كيفية قسمة الغنيمة إذا غنمت مجموعة من المجاهدين بغير إذن الإمام

السؤال: إذا غنمت مجموعة من المجاهدين بغير إذن الإمام، فكيف يكون تقسيم الغنيمة؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...

الأموال التي تؤخذ من الكفار تكون على قسمين٣٬٥٧٧[ذكر ابن المناصف، الإنجاد (ص 488) أن أحوال الاستيلاء على أموال الكفار ثلاثة: بالمغالبة والقهر -وهو الغنائم-، أو بالحيلة والتستر -كالسرقة من دار الحرب-، أو عفوا لم يتقدم في تحصيله بشيء من ذلك -كما جلا عنه الكفار ومال الصلح والجزية-].:

الأول: الغنيمة، وهي كل مال أخذ من الكفار بطريق الغلبة والقهر، قال الجرجاني: «الغنيمة: اسم لما يؤخذ من أموال الكفار بقوة الغزاة وقهر الكفرة على وجه يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى، وحكمه أنه يخمس، وسائره للغانمين خاصة»٣٬٥٧٨التعريفات: (133).، وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41].

الثاني: الفيء وهو المال المأخوذ من الكفار مما لم يوجف عليه من خيل ولا ركاب أي أنه لم يؤخذ منهم بطريق القوة والقهر والغلبة، قال الجرجاني: «الفيء: ما رده الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالفهم في الدين بلا قتال، إما بالجلاء، أو بالمصالحة على جزية أو غيرها»٣٬٥٧٩التعريفات: (138)..

وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 6-7].

وقد جاء التفريق بين الغنيمة والفيء في قول النبي ﷺ: (أَيما قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيما قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا لله وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ)٣٬٥٨٠رواه أحمد [8200] ومسلم [١٧٥٦] عن أبي هريرة..

ص 2854

قال الإمام النووي رحمه الله: «قال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطايا كما يصرف الفيء، ويكون المراد بالثانية ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس وباقيه للغانمين وهو معنى قوله: ثم هي لكم أي باقيها»٣٬٥٨١شرح النووي على صحيح مسلم: (12 / 96)..

وقد اختلف العلماء فيما: لو دخلت طائفة من المسلمين دار الحرب بغير إذن الإمام؛ فأخذوا منها مالًا كيف يكون حكمه؟ على أقوال:

القول الأول: أن الآخذين إذا كانوا ذوي منعة وقوة فإن كل ما أخذوه يعتبر غنيمة يجب فيه التخميس، فيأخذ منهم الإمام خُمس ما غنموه ليضعها في مصارفها ويعطيهم أربعة أخماسه، وسواء كان دخولهم دار الحرب وأخذهم المال منها بعلم الإمام وإذنه أم لا، وهو مذهب أبي حنفية والشافعي ورواية عن أحمد، قال المرغيناني من الأحناف: «فإن دخلت جماعة لها منعة فأخذوا شيئا خمس وإن لم يأذن لهم الإمام»٣٬٥٨٢بداية المبتدي: (117)..

وقال الإمام السرخسي الحنفي رحمه الله: «الذين خرجوا من مصر من أمصار المسلمين إما أن يكونوا قومًا لهم منعة أو لا منعة لهم خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه، فإن كانت لهم منعة فسواء خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ فإن ما أصابوه غنيمة يخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الفرسان والرجالة المصيب وغير المصيب فيه سواء»٣٬٥٨٣المبسوط: (10 / 53).. وقال الكاساني رحمه الله: «إذا دخل جماعة لهم منعة دار الحرب فأخذوا أموالًا منهم فإنها تقسم قسمة الغنائم بالإجماع، سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه لوجود الأخذ على سبيل القهر والغلبة لوجود المنعة القائمة مقام المقاتلة حقيقة»٣٬٥٨٤بدائع الصنائع: (7 / 196)..

ص 2855

والظاهر أن الإجماع الذي حكاه الإمام الكاساني هنا إنما قصد به إجماع أهل المذهب الحنفي وإلا فالخلاف موجود بين العلماء ومنه روايةٌ عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإن كانت الطائفة ذات منعة غزوا بغير إذن الإمام ففيه روايتان: إحداهما: لا شيء لهم وهو فيء للمسلمين، والثانية: يخمس والباقي لهم وهذا أصح»٣٬٥٨٥المغني: (8/ 378)..

القول الثاني: إذا دخل واحد أو اثنان أو طائفة دار الحرب بإذن الإمام أو بدون إذنه سواء كانوا ذوي شوكة أم لم يكونوا كذلك فكل ما أخذوه يجب فيه التخميس، فيأخذ الإمام خمس ما أصابوه ويقسم أربعة الأخماس بينهم على الوجه الشرعي، وهذا هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وحكاه الإمام النووي عن الجمهور فقال رحمه الله: «وإذا دخل واحد أو شرذمة دار الحرب مستخفين، وأخذوا مالًا على صورة السرقة، فوجهان، أحدهما وبه قطع الغزالي، وادعى الإمام أنه المذهب المعروف: أنه ملك من أخذه خاصة، والأصح الموافق لكلام الجمهور: أنه غنيمة مخمسة، وقد قال الأصحاب: لو غزت طائفة بغير إذن الإمام متلصصين وأخذت مالًا، فهو غنيمة مخمسة»٣٬٥٨٦روضة الطالبين: (9/ 55)..

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله «فصل: إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام فغنموا، فعن أحمد فيه ثلاث روايات: إحداهن: أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسه الإمام ويقسم باقيه بينهم وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي لعموم قوله سبحانه: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ [الأنفال: 41]، والقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام»٣٬٥٨٧المغني: (8/ 378)..

ص 2856

القول الثالث: إذا كان الداخلون دار الحرب بغير إذن الإمام لا منعة ولا شوكة لهم فما أخذوه يستحقونه كله ولا يكون فيه الخمس، وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وحكاه ابن كج وجهًا في مذهب الشافعي وأبطله النووي، قال الإمام السرخسي رحمه الله: «فإن كان دخول القوم الذين لا منعة لهم بغير إذن الإمام على سبيل التلصص فلا خمس فيما أصابوا عندنا، ولكن من أصاب منهم شيئًا فهو له خاصة وإن أصابوا جميعًا قسم بينهم بالسوية ولا يفضل الفارس على الراجل»٣٬٥٨٨المبسوط: (10 / 54)..

واحتجوا في ذلك بما: «روى أن المشركين أسروا ابنًا لرجل من المسلمين فجاء إلى رسول الله ﷺ يشكو ما يلقى من الوحشة، فأمره أن يستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ففعل ذلك، فخرج الابن عن قليل بقطيع من الغنم فسلم ذلك له رسول الله ﷺ ولم يأخذ منه شيئًا؛ والمعنى ما بينا أن الغنيمة اسم لمال مصاب بأشرف الجهات وهو أن يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين ولهذا جعل الخمس منه لله تعالى، وهذا المعنى لا يحصل فيما يأخذه الواحد على سبيل التلصص فيتمحض فعله اكتسابًا للمال بمنزلة الاصطياد والاحتطاب بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة وشوكة»٣٬٥٨٩المبسوط: (10 / 54)..

والحديث الذي استدل به الإمام السرخسي لا يصح وهو بكامله: «عن محمد بن إسحاق رحمه الله قال: (جاء مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ فقال: أُسر ابني عوف، فقال: أرسِل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوفٌ يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها، فأقبل فإذا هو بسرح القوم فصاح بهم، فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوفٌ وربِ الكعبة، فقالت أمه: وا سوأتاه، وعوف كئيب بألم ما فيه من القد؛ فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ: اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعًا بإبلك، ونزل: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2-3])٣٬٥٩٠قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب [2/292]: «رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره ومحمد بن إسحاق لم يدرك مالكا» [وضعفه الألباني]..

ص 2857

وقال الكاساني في بيان حجتهم في ذلك أيضًا: «لأن الغنيمة والغنم والمغنم في اللغة اسم لمال أصيب من أموال الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وكذا إشارة النص دليل عليه، وهي قوله ﷻ: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ﴾ [الحشر: 6]، أشار ﷻ إلى أنه ما لم يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب لا يكون غنيمة، وإصابة مال أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب لا يكون إلا بالمنعة، إما حقيقة أو دلالة، لأن من لا منعة له لا يمكنه الأخذ على طريق القهر والغلبة فلم يكن المأخوذ غنيمة بل كان مالًا مباحًا فيختص به الآخذ كالصيد، إلا إن أخذاه جميعًا فيكون المأخوذ بينهما، كما لو أخذا صيدًا، أما عند وجود المنعة فيتحقق الأخذ على سبيل القهر والغلبة»٣٬٥٩١بدائع الصنائع: (7/ 196)..

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فغنموا ففي غنيمتهم ثلاث... والثانية: هي لهم من غير خمس، لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، أشبه الاحتطاب»٣٬٥٩٢الكافي: (4 / 227)..

الرابع: أن المال المأخوذ من أهل الحرب بغير منعة ولا إذن من الإمام يعتبر فيئًا، فيرجع في تقسيمه إلى اجتهاد الإمام حسب ما تقتضيه المصلحة؛ بمعنى أن الآخذ للمال ليس مستحقًا له بمجرد أخذه إياه، وإنما يرجع أمر المال إلى الإمام تمامًا كما هو الحال في الفيء، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فغنموا ففي غنيمتهم ثلاث روايات... والثالثة: هي فيء لا شيء لهم فيها، لأنهم عصاة بفعلهم، فلم يملكوها، كالسرقة من المسلمين»٣٬٥٩٣الكافي: (4 / 227)..

ص 2858

ووجه المعصية هو عدم استئذانهم الإمام، لما في ذلك من التغرير إذ قد يغيب على تلك الطائفة أمور ومخاطر يحيط بها الإمام، وليست المعصية هي أصل دخولهم دار الحرب وأخذهم أموال أهلها؛ لأنها مباحة أصالة بالإجماع، بل ذكر بعض أهل المذهب الحنبلي أن ذلك مكروه وليس بمحرم، قال الإمام أبو يعلى: «ويكره لطائفة قليلة أن تغزو بغير إذن الإمام لأنه أعرف بالطرقات وأوقات الحرب، ومكان الحرب وخلاف غيره لاهتمامه بذلك، فإن كان بإذنه أرشدهم وهداهم إلى ما هو أصوب، فإذا تركوا الأصوب كره لهم ولأنه إذا كان بإذنه كان ردءًا لهم وعلى خبرتهم حتى إذا احتاجوا إلى مدد بادر به إليهم وإذا لم يكن بإذنه لم يعلم بهم فربما نالهم ما لا طاقة لهم به فهلكوا»٣٬٥٩٤المسائل الفقهية: (2 / 350)..

الخامس: أن من دخل دار الحرب بغير إذن الإمام وأصاب منها، فأمره راجع للإمام إن شاء عاقبه فحرمه ما أخذ وإن شاء خمَّسه، وهذا القول فيما يظهر -والله أعلم- مبني على مسألة جواز التعزير بأخذ المال، فكأن أصحاب هذا القول يرون أن صاحبه الذي أصابه هو مستحق له ابتداء، إلا أن حرمانه منه لكفه عن المعاودة ولردع مَن سواه ألاَّ يتجرأ على مثل فعله، وهو قول الإمام الأوزاعي ورواية عن الإمام أحمد، وقول الإمام سحنون من أئمة المالكية على اختلافات طفيفة في بعض التفاصيل، قال الإمام الشافعي رحمه الله: «قال الأوزاعيُّ: إذا خرجا بغيرِ إذنِ الإمامِ، فإنْ شاء عاقبهما وحَرَمَهُما، وإنْ شاء خَمَّسَ ما أصابها ثم قَسَّمَهُ بينهما»٣٬٥٩٥الأم: (7 / 297)..

وقال أبو يعلى من الحنابلة: «نقل محمد بن يحيى الكحال: من غزا بغير إذن الإمام لم يكن له في الغنيمة حق. فظاهر هذا أحرمه الغنيمة... وجه الأولى: أنا قد ذكرنا ما في ذلك من الغرر بهم والخطر فجاز أن يحرموا هذه الغنيمة ليكون منعًا لهم عن مثل ذلك كما حرم القاتل الميراث»٣٬٥٩٦المسائل الفقهية: (2 / 350)..

ص 2859

وظاهر كلام بعض أئمة الحنابلة أن هذا والذي قبله هما قول واحد، بمعنى أن ما أخذه مَن دخل دار الحرب بغير إذن الإمام إنما صار فيئًا يُحرم منه الآخذون عقوبة لهم وذلك لافتئاتهم على الإمام ومخاطرتهم وتغريرهم بأنفسهم، فكأن معصيتهم بعدم استئذان الإمام بعدما حرمتهم أخذ المال صيَّرته فيئًا، ولهذا قال ابن مفلح: «فإن دخل قوم لا منعة لهم... والمراد بها القوة والدفع دار الحرب بغير إذنه أي إذن المعتبر إذنه وهو الإمام المتغلب فغنموا فغنيمتهم فيء على المذهب لأنهم عصاة بفعلهم وافتئاتهم على الإمام لطلب الغنيمة فناسب حرمانهم كقتل المورث»٣٬٥٩٧المبدع: (3/ 350)..

وجاء في «التاج والإكليل»: «قال سحنون في سرية تخرج في قلة وغرر بغير إذن الإمام فغنموا فإن للإمام أن يمنعهم الغنيمة أدبا لهم، فقال سحنون فأما جماعة لا يخاف عليهم فلا يحرمهم الغنيمة وإن لم يستأذنوه يريد وقد أخطؤوا»٣٬٥٩٨التاج والإكليل: (3/ 374)..

الراجح: والذي يظهر -والله تعالى أعلم- رجحانه أن الحكم على المال بكونه غنيمة أم فيئًا إنما هو تابع للهيئة والكيفية التي تم الاستيلاء بها عليه، فإن كان أخْذه وانتزاعه وقع على سبيل الغلبة والقهر والقوة فيكون غنيمة يخرج خمسه ويعطى أربعة أخماسه للغانمين، وأما إن لم يكن كذلك فهو فيء يرجع أمره إلى الإمام يضعه حيث شاء من مصالح المسلمين كما هو الراجح في حكم الفيء، فالمعتبر ليس فقط كون الطائفة التي تدخل دار الحرب بغير إذن الإمام ذات منعة أم لا، وإنما لا بد من النظر إلى صورة أخذ المال من أيدي الكفار وهيئة الاستيلاء عليه، فقد تدخل طائفة ذات قوة وشوكة ومنعة دار الحرب فتأخذ مالًا لا على سبيل الغلبة والقهر وإن كان الغالب خلاف ذلك، مع القول بجواز أن يعاقب الإمام من دخل دار الحرب بغير إذنه فغنم أو أخذ مالًا إما بحرمانه مما أخذ أو بعضه، لأن الصحيح من أقوال العلماء هو جواز التعزير بأخذ المال لا سيما إذا كانت المعصية متعلقة بالمال نفسه كالغلول ومنع المقدور عليه للزكاة ونحوها، وبيان وجه رجحان ما ظهر في هذه المسألة هو:

أن الأئمة شبه متفقين إجمالًا على أن مسمى الغنيمة هو المال المأخوذ من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة، وأن مسمى الفيء هو المال الحاصل للمسلمين من أموال الكفّار بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب. فالفرق بين الغنيمة والفيء: «أنّ الغنيمة ما أخذ من أهل الحرب عنوةً والحرب قائمة، والفيء ما أخذ من أهل الحرب بغير قتال ولا إيجاف خيل»٣٬٥٩٩الموسوعة الفقهية الكويتية [31/302]..

ص 2860

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: «اعلم أولًا أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة فقالوا: الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي ﷺ ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم ﷺ أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح، وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه ا المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم﴾ مع قوله: ﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه كما ترى... وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ ذكر فيها حكم الفيء وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه»٣٬٦٠٠أضواء البيان: (2/ 219)..

فإذ ذلك كذلك؛ فحكم كل مال تابع لمسماه وحقيقته وذلك مرتبط بصورة أخذه وكيفية وقوعه في أيدي المسلمين فإن كان انتزاعًا بقوة فغنيمة وإلا ففيء، والذي يظهر أن من ربط الأمر بكون الداخلين دار الحرب بغير إذن الإمام أنهم ذوو منعة وشوكة هو أن الغالب فيمن هذا حاله أن يكون المال الواقع بأيديهم هو بطريق القوة والقهر فأجرى الحكم على الغالب، كما أن من جعل المال الذي يقع في أيدي من لا شوكة لهم ولا منعة فيئًا لأن الغالب فيمن هو بهذه الصفة أن يكون ما أخذه بغير قوة وقهر وغلبة لفقده لها فأجرى الحكم على الغالب أيضًا ولم يُنظر في كلا الحالتين إلى شواذ الصور ومفرداتها.

ص 2861

فما دام الأمر على هذه الحال، فكل طائفة دخلت دار الحرب بغير إذن الإمام وأصابت مالًا من أهلها نُظر، فإن كان أخذ المال جاريًا بطريق القوة والغلبة والقهر فهو غنيمة يُقسِّمها الإمام قسمتها الشرعية، فيأخذ خمسها ليضعه في مصارفه ويعطي الطائفة المُنتزِعة الأربعة أخماس على حسب حالهم للراجل سهمٌ وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وذلك لقول الله تعالى: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]، وقد صحَّ أن المال المأخوذ يُسمى غنيمة شرعًا فوجب إجراء الحكم عليه سواء كان قليلًا أم كثيرًا، وسواء كان الآخذ واحدًا أو أكثر.

وإن كان المال مأخوذًا بغير القهر والقوة والغلبة «أي بغير قتال» فهو فيء يُسلمه آخذوه إلى الإمام ليصرفه حسب ما يرى من وجوه المصالح ولا يختص الآخذون به كما هو الراجح من حكم الفيء، لأنهم لم يُوجفوا عليه بخيل ولا ركاب فيجري عليه قول الله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ﴾ أي ما حركتم ولا أعملتم ولا سقتم، يُقال: وجف البعير يجف وجوفاَ وأوجفته إذا سار نوعًا من السير، فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيل ولا ركاب وذلك عبارة عن القتال أي ما قاتلتم عليه، فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة، وما لم يقاتلوا عليه فهو فيء لأن الله أفاءه على المسلمين»٣٬٦٠١الفتاوى الكبرى: (4/ 23 - 24)..

وأما منع الإمام من دخل دار الحرب بغير إذنه مما أخذ عقوبة له فهو جار على القول بجواز التعزير بالعقوبات المالية وهو الراجح إذا أدى اجتهاد الإمام ونظره إليه، لأن أمر الجهاد وقتًا وزمنًا وصفة في الأصل موكول إلى الإمام لأنه أدرى بأحوال أعدائه ومكامن قوتهم وضعفهم وتحين الفرصة لغزوهم، فإذا أقدمت طائفة على ذلك بغير إذنه فهو افتئات عليه فله أن يُعزر على ذلك كما يعزر على غيره من المعاصي التي لا حد فيها، وهذا عند وجود الإمام وقيامه بواجبات الجهاد وعدم تعطيله له.

ص 2862

وأما عند فقده -كما هو في عصرنا- فلا يعطل الجهاد بذلك بل يؤول الأمر إلى من يَخلفه في هذا الباب وهم قادة المجاهدين ورؤساؤهم كلٌّ في نطاق عمله وعلى من هم تحته وتَبَعه من المجاهدين إلا في مسألة تعزيرهم بأخذ شيء مما غنموا فلا يظهر جواز ذلك هنا لعدم قوة الافتئات في هذه الحالة لا سيما وقد قال بعض العلماء -منهم الشافعي-: بأن دخول طائفة من المسلمين دار الحرب بغير إذن الإمام الأعظم أو نائبه لا يرتقي إلى الحرمة وإن قيل بالكراهة لأنه لا يعدو أن يكون مشتملا على التغرير والمخاطرة وتقحم المهالك وكل ذلك ليس بمستعظم ولا مستنكر في الجهاد.

وجاء في «المجموع شرح المهذب»: «يُكره الغزو من غير إذن الإمام، أو من غير إذن الأمير المنصوب من جهة الإمام ولا يحرَّم، لأنه أعرف بجهاد العدو منهم، وأنه القادر على أن يمدهم ويعينهم، وإذا غزوا من غير إذنه، لم يحرم عليهم، سواء كانوا في منعة، أو غير منعة، لأن عملهم ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، ويجوز التغرير بالنفس في الجهاد»٣٬٦٠٢المجموع شرح المهذب: (21 / 29)، ونظير ذلك في الأم: (4/ 292)..

والقول: بأن ذلك ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس ليس بمسلم، بل قد يكون سببًا في تهييج الكفار وإثارتهم حتى يرتكبوا أشياء لا تحمد ضد المسلمين مع عدم استعدادهم وتهيئهم فيحصل بذلك من الأضرار والمفاسد ما لا يخفى، ثم إن القول: بأن أصل الجهاد موكول إلى الإمام أو من يقوم مقامه؛ يلزم منه أن يكون من مهامه التي يختص بها وترجع إليه ولا تُسيَّب لآحاد الرعية وأفرادهم، وإلا فلا معنى لإيكال الأمر له، وأما عند انعدامه وفقدانه بموت أو غلبة كفار أو تعطيل منه للجهاد مع القدرة عليه، فينتقل الأمر لمن ينوب عنه في باب الجهاد؛ وهم أمراء المجاهدين وقادتهم ومن يتولون أمورهم على ما بيَّنا، والله تعالى أعلم.

وكتبه/ أبو يحيى الليبي

«29/شوال/1426»

❖ ❖ ❖

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: كيفية قسمة الغنيمة إذا غنمت مجموعة من المجاهدين بغير إذن الإمام

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا