الوقفة الثانية
أن كثرة القتل والجراح في الجهاد سواء في حق القادة أو عموم المجاهدين هو مصيبةٌ من المصائب، وهو في الوقت نفسِه اختبارٌ يبتلي الله به عباده المؤمنين المجاهدين كما قال هنا: ﴿لِمَآ أَصَابَهُمۡ﴾ [آل عمران: 146]، وقال في وقائع غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ﴾ [آل عمران: 165]، وقال ﷻ: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ﴾ [آل عمران: 166]، وسمَّاه قرحًا: ﴿مِنۢ بَعۡدِمَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ﴾ [آل عمران: 172]، وقال أيضًا:﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ﴾ [آل عمران: 140]، وهذا المصاب الذي نزل بالمؤمنين إنما هو باعتبار مجموعهم لا باعتبار جميعهم؛ أي أن القتل والجراح لم تُصب كل واحدٍ منهم وتلحقهم فردًا، فردًا، وإنما باعتبارهم كالجسد الواحد فقتلُ بعضِهم يؤدي إلى همٍّ وغمٍّ وآلامٍ وأحزانٍ لغيرهم كما قال ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104].
وفي هذا إشارةٌ إلى قوة تلاحمهم وتعاضدهم وتراصِّهم وموالاتهم لبعضهم وقوة مودتهم وتراحمهم واجتماع أمرهم حتى صاروا بذلك تمامًا كجسدٍ واحدٍ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فمصاب بعضهم مصاب كلِّهم، فمسّهم القرح وشملهم الألم وعمتهم المصيبة، قال ابن عاشور رحمه الله عن القرح الذي أصاب المسلمين يوم أحد: «وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة التي أصابتهم، فإن الهزيمة تشبه بالثلمة وبالانكسار، فشبهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصح أن يراد به الحقيقة؛ لأن الجراح التي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شك أن التسلية وقعت عما أصابهم من الهزيمة»١٬٧٣٠التحرير والتنوير: (3 /228)..
هذا مع أنه ورد عن بعض السلف تفسير القرح بالقتل والجراح التي أصابتهم في تلك الغزوة، ولكن -والله أعلم- يمكن أن يكون المعنى شاملًا لذلك كله حيث اجتمع عليهم فيها استشهاد بعضهم، وإصابة رسول الله ﷺ وعددٍ من الصحابة، ثم الانكسار بعد الانتصار كما قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِمَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: 152].
وهذا القتل الذي يلحق المجاهدين من قادةٍ وجندٍ يؤدي حتمًا إلى نقصان عددهم، وخلوِّ كثيرٍ من ثغرات الجهاد الملحّةِ ممن يقوم عليها كما تستحق؛ لأن الأولين ممن فركتهم المحن وعركتهم الأحداث وأنضجتهم التجارب ليسوا كالآخِرين الذين هم في مبدأ الطريق، فيجتمع عليهم همُّ الفقد لإخوانهم وثقل ما تحملوه من أعباء بعدهم، والعجز عن توفية الأمور حقِّها وسدِّ منافذها، لاتساع العمل وقلِّة من يقوم عليه، فيحصل بذلك ضيقٌ وشدةٌ وحرجٌ مما يستوجب الصبر منهم، فهنا تظهر معادن الرجال، ويعرف مَن بكى ممن تباكى، وتتجلَّى قوة أهل الإيمان والثقة بالله المستيقنين بصحة ما هم عليه، الذين يزدادون بهذه الضائقة إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا، فيجعلونها من زادهم على الطريق لا من المعوِّقات التي يتعثرون عندها أو يتساقطون على حافتها أو يَلفتون وجوههم عند معاينتها، تمامًا كما قال تعالى عن السابقين الأولين الذين هم قدوةٌ لمن لحقهم: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «ومعنى قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمۡ﴾ [الأحزاب: 22]؛ أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا﴾ [الأحزاب: 22] بالله، ﴿وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22]؛ أي: انقيادًا لأوامره، وطاعة لرسوله»١٬٧٣١تفسير ابن كثير: (6 / 392)..
فالله سبحانه يجعل ذلك نوعًا من الابتلاءات التي يُظهِر بها الصابرين الثابتين، والمجاهدين الصادقين، كما قال ﷻ في تعداد ما يختبر به عباده -ومنها نقصان الأنفس-: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤ وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 154-155].
قال ابن جريرٍ رحمه الله: «ومعنى قوله: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم﴾ [البقرة: 155]، ولنختبرنكم... وقوله: ﴿بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ﴾ [البقرة: 155]، يعني من الخوف من العدو، وبالجوع -وهو القحط- يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسَنةٍ تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم، فتنقص لذلك أموالكم، وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموتُ ذراريكم وأولادكم، وجُدوب تحدُث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب»١٬٧٣٢تفسير الطبري: (3 / 220)..
فليُتأمل هذا الكلام جيدًا ولينظر في المراحل التي يمر بها الجهاد والمجاهدون بين حين وحين ليزداد به سالكو هذا الطريق إيمانًا بربهم وتيقنًا بما هم عليه، فلا يتزعزعون أو يترددون، وليكونوا من أهل البصائر في دينهم ويتميزوا عن المرتابين المضطربين من أهل النفاق ومرضى القلوب الذين يعدون كل ذلك مغرمًا لا مغنم معه.
وقال ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وقال ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [التوبة: 16]، وقال عز من قائل: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31].
وهذا يستوجب على كل من وفقه الله لسلوك سبيل الجهاد أن يوطِّن نفسه على هذا الأمر، ما بين كثرة قتلى من الخيار، وقلة أموالٍ، ونقص عتادٍ، وشدة حصارٍ، واضطراب أحوالٍ، وازدياد إرجاف، وانتفاش عدوٍّ، ولوم لائمين، وعبث مفسدين، ولا يظننَّ ظانٌّ أن موكب الجهاد يسير في كل وقتٍ ومكانٍ على وتيرةٍ واحدةٍ من السعةِ والوفور والأمان وتوالي الفتوحات وتتابع الانتصارات وتَيسّر الأحوال؛ فيصطدم عند أولِ عقبةِ ابتلاءٍ تعترضه فيظن بالله ظن السوء ويحسب أنَّ الأمر قد ولى فيُهلكَ نفسه بهذا الظنِّ، ويكون حاله كحال ضعاف الإيمان من قبله ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا﴾ [الفتح: 12].
ثم يستجيب لداعي نفسه فتقوده إلى الخذلان ومستنقع الهوان ويحسب عندها أنه نجَّاها، فتراه حاملًا شبهاته حازمًا أمتعته موليًا دبره ليعيش تحت مِنَّة الطغاة التي يفضِّل أهل عزة الإيمان وعلوِّه أن يقتلوا مئة مرةٍ ولا يرضون بساعةٍ واحدةٍ تحت ذلّهم الخادع ولو كان في فندق من خمسة أنجم أو أكثر، فما يلبث ذلك المسكين أن تتشبع نفسه بالدعة وترضى بالسكون وتقنع بالركون وتثَّاقل إلى الأرض وتَشَّبَّث بالعَرَض فتُغشي بصيرتَه زهرتُها فتراه -في فتنته- ينظر إلى مَن كان بين صفوفهم ونفسه توسوس له -وربما غلبته فنطق لسانه بمثلها-: ﴿غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ﴾ [الأنفال: 49]، نسأل الله السلامة والعافية والثبات: ﴿قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
❖ ❖ ❖