الدرس الرابع: من يحرم قتله - أصناف الكفار - مسألة المدنيين
۞
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى من اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد...
[مسائل لم تُذكر في الدرس الفائت المفقود]
تكلمنا بالأمس على بعض المسائل المتعلقة بفقه الجهاد؛ فمن ذلك: حكم فرار المسلم من الكفار إذا كان عددهم مِثلَيْ عدد المسلمين أو يزيد٢٬٥٢٢[لم يكن الدرس الفائت الذي بين أيدينا عن هذه المسائل؛ مما يدل على وجود نقص في السلسلة المسجلة، وأقدر بعد مراجعة «الإقناع» أن النقص درسان كاملان؛ فقد ذكر الشيخ مسائلَ، وأغفل أخرى قبلها لم ترد في الدرس الفائت كجهاد المدين، ويحتمل أن تكون هذه المسألة محذوفة من أصل المقتطفات؛ فيكون الفائت درس واحد فقط، والله أعلم].، وقلنا أن فيها تفصيلًا:
1- الحالة الأولى: يحرم على المسلم أن يفر لقول الله ﷻ: ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ﴾ [الأنفال: 66]، ويجوز له ذلك إذا كان فراره تحرفًا لقتال أو تحيزًا إلى فئة.
2- الحالة الثانية: إذا زاد العدد على المثلين؛ فيجوز له أن يفر، وهو من التخفيف الذي خفف الله ﷻ به على هذه الأمة، وكما قلنا: فإن ابن عباس رضي الله عنه قال: «من فرَّ من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر»٢٬٥٢٣[المعجم الكبير للطبراني: (١١١٥١)]..
وتكلمنا أيضًا على المسلمين إذا كانوا في سفينة فألقى العدو نارًا فاحترقت سفينتهم، وذكرنا بعض الحالات هل يجوز لهم أن يلقوا بأنفسهم في البحر أو يصبروا في السفينة؟ وذكرنا تفصيل ذلك.
ثم بعد ذلك تكلمنا على تبييت الكفار وقلنا: يجوز تبييت الكفار؛ وهو كبسهم ليلًا؛ أي الإغارة عليهم ليلًا، حتى ولو أدى ذلك إلى قتل من لا يجوز قتله قصدًا من النساء والصبيان ونحوهم.
وكذلك قلنا: يجوز رمي الكفار بالمنجنيق، والمنجنيق يعم به القتل، وكذلك إذا لجؤوا إلى مطمورة أي إلى نفق؛ فيجوز في مثل هذه الحالة التدخين عليهم، ويجوز أيضًا تغريقهم بالماء، حتى ولو أدى ذلك إلى قتل النساء والصبيان تبعًا.
ثم تكلمنا على عقر دوابهم، وقلنا: لا يجوز عقر شيء من دوابهم إلا إذا كان لِمأكَلة، أو كان في حال امتناعهم؛ أي في حال المقاتلة.
وتكلمنا أيضًا على حرق النخيل وإتلاف الزرع، وقلنا له ثلاث أحوال:
1- الحالة الأولى: يحرم إحراق نخيلهم وأشجارهم وإتلاف زروعهم إذا كان في إحراقه وإتلافه ضرر على المسلمين؛ لانتفاعهم بهذه الأشجار كانتفاعهم بظلها أو بثمرتها.
2- الحالة الثانية: إذا دعت الحاجة إلى قطع هذه الأشجار وكذلك إلى إتلاف ذلك الزرع، ففي هذه الحالة يجوز أيضًا كأن يكون الحصن الذي يريد المسلمون أن يفتحوه محاطًا بالأشجار التي تحول بينهم وبين الوصول إليه، أو أن يكون الكفار يستخدمون هذه الأشجار للاختفاء وراءها.
3- والحالة الثالثة: إذا لم يكن في إتلافها ضرر على المسلمين، ولم تدعُ الحاجة إلى ذلك، ولكن يُفعل هذا إغاظة للكفار؛ فذكر هنا أن هذه الحالة يجوز فيها الإتلاف أيضًا.
وكذلك ذكر أنه يجوز رميهم بالحيات والعقارب وذلك بوضعها في كفة المنجنيق وإلقائها عليهم.
وكذلك إذا وجد شيء من كتبهم المحرفة فإنه يجوز إتلافها، ويتلف معها أيضًا الجلود التي تغلف بها، لماذا ينصون على الجلود؟ لأنها مال يمكن أن يُنتفع به، ولكن هنا لأنها صارت جزءًا من هذا الكتاب بالتَبع؛ فلذلك جاز إتلافها.
من يحرم قتله من الحربيين
قال المصنف: «وإذا ظفر بهم حرم قتل صبي وامرأة وخنثى وراهب ولو خالط الناس وشيخ فانٍ وزَمِن وأعمى، وفي المغني: وعبد وفلاح لا رأي لهم إلا أن يقاتلوا أو يحرضوا عليه ولا يقتل معتوه مثله لا يقاتل».
ذكر هنا مَن لا يجوز قتله من الكفار، والمقصود بعدم الجواز هنا: عدم جواز قصد القتل؛ أي لا يجوز لهم أن يتعمدوا قتلهم إلا في بعض الحالات التي سيذكرها فتكون مستثناة من هذا الأصل.
وقوله: «إذا ظفر بهم»؛ يعني أنهم إذا صاروا مقدورًا عليهم، فصاروا تحت قدرة وتحت يد المسلمين، وأما في حالات الامتناع، وهي التي أشار لبعضها قبل ذلك كالرمي بالمنجنيق وكالتبييت ليلًا، وكتدخين المطمورات ونحو ذلك، فهنا لم يُظفر بهم بعد؛ يعني لم يُقدر عليهم بعد؛ فلذلك جاز قتلهم تبعًا، فالمقصود أصالةً هم المقاتلة، وقتل هؤلاء تبعًا.
وأما هنا فبعد أن تمكنوا منهم وصاروا تحت قبضة المسلمين وفي يدهم، فقال: «لا يجوز قتل المرأة والصبي»، وهذا متفق عليه بين العلماء وفيه الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان)، والحديث متفق عليه٢٬٥٢٤[البخاري: (٣٠١٥)، ومسلم: (١٧٤٤)]..
ثم عدَّد بعض الأصناف الأخرى التي لا يجوز قتلها.
ومَن حرَّم الشرع قتلَه على قسمين: قسم متفق على تحريمه، وقسم مختلف فيه.
1- فأما المتفق على تحريمه: فهم النساء والصبيان، والحديث في ذلك كما قلنا صحيح.
2- وأما المختلف فيه: فهم ما سوى ذلك.
وذكر هنا هذه الأصناف فقال: «حرُم قتل صبي وامرأة»، والسبب في النهي أو في تحريم قتلهم كما ذكره الشارح [في «كشاف القناع»]:
- أولا: ثبوت ذلك عن النبي ﷺ حيث نهى.
- والأمر الثاني: أن النساء والصبيان يصيرون سبيًا أو رقيقًا بنفس السبي؛ أي بمجرد أن يقعوا في يد المسلمين ويكونون تحت قبضتهم فإنهم صاروا أرقاء، يعني صاروا عبيدًا، وما داموا قد صاروا عبيدًا فقد أصبحوا من أموال المسلمين؛ فقتلهم إتلاف لأموال المسلمين.
قال الشارح: «فإن شك في بلوغ الصبي عوَّل على شعر العانة»؛ أي إذا لم يعرف أهذا قد بلغ أم لم يبلغ؛ فإنه يكشف عنه، فإن وجد الشعر فإنه قد بلغ كما فعل هذا الصحابة رضي الله عنهم في بني قريظة.
قال المصنف: «وخنثى»؛ أي ولا يجوز قتل الخنثى لاحتمال أن تكون امرأة.
قال: «وراهب ولو خالط الناس»؛ أي ولا يجوز قتل الراهب ولو لم يكن معتزلًا في صومعته، يعني حتى ولو كان يخالط الناس.
وكما قلنا: هذه الحالات كلها مختلف فيها، والصحيح أنَّ الراهب إذا كان مخالطًا للناس؛ أي يخالطهم في بيعهم وشرائهم وفي مجالسهم ثم يلجأ إلى صومعته فهذا كما قال شيخ الإسلام: أولى بالقتل من غيره؛ لأنه إمام من أئمة الكفر.
أما إذا اعتزل في صومعته ولا يخرج إلا لحاجته فقط؛ يعني لِمَا يستعين به على طعامه وشرابه؛ فهذا هو الذي لا يجوز قتله على مذهب الجمهور.
قال: «وشيخ فانٍ»؛ أي لا قوة فيه، فهذا أيضًا لا يجوز قتله، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ﴾ [البقرة: 190]، قال: «لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير»٢٬٥٢٥[تفسير الطبري (3/291)].، وذلك لأنهم نظروا إلى المعنى الذي نُهِي لأجله عن قتل النساء والصبيان، فالنساء والصبيان ليسوا في الأصل من أهل القتال؛ يعني طبيعتهم وبِنيتهم ليست مهيئة للقتال، أما المرأة؛ فلضعفها وخوَرها؛ أي جبنها، وكذلك الصبي؛ لضعفه ولأنه ليس من أهل التكليف، فحيث وجد هذا المعنى؛ أي حيث وجد معنى عدم التهيؤ للقتال؛ فيُلحق بهم من توفرت فيه هذه العلة، ولذلك ذكروا بعض هذه الأصناف ومنها: الشيخ الفاني الهالك الذي لا قوة فيه.
قال: «وزمِن وأعمى»؛ أي كذلك يحرم قتل الزَّمِن وهو: المقعد والمشلول، يعني الذي لا يقوى على المشي فهذا حكمه حكم الشيخ الفاني، ويُلحق أيضًا بالنساء والصبيان بجامع عدم القدرة أو عدم التهيؤ للقتال، وكذلك الأعمى؛ لأنه لا يستطيع القتال مع عماه فهو أعمى البصر والبصيرة.
«وفي المغنى: وعبد» يعني زاد الإمام ابن قدامة رحمه الله فيمن لا يجوز قتله: العبد..».، وذلك لحديث النبي ﷺ أنه مر على امرأة قتيل فقال: (ما بال هذه؟! ما كانت هذه لتقاتل)، ثم قال للرجل: (الْحق خالدًا يعني اتبعه وكان في المقدمة فقل له: لا يقتلن امرأة ولا صبيًا ولا عسيفًا)٢٬٥٢٦[سبق بألفاظ قريبة في: (ص 1896)].، فبعض العلماء فسر معنى العسيف أنه الأجير، وبعضهم فسر معناه بأنه العبد.
قال: «والفلاح»؛ أي الذي لا يهمه من حكَم، إنما همه فقط أن تبقى له مزرعته ليعمل فيها، وقد روي عن عمر رضي الله عنه قال: «اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب»٢٬٥٢٧[رواه البيهقي: (١٨١٥٩)].؛ أي لا تشغلوا أنفسكم بهم، فإن لهم دنياهم يشتغلون فيها، ولأن الصحابة رضي الله عنه لم يقاتلوهم حين فتحوا البلاد، ولأنهم لا يقاتلون فأشبهوا الشيوه والرهبان.
وهؤلاء الذين ذكرهم جميعًا؛ القيد الذي يحرم معه قتلهم أن يكونوا: «لا رأي لهم»؛ بمعنى أنهم لا يشاركون برأيهم في الحرب، وليسوا أصحاب تدبير ولا أصحاب مشورة في الحرب، فإذا صار الواحد منهم صاحب رأي وتدبير فإنه يقتل هنا؛ لأنه انتقل إلى صفة المقاتلة، وخرج من الحالة التي كان هو فيها وحرُم بسببها دمه؛ لأن القتال كما يكون بالفعل يكون أيضًا بالرأي.
وورد أن دريد بن الصمة في غزوة حنين وقد كان رجلًا فانيًا حتى ذُكِر أن عمره قد بلغ المئة وعشرين سنة، ففي ذلك الوقت قتله بعض الصحابة ولم ينكر النبي ﷺ عليهم قتله٢٬٥٢٨[صحيح البخاري: (٤٣٢٣)، وصحيح مسلم: (٢٤٩٨)].؛ لأنه كان مشيرًا؛ أي كان صاحب رأي في هذه المعركة.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
الرَّأيُ قَبْلَ شَجاعةِ الشُّجْعَانِ | هُوَ أوّلٌ وَهيَ الـمَحَلُّ الثَّاني | |
فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ | بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلَّ مكانِ | |
وَلَرُبّما طَعَنَ الفَتى أقْرَانَهُ | بالرّأيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الفرسانِ٢٬٥٢٩[قاله: المتنبي. انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص54)]. |
فهذه الحالة الأولى التي يستثنى فيها قتل هؤلاء: إذا كانوا ذوي رأي وتدبير في الحرب؛ يعني رأيهم يتعلق بالحرب والقتال.
والحالة الثانية: «إلا أن يقاتلوا»؛ فإذا قاتلوا فعلًا أو قولًا جاز قتلهم باتفاق العلماء، وليس في هذا خلاف بين العلماء، وذكر هذا الإجماع غير واحد منهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والدليل على أن الواحد منهم إذا قاتل قُتل؛ أن النبي ﷺ رأى الصحابة مجتمعين على شيء فأرسل رجلًا فقال: (اذهب فانظر علامَ اجتمع هؤلاء)، فقال: «على امرأة قتيل»؛ يعني على امرأة مقتولة، فعيل بمعنى مفعول؛ فقال النبي ﷺ: (ما كانت هذه لتقاتل)٢٬٥٣٠[سبق قبل قليل].؛ أي ما كان ينبغي لهذه أن تخرج على طَبيعَتِها فتقاتل فتستحق القتل؛ ولذلك قال العلماء: «يؤخذ من هذا الحديث أن المرأة إذا قاتلت قُتلت»٢٬٥٣١[الإشراف لابن المنذر: (4/22)، وغيره].، وهكذا الحكم في غيرها من باب أولى؛ لأن حرمة قتل المرأة ثبت بإجماع العلماء، فإذا جاز قتل من اتُّفِق على حرمة دمه بسبب مقاتلته، فقتلُ من اختُلف فيه من باب أولى.
ولكن اختلف العلماء بعد ذلك في المرأة؛ أيجوز قتلها فقط في حال مقاتلتها ومدافعتها؟ أم يجوز قتلها حتى بعد أسرها إن كانت مقاتلة؟ هناك خلاف بين العلماء، والراجح أن المرأة إذا كانت مقاتلة وأُسرت وهي في حال مقاتلتها؛ جاز قتلها حتى بعد الأسر؛ لأنها خرجت بطبيعتها عما كانت عليه من ترك القتال ومن عدم التهيؤ له.
والحالة الثالثة، قال: «أو يحرضوا عليه»؛ أي يحرضوا على القتال ويشجعون المقاتلين من الكفار ويحثونهم ويدفعونهم ويرفعون معنوياتهم ويحرضونهم على قتال المسلمين؛ فهذا أيضًا يبيح دماءَهم؛ لأنه مقاتلة بالرأي ومقاتلة باللسان، ورُبَّ جيش كان على وشك الانهزام إلا أن تحريض هؤلاء كالنساء وغيرهم؛ يؤدي إلى صبرهم وثباتهم وإلحاق الهزيمة بالمسلمين، فيكون هؤلاء المحرضون مشاركين في إنزال الهزيمة بالمسلمين؛ فلذلك كان التحريض جزءًا من القتال ومقدمة له، كما قال الله ﷻ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84]، وقال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ﴾ [الأنفال: 65] يعني: حُثهم وحُضَّهم وشجعهم على القتال.
قال: «ولا يقتل معتوه»؛ وهو مختل العقل، المجنون، فمثله لا يقاتِل؛ فإذا كان حال مثله أنه لا يقاتل لاختلال عقله.
قال المصنف: «ويقتل المريض إذا كان ممن لو كان صحيحًا قاتَل كالإجهاز على الجريح»، نحن قلنا: إن الزَّمِن وهو المريض في الحقيقة لا يجوز قتله، ولكن قال هنا: «ويجوز قتل مريض إذا كان ممن لو كان صحيحًا قاتل»؛ فمثلًا: وجدنا رجلًا مريضًا فقط تؤلمه بطنه ما استطاع أن يخرج إلى المعركة بسبب آلام في بطنه أو في رجله، فهذا لو كان صحيحًا لولا هذا المرض الذي هو فيه لكان مقاتلًا فهذا يجوز قتله؛ لأن حكمه كحكم الإجهاز على الجريح، والجريح مريض.
أحد الحضور: يجوز الإجهاز؟
الشيخ: نعم، ويكون حكم هذا المريض كحكم الإجهاز على الجريح في الجواز؛ لأن الجريح مريض، بعد أن يُجرح صار مريضًا.
قال: «وإن كان ميؤوسًا من برئه فكزِمَن»؛ أي إذا كان مريضًا مرضًا لا يُرجى برؤه، فهذا حكمه حكم الزِّمِن، وهو المقعد.
مسألة قتل المدنيين
سنتكلم على هذا الموضوع بشيء من التفصيل، فعندنا الآن مقولة شائعة في وسائل الإعلام وفي الكتب وعلى ألسنة الصحفيين، بل على ألسنة كثير من الدعاة والمشايخ وطلبة العلم وعوام الناس وهي قولهم: إنه لا يجوز قتل المدنيين؛ فنحن باعتبارنا من أكثر الناس اتهامًا بقتل المدنيين والتهمة دائمًا موجهة إلينا في ذلك؛ فعلينا أن نضع هذه العبارة في ميزان الشرع؛ لنرى إن كان أصحابها مصيبين فيما يقولون أم مخطئين، ولنرى إن كانت التهمة التي توجه للمجاهدين في ذلك صحيحة أم خاطئة.
أول شيء في هذه المسألة: ننظر في أصناف الكفار من جهة علاقتهم بالمسلمين؛ أي بالنظر إلى علاقتهم بالمسلمين، فلا يخلو حال الكافر بالنظر إلى علاقته بالمسلمين أن يكون واحدًا من الأصناف التي سنذكرها:
1- الصنف الأول: الذميون؛ أي أهل الذمة.
2- الصنف الثاني: المعاهَدون؛ أي أهل الصلح.
3- الصنف الثالث: المستأمَنون.
4- الصنف الرابع: الحربيون.
فكل كافر على وجه الأرض سواء كان رجلًا أو امرأة، شيخًا أو شابًا؛ فلا يخلو حاله بالنظر إلى علاقته بالمسلمين، أي بالنظر إلى كيفية العلاقة التي بينه وبين أهل الإسلام؛ لا يخلو أن يكون واحدًا من هؤلاء الأربعة.
- إما أن يكون الكافر ذميًا، وهم: الذين تؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.
- وإما أن يكون معاهدًا وهو: الكافر الذي تكون بين دولته وبين دولة الإسلام معاهدة أو صلح.
- وإما أن يكون مستأمنًا وهو: الكافر الذي تحصّل على عقد أمان مع آحاد المسلمين أو مع بعضهم.
- وإما أن يكون حربيًا.
فإذا عرفنا تعريف كل واحد من هؤلاء نستطيع بعد ذلك أن نعرف حال الكفار في هذه الدولة أو في تلك الدولة.
1- أما أهل الذمة أو الذميون فتعريفهم: كل كافر كان بينه وبين المسلمين عقد مؤبد على دفع الجزية، إذن عقد الجزية عقد مؤبد؛ بمعنى أنه ليس محددًا بزمن معين، وإنما هو الْتزام من المسلمين بأن يدافعوا عن أهل الذمة وأن يؤمّنوهم على أنفسهم وعلى أموالهم وعلى دمائهم، وأن يلتزمَ أهل الذمة بالشروط التي يفرضها عليهم المسلمون، ومنها إجراء أحكام الإسلام عليهم ودفع الجزية، وأحكام أهل الذمة طويلة، ولكن المقصود هنا أن أهل الذمة هم أصحاب العقد المؤبد الدائم، وليس محددًا بزمن معين.
2- وأما المعاهدون أو أهل الصلح: هم الذين يكون بين دولتهم ودولة الإسلام معاهدة أو صلح على وقف القتال مدة معينة، يعني المقصود من المعاهدة هو إيقاف القتال بين دولة الإسلام وبين دولة الكفار.
فيكون بين الدولة والدولة، مثل: ولي الأمر أو من ينوب عنه مثل قائد الجيش في ناحية من النواحي؛ فيعقد صلحًا مع طائفة من الكفار، أو مع حصن مثلًا لمدة معينة، فهذا يدخل أيضًا في الصلح، فالمهم أنه يعقده الممثل للدولة.
3- وأما المستأمنون فهم آحاد الكفار؛ يعني العقد ليس بين دولة ودولة، ولا هو عقد مؤبد، وإنما هم آحاد الكفار الذين حصل لهم عقد أمان من آحاد المسلمين، وقد يكون طائفة من الكفار حصل لهم عقد أمان من بعض المسلمين؛ يعني نقول: هم أصحاب عقد الأمان الذي يكون من بعض المسلمين، فلا يشترط أن يكون من دولة المسلمين، بل حتى ولو كان من آحاد المسلمين، وكل واحد من هؤلاء له أحكامه، وبعضها سنمر عليه إن شاء الله، وبعضها مثل أحكام أهل الذمة فلا نحتاجها الآن، والآن مقصودنا فقط: التمييز بين أصناف الكفار.
4- الحربيون، جمع حربي، وتعريفه: هو كل كافر ليس بينه وبين المسلمين عقد ذمة ولا صلح ولا أمان، كل كافر ليس بينه وبين المسلمين لا عقد ذمة فهو ليس من القسم الأول، ولا عقد صلح فهو ليس من المعاهدين، ولا عقد أمان فهو ليس من المستأمنين، إذن هذا هو الأصل وهذا هو الاستثناء؛ أي الأصل في العلاقة بين المسلمين وبين الكفار ألا يوجد عقد بينهم، وإنما العقد شيء طارئ على هذا الأصل؛ إذن هذا هو تعريف الحربي.
ونحن نصفه بأنه حربي باعتبار العلاقة التي بينه وبين المسلمين، حيثُ ليس فيها أي نوع من أنواع العقود، لا الذمة ولا الصلح ولا الأمان.
والحربيون على قسمين: حربي مباح الدم، وحربي محرم الدم.
1- الحربي مباح الدم: بحسب الشريعة وكلام الفقهاء هو: «كل رجل بالغ عاقل مطيق للقتال»؛ فهذا دمه على أصل الإباحة؛ يعني الشرع أباح دمه لقول الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ﴾ [التوبة: 36]، ولقوله ﷻ: ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ﴾ [النساء: 89]، ولقول الله ﷻ: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ [التوبة: 29]، ولقول النبي ﷺ: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)٢٬٥٣٢[تقدم في: (ص 95)]، (بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده)٢٬٥٣٣[تقدم في: (ص 2582)]..
وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على هذا، طبعًا توجد بعض الحالات التي تستثنى والتي تدخل في هذا القسم، ولكن هذا كتعريف عام.
2- وأما الحربي الذي يكون دمه محرمًا -وتأمل أنَّ هذا وصفناه بأنه حربي، وهذا وصفناه بأنه حربي، والفرق بينهما أن هذا أباح الشرع دمه وهذا حرم الشرع دمه-، فهو أقسام:
1. النساء.
2. الصبيان، وهذان النوعان متفق عليهما.
3. الشيخ الفاني.
4. الزمِن.
5. العسيف، سواء سماه بالأجير أو بالعبد.
6. الراهب المعتزل.
وهذه الأمور التي عددناها في الكتاب، وهذه صور مختلف فيها، ومذهب الشافعي أنه لا يستثنى إلا النساء والصبيان فقط، وأما البقية فكلهم دمهم مباح في مذهب الشافعي، وكذلك هذا الذي ذهب إليه الإمام ابن حزم فقط أنه يُحرم النساء والصبيان، والباقي كلهم دمهم مباح.
وأما جمهور العلماء وهم الأحناف والمالكية والحنابلة فقد وافقوا في تحريم النساء والصبيان كما هو متفق عليه، وزادوا أصنافًا أخرى اختلفوا في بعضها وتوافقوا في بعضها؛ فكلهم يردونهم إلى العلة التي استنبطوها من هؤلاء وأنهم ليسوا من أهل القتال.. ونحن الآن لسنا في موضع ترجيح ما هو الراجح من هذه الأقوال.
وبالنسبة لاصطلاح المعاصرين في إطلاقهم لفظ «المدنيين» فهم يطلقون لفظ «المدنيين» بعد أن قسموا الناس إلى قسمين: القسم الأول: العسكريون، والقسم الثاني: ما سواهم.
فالعسكريون: هم الذين ينتسبون إلى منظمة الجيش وما يلحقها، فهؤلاء عندهم عسكريون؛ أي هم الذين يباشرون القتال، أو تهيؤوا حقيقة للقتال، يعني أعدتهم دولتهم للحرب والقتال فهؤلاء هم العسكريون.
وأما من سواهم: فهم الذين يسمَّون عندهم بالمدنيين.
والآن: من أين دخل اللبس لمن وافقهم في قولهم: لا يصح قتل المدنيين؟ وهؤلاء إما أن يكون عن جهل أو عن انهزام.
قالوا: نعم، هذا التقسيم نحن عندنا في الإسلام، قلنا: كيف عندنا؟
قالوا: العسكريون هم الحربيون، أي هم الذين نسميهم نحن في الدين بالحربيين؛ فأصحبت عندهم كلمة عسكري وحربي مترادفة؛ أي نفس المعنى، فأصبح معنى الحربي عند هؤلاء هو الذي يقاتل، وقالوا: أما المدنيين فهم ما سوى ذلك، لكن هل هذا التقسيم صحيح؟! كلا.
فنحن نقول: إن الحربي ينقسم إلى قسمين: مباح الدم، ومحرم الدم، وعرَفنا مَن هو الذي يباح دمه؛ وأنه كل رجل عاقل بالغ مطيق للقتال، وما قلنا «مباشر للقتال»؛ بل «مطيق للقتال»؛ أي أن جسمه مهيأ لذلك، وقوته تسمح له بأن يباشر القتال.. فهذا دمه مباح.
هذا الإنسان الذي هو مهيأ للقتال قد يكون عسكريًّا حقيقةً؛ أي قد يكون ضمن منظمة الجيش وداخلًا فيها، وقد يكون رجلًا يعمل عملًا آخر ليس له علاقة بالجيش؛ فبحسب تعريف هؤلاء هو مدني، وأما حسب تعريفنا نحن فهو حربي مباح الدم.
وهنا أيضًا عندنا: مَن يحرم دمه سواء سميتهم مدنيين أو لم تسمِّهم مدنيين؛ فنحن في الدين نسميهم: حربيين حُرِّمت دماؤهم.
إذن عندما نقول: لا يجوز قتل المدنيين؛ هل هذا صحيح؟
فصار عندنا حكم شرعي وهو كلمة: لا يجوز، يعني يحرم قتل المدنيين، وهذا الحكم الشرعي علق بصفة، وهذه الصفة هي صفة «المدنية» ومهما قلبت في كتب الفقهاء الأوليين فلن تجد هذا التعبير بهذا المعنى، ولن تجد استخدام لفظ المدنيين في أي كتاب من كتب الفقهاء الأولين.
إذن الآن نقول: «لا يجوز» هذا حكم شرعي، «والمدنية» هذه صفة، فصارت علة التحريم هي المدنية؛ لأن القاعدة الأصولية تقول: «إن الحكم إذا علق على صفة؛ دل على أن تلك الصفة هي علة للحكم»، كقول الله ﷻ: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، فالحكم الشرعي هو وجوب قطع اليد، وهذا الحكم تعلق بصفة وهي صفة السرقة؛ فهذا دلنا أنه حيثما وجدت صفة السرقة بالشروط والضوابط التي جاءت في الشرع، تعلق بها الحكم الشرعي وهو القطع.
والآن: صفة «المدنية»؛ هل أعطاها الشرع خصوصية ومزية بحيث يعلق عليها الحكم؟ لا، فنحن نقول عندما تقول: لا يجوز قتل المدنيين، هنا لا بد من الاستفصال والاستفسار.
نقول: بيِّن لنا ماذا تقصد بالمدنيين؟ فإذا قال: أنا أقصد بالمدنيين هم من حرم الشرع قتله كالنساء والصبيان والرهبان وغيرهم؛ فنقول: لا ضير في ذكر هذا الحكم، ولكن يقع اللبس باستخدام اللفظ، إذن المعنى صحيح واللفظ مشتبه.
وأما إذا قال: أقصد بالمدنيين ما سوى العسكريين؛ فنقول له: ماذا تقول في رجل عاقل بالغ مطيق للقتال، وهو ليس واحدًا من هذه الأقسام التي حرم قتلها؛ فماذا تقول؟ إما أن تقول: هو عسكري؛ فنقول لك: هذا ليس بعسكري، وإما أن تقول: لا يجوز قتله، فنقول لك: قد زدت صنفًا آخر حرَّمت قتله ولم يحرم الشرع قتلَه.
فإذن مسألة المدنيين هذه لا يصح إطلاقها، بل لا بد من الاستفصال والاستفسار: إذا كان هؤلاء المدنيون ممن ثبت تحريم دمائهم بالشرع نصًا أو قياسًا؛ نقول: هؤلاء دماؤهم محرمة، ونحن لا نسميهم بالمدنيين، وإنما نسميهم: عوامًّا كما يطلق الفقهاء.
وبهذا نكون ذكرنا مسألة من يحرم قتله، حسبما ذكرهم في الكتاب هنا، وذكر المنصف كذلك: بعض الحالات التي يجوز فيها قتل هؤلاء؛ أي قتلهم محرم في أصل الشرع أو في أصل الحكم، إلا أن هذا الحكم قد يُخرَج عنه في بعض الحالات.
الحالات التي يجوز فيها القتل قصدًا، والحالات التي يكون فيها القتل تبعًا:
1- الحالة الأولى: التبييت، وهو الإغارة على الكفار ليلًا، هذه الإغارة قد تؤدي إلى قتل مَن حرم الشرع قتله ابتداءً، فقد يقتل في هذه الإغارة الليلية بعض النساء أو الأطفال أو الزَّمنى ومن باب أولى المختلف فيهم، والدليل على هذا حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن أهل الديار من المشركين يُبيَّتون فيقتل من نِسائهم وذراريهم؛ فقال: (هم منهم)٢٬٥٣٤[متفق عليه، البخاري: (٣٠١٢)، ومسلم: (١٧٤٥)]..
ولكن القتل في هذه الحالة هل هو على سبيل القصد والتعمد أم على سبيل التبع؟ على سبيل التبع؛ إذن الحالة الأولى يكون القتل فيها تبعًا.
2- الحالة الثانية: استخدام ما يعم به القتل؛ أي استخدام السلاح الذي يعم به القتل، يعني يقتل من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله، فقد يسقط في بعض المواطن التي يكون فيها رجل عاقل بالغ مطيق للقتال، ويكون فيها أطفال أو يكون فيها نساء، أو يكون فيها زمنى أو غير ذلك، ففي هذه الحالة يجوز استخدام هذا السلاح ولو أدى إلى قتل مَن لا يجوز قتله، ولكن هنا أيضًا يكون تبعًا، والدليل على ذلك يذكر له بعض العلماء بمسألة التبييت، والدليل أيضًا أن النبي ﷺ قد نصب المنجنيق على الطائف٢٬٥٣٥[حديث رمي أهل الطائف بالمنجنيق تقدم في: (ص 186)]..
وعمرو بن العاص رضي الله عنه عندما حاصر الإسكندرية رماهم بالمنجنيق٢٬٥٣٦[رواه البيهقي: (18121)]..
وعلى هذا جرت سيرة قادة الفتوح، لم يزالوا يستخدمون المنجنيق ولا إنكار في ذلك ومعهم العلماء وغيرهم؛ فيدخل في مثل هذا أكثر بل كل الأسلحة التي تستخدم في هذا الزمان؛ فهي من الأسلحة التي يعم به القتل، والآن لا تستطيع أن تقاتل إلا بما يعم به القتل كصواريخ «البي أم»، «الصقر بيس»، وغيرها من الأسلحة الكبيرة، وقد ذكر المنصف ما يعم به القتل كالتدخين على المطمورة وكذلك تغريقهم بالماء، وكذلك رميهم بالحيات والعقارب؛ فهذا كله يدخل في هذا.
3- الحالة الثالثة: إذا قاتل واحد منهم بالقول أو الفعل؛ أي إذا شارك واحد من هؤلاء في القتال إما بمباشرته بنفسه، يعني هو بنفسه كان مقاتلًا حاملًا للسلاح، وإما أن يكون قتله بالقول كالمحرض، كالتحريض على القتال، فهذا يجوز قتله اتفاقًا بإجماع العلماء، والقتل هنا قصدًا؛ لأنه في حال المقاتلة -نتكلم هنا على حال المقاتلة وقلنا: إن العلماء اختلفوا في مسألة المرأة المقاتلة الأسيرة-، فهنا يجوز قتلهم قصدًا، لماذا؟ لأنهم خرجوا من الصفة التي حرم لأجلها قتلهم وصاروا من جنس البالغ العاقل المطيق للقتال، كما قال النبي ﷺ: (ما كانت هذه لتقاتل)٢٬٥٣٧[سبق في: (ص 1896)].، إذن لو قاتلَت لقُتلت، هذا هو المحل الثالث الذي يجوز فيه قتل من حرم قتلهم.
4- الحالة الرابعة: التترس؛ بأن يستخدم الكفارَ المقاتلون ممن لا يجوز قتله منهم كالنساء والصبيان درعًا يتَّقون به قتل المسلمين لهم، والتترس كما يذكر الفقهاء له صورتان:
أ- الصورة الأولى: في حالة التحام الصفوف؛ أي عند اصطفاف الجيشان فالكفار يتَّقون بمن لا يجوز قتله من المسلمين؛ فيضعون النساء والأطفال، أو حتى أسرى المسلمين أمامهم، فلا يستطيع المسلمون أن يصلوا إليهم إلا بقتل هؤلاء، هذه هي الصورة الأولى من التترس.
ب- الصورة الثانية: هي أن يتحصنوا في داخل قلعة أو حصن ونحن لا نعلم مَن بداخلها، فهذه أيضًا بعض العلماء وهم الأحناف جعلوها من صور التترس؛ فيُرمون بما يعم به القتل؛ ففي هذه الحالة يُرمَى الكفار المقاتلون ويُقصدون بالرمي، ولا يَقصد النساء والأطفال، وهذا أمر مهم يذكره الفقهاء، وهو ألا يقصد بقلبه رمي من لا يجوز رميه؛ أي أن ينوي رمي الكفار المقاتلين الذين أُبيحت دماؤهم، وأما أولئك فيقول في داخل قلبه: لو استطعت أن أتقي رمي هؤلاء لاتقيتهم.
ولماذا ينوي ذلك؟ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور؛ فالميسور هنا هو أنك يتعذر عليك أن تفرق بين المقاتل وغيره، ولكن يمكنك أن تفرق أثناء الرمي بنيتك؛ فتنوي رمي من يجوز رميه وتستثني من لا يجوز رميه.
والقتل هنا تبعًا، وهذه كَتبتُ فيها بفضل الله ﷻ رسالة اسمها «التترس في الجهاد المعاصر»، فممكن أن تراجعوها لعل فيها فوائد والله أعلم، ففيها بعض الضوابط والقيود وهكذا بحسب الأحوال التي يعيشها المجاهدون الآن.
الصورة الخامسة: وهي صورة لم نرها منصوصةً في كتب الفقهاء الأولين، ولم نرها مكتوبة على أنها من الحالات التي يجوز فيها قتل من لا يجوز قتله، وهي معاملتهم بالمثل.
وما هي صورة المسألة؟ إذا كان الكفار يتعمدون قتل نسائنا وصبياننا، ولم نستطع كفَّ ما يفعلون إلا بتعمد قتل نسائهم وصبيانهم؛ فهل هذا يجوز أو لا يجوز؟ فهذه الصورة من المسائل التي يذكرها بعض العلماء المعاصرين، وذهب بعضهم إلى جواز ذلك، ومن هؤلاء: الشيخ العثيمين، فهو من أشهر القائلين بهذه المسألة، ذكر هذا في كتابه «الشرح الممتع»، وذكره أيضًا في شرحه لـ«بلوغ المرام»، ذكره في هذين الموضعين قال: «إذا كان الكفار يتعمدون قتل نسائنا وصبياننا؛ فهل يجوز لنا أن نعاملهم بالمثل؛ أي أن نقتل نساءَهم وصبيانهم؟ قال: الظاهر أنه يجوز٢٬٥٣٨[قال في فتح ذي الجلال والإكرام شرح بلوغ المرام (5/ 470): «لو فعلوا ذلك بنا بأن قتلوا صبياننا ونساءنا فهل نقتلهم؟ الظاهر أنه لنا أن نقتل النساء والصبيان ولو فاتت علينا المالية، لما في ذلك من كسر قلوب الأعداء وأهانتهم، ولعموم قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}»، وقال في شرحه لمسلم (9/ 47): «فإن قال قائل: إذا قصد الكفار قتل أبناء المسلمين ونسائهم، فهل يُعاملون بالمثل؟ فالجواب: يُنظر إلى المصلحة؛ لأنه سبق أن هناك مراعاة لجانب المصلحة للمسلمين بتملُّك هؤلاء، فينظر للمصلحة، فإذا كان في هذا إغاظة للمشركين وسبب لذلّهم فلا بأس، وإلا فهو حرام»]..
واستدل بذلك، يعني ذكر قتل النساء وذكر هذا في مذهب الحنابلة٢٬٥٣٩[انظر مثلا: المغني (13/140)].، وسيأتينا إن شاء الله أنه إذا تم تبادل الرهائن بين المسلمين وبين الكفار؛ أي أن يقول المسلمون للكفار: أعطونا رهائن منكم رجالًا وخذوا منا رجالًا على أمر ما، قالوا: إذا غدر الكفار وقتلوا من عندهم من المسلمين من الرهائن، هل يجوز أن يعامَلوا بالمثل؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء فمذهب الحنابلة أنه يجوز قتلهم معاملةً بالمثل، ومذهب بعض العلماء ومنهم الأحناف، لا يجيزون قتل الرهائن، ولكن يحبسونهم عندهم ويجعلونهم أهل ذمة؛ أي تفرض عليهم الجزية.
وبعض العلماء المعاصرين ذهب إلى عدم جواز هذه الصورة؛ أي لا يجوز قتل النساء والصبيان تعمدًا معاملة بالمثل، واستدلوا بقول الله ﷻ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ﴾ [الأنعام: 164]، واستدلوا بعموم نهي النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان٢٬٥٤٠[في رسالة ماجستير للاخ: علي رميح، عنوانها: «الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات»، ذكر قول الشيخ ابن عثيمين هذا من المسائل المحكوم عليها بالشذوذ الفقهي (2/1344)، وأقوى أدلة الشذوذ مخالفة هذا القول للإجماع]..
والحقيقة أني مرة أميل إلى هذا القول، ومرةً أميل إلى هذا القول، والآن فيه أخونا الشيخ يونس يكتب بحثًا في هذه المسألة ولعله ينتهي منه قريبًا، ثم بعد ذلك ننظر ماذا يقول، ونقوله إن شاء الله تعالى.
أحد الحضور: يا شيخ، كلمة رهائن موجودة في كتب الفقه للمتقدمين؟
الشيخ: نعم رهائن.
أحد الحضور: الشيخ سليمان العلوان يرى المعاملة بالمثل.
الشيخ: بهذه الطريقة؟
أحد الحضور: نعم.
أحد الحضور: طيب وقوله ﷻ: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ﴾ [النحل: 126].
الشيخ: يقولون إنَّ قتل النساء والأطفال مستثنًى منه، فهذه الآية مخصصة بالنهي عن قتل النساء والأطفال، والحقيقة أنَّ أدلة القائلين بالجواز قوية، ولكن ننتظر حتى ينتهي البحث ونرى ما فيه من القيود والضوابط وبعد ذلك نقول به.
وعلى كل حال: بحسب ما اطلعت وقرأت -والله أعلم فقراءتي قاصرة- في كتب العلماء والفقهاء؛ فهذه الصورة لا نراها تذكر في المواطن التي يجوز فيها قتل النساء والصبيان؛ فهي مسألة طارئة ذُكرت في هذا العصر، ولا شك أن قتل الكفار لنساء وصبيان المسلمين في هذا العصر ليس له مثيل من قبل؛ فالكفار الآن يتعمدون قصف المدارس، ويتعمدون قصف الأفراح، ويتعمدون قصف البيوت، بل يتعمدون قتلهم في داخل البيوت، فهي صورة متكررة.
الأمر غير معقول! فمثلًا: في فلسطين في هذه المعركة قُتل فيها أكثر من ألف وثلاث مئة، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال ويقول: هذا كله خطأ!! هذا لا يمكن أن يكون خطأً!
أنا لا أتكلم على اليهود، فاليهود هؤلاء أصلًا نساؤهم وأبناؤهم محاربون بمعنى أنهم مقاتلون؛ لأنهم جاؤوا إلى داخل بلاد المسلمين واحتلوها واغتصبوها وأخذوا أموالهم ونكلوا بهم، ولكن أتكلم هنا على القتال في داخل بلاد الكفار إذا كان الجهاد جهاد طلب مثلًا أو بهذه الصورة، أو حسب الحالة التي نعيشها الآن؛ عندما يقوم الكفار بفعل هذا في بلاد المسلمين، هل يجوز للمسلمين أن يفعلوا هذا في بلاد الكفار؛ بمعنى إذا قصف الكفار مثلًا مدرسة للبنات، أو مدرسة للأطفال، فهل يجوز للمسلمين أن يتوجهوا إلى عاصمة من عواصم بلاد الغرب ويتعمدون نسف مدرسة للبنات أو نسف مدرسة للأطفال معاملةً بالمثل؟
لكن هناك معنى لا بد أن نلاحظه، المعاملة بالمثل هنا ليس المقصود بها فقط مجرد العقوبة بالمثل، ولكن المقصود الأول هو كفهم عما يفعلون؛ يعني أن نعلم أن معاملتهم بالمثل تؤدي إلى المقصود، ويكفي في هذا غلبة الظن، فإذا علمنا أننا إن قمنا بتفجير مدارس بناتهم أو بنسف مدارس أبنائهم ليكفوا عن قصف مدارس الأبناء أو مراكز النساء؛ فهذه هي الحالة التي يتكلم عليها المعاصرون، فأدلة القائلين بالجواز قوية، وهي من المسائل المعاصرة التي طرحت في هذا العصر وهي حسبما يظهر من المسائل الاجتهادية، والأدلة فيها ليست ضعيفة لمن اختار هذا القول، والله تعالى أعلم.
وعلى كل حال؛ علينا أن نعرف أن المسألة اختلافية لا نعدها من أصول أقوال المجاهدين؛ أي إذا خالفنا إنسان وقال: أنا لا أرى جوازه وأعتمد على قول الله ﷻ مثلًا كذا، أو على قول النبي ﷺ ونهيه عن قتل النساء والصبيان، فلا نقول له: كيف تقول هذا؟! كلا، بل نناقشه بالأدلة ونرد على ما عنده ونثبت ما عندنا فإن ترجح هذا القول واقتنع؛ فبِها، وإن لم يقتنع؛ فهذه من المسائل الاجتهادية المحضة، والله تعالى أعلم، نقف هنا إن شاء الله.
❖ ❖ ❖