التفريق بين الحقد على الكفار وحب هدايتهم والفرق بين الحقد والكره والبغض
السؤال: كيف يكون التفريق بين الحقد والبغض للكفار على ما يفعلونه بالمسلمين وبين حب هدايتهم ودخولهم في دين الإسلام لقول النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)٣٬٥٥٨[رواه البخاري: (٣٠٠٩)، ومسلم: (٢٤٠٦)].، وهل الحقد والكره والبغض نفس المعنى أم بينها فرق؟
الجواب: ليس هناك تعارض بين إبداء العداوة والبغضاء والبراءة من الكفار وبين حب هدايتهم، والحرص على ذلك، والرسل عليهم الصلاة والسلام ما أرسلوا إلا لهداية الناس وإرشادهم إلى طريق عبادة ربهم، وهم مع ذلك برآء من الكفار وكفرهم مجاهرون لهم بالعداوة كما قال الله تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4]، فإبراهيم عليه السلام -الذي أمرنا بالائتساء به- أعلن براءته وأظهر عداوته وبغضاءه لقومه ما داموا متلبسين بكفرهم، وأعلمهم أن هذه العداوة لا يقطعها ولا يرفعها إلا إيمانهم بالله وحده، وذلك أن سبب هذه العداوة والبغضاء هو ما يتلبسون به من الكفر والشرك والمحادة لله ولشرائعه، والمسلمون يسعون لإزالة هذا السبب -وهو الكفر- بالدعوة والجهاد ونحو ذلك، فإذا زال السبب -وهو الكفر- زال المسبَّب -وهو العداوة والبغضاء-.
ففرق بين أن يحب المرء الخير للناس، وأعظم الخير هو الهداية إلى الصراط المستقيم، ويحرص على ذلك أشد الحرص، وبين أن يحبَّهم ويواليهم ويوادَّهم مع كفرهم، فحب الخير لهم شيءٌ وحبهم شيءٌ آخر، وقد كان النبي ﷺ أشد الناس حرصًا على هداية قومه ودخولهم في الإسلام حتى قال الله تعالى له: ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، وقال عز من قائل: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، وقال ﷻ: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ﴾ [فاطر: 8].
قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير الآية الأولى: «فكان رسول الله ﷺ ينذر به الناس، ويهدي به الصراط المستقيم، فيهتدي بذلك عباد الله المتقون، ويعرض عنه من كتب عليه الشقاء، فكان يحزن حزنا شديدا، على عدم إيمانهم، حرصا منه على الخير، ونصحا لهم؛ فلهذا قال تعالى عنه: ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ﴾ أي: مهلكها وشاق عليها، ﴿أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ أي: فلا تفعل، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الهداية بيد الله، وقد أديت ما عليك من التبليغ»٣٬٥٥٩تفسير السعدي: (589)..
وهذا موسى ﷺ قد أرسله الله تعالى إلى أظلم أهل الأرض وأعظمهم مجاهرة بغليظ الكفر، وأصرحهم عداوة لله تعالى، وأشدهم تنكيلًا بالمستضعفين وتقتيلًا لهم، وهذه الأعمال لا شك أنها توجب أقصى درجات العداوة والبغضاء والبراءة والمقت، ومع ذلك قال الله تعالى لموسى وأخيه هارون عليهم الصلاة والسلام: ﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ [طه: 43-44]، وقال سبحانه أيضًا: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧ فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ [النازعات: 17-18].
ولهذا لما دعا موسى فرعونَ وأظهر له الآيات البينات، فاستكبر هو وقومه ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل: 14]، وأيس موسى ﷺ من إسلامهم ورأى تماديهم في كفرهم وظلمهم والتنكيل بالمستضعفين دعا عليهم دعوته المعروفة كما قال ﷻ: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ﴾ [يونس: 88]، ومثل ذلك دعوة نوح عليه السلام على قومه لما دعاهم ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا: ﴿وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا﴾ [نوح: 26-27].
وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم فمقصده وغايته هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإنقاذهم من الكفر إلى الإيمان بالدعوة والجهاد والتعليم وغير ذلك، وهو مع دعوته للكفرة يكون مبغضًا لهم متبرءًا منهم ومن كفرهم مجاهرًا لهم بالعداوة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنهم نَجسٌ ممقوتون عند الله تعالى وهم أعداؤه الذين كفروا به واتخذوا من دونه أندادا، فإن اهتدوا صاروا من أهل الإيمان وثبتت لهم أخوّته ولهم حق الولاء، وإن تمادوا وأصروا لم تنقطع عداوتهم ولم ترفع البراءة منهم، ولا يمنع هذا من معاملتهم بالتي هي أحسن، والعدل معهم، والحكمة في دعوتهم.
وليس معنى الحرص على هدايتهم ودعوتهم هو ما يفعله بعض الجهلة من تركهم للجهاد في سبيل الله وقتال الكفار بدعوى أن هدايتهم أولى من قتلهم، فصاحب هذا القول لجهله كأنه يستدرك على ربه الذي أمر بالدعوة والجهاد معًا وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ الذي أرسله للناس كافة وأمره بتبليغ ما أرسل به: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، فليس معنى الحرص التخلي عن المأمور -وهو الجهاد هنا-.
وأما هل هناك فرقٌ بين الحقد، والكره، والبغض. فمن حيث اللغة فلكل كلمة من هذه الكلمات معناه الخاص به، قال ابن منظور: «الحِقْدُ إِمساك العداوة في القلب والتربص لِفُرْصَتِها» ويراجع الباقي في كتب المعاجم.
والذي جاء ذكره في القرآن فيما يتعلق بالكفار هو العداوة، والبغضاء، والبراءة، والله أعلم.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا