علو الهمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:
نسأل الله أن يتقبل منكَ، وقد كانت هذه تذكرة لنا، ونحن محتاجون إلى مثل هذه الكلمات؛ فالإنسان مركب من جسد وروح، فالروح تدعوه إلى معالي الأمور وأن ينال أشرفها وأكرمها وأسماها، وأما الجسد فيدعوه إلى أصله وهو الأرض، ولهذا قال الله b: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [التوبة: 38] فانظر إلى هذا التعبير القرآني؛ يعني تثاقلتم إلى الأرض ومِلتم إليها وجنحتم إليها ورضيتم بدُنُوِّها، فالإنسان هنا يدعوه القرآن إلى أن ينفر في سبيل الله، وهذا فيه دعوة إلى معالي الأمور، وهو من أعلى ما يُعبد به الله c وهو ذروة سنام الإسلام.
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي | وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا٣٬١٩٧[قاله: أحمد شوقي، انظر: مجلة الرسالة (العدد 691، ص 9)]. |
فلا يصلح للإنسان أن يجلس على فراشه ويتمنى ويمني نفسه ويسرح في عالم آخر؛ يسرح وهو في الفردوس، يسرح وهو يقود الجيوش ويفتح الأمصار، يسرح وهو يقتحم السجون ويطلق الأسرى، يسرح وهو يرى نفسه متصدرا للمجالس يعلم ويدرس ويفتي وهو مستلقٍ على فراشه.. هذه أماني كاذبة: ﴿لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ﴾ [النساء: 123].
فالإنسان لا بد أن يبدأ في العمل: إذا لم تعمل فلن تصل إلى شيء، إذا لم تمش فأنت واقف في مكانك، ولذلك فأبواب أعمال الخير كثيرة جدا، وإذا كان الله c يقول لنا: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾ [الزلزلة: 7-8] فمثقال ذرة من الخيرات إذا عملته ستجده وتثقل به ميزانك عند الله c؛ فلا ينبغي للإنسان أن يتكاسل عن أي باب من أبواب الخير فتح أمامه، حتى ولو أن يتحصل على مثقال ذرة.
ولكن نحن نريد جبالا من الحسنات؛ نعم الذرة نحتاج إليها، ولكن نريد جبالا من الحسنات، وهذه الجبال لا نتحصل عليها بمجرد التمني والأوهام، وإنما بالعمل، ولذلك كما جاء في الحديث: (أصدق الأسماء: حارث وهمام)٣٬١٩٨[سنن أبي داود (4950)، وصححه الألباني].؛ فالإنسان دائما يحدث نفسه ويهم بأمر من الأمور، ولكن يحتاج هذا الهم أو التحديث أن ينتقل الى العمل وهو الحرث، فيحتاج كل أمر لأن ينتقل للعمل.
فإذنْ الأمور أمامكَ، وأوامر الله c تخاطبك، وأنت في كامل قواك؛ ليس هناك ما يحول بينك وبين العمل إلا شيء واحد وهو: الكسل والعجز الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ومن الجبن والبخل)٣٬١٩٩[صحيح البخاري (2823) صحيح مسلم (2706)]..
فإذن لا بد للإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الخيرات، لأن النفس تدعوك إلى الأرض، فإن أردتَ أن تنام ثلاث ساعات تقول لك النفس: لماذا لا تنام خمس ساعات؟ وإن أردت أن تصلي في الليل ساعة واحدة، تقول لك: ساعة كثير جدا وستكون في الدرس نعسانًا، فصلِّ نصف ساعة أو ربع ساعة فقط، وإن أردتَ أن تقرأ جزءًا من القرآن تقول لك: طيب والدرس الآخر كيف أراجعه؟ ثم لو تقيس وقتك تجد أنه مشت خمس ساعات ليست في الدرس بل في القيل والقال وفي الضحك وفي المزاح وفي الدخول وفي الخروج؛ هذا إذا سلمنا من معصية الله.. نسأل الله أن يعافينا منها.
فإذن الباب أمامك مفتوح، وأنت في كامل قواك، مثل إنسان جائع ويرى الشجرة أمامه والثمار تتدلى منه والطريق مفتوح، فتقول: «أنا أتمنى أن آكل من هذه الشجرة وأتمنى أن أصل إليها»؛ فما الذي يمنعك من ذلك؟! إلا شيئًا واحدًا وهو عجزك وكسلك وهبوط همتك؛ فالإنسان إذا أراد أن يصل فعليه أن يمشي، وإذا أردت الدرجات العلى فعليك أن تسعى إليها.
ومن السعي إليها: كثرة الدعاء؛ فالدعاء في نفسه عبادة، فلا بد أن ترتقي همتنا بالدعاء وللدعاء، فكما أننا ترتفع منازلنا كما قال الله b: (فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)٣٬٢٠٠[صحيح البخاري (2637)].، فهذا بالدعاء، طبعًا مع السعي والعمل الصالح؛ فنجتهد في الدعاء فيسعى الإنسان ليصلَ إلى أن يُفتح عليه في باب مناجاة الله b وفي باب الدعاء لله c والتضرع وسؤال الحاجة؛ فيعرف كيف يسأل ربه؛ هذا أيضا يحتاج إلى همة، أما أن الإنسان يمر عليه اليوم واليومين فليسأل نفسه: هل أنت محتاج حقا إلى ربك؟ هل أنت خائف حقا من ربك؟ كم مرة دعوت الله c في يومك؟
وقد جاء في الحديث: (إنَّ الله إذا لم يُسأل يَغضب)٣٬٢٠١[سنن الترمذي (3669) بلفظ: (إنه من لم يسأل الله، يغضب عليه) وحسنه الألباني].؛ فالله b يحب أن يرى يديك مرتفعة وتقول: يا رب! في كل صغيرة وكبيرة، حتى إن السلف كان أحدهم يسأل الله في سجوده ملح طعامه وعلف دوابه: «يا رب اليوم أنا عندي غداء وما عندي ملح»، وأحدنا الآن يقول: هذا نستحي من الله كيف نسأله إياه! وأما الله فيحب هذا؛ لأنك فيه تظهر الفقر بين يدي الله b.
والله c كلما ازددت له فقرا وأظهرت حاجتك حقا؛ كلما رفع درجتك؛ لأنك اقتربت من الله، فأنت بهذا تكون عظَّمت الله بوصفه بالغنى المطلق وبوصفه بالعطاء والجود والكرم والقدرة والحكمة في هذا الدعاء، فبهذا تكون عظمت الله c بنفس فعلك ولو لم تخاطب الله b بها.
فإذن نحن نحتاج لذلك: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)٣٬٢٠٢[سنن الترمذي (2516) وصححه الألباني].؛ فالإنسان عليه أن يلجأ إلى الله.
والأمر الآخر هو مسألة: التنافس في أعمال البر، ولكن الأمر يحتاج إلى ضبط وإلى دقة واحتراز؛ حتى لا ينتقل التنافس في الخيرات إلى تحاسد في الطاعات؛ فأنت ترى أخاك فتح الله له في باب من أبواب الخير؛ كإنسان فتح الله له في قيام الليل بينما أنت -ما شاء الله- تنام من بعد صلاة العشاء إلى أن يُقال لك: قم لصلاة الفجر، وحتى الوتر تفوتك، بينما أخوك ما شاء الله يقوم الساعة ثنتين أو الثالثة وبسم الله يبدأ يصلي؛ فلماذا لا تكون مثله؟؛ فإنه يأكل الأكل الذي تأكله، ويشرب الشراب الذي تشربه، ويتحرك نفس الحركة التي تتحركها أنت، وربما أنت من حيث القوة لو تتصارع معه تصرعه مباشرة.. فلماذا الإنسان لا يسأل نفسه: لماذا هذا يقوم الليل وأنا لا أقوم الليل؛ يعني لماذا لا تزاحمه وتنافسه، ما الذي يمنعك؟ فإن لم تقدر أن تغلبه وتقوم قبله بخمس دقائق أو بساعة، فعلى الأقل قم الليل وشاركه في أصل العمل الذي يقوم به.
وكذلك في تلاوة القرآن وفي حفظ القرآن؛ لماذا هذا الأخ يحفظ القرآن وأنت لا تحفظه؛ فهل وُلِد وهو يحفظ القرآن؟ لا، بل جلس وكرر وأعاد وتعب حتى حفظ القرآن، وأنت ما شاء الله جالس عندك من الوقت الكثير جدا.
فالقصد أنَّ الأعمال كثيرة، والإنسان مما يجعله يندفع إلى الأمام في الطاعة أن ينافس ويزاحم، فإن رأيت إنسانًا يقاتل فلماذا لا تكون مقاتلا؟ وإن رأيت إنسانا حافظا لكتاب الله فلم لا تكون حافظا؟ وإن رأيت إنسانا صاحب خشوع في الصلاة فلماذا لا تخشع؟؛ فالله c عندما يقول: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢﴾ [المؤمنون: 1-2] إنما يمدحهم بعمل استطاعوا أن يكتسبوه، فالإنسان يمكنه أن يتحصل على الخشوع في الصلاة؛ فعندما يصلي وقلبه قاسٍ وعقله لاهٍ من وادٍ إلى واد ومن جبل إلى جبل ومن مشكلة إلى مشكلة.. كم صليت؟ الله أعلم.. ماذا قرأت؟ والله ما أعرف.. بينما الأخ الذي بجواره يبكي في الصلاة.. فما الفرق بينك وبينه؟ صحيح أنَّ هذا من توفيق الله b ولكن الإنسان عليه أن يفتش في داخل نفسه.
وإبراهيم n عندما دعا الله b قال٣٬٢٠٣[هذا من دعاء المتقين، وليس دعاء إبراهيم n، وإن كان الله قال عنه: ﵟإِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖﵞ، ولعله سبق لسان من الشيخ رحمه الله].: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤﴾ [الفرقان: 74] فالإنسان يسعى إلى الإمامة في الدين، ولكنها إمامة للمتقين؛ فإذا كان هو إماما للمتقين فما هي درجته في التقوى؛ لا شك أنه في أعلى درجات المتقين.
فهذه بعض الأمور نسأل الله c أن يعيننا عليها، ونعوذ بالله من فتنة القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يجتهدون في طاعة الله b، إنه سميع قريب، والكلام كثير، والأخ وفَّى الموضوع وذكرنا جزاه الله خيرا.
نسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: علو الهمة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا