أتاتورك جزيرة العرب
[مجلة طلائع خراسان، العدد التاسع عشر رمضان 1432هـ / 8 - 2011م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فكلما ذُكِر الرجل الصنم «مصطفى كمال أتاتورك»؛ ذكرت معه المصيبة التي لا تنسى والكارثة التي لا تمحى، ألا وهي إلغاء الخلافة الإسلامية -على علاتها وانحرافاتها آنذاك- ثم إقامته لدعائم الدولة العلمانية العصرية المارقة على أنقاضها، ومحاولاته الحثيثة والجادة لاقتلاع جذور الإسلام من أعماق الأمة التركية، وقطع صلتها بتاريخها الإسلامي، وتحطيمه للقيم الإسلامية السامقة وأخلاقه العظيمة ومبادئه النبيلة التي كان الشعب التركي المسلم يتمتع بها تحت مظلة الخلافة العثمانية؛ فأصبحت تركيا المسلمة -والتي كانت مركز الخلافة الإسلامية- تصطلي بجحيم الفكر العلماني الكافر، وتتقلب في عفن المناهج الغربية الغريبة، وتقاد بأزِمَّة الشهوات الحيوانية الهابطة، وتساس وفق أهواء رجلٍ ماجنٍ مستهترٍ مفتونٍ مأفونٍ عدوٍ لكل ما هو إسلامي.
فخلال مدةٍ وجيزة من توليه السلطة بعد مؤامرات ومخادعات ومخاتلات وحيلٍ وبطولاتٍ زائفة وانتصارات موهومة، استطاع بقوة الحديد والنار وسياسة الرأي الأوحد أن يغيِّر وجه تركيا ووجهتها، فيدمرها، ويدمر فيها الإسلام، ويمزق الأسرة، ويحطم الأخلاق، ويدوس القيم، وينشر الرذائل، ويهين شعائر الدين، ويعلق على أعواد المشانق كل معارضيه، ويحول المساجد التي كانت تصدح مآذنها بتكبيرات الأذان إلى متاحف ومخازن للحبوب؛ وحينئذٍ تنفست أوربا النصرانية الحاقدة الصعداء بقضائها على رمز الوحدة الإسلامية وتقسيمها لتركتها، وتولِّي أحد تلامذتها مقاليد الأمور ليكمل المخطط الرهيب الذي وضع بعناية فائقة لاستئصال ما تبقى من معاني الانتماء لأمة الإسلام واستبدال النزعة القومية المفرطة بها.
حتى قال آخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية مصطفى صبري رحمه الله عن مصطفى كمال: «والرجلُ مَن لا تجد إنكلترا مثلَه ولو جَدَّتْ في طلبه من حيث أنه يهدم ماديات الإسلام وأدبياته -ولا سيما أدبياته- في اليوم مالا تهدم إنكلترا نفسها في عام»٢٬٩٨٢[انظر: صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة الإسلامية، لموفق بني المرجة (ص 281)]..
وعلى كلٍّ فالقصة المأساة ذات شجونٍ تتقرّح من ذكرها العيون وتتفطر الأكباد، ولله الأمر من قبل ومن بعد، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا﴾ [الإسراء: 16]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [الأنعام: 123].
بيدَ أن هذا التغير الكبير والانتقال الخطير من معسكرٍ إلى معسكرٍ مقابلٍ له، والقفز بتركيا من كونها مركز الخلافة لتصبح بعد ذلك وكر العلمنة ومضربَ المثل في التنكُّر للدينِ، لم يحصل بين عشيةٍ وضحاها، ولم تقع الأمة التركية في شراك هذا الفخ في طرفة عينٍ، وإنما جاء بناءً على خطواتٍ مدروسةٍ وخططٍ مرسومةٍ اجتمعت لوضعها وتنفيذها والقيام عليها عقول المكر التي جرَّبت مع أقطاب الخلافة العثمانية كلَّ شيءٍ ولم تنل منهم بغيتها كما تريد وترضى؛ فما تبقى أمامها إلا تكوين تلك الشخصية الأسطورية الزائفة صاحبة الفتوحات الخارقة، والانتصارات الباهرة، والألقاب الممجِّدة، التي أخذت بلب الأتراك بل وكثير من المسلمين، بل ومن خواصِّهم وعلمائهم وشعرائهم على حين غفلةٍ منهم وإفراطٍ في السذاجة بينهم، وتعاملٍ بمنطلقِ الحماسة والانفعال السطحي، وتعلقهم ببصيص أملٍ من الظفر وعودة الأمجاد التالدة والفتوح الخالدة التي كانوا يلحظون الابتعاد عنها يومًا بعد يوم.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
اللهُ أَكْبَرُ كَمْ فِي الْفَتْحِ مِنْ عَجَبِ | يَا خَالِدَ التُّركِ جَدِّدْ خَالِدَ العَرَبِ | |
يَومٌ كَبَدرٍ فَخَيلُ الحَقِّ راقِصَةٌ | عَلى الصَعيدِ وَخَيلُ اللَهِ في السُحُبِ٢٬٩٨٣[قاله: أحمد شوقي، انظر: شعر شوقي في ميزان النقد (ص78)]. |
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
فَلتَسمَعُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ داعِيًا | يَدعو إِلى الكَذّابِ أَو لِسَجاحِ | |
وَلتَشهَدُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ فِتنَةً | فيها يُباعُ الدينُ بَيعَ سَماحِ | |
يُفتى عَلى ذَهَبِ الـمُعِزِّ وَسَيفِهِ | وَهَوى النُفوسِ وَحِقدِها الـمِلحاحِ٢٬٩٨٤[قاله: أحمد شوقي، انظر: شعر شوقي في ميزان النقد (ص91)]. |
إذن فهذه الكارثة العظمى لم تحل بديار المسلمين في طرفة عينٍ وإنما اجتمعت فيها عوامل عدة داخلية وخارجية تضافرت وتساندت وتواترت حتى وقعت الواقعة وحلَّت الباقعة ونزلت الفاجعة ولا يظلم ربك أحدا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117]، وقال ﷻ: ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [الأنعام: 131].
ومن أهم تلك العوامل:
أولًا: الابتعاد الكبير عن حقائق الدين والتهاون في التمسك الصادق بأحكامه وعقائده وآدابه، والاكتفاء في كثير من شؤونه على مجرد الانتساب والأسماء والشعارات والمواسم مع فشو البِدَع وانتشار المحدثات التي اخترقت فروع الدين وأصوله، والعكوف على الأبّهة والمراسيم وزخارف الأفعال والتي لم ولن تغني من الحقِّ شيئًا.
ثانيًا: تغلغل الدول الغربية -لا سيما بريطانيا- في جسم الدولة العثمانية وإنشاء المنظمات والهيئات المزعجة للدولة والتي تثير القلاقل والاضطرابات هنا وهناك، وتفجِّر الثوراتِ وتحرض على التمرُّد تحت دعاوى مختلفة، فكانت بمنظماتها تلك سُمًا ناقعًا يسري في أوصال الدولة الإسلامية المترامية، ويوهن قواها ويُشغلها بآلامها.
ثالثًا: إقامة المدارس على الطريقة الغربية مضمونًا وإدارةً، وتسلل الكثير من مناهجهم والتي تقوم بمهمة غسيل المخ للنشء حتى قال أحد المفكرين الغربيين مادحًا الدور الكبير الذي قامت به تلك المدارس: «إن المدارس الثانوية قد عملت في حل المسألة الشرقية ما عجز عن مثله جميع سفراء الدول في الأستانة»، وقال السلطان عبد الحميد: «إن المدارس الخاصة تشكل خطرًا كبيرًا على بلادنا، وقد كان خطؤنا جسيمًا إذ سمحنا لكل دولة في كل زمان ومكان بإنشاء المدارس التي يرغبونها، والآن نجني ضرر ما زرعنا، سمحنا لهم بفتح هذه المدارس فقاموا يعلمون الطلاب أفكارًا معادية لبلادنا».
رابعًا: إنشاء طبقة مما يسمى بالمثقفين؛ وهم المفتونون بالحضارة الغربية المغرمون بأربابها والذين جعلوا دينهم وديدنهم تقليدهم والاقتداء بهم واقتفاء أثرهم، مع زعمهم بأن كل ما نزل بهم من المصائب إنما هو ناتجٌ عن تمسكهم بالإسلام الذي يرونه رمز التخلف والتعسف والجمود والبدائية، فهو إرث ثقيل عليل يجب التخلص منه والتخلي عن أعبائه والتوجه إلى الغرب قلبًا وقالبًا، والانطلاق نحو بريق تقدمهم والانكباب عليه انكباب الحشرات على النار، والاغتراف من معين حضارتهم الآسن العفن، وقد أحسن السلطان عبد الحميد -وهو الذي اكتوى بنيران أمثال هؤلاء- حينما قال: «علينا أن نترك الحضارة الغربية لنصاراها، وألا نحسدهم على هذه الحضارة»٢٬٩٨٥[السلطان عبد الحميد الثاني مذكراتي السياسية: (ص 51)]..
وغير ذلك من الأسباب التي ليس المقصود هنا استقصاؤها وحصرها، هذا وقد هلك أتاتورك وخلَّف وراءه هذا المصائب التي لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها وترسف في أغلالها وتئن تحت وطأتها، وإن كانت تركيا اليوم -بفضل الله ﷻ- تشهد صحوةً إسلاميةً عامةً وجهاديةً على وجه الخصوص نسأل الله أن يباركَ فيها ويسددها، وهذا يعني أنها قد وصلت الغاية في العلمنة واصطلت بنارها وتجرعت زقومها، فما جنت من وراء ذلك إلا الرَّهق والتيه والشرود؛ فبدأت تفيق من غفلتها وترجع إلى رشدها، فهي عبرة لكل معتبرٍ، ودرسٌ حيٌّ لمن أراد العظة كما قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124]، فالسعيد من وعظ بغيره، وبالخصوص أولئك المنبهرون بزيف حضارة الغرب التائه الذين عكفوا على سخافاتهم يغرفون منها غرفًا ليقدموه إلى أمة الإسلام على أنه التقدم والرقيُّ والسعادة وما دروا: ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 139].
واليوم نرى سم العلمنة يسري رويدًا، رويدًا؛ ليتغلغل في أوصال جزيرة العرب، ببرامج مُعَدة، وخطوات متواصلة متأصلة، وخطط مرسومة محكمة لتحطيم ما تبقى في قلوب شعبها المسلم من الإيمان والغيرة والحميةِ والشجاعة والصيانة والحياء والنّخوة لعلمهم أن شيوع الفساد العقائدي والتحلل الأخلاقي والتمزق الفكري وإعلانه والمجاهرة به في تلك البقعة؛ يعني سهولة تقبُّل أمة الإسلام له بعد ذلك في أي موطنٍ كان، كما قال الشاعر الفارسي قديمًا: «إذا بدأت طلائع الفساد والانحرافات من فناء الكعبة ورحاب البيت الحرام؛ فعلى الإسلام والمسلمين السلام».
ومن هنا فإن التهاون والتراخي في مواجهة ومجابهة حَملة هذه الأفكار الدخيلة الذين يبثونها عبر وسائل الإعلام المتنوعة والتي سخَّرها لهم طغاة آل سعود يُعدُّ جريمةً نكراء وجريرة شنعاء وسوأة صلعاء ستجني الأمة الإسلامية خبيث ثمارها أجيالًا متلاحقة تماما كما حدث في كثيرٍ من الدول العربية والإسلامية والتي أصبحت معاني الإسلام بين أهلها أوهى من خيوط العنكبوت، وغدا معتنقو أفكار الزندقة والكفر والخلاعة والمجون بصورها المتنوعة وضروبها المختلفة يصولون ويجولون ليبتكروا كلَّ يومٍ فكرةً -ورديةً- ردية ساقطة هابطة ويلقوها للنشء المتلهف لكل جديدٍ، فيتلقّفها بغفلةٍ حتى إذا ابتلعوها وادَّاركوا فيها؛ تبدَّل حالهم وانتكست فِطرُهم وضلَّ سعيُهم، فترى السَّحنة سحنة العرب واللكنة لكنة الغرب و(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)٢٬٩٨٦[صحيح، تقدم في: (ص 1422)]..
لقد كان عزم القوات الصليبية وعلى رأسها أمريكا مسددًا نحو السيطرة على جزيرة العرب وتقسيمها حسب ما يؤدي مصالحهم ويروِّض الشعب المسلم هناك ليكون تحت يدهم ووصايتهم ورعايتهم، ولكن -وبفضل الله تعالى- لما وُفِّق المجاهدون في العراق إلى إيقاف ذلك السيل العسكري الجارف الذي جعل هذه الغاية مرحلة ثانية بعد إحكام السيطرة على العراق، وتيقنوا أن التغلّب المكشوف والمداهمة العلنية السافرة على جزيرة العرب؛ تعني أن تسيل الدماء إلى الركب وأن تنتهض الأمة الإسلامية نهضة لا يماثلها نهضة دفاعًا عن الحرمين؛ اتجهوا إلى مسارٍ آخر ألا هو التسلل الخفي -والذي أصبح الآن علنيًا- عبر عملائهم وخدمهم في المنطقة ليقوموا بمهمة التخدير لتلك الشعوب، ويمارسوا سياسة إماتة الحمية، ويقوموا بترويضها فكريًا وعقديًا وخلقيًا، ويجتهدوا لإذابة شعور التمايز بين الإسلام والمسلمين من جهة، وبين الكفر والكفار من جهة أخرى.
فشمر مخبول الجزيرة -عجَّل الله بأخذه- عن ساعديه لا يلوي على شيءٍ يساعده في ذلك عصابة مارقة من الليبراليين، مع تغافل وتكلف في التخريج لكل شنيعةٍ من قِبل بعض شيوخ البلاط فراحوا ينشرون سمومهم بين المسلمين في تلك الأرض المباركة، وشرعوا في وضع برامج مرسومة تؤدي إلى هذه الغاية وهي جعل الإسلام مجرد «إسلامٍ سعوديّ» لا يعدو أن يكون هيكلًا عظميًا باليًا ضعيفًا منخورًا مهجورًا لا يقوى على حمل ولا تحمُلٍ؛ فيدب إليه داء الأمم المجاورة من قبل، حيث ضربت العلمانية فيها بجذورها إلى الأعماق، وأصبح الدعاة يبذلون جهدًا مضنيًا من أجل تفهيم الناس حقيقة الإسلام، ومدى مناقضته لهذه العلمانية العصرية، فقد بدأ الأمر في جزيرة العرب من حيث انتهى الناس.
ومن أسفٍ فإن داءنا دائمًا هو الغفلة وعدم المبالاةِ والمبالغة في إحسان الظن في غير موطنه حتى ولو كان من نحسن فيه الظن من ألد الأعداء وأقبحهم وأوقحهم وأخبثهم وأمكرهم، ونتعامل مع الأمور الخطيرة الكبيرة بسذاجة ظاهرية لا تليق بمقام الجريمة ولا ترقى إلى مستوى الكارثة التي تدبر والمؤامرة التي تحاك؛ فنصبح كأننا نفتح الأبواب ونمهد الطرق لأعدائنا بأيدينا، ونفرط في سد الثغور العظيمة التي يتدفق منها الأعداء كتائب تترا، ثم ننشغل ببعض المواطن التي لا خطر فيها يذكر ونخادع أنفسنا بأننا قائمون بالواجب ولِمَ لا «فكلٌّ على ثغرٍ»!
فترانا نلدغ من نفس الجحر مراتٍ ومرات، ومع ذلك لا نستيقظ ولا نتنبه ولا نرعوي ولا نتألم؛ فتجد ميدان المواجهة الحقيقي الذي يحتاج إلى فحول الرجال عاريًا يصول ويجول فيه أهل الفساد وهم يلقون على الناس حِمَم الكفرِ والإبعاد عن الدين، ويجرونهم إلى ظلمات الضلالة وأنفاق العماية أفواجًا إثر أفواج، وقد أمنوا من صولة أهل الحق الذين يواجهونهم كفاحًا بعد أن أشغلوهم في صالات المؤتمرات، ومحافل الندوات، وأضاليل المباحثات، وعبث الحوارات: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ﴾ [آل عمران: 119].
وألْهوهم بشيءٍ من التوقير المصطنع، والتبجيل المتكلف، والاحترام الـمُخادِع، وتقبيل الأيدي والرؤوس، واستقبال «ولي الأمر» لهم من حينٍ إلى حينٍ ليبرِّك عليهم ويُسمعهم كلمتينِ -ولو كانت بغير معنى ولا فائدة كالعادة- ويُسمِعوه هم من الإطراء والثناء والتفخيم والتعظيم والتملق ما يعلم القائل والمقول له أنه كذبٌ، تمامًا كما قال عمرو بن العاص لمسيلمة: «والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب»، بل ويسترسلون بالتزلف بهوانٍ يتنزَّه عنه حتى صبية العلمانيين، وربما ذُرفت الدموع بين يديه مسكنةً لا سكينةً، وخنوعًا لا خشوعًا، واتِّضاعًا لا تواضعًا وما أولئك بالـمُصلحين! قال ﷻ: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
ومن مصائبنا المتكررة: أننا لا نكتشف المؤامرة ولا نعرف حقيقتها -مع وجود بوادر كشفها وتكاثرها- إلا بعد فوات الأوان ووقوع الفأس في الرأس، وبعد أن تتغلغل المصائب إلى أمخاخ عظامنا، وتعم وتطم في أنحاء البلاد، وتشمل بشرِّها الصغار والكبار والرجال والنساء، ولا يسلم منها سياسة ولا اقتصاد ولا اجتماع ولا دين ولا غير ذلك؛ فعندها ندرك أن الأمر قد دبر بليلٍ، ونجتهد في إماطة اللثام عما كان يحاك ويدبر من وراء ستار، ونتحدث حديث الخبراء، ولو أن تلك اليقظة والتنبه كانت قائمة موجودة عند بدء حيك المؤامرة والشروع في تطبيقها لاستطعنا أن ندرأ عن أنفسنا شرًا كبيرًا ونكفه قبل أن يقرع أبوابنا ولله الأمر من قبل ومن بعد.
فما من شكٍّ عند أولي البصائر أن جزيرة العرب و«مملكة آل سعود» خصوصًا يسير بها معتوهها اليوم نحو تطبيق العلمنةِ القُحة ونشرِ التحلل الكامل، وأنه جادٌّ وجاهِدٌ لوضع أُسس هذا الدين الغربي ليقطع في تشييده أشواطًا واسعةً قبل رحيله عن هذه الدنيا -عجل الله به-، وهو ماضٍ في تطبيق ما يريد غير آبهٍ بمعارضٍ، ولا ملتفتٍ لمتمعّر، لا سيما وقد وجد له من المطبِّلين والمادحين والمخرِّجين ما يكفي للتغطية على الجريمة وإسباغ الشرعية عليها، مع أنه غير حريص على تحصيلها أصلًا؛ فما أن يُحدث أحدوثته ويلقي غريبته حتى يشمِّر له المشمِّرون وينتصب المخرِّجون ويقوم الأئمة المضلون ليباركوا عليها ويسيِّجوها بسياجِ الشرعِ ويظهروا من محاسنها ومصالِحها وحسنِ عواقبها وإلحاح حاجتها ما لا يخطر على بالِ أهل العَتَه والسَّفه والبَلَه.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا | وَيَسْهَرُ الْخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ٢٬٩٨٧[قاله: المتنبي، انظر: معجز أحمد (ص 276)]. |
ليبقي الناس بعدها مُصطلين بجحيمها مُتقلبين في لظاها خائضين في أمرٍ مريجٍ من الأفكار المنحرفةِ، والضلالات المتنوِّعةِ، والسخافات المتعددة تحت عناوين متجددة تحسن الباطل وتقبِّح الحق، ولتَبرزَ صورٌ من الجرأة على الله ﷻ وديِنهِ، والاستخفاف بشعائره وحُرُماته وهتكِ مقدَّساته ومسلَّماتِه بأقلام وألسنة أغيلمة الغرب المبثوثين في أرجاء البلاد، وهم يجدون كلَّ حفاوةٍ وتقديمٍ وتكريمٍ وحمايةٍ ورعايةٍ من «أولي الأمر» -خَفَضَهم اللهُ-، فكم من القضايا التي كانت «خطًا أحمر» في جزيرة العرب لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منها أو التعريض بها أو الإشارة إليها، إذا بها اليوم مبذولة للنقاش مطروقة للبحثِ وأصبحت «أمورًا عادية» من حق كل أحدٍ أن يخوض فيها مع الخائضين ويُدلي دلوَه مع المدلين.
فهلَّا نظر الناظرونَ أولو البقيةِ الناهون عن الفساد في الأرض إلى الحال الذي آلت إليه جزيرة الإسلامِ، وأدركوا إدراكًا لا مواربة فيه أن «ولي الأمر» هو على رأس قائمة الفاسدين المفسدينَ الذينَ يدفعون البلد إلى هاوية لا قعر لها من الانسلاخ عن الدينِ وتحطيم القيم والتلاعب بالشرائع، وتفتيت المجتمع، ولا تغرّنَّهم بهرجة الأسماءِ والألقاب ولا التمسح بخدمة الحرمين والحجيج، ولا طباعة المصاحف وتوزيعها مجانًا، فإنَّ السم الخالص لا يقربه أحد، والأخطر منه ما دُسَّ في العسل، فما حالهم إلا كحالِ من قال الله ﷻ فيهم: ﴿مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]، قال السعدي رحمه الله: «قال المفسرون معناه مستكبرين به الضمير يعود إلى البيت المعهود عند المخاطبين أو الحرم أي متكبرين على الناس بسببه تقولون نحن أهل الحرم، فنحن أفضل من غيرنا وأعلى ﴿سَٰمِرٗا﴾ أي جماعة يتحدثون بالليل حول البيت ﴿تَهۡجُرُونَ﴾ أي تقولون الكلام الهجر الذي هو القبيح في هذا القرآن»٢٬٩٨٨[تفسير السعدي: (ص 554)]..
إن المسألة كما ذكرنا تحتاج إلى وقفة صارمة من أهل العلم على وجه الخصوص، مع علمنا أن كثيرًا من الناطقين بالحقِّ الصريح هم مغيبون وراء قضبان الظلم والإجرامِ، ولكنَّ المقصود أن هذا المشروع الإفسادي الذي يقوده ابن عبد العزيز لا تكفي لمعالجته التمتمات ولا كثرة الكتابة والمقالات، ولا يصدُّه ويردُّه أحاديث العمومات، بل يحتاج إلى مواقف رجالٍ لا يداهنون ولا يواربون يجعلون أنفسهم سدًا منيعًا للذب عن أمتهم المكلومة، تمامًا كما كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عند فتنة خلقِ القرآن، والتي يعُدُّها بعض سفهاء العصر المتعصرنين قضية جزئية لم تكن تحتاجُ إلى كلِّ هذا الضجيج والصجيج، هذا مع ما كان عليه المعتصم صاحب الفتنة من الشهامة والغيرة على الدينِ والحمية لحرماتِه، والجهاد لإعلاء كلمتِه، وإقرار الإمام أحمد رحمه الله له بإمارته للمؤمنين، إلا أن ذلك كلَّه لم يتخذه مركبًا وذريعةً لمداهنته وغضِ الطرف عن قبيح دعوته وفتنته، والمجاهرة بمخالفتِه ومضادَّته.
أمَّا والحالُ ما نرى اليوم في تلك الجزيرة المباركة من تسلط الأراذل وتأمُّر الأسافِل وبسط اليد للذين يكيدون للإسلامِ الليل والنهار، ويمكرون به المكرَ الكُبَّار، ويحاربونه على المستويات كافةً من عقائد وأخلاقٍ ومنهاجٍ وقِيمٍ؛ فمواجهتهم يجب أن ترقى إلى مستوى أفاعيل هؤلاء المجرمينَ برجالِ صبرٍ وصدقٍ وتضحيةٍ ويقينٍ وشجاعةٍ قبل استفحال الأمر وفوات الأوان، فالأمر لا يقوم به الجبناء الخوَّارون، ولا يحييه المتوارون الساكتون الساكنون، وإنما يضطلع به: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39].
فإذا كان مجرُّد النقد الباهِت، والنقاش الفضفاض، والانشغال بكتابة أبحاثٍ وتأصيلاتٍ لإبطالِ بعض ما يبثُّه هؤلاء لا يؤدي الغرض ولا يوقف سيلهم الإفسادي الجارف؛ فكيفَ بمن يذبُّ عنهم ويسوِّغ لهم ويُمهِّد لتخريبهم من أصحاب الألسن الحداد مِمَن رضيَ وتابع كلُّ ذلك مقابلَ منصبٍ زائلٍ أو لَقبٍ زائفٍ أو منحةٍ تافهةٍ يبيع بها دينَه ويدمِّرُ معها دينَ الناسِ، فجريمتهم من أعظم الجرائم التي يجرُّونها على الأمة في وسط هذا الليل البهيم.
هذا ولا تزال خطوات ابن عبد العزيز ماضية في تطبيق ما يريد مقتحمًا حصونًا هابها سابقوه، فخاض هو غمارَها كما يشاء بجدٍّ ومسارعةٍ وقوةٍ، وكلها تصبُّ في اتجاهٍ واحدٍ وهو حربُ الدينِ واتِّباع سبل الغيِّ والصدِّ عن الرشد والهدى.
كما قال ﷻ: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 146].
ولعله بذلك استحقَّ أن تُصنِّفه إحدى المجلات الأمريكية بأنه ثالث أقوى الشخصيات تأثيرًا في العالم بعد رئيسي الصين وأمريكا، فأي مؤهلاتٍ يحملها عبد الله حتى يتبوأ هذه المرتبة ويكون له هذا التأثير؟!
فمن الوسائل المستخدمة في مسخ المجتمع الإسلامي في الجزيرة العربية:
أولًا: الدعوة الصريحة إلى تقاربِ الأديان والشغوف بابتكار «الدين الإنساني»، والذي حوَّره المخرِّجون إلى مصطلح «تحاور الأديان»؛ ليموهوا به على الكفر الصراح ويجدَ له رواجًا بين الناسِ البسطاء الذين ما كان لهم ولا لآبائهم علمٌ بهذا الوارد الجديد، ثم هو لم يتوقف عند مجرد الدعوة النظرية، بل أقام لذلك المؤتمرات على أعلى المستويات، ففي «12 نوفمبر 2008م» افتتح مؤتمر حوار الأديان في مرحلته الثالثة، ودعا فيه إلى إنشاء مؤسسة عالمية للحوار والسلام الإنساني يكون منبثقًا عن الأمم المتحدة، ولم تزل هذه الدعوة نشطة وينفخ فيها النافخون، وينفق عليها الملايين من أموال المسلمين، فهي دعوة تمهيدية لإذابة العداوة القائمة بين المسلمين والكفرة، ولا سيما بين أهل تلك الجزيرة الذين تربوا على معاني الولاء والبراء والتمايز بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وأدنى التفاتة إلى كتب أئمة الدعوة تعرِّفكَ بحكم هذه الدعوةِ وحكمِ من يقوم عليها، بل حتى هيئة كبار العلماء لها فتوى صريحة مؤصلة في هذا الموضوع؛ فلماذا يتم التجاوز عن كلِّ ذلك، ويهوَّن في أعين الناس؟! ومَن الذي يُنتظر منه أن يقوم مقام الصديقين ليقذف بالحق على الباطل حتى تزال الغمة وتُنقذ الأمة؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174].
ثانيًا: التدرج في قتل الأخلاق والعفة والحصانة التي تغلب على ذلك المجتمع الطيب، بإقحام المرأة في مجالاتٍ عدة وإنشاء وزارات خاصة بها، ومعلوم أن أبواب إفساد المجتمع دائمًا إنما هو المرأة، وهو السبيل الذي حرص عليه دعاة الماسونية والصهيونية، وهي أول فتنة بني إسرائيل، فما تقوم به وسائل الإعلام التي يشرف عليها بعض أمراء آل سعود من نشرٍ للرذيلة وترويج للتهتك وغزوٍ للشباب والفتيات في قعر البيوت لهو من أعظم ما يحطِّم المجتمع ويقطع أوصاله ويخرِّب دياره ويجرّه إلى مستنقعات الفساد النتنة التي تضجَّ منها مجتمعات الغرب وغيرها.
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
إِذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو سُعُودٍ | وَجَدْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا٢٬٩٨٩[أصلها بيتُ لجرير. انظر: منتهى الطلب من أشعار العرب (ص162)، لفظه: بنو تميم، وعدله الشيخ إلى آل سعود]. |
ثالثًا: ابتعاث عشرات الآلاف من الشباب والفتيات إلى الخارج لتلقي العلوم المختلفة والامتزاج التام بالشعوب الممسوخة، وتلقف أنواع الأفكار منهم والتشبع والافتتان بها، ثم العودة بها إلى بلاد المسلمين والقيام بنشرها والدعوة إليها ورفع شعاراتها، وتحقير مخالفيها، فينشأ جيل ممسوخ الفكر مُنتكس الفطرة عديم الأخلاق تعاني منه الأمة الإسلامية عقودًا وعقودًا، وهذا من أعظم ما يرسِّخ مبادئ الغرب ويسوِّقها في تلك الجزيرة، وضرره ليس مقصورًا على فترةٍ محدودة قريبة، بل مداه سيتمادى إلى ما شاء الله، والتجارب المعاصرة في هذه القضية لا تزال حيَّةً فهل من مدَّكر؟
قال العلامة بكر أبو زيد رحمه الله: «ومن أَلْأم هذه المسالك ما يعود به عدد من المبتعثين من شباب هذه الأمة إلى ديار الكفر، إذ يعودون وهم يحملون تحللًا عقديًا رهيبًا منضوين تحت لواء حزبي مارق وفي لحظات يمسكون بأعمال قيادية عن طريقها ينفِّذون مخططاتهم ويدعو بعضهم بعضًا فيتداعون على صالحي الأمة وعلى صالح أعمالها، وهذا أضرّ داء استشرى في هذه الجزيرة فهل من متيقظ؟! وهل من مستبصر؟!»٢٬٩٩٠[20 ضمانة لحماية جزيرة العرب: (ص 10)].، كتب هذا في العشرين ضمانة لحماية جزيرة العرب، ومع ذلك فقد ذهبت كلماته أدراج الرياح، وما ازداد الأمر إلا سوءًا ولا الشر إلا فشوًّا، والابتعاثات تغدو خماصًا وتعود بطانًا بالأفكار والتحلل، وحكومة آل السعود تزيد في الامتيازات وتضاعف التسهيلات وتتحمَّل عبء النفقاتِ وشياطينهم تؤزُّ الشباب إليه أزًّا، كلُّ ذلك قطعًا ليس لوجهِ الله، فليُنظر لوجهِ مَن إذن!
قال ﷻ: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 27].
رابعًا: إنشاء المدارس الأجنبية باتجاهاتها المختلفة، وإقحام ناشئة المسلمين فيها؛ ليتلقفوا وهم في بلدانهم أفكار الغرب ونظريات الغرب ولغات الغرب، فمن عجز عن التعلم في ديارهم فلن يعجزه أن يتعلم في مدارسهم ولو في عقر دار المسلمين، والنتيجة واحدة وهي تحطيم هذا الجيل وربطه فكرًا وعقيدةً وسلوكًا بأهل الغرب ومدارسهم ونظرياتهم، وقد كتب فيها العلامة بكر أبو زيد كتابًا خاصًا مستقلًا٢٬٩٩١[وعنوانه: المدارس العالمية الأجنبية - الاستعمارية تاريخها ومخاطرها، ويقع في ثمانين صفحة، وهو نافع للغاية، ومليء غيرة ونصحًا].، ومع ذلك فما زال سعيرها يلتهم شباب الجزيرةِ ويذيب شخصيتهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خامسًا: تكميم كل الأفواه الصادقة التي تكشف الحق وتميط اللثام عن الحقيقة، والزج بأهلها في السجون غير مأسوف عليها ولا مسؤول عنها، وفي المقابل فتح المجال على مصراعيه لدعاة الإلحاد والإفساد والانحلال وتبوؤهم أعلى المراتب في الدولة، وتسليم الأقلام لهم تجوب على صفحات الجرائد المرموقة المشهورة وفي المواقع المعروفة على الشبكة، ولا يمر زمن إلا وتنبغ فكرة أو تتولد قضية يثيرونها ويطرحونها للنقاش والبحث واللغط؛ فيأخذ كل كاتب مأخذه منها، ولكل وجهة هو موليها، وفي النهاية تخرج تلك القضية من دائرة التقديس والتعظيم والتهيب إلى حلبة البحث والنظر والأخذ والرد والاختلاف «مع الآخر»؛ فتتحطم قدسيتها وتزول هيبتها وتأكلها الأقلام، حتى يصبح الكلام فيها مبذولًا لكل أحد علم أم لم يعلم، وهذا أسلوب خبيث ماكرٌ استُدرج إليه بعض الطيبين؛ فراحوا يغوصون في بطون الكتب ليثبتوا بطلان هذا القول أو ذاكَ، كمسألة الاختلاط أو الغناء مثلًا، وهذا مع أنه جهدٌ مشكورٌ إلا أن الأمر وراء ذلك، وعليهم أن يدركوا تمام الإدراك أن من يخاطبونهم ممن يثيرون هذه القضايا وينفخون فيها لا يعتدُّون أصلًا بالشرع وأقواله، بل ربما تعمَّدوا وتقصَّدوا مخالفته، فأكثرهم زنادقة مارقون أجسامهم بين أهل الجزيرة وعقولهم وأرواحهم في عواصم الغرب، فما هم إلا حبل وصلٍ بين ما يُبث في الغرب وينشر في الشرق، فالانشغال مع أمثال هؤلاء في الاستطراد لكتابة الأبحاث الشرعية والإكثار من الأدلة ونقولات العلماء؛ هو ضرب من ضروب الإشغال المقصودة لديهم، فشعار هؤلاء: ﴿لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
ومثله: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ﴾ [سبأ: 31]، هؤلاء لا تنشرح صدورهم ولا تطيب نفوسهم ولا تنفرج أساريرهم إلا حينما يُنبذُ الحق وراء الظهور، ويقدَّم عفن الغرب مُفخّمًا مُعظَّمًا في كلِّ محفلٍ ومعهدٍ تماما كما قال ﷻ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]، وكما قال ﷻ: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ﴾ [الحج: 72].
وانظر كم من الرسائل والأبحاث والفتاوى التي كتبت في الردِّ عليهم أو بيان بطلان «أدلتهم!!»، ومع ذلك فما زالوا يتكاثرون لا كثّرهم الله، ويتواصون: ﴿أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ [ص: 6].
سادسًا: تسخير بعض علماء الدرهم والدينار والريال ليقوموا بمهمة إظهار الخلاف الشرعي في كل مسألة يطرحها ولي أمرهم، مع أنهم كانوا من قبل يعدون تلك المسائل من المسلمات القطعيات، ولكن... لكل مقامٍ مقال! ويجتهدون في بحث المخارج الدقيقة التي تنجي ولي نعمتهم من التورط في الاتهام بتضليله أو تكفيره، ويضربون حول أعماله سياجًا شرعيًا واقيًا قويًا مشحونًا بالأدلة الممزوجة بالأهواء ولي أعناق النصوص كما يفعل اللصوص؛ فيبقى ذلك الأخبل يمرر مشاريعه لتكفير المجتمع وسلخه من قيمه وأخلاقه، وهؤلاء البله يبررون له ويسوغون أفعاله ويشرعونها «يجعلونها شرعية»، أو على الأقل هي لا تخرج عن قول من أقوال بعض العلماء، أو على الأقل فإن المسألة فيها خلاف وهلم جرًّا.
روى البيهقي٢٬٩٩٢[٢٠٩٢١]. عن إسماعيل القاضي قال: «دخلت على المعتضد فدفع إليَّ كتابًا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه؛ فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب».
فسد بذلك بابًا عظيمًا من أبواب الشر كاد يفتح على الأمة؛ لأن الجهل أو ما يظن دينًا إذا انضم إليه تبني السلطان له فاجتمعت القوة معه؛ انتشر في الناس وصار مذهبًا متقبلًا، إما طوعًا أو كرهًا، وما تمر الأيام وتتوالى الأجيال حتى يألفه الناس ويعتادوه فلا يحسبون أن هناك دينًا سواه وهكذا يذهب الحق ويغيب الهدى، فإذا كان كلام هذا الإمام فيمن جمع زلات العلماء وهم لا شك قد استدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة وإن كانت مرجوحة؛ فكيف بزنادقة العلمانيين وأفراخ الليبراليين الذين ليس لهم مقصد أصلًا إلا هدم الدين ومخالفة الشرع ومناقضة أدلته وإبعاد الناس عنه ونشر الفجور والمجون وإشاعة الفواحش بين عوام الناس وإلزامهم بأفكار ومذاهب غربية غريبة تشربتها قلوبهم وطابت بها أنفسهم الخبيثة؛ فأرادوا أن يضلوا بعدما ضلوا وأن يزيغوا بعدما زاغوا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
وأخيرًا: فإن الموضوع أخطر وأكبر من أن تأتي عليه وريقات كهذه، ولا يزال في الجعبة الكثير، وإنما المقصد هو التنبيه والتحفيز حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها وتذوق الأمة السوء بالصدِّ عن سبيل الله من لفيف المنحرفين والمفسدين وأصحاب الأهواء والشهوات؛ فليشمر أهل الحق عن ساعد الجدِّ، وليصدعوا بكلمة الحق صراحًا كفاحًا، وليتوكلوا على ربهم؛ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، فالله خيرُ حافظٍ وهو أرحم الراحمين، نسأل الله أن يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته، ويحفظ البلاد والعباد من فساد ذوي العناد والإلحاد.
والحمد لله رب العالمين
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: أتاتورك جزيرة العرب
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا