تعليق الشيخ أبي يحيى الليبي على البيان:

وبما أنَّ هذا البيان يُعد خطوةً مهمة طالما انتظرت الأمَّةُ نظيرها في وقائع شتى وأحداثٍ مُتعددة؛ فقد رأيتُ أن أقف عندهُ وقفات والتمس من خلالهِ معاني يترسَّخ بها مفهوم الأمةُ الواحدة، في فرحها وترحها وسرائها وضرائها وسعتها وضيقها وقضاياها ونوازلها، لا يفرقها في ذلك سدودٌ ولا حدود، ولا يفاضل بينها لونٌ ولا عرق، ولا يمايزُ في أحكامها قربٌ ولا بعد، ولا يقطع أوصالها عربٌ ولا عُجم، وإنما أمرها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13].

ص 2484

وعن عليٍ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم ويردُّ عليهم أقصاهم وهم يدٌ على من سواهم)٣٬٢٧٨[سبق في: (ص 1355)]..

فالوقفة الأولى: لا شكَّ أن ما حصلَ ويحصلُ لإخواننا المسلمين في غزة، بل وفي فلسطين كلها من قتلٍ إجراميٍّ وإبادةٍ جماعية، وحصارٍ قاتل، يُعدُّ من أعظم مصائبِ العصر تتفتت له الأكباد، وتشيبُ له مفارق الولدان، وتذوب لهوله الصخور الصمّاء، كيف لا!؟ ولم يسلم فيه طفلٌ ولا امرأةٌ ولا شيخٌ ولا قويٌ ولا ضعيفٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ.

فما من مسلمٍ من مشارق الأرض إلى مغاربها، إلا وهو مطالبٌ مطالبةً شرعيةً صريحة بأن يكون لهُ دورٌ عملي في كشف غمة المسلمين هناك، ورفعُ معاناتهم ومناصرتهم بما في الوسع بالنفس والمال والتحريض والدعوةِ والدعاء، وفضح أهل المروق والنفاق، قال ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ [النساء: 141].

ولا عذر في التقصيرِ تجاههم لمجاهدٍ نافر ولا لقاعدٍ معذور؛ فإن الله ﷻ إنما رفعَ الإثم والحرج والتبعةَ عمن عذرهُم من المرضى والضعافِ والفقراء بشرطٍ اشترطه عليهم، فقال جل في علاه: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 91].

ومن هذا المنطلق؛ فإن المجاهدين من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق يعدُّون الثأرَ والانتقام لما وقعَ ويقعُ لإخواننا المسلمين في غزة على أيدي اليهود دَينًا ثابتًا في ذمتهم، لن يهنؤوا حتى يقضوه ويؤدوه وافيًا غير منقوص، مقتصين من كلِّ من باشرَ وشاركَ في هذه الجريمة الشنعاء، والخبرُ ما يُرى لا ما يُسمع، فانتظروا إنا منتظرون.

ص 2485

الوقفةُ الثانية: بيَّن العلماء بصورةٍ جليَّةٍ، أنَّ الجهاد في فلسطين هو جهادٌ شرعيٌّ حيث جاء في بيانهم: «فالجهاد في فلسطين كلها هو جهادٌ شرعي يجب دعمه بالمال والنفس والسلاح، واليهود في فلسطين حربيون: تحل دماؤهم وأموالهم؛ يجوز للمسلمين قتل رجالهم وأخذ أموالهم وتدمير منشآتهم داخل فلسطين» اهـ.

فمن المعلوم أن الجهاد إنَّما صارَ مشروعًا وواجبًا في فلسطين، بسببِ مداهمة الكفار لأراضيها وتسلطهم عليها، ومثل هذه الحالة قد اتفق العلماء أنّ الجهادَ فيها يصبح فرض عينٍ على أهلِ تلكَ الناحية، فإن قاموا بالواجبِ وطردوا العدو فذاك، وإلا فإن عجزوا أو قصّروا؛ انتقل الواجبُ إلى من يليهم، وهكذا حتى ولو أدّى ذلك إلى أن يعمّ الفرض جميع المسلمين، وهذا أمرٌ مقررٌ عندَ أهل العلـمِ، ومكررٌ في كُتبهم، ولولا الإطالة لنقلتُ أقوالَ الأئمة والعلماء من كلّ مذهب.

ولكن يكفينا هنا قول الإمامين ابن عبد البر المالكي، وأبي بكرٍ الجصاص الحنفي رحمهم الله:

«والفرضُ في الجهاد ينقسم أيضًا قسمين: أحدهما: فرضٌ عام متعيِّن على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك أن يحلّ العدو بدار الإسلام محاربًا لهم، فإذا كان ذلك وجبَ على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثِقالًا وشبابًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحدٌ يقدرُ على الخروج من مقلٍّ أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقةً على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علـمَ بضعفهم عن عدوهم وعلـمَ أنه يدركهم ويمكنهُ غياثهم لزمهُ أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم حتى إذا قام بدفعِ العدو أهل الناحيةِ التي نزلَ العدو عليها واحتل بها سقطَ الفرضُ عن الآخرين، ولو قاربَ العدو دارَ الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضًا الخروج إليه»٣٬٢٧٩[الكافي في فقه أهل المدينة: (1/462)]. اهـ.

ص 2486

وقال العلامةُ أبو بكر الجصاص الحنفي: «ومعلومٌ في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خافَ أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكفّ عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحدٍ من المسلمين إباحةُ القعود عنهم حتى يستبيحوا دماءَ المسلمين وسبيَ ذراريهم»٣٬٢٨٠[أحكام القرآن: (3/146)]. اهـ.

ودليلُ ذلك كُلهِ قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39].

وقال ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].

ونستخلص من هذا كله أنَّ الجهادَ إنما صارَ مشروعًا وواجبًا في فلسطين؛ لا لأمرٍ اختصت به عن سائرِ بلاد المسلمين المحتلة، فهذا الحكمُ الشرعيُّ لم يثبت في حق فلسطين لبركة أرضها، ولا لوجود المسجد الأقصى فيها ولا لمزيَّةٍ تعلقت بأهلها، وإنما مردُّ ذلك ومدارهُ على كونها أرضًا للمسلمين داهمها العدو الكافر.

وبناءً على ذلك؛ فحيثُ ما وجد هذا الأمر وتحقق هذا الوصف على أية بقعةٍ من البقاع الإسلامية؛ فإن الحكمَ فيها تمامًا كما هو الحكمُ في فلسطين سواءً بسواء، هذا هو المتقرر عند علماءِ الإسلام الصادقين قديمًا وحديثًا، لا مجالَ فيهِ للتردد ولا للتشكيك.

وكلُّ من أرادَ أن يُفرقَ بين بلدٍ وبلد أو أرضٍ وأرض أو جهةٍ وجهة؛ فإنه يُصادم إجماع العلماء القائمَ المحكم، وعليهِ فإننا نسأل علماء الأمة الصادقين الغيورين ممن وقعّوا على هذا البيان أو غيرهم من الفضلاء، لماذا لا نرى هذه التجليةَ والبيان لحُكم الجهاد في أراضي إسلامية كثيرة حالها كحال فلسطين، حيث احتلها العدو الكافر وتسلّط عليها بقوتهِ وجيشه، وعاثَ فيها فسادًا؛ فأهلكَ الحرث والنسل وانتهك العرض ونهبَ العرَض.

ص 2487

فأيُّ فرقٍ بين ما حصلَ ويحصلُ في فلسطين، وما حدثَ ويحدُث في أفغانستان؟ وأيُّ فرقٍ بينما جرى ويجري في فلسطين وما وقعَ ويقعُ في العراق؟ وأيُّ فرقٍ بين تسلّط اليهود المجرمين على فلسطين وتسلّط الإثيوبيين النصارى على الصومال؟ وأيُّ فرقٍ بين ما يقوم به الصهاينةُ المجرمون ضدّ أهلنا في فلسطين وبين ما يقوم به الصينيون الملحدون ضدّ إخواننا في تركستان الشرقية؟

أو ليست المصيبةُ في كل هذه المواطنِ واحدة؟ والنازلةُ متفقة؟ أوَ ليس جميعُ هؤلاء الأعداء محتلين مغتصبين كفرةً فجرة؟

نعم؛ نحنُ نعلـمُ أن حالةَ القهر والظلم والتقتيل والإفساد قد تتفاوت بين دولة ودولة، ومثل هذا يزيد حكم الجهاد في تلك الناحية تأكيدًا لوجوبه وتعزيزًا لتعيُّن فرضيته، أما من حيث أصل الحكم فإن الأمر واحد في جميع تلك البلدان.

إذن؛ فعلى علماء الأمة الصادقين أن يقفوا موقفَ الإمامةِ في الدين، ويقولوا في سائر أراضينا المحتلَّة ما قالوه في فلسطين، فالجهاد في أفغانستان والعراق والصومال والشيشان والأندلس وتركستان الشرقية وبلاد المسلمين المحتلة كلها، هو جهادٌ شرعيٌّ يجب دعمهُ بالمال والنفس والسلاح، والمحتلون من الأمريكان والإسبان والروس وغيرهم، في هذه الدول المحتلة هم حربيوّن تحلّ دمائهم وأموالهم، يجوزُ للمسلمين قتل رجالهم وأخذُ أموالهم وتدميرُ منشآتهم داخلها.

الوقفة الثالثة: أشارَ العلماء الكرام إلى الظلم العظيم الذي حلَّ بإخواننا المسلمين في غزة، وبيَّنوا هذا الظلم، وبيَّنوا أن هذا الظلم قد شاركَ فيه ثالوثٌ إجراميٌّ، وهم اليهود المحتلون وأهلُ الكفرِ المتآمرون ومعهم العرب الخائنون، فكان مما جاء في البيان:

«فإن الظلم العظيم الذي لحق بإخواننا المسلمين في غزة بالحصار الخانق بمنع الغذاء والدواء وجميع الإمدادات الضرورية، والذي زاد على السنتين بفرض من العدو اليهودي، وتآمر من دول الكفر، وتعاون من بعض الدول العربية بإغلاق معبر رفح وتتبع الأنفاق الأهلية وهدمها حتى لا يصل الغذاء والدواء والسلاح لأهلنا في غزة» اهـ.

ص 2488

وبناءً على ذلك؛ فقد بيَّنوا أن ما تقوم به حكومة مصر وعلى رأسها فرعونها وجنوده من إغلاق للمعبر وتتبع للأنفاق ومنعٍ للغذاء والدواءِ وغيرها؛ هو تعاونٌ صريح مع العدو اليهوديِّ وهو من أعظم الخيانات التي مرت على الأمة في تاريخها، ومن ثمَّ فهو مظاهرةٌ للكفار على المسلمين وقد اتفقَ العلماء على أنها كفرٌ وردةٌ عن الإسلام.

ونحن نقول: إنَّ بيانَ حكم مظاهرة الكفارِ على المسلمين من أعظم نواقض الإسلام التي يجبُ على العلماء والدعاة وطلبة العلم بيانُها للناس؛ فينبغي إظهارُها وإشهارُها وتكرارُها في كلِّ فرصة، وذلك لعظم شيوعها ولوقوعِ طوائف كبيرةٍ من المنتسبين إلى الإسلام فيها، ويتحتَّم على علماء الأمة تأصيلها تأصيلًا واضحًا وإنزالها على الحالات المتعددة والمتنوعة التي ابتُليت بها أمة الإسلام، فإن العلـمَ يجب نشرهُ بحسب حاجةِ الناس إليه؛ ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ [الأنفال: 42].

فصُوَرُ هذه المظاهرة كثيرةٌ ومتنوعة، ولطالما زلَّت في ارتكابها أقدام جهلًا أو تجاهلًا وتساهلًا، وقد أبان أصحاب البيان أثابهم الله بعض تلكَ الصور مما يتعلقُ بموضوع غزة، فذكروا منهم:

«1- من تعاون على إغلاق المعبر أو الأنفاق أو الدلالة عليها أو منع دخول المساعدات إليهم، ويتحمل كل جندي شارك في ذلك إثم كل قتيل وجريح وإثم هدم المساجد والدور بغزة، ولا حجة لمن قال من الجنود: إنه عبد مأمور؛ لأن العبودية لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

2- تسليم المعابر لليهود أو القوات الدولية الموالية لهم.

3- الأفراد والمنظمات والوسائل الإعلامية التي تمالأت مع اليهود على المجاهدين في سبيل الله في غزة».

وما ذكرناه من قبل من عدم الفرق بين حكم الجهاد في فلسطين وسائر بلاد الإسلام المحتلة نقوله أيضًا في مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين، سواءٌ كان أولئك الكفار يهودًا أو نصارى أو مجوسًا أو هندوسًا أو شيوعيين ملحدين أو غيرهم من نحِل الكفر المتنوعة.

ص 2489

كما أنه لا فرق بين أن يكون هؤلاء المظاهِرون للكفار على المسلمين أفرادًا أو جماعاتٍ أو حكوماتٍ أو منظمات، كما قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله في بيانه الشهير «كلمة حق» والذي نقلَ أصحابُ البيان جزءًا منه:

«أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر؛ فهو الردة الجامحة والكفر الصُراح، لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأويل، ولا يُنجي من حكمه عصبية حمقاء ولا سياسة خرقاء ولا مجاملة هي النفاق؛ سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ ثم استدرك أمره فتاب واتخذ سبيل المؤمنين، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم إن أخلصوا من قلوبهم لله لا للسياسة ولا للناس»، وقال في حق التعاون في حق الفرنسيين أيضًا: «ولا يجوز لمسلمٍ في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون، وإن التعاون معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز الردة والخروج من الإسلام جملةً أيًّا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه»٣٬٢٨١[كلمة الحق، لأحمد شاكر (ص 127)]..

وبناءً على ذلك؛ فإن حكم مظاهرة اليهود على المسلمين في فلسطين هو عينه حكم مظاهرة الأمريكان على المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الصومال، وهو نفسهُ حكم مظاهرةِ الروس على المسلمين في الشيشان والهندوس في كشمير، وهلُم جرا.

وإذا كان أصحاب البيان الفضلاء قد قرروا أن من المظاهرة التعاون على إغلاق المعبر أو الأنفاق أو الدلالة عليها أو منع دخول المساعدات إليهم؛ فماذا يقولون في الدولِ والحكومات التي وقفت ولازالت تقفُ جنبًا إلى جنب مع حاميةِ الصليب وحاملتهِ أمريكا في حربها ضدَّ المسلمين في الأرضِ كلها تحت شعار الحربُ ضدّ الإرهاب؟

ص 2490

ففي باكستان قد أعلنَ «برويز مشرف» من قبل وعلى رؤوس الأشهاد وفي وسائل الإعلام كلها، أنه اختار الوقوف بجانب أمريكا في حربها ضدّ المسلمين في أفغانستان، ومطاردتها للمجاهدين أينما كانوا، وقد وضعَ كل أجهزتهِ وقواتهِ من جيشٍ وشرطة رهن الإشارة الأمريكية وجعلهم جندًا محضرين لها وفتحَ لها أبواب باكستان على مصارعها برًا وبحرًا وجوًا، وأصبحت قوافل إمدادات قوات الصليب تشقُ طريقها عبرَ باكستان وهي تحمل الموت والدمار لأفغانستان وشعبها المسلم، يحصلُ هذا بحمايةٍ تامة ودفاعٍ مستميت من قبل أجهزةِ الدولة الباكستانية على اختلاف أسمائها ومهامها.

ومع مرور أكثر من سبعِ سنواتٍ؛ فلا تزالُ باكستان بحكومتها الجديدة ورئيسها اللص وجيشها وشرطتها وأجهزة استخباراتها، تقومُ بنفسِ الدور وتظاهر هؤلاء الكفرة المحتلين على المسلمين، وتتشبّث وتسير على الخطى الذي رسم لها «برويز» من قبل، بل ازدادَ شرها وتضاعفت معونتها وظهرَ تبجحها.

[من مقابلة تلفزيونية أجريت مع «زرداري»:

المذيع: هل تتمتع بالدعم الكافي في هذه الحملة ضد الطلبان؟ هل تتمتع بالدعم الكامل من الجيش والاستخبارات؟

زرداري: لو لم نتمتع به، لسقطت إسلام آباد؛ لأنه من الواضح أنه لو لم يقم الجيش بواجبه، فإن هؤلاء المتشددين ليسوا مقيدين، فقد فجروا فندق الماريوت وهاجموا في العمق من قبل، فلولا الدعم لحاصرونا.

 من مقابلة تلفزيونية أجريت مع اللواء طارق خان «قائد القوات الباكستانية في منطقة القبائل»:

طارق خان: نحن اعتبرنا أن منطقة باجور هي المركز والمحور ونقطة العبور للمتشددين المتجهين لأفغانستان

المذيع: كيف جرى القتال هناك؟

طارق خان: كنا نقاتل من مجمع إلى مجمع وكلما تقدمنا رموا علينا.

المذيع: ما هي الأشياء الغير متوقعة التي واجهتكم؟

ص 2491

طارق خان: عددهم، وشدتهم، وقوة عزيمتهم، ورفضهم للانسحاب، وعدم وجود المستسلمين مقابل عدد كبير من المستعدين للموت.

المذيع: ولكن الطالبان عدوكم الآن؟

طارق خان: نعم، هم عدونا، ويجب تفكيك بنيتهم وتدميرهم.

مقطع من أحد البرامج الوثائقية:

بالإضافة إلى تدمير معظم باجور، فعقب هذه المعركة أحضر الجيش الباكستاني جرافات لتسوية ما تبقى من المباني بالأرض، لكي لا يرجع إليها الطالبان، وقد تم نقل سكان هذه المنطقة و«200000» ألف وغيرهم إلى معسكرات اللاجئين على أطراف بيشاور.

من مقابلة تلفزيونية مع بروس ريدل «عضو كبير في مؤسسة بروكنكس»:

المذيع: قال الرئيس زرداري إنها حربنا الآن؛ بمعنى أنها حرب باكستان، هل تظن أنه جاد في ذلك؟

بروس ريدل: هو يفهم الآن أنها حربه الشخصية، ولكنه لم ينجح بعد في إقناع معظم الباكستانيين بأنها حربهم، فالأغلبية الساحقة من الباكستانيين يرون أنها حرب من أجل أمريكا].

الشيخ أبو يحيى الليبي: فما تُرِكت صورةً من صور المظاهرة وإلا تلبست بها من فتحٍ للقواعد العسكرية عبر طول البلاد وعرضها، وفتحٍ للسجون الأمريكية السرية والعلنية في راولبندي وبيشاور وكراتشي وغيرها، ومن تقتيل للمسلمين بالمباشرة والوكالة، كما يحصل في «سوهات وبيجاور» ومناطق القبائل كلها، واعتقال وتسليم المسمين إلى أمريكا بلا تفرقة بين رجل وامرأة، كما فعلت مع أختنا عافية صديق فرج الله كربها، والتي يزعمون كذبًا وزورًا أنها اعتقلت في «غزني» في أفغانستان، ومع ذلك فإننا نرى ونسمع من السفهاء من كان يدعو لبرويز المجرم وجنودهِ السفاحين.

ص 2492

[عبد الرحمن السديس: اللهم وفق إخواننا في باكستان، اللهم وفقهم واحفظهم وأيد بالحق فخامة الرئيس «برويز مشرف» وسائر إخوانه وحكومته ووزرائه وأعوانه].

الشيخ أبو يحيى الليبي: وتلك هي دولة آل سعود ومثلها دويلة الكويت وقطر والبحرين قد فتحت ولا تزال تفتحُ لأمريكا القواعد العسكرية على أراضيها، وتجوبُ حاملات الطائرات والسفن بحارها، وتُقلِع وتحُط طائرات القتل والتدمير من وعلى مطاراتها، وتحلّق في سمائها وأجوائها، ولن يستطيع أحدٌ كائن من كان أن ينكر هذه الحقيقة إلا على وجه المكابرة الذي لن يغني عنه من الله شيئًا.

فما من أحدٍ على أرض الكويت مثلًا، إلا وهو يرى الأرتالَ العسكرية الأمريكية التي لا أول لها ولا آخر، تشق طريقها لقتل شعب العراق المسلم، ومثل ذلك ما يحصل على بلادِ الحرمين، ومع ذلك فمن أراد النفير إلى العراق نصرةً لإخوانه، وحميةً لدينه، فإن أجهزتهم الأمنية له بالمرصاد.

فأيَّةُ مظاهرة أعظم من هذه المظاهرة، وأيَّة إعانة أوضح من هذه الإعانة، فإذا كانت حكومة مصر المرتدة قد أغلقت معبر رفح أمام المعونات للمنكوبين في غزة، فإن هذه الحكومات قد فتحت حدودها كاملةً لعبور أرتال الصليب التي تحمل القنابل المدمرة والصواريخ الفتّاكة والآلات القاتلة وجبال الذخائر المتنوعة، كل ذلك ليُباد بها المسلمون في العراق كما يبادون بها في أفغانستان.

وإذا كانت حكومة مصر المرتدة قد أطبقت حصارها على المسلمين في غزة حتى حُرموا الماء والدواء والوقود والكهرباء؛ فإن حكومة الرياض والكويت ونظيراتها قد فتحت أنابيب نفطها سخاءً رخاءً لتتضلّع منه طائرات الصليب وأغدقت عليهم من أنواع الأطعمة والمشروبات ولذائِذ المآكل ما حَرموا منهُ شعوبهم المنكوبة.

ومع هذه الجرائم الفاضحة والمظاهرة الواضحة فما زلنا نسمع ونرى من يمجِّد هؤلاء الطغاة ويثني عليهم ويعدهم ولاة أمرٍ شرعيين، تجب طاعتهم ويحرم الخروج عليهم، بل لا يجوز النفير للجهاد إلا بإذنهم.

[من مقابلة تلفزيونية مع مفتي آل سعود عبد العزيز آل شيخ:

المذيع: لكن آحاد الناس يا شيخ لو أرادوا يجاهدوا هل لا بدَّ أن يستأذنوا من ولي الأمر؟

عبد العزيز آل شيخ: لا بدَّ أن يستأذنوا، من يحميهم إذا خرجوا من تلقاء أنفسهم من يحميهم ومن يكون ردءًا لهم؟ خرجوا بأنفسهم وربما أوقعوا الأمة بإشكال، فإن ولي الأمر كما نعلم له رأيهُ في عقد الهدنة، عقد العهد، إبرام الأمان، فإذا كان الكل يتصرف من تلقاء نفسه ضاعت القضية].

الشيخ أبو يحيى الليبي: فيا علماء الأمة الصَّادقين مع ربهم، الصَّادعين بالحق قولوا لنا بربكم؛ ما الفرق بين من يُظاهر اليهود في فلسطين ويُظاهر الأمريكان في العراق أو أفغانستان أو يظاهر الروس في الشيشان، فبأيِّ كتابٍ أم بأيّة سنةٍ يفرق بين هؤلاء وأولئك، أوَ ليس الذي نهى عن موالاة اليهود قد نهى أيضًا عن موالاة النصارى؛ فقال: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، أوَ ليس الذي نهى عن موالاة اليهود والنصارى نهى أيضا عن موالاة الكافرين أجمعين؛ فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144].

ولا ننسى في هذا الموطن أن نتذكر ونذكر أولئك العلماء الذين وقفوا موقفًا مشرفًا في هذه المسألة إبَّان شروع الغزو الأمريكي في أفغانستان قبل ما يزيدُ على سبعِ سنوات، فأصدروا الفتاوى الجريئة والأحكام الصارمة في حق كلّ من يقف بجانب حامية الصليب ويساندها على المسلمين، فنسألُ الله أن يجزي أولئك العلماء عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

الوقفة الرابعة: أنَّ مما نلمسهُ في كثيرٍ من المسلمين، بل حتى من بعض العلماء وللأسف، تعاملهم مع الأحداث والقضايا إنما هو تعامل انفعالي حماسي تُشعله وسائل الإعلام متى شاءت وتُخمدهُ متى أرادت.

ص 2493

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

إِنَّ الْأَكَابِرَ يَحْكُمُونَ عَلَى الْوَرَى

وعلى الأكابرِ تَحكمُ العُلَماءُ

وعليه؛ فإن مظاهرة النظام المصري لليهود على المسلمين في غزة ليست وليدةَ الأحداث الفظيعة التي وقعت، وإنما تأكدت وبرَزت في أجلى صورها في تلك الأيام، كما أن هذه المظاهرة لم تنقطع بتوقف القصفِ اليهودي على إخواننا في غزة، بل ازداد الأمر وتفاقم حيثُ نُصبت الكاميرات الحرارية على طول الحدود، واستمر تدمير الأنفاق وتتبعها مع التقنين الدولي لمنع دخول الأسلحة إلى المسلمين في غزة بحضور وإشراف خبراء أمريكان وغيرهم.

[د. عبد الله النفيسي: الآن ما هو الوضع؟ الوضع أن الفرقاطة الفرنسية وصلت إلى شواطئ غزة، ومع الفرقاطة هذه كل ما تحتاجه لمدة ستة أشهر، كل شيء حتى النبيذ معهم، حتى الاحتفال بعيد كذا وعيد كذا وعيد كذا، كل شيء معهم، وفي الطريق جايين الإسبان وجايين الألمان وجايين الإنجليز، خلوا بالكم! هذه أمم كانت في السابق بينها حروب طاحنة، ملايين الضحايا بينها بين الألمانيين والفرنسيين، بين الإنجليز والفرنسيين، بين الإيطاليين والألمان، حروب طاحنة! كلهم أجمعوا على غزة! كلهم سيتحركون باتجاه غزة! ألا يدفعنا ذلك إلى التفكير بأن نتوحد نحن؟ لكي نتجه إلى غزة بقلبٍ واحد؟ أنا ما أقول الأنظمة! لا إحنا غسلنا يدنا من الأنظمة].

الشيخ أبو يحيى الليبي: فهذا المناط الْمُكفر الذي ذكره أصحاب البيان وفقهم الله كان موجودًا قبل الأحداث وأثناءها وبعدها؛ فعلى العلماء الفضلاء أن يدركوا أن الاستجابة الانفعالية مع هذا الحدث أو ذاك وإن كان محمودًا إلا أنه ليس كافيًا، بل عليهم أن يتعاملوا مع قضايا الأمة بميزانٍ شرعيٍ ثابت، وأصولٍ مستقرة وقواعدَ مستمرة وطريقةٍ مضطردة ومنهاجٍ راسخ.

ولا بُدَّ أن تُوضع من قبلهم خطواتٌ عمليةٌ جادة للخروج من المآزق التي تمرّ بها أمةُ الإسلام، فما أنزل الله ﷻ داءً إلا أنزل له دواء، فقد حُوصرت غزة وقُصف أهلها ودُمرت مساكنها ثم أُوقفت المجزرة المعلنة واستمرت المجزرة الخفية تديرها نفس الأيدي المجرمة.

ص 2494

فالعلماء معنيون اليوم وفي هذه المرحلة الجديدة من الأحداث بأن يبقوا وتيرتها على حالها وأن لا يغفلوا عنها، ولا يُغفلوها، وأن يستمروا في فضحِ العملاء الخونة وكشف مظاهر مظاهرة الكفار على المسلمين، وتحديد أصناف المتلبسين بها من الحكوماتِ العربية، وجيوشها الإجرامية وبيانِ الموقف الشرعيّ الواجب تجاهها، وحضّ الشعب الفلسطيني المسلم على الاستعداد الدائم للجهاد والتهيؤ للقتال، لا ليَدفع عن نفسهِ في غزة فقط، بل ليهاجم ويقاتل اليهود المحتلين في حصونهم ووراء جدُرهم؛ حتى يُطرد الغاصبون وتُقام دولة الإسلام على تلك الربوع المباركة.

[الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- من كلمته «خطوات عملية لتحرير فلسطين»:

«وبناءً على ما تقدم: لا بد من البحث عن دول خارج دول الطوق، يتم تحرك المجاهدين منها لتفتح الحدود بالقوة، لنصل إلى أهلنا في ربوع الأقصى المبارك، والفرصة الثمينة النادرة للصادقين في رغبتهم في تخليص الأقصى؛ هي بدعم المجاهدين في العراق بكل ما يحتاجون إليه، لكي يحرروا أرض الرافدين، وبذا يقومون بواجبين اثنين: هزيمة الحليف الأكبر للصهاينة ثم ينطلقوا إلى الأردن، حيث إنها أفضل وأوسع الجبهات، فنصف سكانها هم من أهل فلسطين الذين هجروا منها سابقًا، ومن الأردن تكون الانطلاقة الثانية إلى الضفة الغربية وما جاورها، وتفتح الحدود بالقوة لاستكمال النقص في المقومات المطلوبة، لكي يتم تحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر بإذن الله.

فالطريق لتحرير الأقصى يحتاج إلى قيادات حقيقية صادقة مستقلة قوية أمينة، تكون على مستوى هذه الأحداث الجسام، ملمة بفقه الواقع وفقه الشريعة، وينشؤون هيئة مناصحة لها فروع في أقطار العالم الإسلامي، تسعى لنشر البيان والبلاغ، وتوعية عامة أبناء الأمة شرعيًا وسياسيًا، وعندها تتحرر العقول من الجهل والغفلة، والنفوس من الخضوع والخنوع للحكام الخاضعين لأعدائنا»].

الشيخ أبو يحيى الليبي:

ص 2495

الوقفة الخامسة: ها قد عرفنا حكم مظاهرة الكفار على المسلمين ومساندتهم بأي نوعٍ من أنواع الإعانة، كما أننا سمعنا ورأينا مظاهرة الحكومة المصرية لليهود ضد المسلمين المستضعفين، ومظاهرة حكومات كلّ من الرياض والكويت والأردن واليمن وغيرها للأمريكان ضدّ المسلمين في العراق، ومظاهرة حكومة باكستان للأمريكان ضد المسلمين في أفغانستان.

وتعريف الحكم الشرعي لا شكَّ أنه خطوة جيدة، ولكن ما هو العمل بعدَ هذه المعرفة، وهل الواجب الشرعيّ تجاه هؤلاء المظاهرين وهم يُعينون معاونةً علنيةً مباشرة العدو المحتل على تقتيل إخواننا واحتلال ديارنا وانتهاك أعراضِ أخواتنا والتنكيل بأسرانا وغير ذلك من صور الإجرام السافرة؟ هل يكفي مجرد دعوتهم إلى التوبة والإقلاع عن ما هم فيه؟ كما جاء في البيان:

«وندعو كل من وقف ضد الجهاد في سبيل الله تعالى سياسيًا أو إعلاميًا أو عمليًا، أو منع دخول الإمداد والسلاح للمجاهدين بغزة، ندعوهم جميعًا إلى إعلان التوبة إلى الله تعالى، ونخص الرئيس المصري بفتح معبر رفح عاجلًا بلا شرط أو قيد، ونطالبه بترك الأنفاق الأهلية وعدم تتبعها» اهـ.

أم أنَّ هناك واجبًا شرعيًا محددًا وبيِّنًا في دين الله تعالى يجب القيام به، والسعيُ إليه، والاجتهاد في تطبيقه وإزالة كل العوائق التي تحول دون إحيائه، ألا وهو الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله.

أَوَ لم يتفق العلماء قاطبةً على أن الولاية لا تنعقد لكافر، وأنه لو طرأ عليه كفرٌ وجبَ خلعه وتنصيب إمام للمسلمين، فمن هو الْمُخاطب بهذا الحكم وإلى من يتوجه التكليف به؟ وإذا كان هؤلاء الحكام قد تلبسوا بناقضٍ جليٍ من نواقضِ الإسلام، فما وجه ادعاء بعض الناس بقاءهم أئمةً شرعيين للمسلمين تجب طاعتهم ويُحرم الخروج عليهم؟

وإذا كنَّا عاجزين حقًا عن منابذتهم ومُقاتلتهم، فهل نكونُ معذورين عند تفريطنا في الإعداد لتحصيل الأسباب التي نرفعُ بها ذلك العجز؟ أو على الأقل دعمُ ومساندةُ وتأييدُ المجاهدين الذين يسعون سعيًا جادًا لإحياء عبادة الجهاد وتحمل أعبائها؟ قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].

ص 2496

الوقفة السادسة: كما يُقال؛ فإنَّ من أصعب المعضلات توضيحَ الواضحات، ومن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس فلا أحسب أننا بحاجة إلى إثبات أن دويلة إسرائيل هي جزءٌ لا يتجزأ من أمريكا، ومُكوِّنةٌ من مكوناتها، بل ولايةٌ من ولاياتها، فقد تولَّى رؤساء أمريكا المتعاقبون إيضاحَ ذلك في تصريحاتهم ولقاءاتهم ومذكراتهم، وما من رئيسٍ يدخلُ بيتهم الأبيض إلا وتعهد تعهدًا مقطوعًا به على الاستمرار في دعم إسرائيل دعمًا تامًا، والمحافظة على أمنها محافظة دائمة، فأمريكا هي إسرائيل، وإسرائيل هي أمريكا، ومحاولة التفريق بينهما في اشتراكهما في الجريمة والعقاب هو ضربٌ من العبث.

[الرئيس الأمريكي أوباما: تحالفنا أساسه المصالح المشتركة والقيم المشتركة، والذين يهددون إسرائيل يهددوننا، وقد واجهت إسرائيل هذه التهديدات على الخطوط الأمامية، وسوف أحضر إلى البيت الأبيض التزامًا لا يتزحزح بحماية أمن إسرائيل].

الشيخ أبو يحيى الليبي: ولتوضيح المسألة أكثر أقول: إن النبي ﷺ قد صالح قريشًا على وضع الحرب عشر سنين، وكان في بنود هذا الصلح أنه من شاء أن يدخل في عقدِ محمدٍ ﷺ وعهدهِ؛ دخل، ومن شاءَ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم؛ دخلَ، فدخلت خزاعةُ في عقدِ رسولِ الله ﷺ، ودخلت بنو بكرٍ في عقدِ قريش، ثمَّ إن بني بكر الذين كانوا قد دخلوا في عقدِ قريشٍ وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين كانوا قد دخلوا في عهدِ رسولِ الله ﷺ وعقدهِ.

فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالسلاحِ والخيل، فقاتلوهم معهم للضِغن على رسولِ الله ﷺ، فلـمّا بلغَ الخبرُ رسول الله ﷺ جهزَ لهم جيشهُ وسأل الله أن يُعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.

ص 2497

فإذا كان رسول الله ﷺ وقد كان بينه وبين قريش عهدٌ موثق؛ عدَّ هذا الفعل منهم نقضًا ونكثًا له، وبمجرد إمدادهم لبني بكرٍ بالسلاح سرًا، ولم يكن ذلك من رؤسائهم وزعمائهم ومع ذلك أجازَ أن يُداهمهم في عقرِ دارهم من غيرِ سابق إنذار، فكيف بحالِ أمريكا المجرمة التي ليس بينها وبين المسلمين أي عهدٍ أو عقد، وهي تُجاهر بدعمها لدويلة اليهود وتفتخر بذلك وتعدُّه في مقدمة أعمالها وعلى رأس مهامها؟ مع أن مساندتها لهم ليست مُقتصرةً على بضع قطع من السلاح، بل هي مساندةٌ مطلقة ومعاونةٌ مفتوحة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، فما الذي يعفيها إذن من أن تدفع ضريبة هذا الدعم تمامًا كإسرائيل؟ وما الذي يمنع من قصدها في عقر دارها وفي كلّ مكان لتفجيرِ منشآتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والمالية؟

وما الذي يجعل اليهود المحتلين لفلسطين حربيين والأمريكان المساندين لهم ليسوا كذلك؟ أو لم يقل العلماء إن الردءَ والمباشرَ في الحكم سواء، فكيف إذا كان ردءًا مباشرًا في نفس الوقت؟ فلماذا نحاولُ التفريق بينها وبين إسرائيل مع أنهم هم بأنفسهم يُصرّحون ويصّرون على أنهم شيءٌ واحد؟

ولذا؛ فينبغي على العلماءِ الأجلاء أن يبيِّنوا هذه الحقيقة بيانًا وافيًا ليعلم المسلمون كلهم أن كلَّ جريمةٍ تقع في فلسطين على أيدي اليهود فإن الأمريكان شركاء فيها مشاركةً كليَّة، وعليهِ فكلُّ قتالٍ نستبيحهُ ضدّ اليهود فإننا نستبيحهُ أيضا ضدّ الأمريكان وفي أيّ مكان وبنفسِ الصورة، وهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثوابِ والعقاب»٣٬٢٨٢[مجموع الفتاوى: (28/311)].، فلماذا نُضيّق على أنفسنا في أمرٍ وسّعهُ الشرع علينا؟!

ص 2498

فكيف وقد داهمَ الأمريكانُ بلدان المسلمين بجيوشهم وقواتهم وتغلَّبوا على ديارهم وارتكبوا ويرتكبون نفسَ ما يرتكبه اليهود ضدّ أهلنا في فلسطين، من سفكٍ للدماء وتدميرٍ للبيوت وأسرٍ للرجال والنساءِ والولدان؟ بل هؤلاء أولى بالمحاربة والمقاتلة فلئن كان اليهود قد حصروا حربهم في داخل فلسطين، فإن هؤلاء المجرمين قد شاركوهم في جريمتهم هذه وزادوا عليها بأن جعلوا الأرضَ كلها ساحةً مفتوحةً لهم، فيقتلون من شاؤوا وأينما شاؤوا، ويعتقلون من أرادوا ومن حيثما أرادوا، فلا معنى إذن لأن نُقَوقِعَ أنفسنا في القتال ضدَّ اليهود داخل فلسطين ونذرَ هؤلاء المجرمين القتلة آمنينَ مطمئنين، وهم يعيثون في الأرض فسادًا؛ فما ذلك إلا ضربٌ من العجزِ الذي لا يليق بالمؤمنين.

وما قلناه عن أمريكا فإنه ينطبقُ تمامًا على دولِ الاتحاد الأوربي وعلى رأسها بريطانيا صاحبةُ الوعدُ المشؤوم وفرنسا عدوة الحجاب.

وأخيرًا:

نسأل الله ﷻ أن يُبارك في علمائنا الفضلاء، الذين وقفوا هذا الموقف المشرّف، وأن يزيدهم من فضله، فما هذه الوقفات إلا استفادةٌ من علمهم، ووضعًا لأيدينا في أيديهم، وانتصارًا للحق الذين دعوا إليه وصدعوا به، فنسأل الله أن يرينا وإياهم الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ويثبتنا على الحق حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه سميع قريب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: تعليق الشيخ أبي يحيى الليبي على البيان:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا