذِينَ وَفَتْ لِلَّهِ بَيْعَتُهُمْ | فَأَخْلَصُوا الْعَهْدَ إِيمَانًا وَأَيْمَانَا | |
بَاعُوا نُفُوسَهُمُ مِنْ رَبِّهِمْ فَجُزُوا | خُلْدَ الثَّنَاءِ وَخُلْدَ الْفَوْزِ أَثْمَانَا | |
فَأَشْرَقَتْ سُبُلَ الدُّنْيَا بِهَدْيِهِمُ | وَالْأَرْضُ قَدْ شَرِقَتْ كُفْرًا وَأَوْثَانَا٣٬٤١٥[قاله: ابن درَّاج القسطلي. انظر: ديوانه (ص 152)]. |
فهم بحق طِرازٌ من الناس فريد، قد فاضت قلوبهم من معاني الإيمان العميقة التي يغرسها فيهم القرآن؛ فتزكو نفوسهم، وتنشرح صدورهم، وتسمو أخلاقهم، وتهون عليهم كل دنياهم؛ فيبذلونها وينبذونها في سبيل صلاح دينهم ونيل الفوز في أُخراهم.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
يُمَثِّلُ مِنْ هَدْيِ الصَّحَابَةِ صُورَةً | وَيَا حَبَّذَا هَدْيُ الصَّحَابِةِ مَغْنَمَا | |
كَمَا تَعْكِسُ المْرْآةُ وَجْهًا أَمَامَهَا | وَيَحْكِي الصَّدَى الصَّوْتَ الْفَخِيمَ الـمُرَخَّمَا٣٬٤١٦[قاله الأستاذ: المختار بن حامِدُنْ؛ يرثي فيها شيخ شنقيط وإمامها: محمد سالم عدود. كما تجده في بعض المواقع الالكترونية]. |
وإنّ معركةً شريفةً كهذه لحريَّةٌ بأن تُراق فيها أزكى الدماء وأطهرها وتُباع في سوقها الـمُهج والنفوس ابتغاء مرضاة الله، ويتسابق إلى ساحها أصحاب الهِمم العالية والأهداف النبيلة، ويكون وقودها القادة والجُند على حدٍّ سواء، قال تعالى: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74].
إنها معركة الإسلام في هذا العصر، إنها معركةٌ بين عِباد الرحمن وعُبّاد الصلبان، معركةٌ بين من يعبدون الله ﷻ لا يشركون به شيئًا وبين من جعلوا له الصاحبة والولد، معركةٌ بين من يرجو رحمة ربه بإيمانه وهجرته وجهاده وبين من لا يرجون لله وقارًا، معركةٌ بين من لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا وبين أتباع الأهواء والشهوات الذين أفسدوا البِلاد والعِباد، معركةٌ بين أهل الرشد والاستقامة والجِد وبين أهل السفه والعِوج واللعب، معركةٌ بين خصمين اختصموا في ربهم: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ﴾ [الحج: 19-23]، معركةٌ بين من يريد أن يعلو الإسلام وينقمع اللئام وتُستأصل الأصنام، وبين من ينادون عبر وسائل إعلامهم: «اُعلُ هُبل، اُعلُ هُبل»، ويصيحون من خلال منظماتهم: «لنا العُزَّى ولا عُزّى لكم».
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
إِنَّا خَرَجْنَا نُرِيدُ اللهَ فَاسْتَبِقُوا | مِنْ كُلِّ مُنْتَهِبٍ لِلْخَيْرِ مُهْتََِلِ | |
لَوْ زَالَتِ الْأَرْضُ أَوْ حَالَتْ جَوَانِبُهَا | بِمَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْأَقْوَامِ لَمْ نَحُلِ | |
هُمَا سَبِيلَانِ إِمَّا النَّصْرُ نُدْرِكُهُ | أَوْ جَنَّةُ الْخُلْدِ فِيهَا أَطْيَبُ النُّزُلِ | |
لَسْنَا نُقَاتِلُ بِالآلَافِ نَحْشِدُهَا | أَلْفًا لِأَلْفٍ مِنَ الْأَبْطَالِ مُكْتَمِلِ | |
إِنَّا نُقَاتِلُ بِالدِّينِ الَّذي ضَمِنَتْ | أَعْلَامُهُ النَّصْرُ فِي أَيَّامِنَا الأُوَلِ٣٬٤١٧[من قصيدة للشاعر: أحمد محرم. انظر ديوانه: مجد الإسلام -قصيدة: غزوة مؤتة- (ص 267)]. |
هذا، ولم تزل قوافل الشهداء متدفقةً يتبع بعضها بعضًا في ساحات الجهاد المختلفة، وقد ضمّت في موكبها السائر جنودًا خِيرًا، وقادةً أبرارًا، وسادةً أطهارًا؛ فغذَّوها بدمائهم الزكية الطاهرة فازدادت بها قوةً واندفاعًا ولسان كل واحدٍ منهم يقول: ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾ [طه: 84].
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
كَذَا الْآسَادُ فِي سَاحِ النِّزَالِ | تُلَاقِي الْمَوْتَ جَهْرًا لَا تُبَاليِ | |
وَتَرْتَادُ الْمَخَاطِرَ فِي ثَبَاتٍ | وَلَا تَرْضَى بِدُونٍ أَوْ سِفَالِ | |
وَتَأْبَى أن تُرى في يوم روعٍ | وَقَدْ حَمِيَ الْوَطِيسُ بِلَا اكْتِمَالِ | |
لَهَا فِي سَاحَةِ الْهَيْجَا زَئِيرٌ | يَهُدُّ قُلُوبَ أَرْبَابِ الْخَبَالِ | |
وَتَرْتَجُّ الْجِبَالُ لَهُمْ إِذَا مَا | عَلَوْهَا فِي شُمُوخٍ وَابْتِهَالِ | |
إِذَا نَادَى الْمُنَادِي أَنْ هَلُمُّوا | يُلَبُّونَ النِّدَاءَ بِلَا اعْتِلَالِ | |
فَسَلْ عَنْهُمْ جَبَالًا جَاوَرَتْهُمْ | تُجِبْكَ بِصُنْعِهِمْ صُمُّ الجِبَالِ | |
تَصَدَّعَتِ الصُّخُورُ وَلَمْ يَزُولُوا | فَهُمْ أَوْتَادُ فُسْطَاطِ الْمَعَالِي | |
أَقَامُوا لِلْهُدَى صَرْحًا تَسَامَى | وَسَامُوا الْكُفْرَ أَلْوَانَ النَّكَالِ | |
أَنَارُوا بِالْبَوَارِقِ ظُلْمَ لَيْلٍ | تَدَثَّرَ بِالْجَهَالَةِ وَالضَّلَالِ | |
فَأَشْرَقَ فِي مُحَيَّى الدِّينِ بِشْرٌ | وَهَامُ الْكُفْرَ يُعْلَى بِالْوَبَالِ٣٬٤١٨[لم أقف على قائلها، ولعلها للشيخ أبي يحيى، والله أعلم، وقد نشرتها مجلة الصمود التابعة لطالبان، العدد (138)، ولم تعزها لأحد]. |
وفي هذا المقام، فقد تشرَّفت قافلة الشهداء المعاصرة بانضمام أسدٍ من أسود الإسلام وعلمٍ من أعلام الجهاد ليلحق بذلك الركب المبارك ويتقلّد وسام شرفٍ وعِزٍ طالما حرص عليه وصبر وصابر لنيله، قال ﷻ: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ﴾ [فصلت: 35].
إنه الشيخ الأسد الزاهد العابِد «مصطفى أبو اليزيد» رحمه الله وتقبله في الشهداء وأسكنه الفردوس الأعلى.
وإننا إذ نُعزي أنفسنا ونعزي أمَّتنا في هذا الْمُصاب الجلل، فإننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا ﷻ: فإنا لله وإنّا إليه راجعون، وإنَّا لنحمد الله ﷻ أن واسانا في مُصابنا قبل حلوله بنا؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 139-140].
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَأَيْنَ اقْتِحَامُ الْحَرْبِ مِنْ ذَاكِرٍ لَهَا | وَلَا يُشْبِهُ الشَّبعَان مَنْ هُوَ جَائِعُ | |
وَمَن يَخْطِبِ الْحَسنَاءَ يَسْنَحْ بِمَهْرِهَا | وَطَالِبِ شَهْدٍ لَمْ تُخِفْهُ اللَّوَاسِعُ٣٬٤١٩[قاله: عبد الغني النابلسي. انظر: ديوان الحقائق ومجموع الرقائق (ص 297)]. |
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
مُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ مُجْتَهِدٍ | فِي طَاعَةِ اللهِ فِي الآصَالِ وَالْبُكَرِ | |
مُشَمِّرٍ فِي مَرَاضِي اللهِ مُحْتَسِبٍ | بِاللهِ مُقْتَدِرٍ بِاللهِ مُنتَصِرِ٣٬٤٢٠[قاله: عبد الله بن علوي الحداد. انظر ديوانه: الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم (ص 126)]. |
فسلامٌ عليك أيها الشيخ الوقور، فإنَّا لنحسب أنك قد وفيت ببيعتك وقدّمت سلعتك، ونرجو أن تكون قد رحلت إلى ما هو خيرٌ وأبقى بعد عمرٍ من الهجرة والجهاد والرباط والجِد والعمل، ورِباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها.
فلئِن قُتِلت فقد بقي وراءك رجالٌ من أهل الإيمان والعقيدة والتضحية قد استرخصوا نفوسهم لله ﷻ، وأنِفوا من حياة الذل والهوان والاستخذاء وتقمّصوا لِباس العز وألِفوا مواطن الهيجاء، قد حسموا أمرهم وقطعوا خيارهم؛ فليس إلا نصرٌ وفتحٌ وتمكين أو شهادةٌ وفوزٌ بدار النعيم، قال ﷻ: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].
فيا أبطال الجهاد وأسود التوحيد: ها هم قادتكم النبلاء قد برهنوا لكم بدمائهم وعظيم تضحياتهم وفاءهم لدينهم وجهادهم وعقيدتهم، ووقفوا وهم يذودون عن حياض الشرع ويحمون أمّتهم بنحورهم وتطايرت أشلاؤهم ذبًّا عنها حتى لا يخلص إليها الفاسدون المفسدون، فوفاؤكم لهم بأن تثبتوا على طريقهم وتسيروا على نهجهم وتحيوا ذِكرهم بغزواتكم؛ ليكون قتلهم أمرّ على أعدائهم من بقائهم.
ومن هذا الْمُنطلق فإننا ندعو المجاهدين في سائر الساحات في الجزائر والصومال والعراق واليمن وفلسطين والشيشان بأن تكون لهم غزوةٌ مُسدّدة باسم هذا الشيخ البطل «مصطفى أبو اليزيد»، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون؛ ليكون دمه الطاهر نورًا للمؤمنين المجاهدين ونارًا على أعداء الله المجرمين، فلقد اتَّقدت الملحمة واحتدمت الهيجاء وأصبحت الروم ذات القرون تترنح بفضل الله ﷻ بجراحاتها وتتشحَّط في دمائها، ولولا حبل المرتدين الممتد لها يمدها بالرجال والأموال لكان حالها غير حالها.
ومع ذلك فإنَّا بإذن الله ﷻ لصابرون على مناجزتهم، ثابتون أمام همجيتهم وهجمتهم، فلن يخلصوا إلى الدين وفينا بقية حياةٍ بإذن الله تعالى، ولتعلموا أيها الضالون الْمُكذِّبون أنه لم يزل في جعبتنا الكثير؛ مما سترونه قبل أن تسمعوا به، فارتقبوا إنّا مرتقبون.
إنَّ الجهاد في سبيل الله ﷻ هو جزءٌ من هذا الدين العظيم الذي تكفَّل الله ﷻ بحفظه وبقائه وأُنوف أعدائه راغمة، فمهما كثُرت ضده المكائد وعظُم مكر الماكرين وتجمَّعت لإبطاله الحشود، وقُتِل في ساحاته من خيار القادة والجنود؛ فإنه باقٍ، باقٍ، وماضٍ ماضٍ، وما كيد الكافرين إلا في ضلال.
قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 32 هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 32-33].
كيف وقد ضمِن الله سبحانه تعالى بأن يُبقي طائفة من أهل الحق يُقاتلون عليه ويصبرون على طريقه إلى أن يقاتل آخرهم الدجال، قال النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)٣٬٤٢١[صحيح مسلم: (١٩٢٠)].؛ فراية الجهاد لن تسقط ومدده لن ينقطع وسراياه لن تتوقف وسيوفه لن تُغمد، وبفضل الله ﷻ وحده فقد أضحى اليوم أشدّ قوةً وأكثر رسوخًا، وأصبحت طائفته متآلفةً من مشارق الأرض إلى مغاربها وهي تُناجز أعداء الله ﷻ من الأمريكان وأذنابهم وتدفع في نحورهم بسهام الحق الصائبة.
وإنّنا لنقول في حق طوائف المجاهدين المنافحين عن الدين وأهله في أفغانستان والعراق والشيشان والجزائر والصومال واليمن وفلسطين ما قاله شيخ الإسلام قديمًا في حق المجاهدين في الشام ومصر حيث قال: «مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله؛ المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله على أرض أفغانستان والعراق وغيرها في مثل هذا الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه، أما الطائفة بأفغانستان والعراق والصومال والجزائر واليمن والشيشان ونحوها فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)٣٬٤٢٢[رواه الترمذي بلفظ قريب: (٢١٩٢)، وقال: «حسن صحيح»].»٣٬٤٢٣[مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية (28/531) وظاهر أنَّ شيخ الإسلام ذكر مصر والعراق فغيرها الشيخ لتناسب الحال]..
إذن؛ فليحرص كل مسلمٍ صادق بأن يكون ضمن هذه الطائفة المؤمنة الظاهرة المجاهدة وليكن في عدوتها يدعمها بنفسه وماله وقلمه وخُطبه ودعائه، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
ومن ظن أن طريق الجهاد هو طريق النصر المستمر، والفتح المتواصل، ووفرة الرجال والمال الدائمة؛ فهو لم يدرك طبيعة هذه العبادة ولم يفقهها حق الفقه، ولم يُحِط بسيرة النبي ﷺ وأصحابه في غزواتهم، وما لاقوه فيها من الشدَّة والعناء ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وما تحملوه من الآلام والجراحات وما مسَّهم من البأساء والضراء والزلزلة، ومع ذلك فلم يلفتوا عن هذه العبادة وجوههم ولم يتراجعوا عن سلوكها مع شِدَّة بلائهم، بل كانوا في وسط محنتهم مستيقنين بأن العاقبة للمتقين؛ لأنهم يعلمون أن ما رأوه من أنواع البلاء أثناء جهادهم هو عين ما أخبرهم به ربهم، ومن أصدق من الله قيلًا ومن أصدق من الله حديثًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 154-157]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214].
فليعلم المجاهدون في كل ساحات الجهاد أنَّ رحلة هذه العبادة الشريفة لا بد أن يتخللها شيءٌ من الخوف بتضييق أعداء الله عليهم وتخطفهم لهم، وشيءٌ من الجوع وقِلّة الأموال ونقص الأنفس؛ فتُصبح المعركة عندها معركة صبرٍ ومصابرة، وليستبشر الصابرون الذين لا ينكصون على أعقابهم ولا يعطون الدنية في دينهم ولا يضعفون في مواجهة عدو الله وعدوهم، وليكن قدوتَهم في ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه بعدما أصابهم يوم أحد من القتل والجِراح وذهاب النصر ما أصابهم؛ فلم يفُتَّ ذلك في عضدهم ولم يوهن عزمهم وعزيمتهم؛ فقاموا في اليوم الثاني بجراحاتهم الغائرة ودمائهم الجارية وقلوبهم الحزينة، نافرين في سبيل الله لمعاودة الكرّة على أعدائه وإظهار التجلّد والصبر والقوة أمامهم، فأنزل الله فيهم آياتٍ كريماتٍ تُحيي القلوب وترفع الهِمم وتبعث على الائتساء بأولئك الهداة المهتدين، قال تعالى سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِمَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 172-174].
وإنَّ عزاءنا في كل ما يصيبنا أن نحتسب أجره عند الله ﷻ ولنستعن على ذلك بالصبر والصلاة كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ولتبقَ هِممنا عالية وقلوبنا واثقةً بوعد الله ﷻ نابذين للوهن والضعف والخور عنا، فما يصيب أعداءنا المجرمين لا يقل عمّا يصيبنا، فإن صبروا؛ فنحن أحق منهم بالصبر، وإن تجلّدوا؛ فنحن أولى منهم بالتجلّد، كما قال الله ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104]، فديننا العظيم قائمٌ على عقائدَ راسخة وقيمٍ سامية ومبادئ شامخةٍ باقية؛ لا تزيدها دماء الشهداء إلا علوًّا وسموًّا، وستبقى سِيَرُهم نورًا يستضيء به السائرون على دربهم ومناراتٍ يهتدون بها على طول طريقهم.
ولو كان الإسلام يذهب بموت أحد لتلاشى يوم أن مات رسول الله ﷺ، ونكص من نكص على عقبيه، وضجَّت الأرض وارتجَّت بالردَّة والمرتدين؛ فأقام الله ﷻ لهم الصِّدِّيق بحزمه وعزمه وقوته وإصراره فقطع دابرهم وبدّد شملهم وفلّ حدّهم؛ حتى رجعوا إلى الدين طوعًا أو كرهًا، قال سبحانه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، فهذا هو السبيل، وإنَّا به إن شاء الله مستمسكون وعليه سائرون، ولأعداء الله مناجزون حتى يحكم الله ﷻ بيننا وهو خير الحاكمين، ونسأل الله ثباتًا دائمًا على الدين، وشهادةً نُرافق بها النبيين والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: في رثاء الشيخ مصطفى أبي اليزيد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا