أهداف الوثيقة

وبعد ذكر هذه المقدمات التي ينبغي استحضارها أثناء قراءة هذه التعليقات والتعقيبات، ننتقل إلى أمر آخر وهو أهم وأخطر -فيما نرى- من كل ما سبق ألا وهو بيان دوافع كتابة هذه الوثيقة، أو بالأصح أهداف إخراج هذه الوثيقة، وهو ما ينبغي أن ينظر إليه بعناية تامة واهتمام بالغ ولا يكون المرء حين استقبالها وتقليب صفحاتها غافلًا عنها أو مغفلًا يُستدرج من خلالها إلى لعق سمها والتأثر بوبائها وهو لا يشعر، فالمؤمن كيسٌ فطن.

الهدف الأول: محاصرة المجاهدين علميًا وفصلهم فصلًا تامًا عن فهم وتأصيلات وآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم، بدعوى أن ما كتبه السلف قد كان لزمان غير زماننا كما نصت الوثيقة على ذلك، وهذا من أخطر ما فيها، مع قصر العبارة التي تدل على هذا المعنى وغموضه فيها، فبعدما شاع مصطلح «السلفية الجهادية» وتداولته أقلام الكتاب من الإسلاميين وغيرهم، والذي يعني بشقيه البناء على أصول السلف والاعتماد على استدلالاتهم والتشبث بفهومهم مع الاستمساك قولًا وعملًا بعبادة الجهاد والقتال للكفار من المرتدين واليهود والنصارى، وبعدما صار هذا المعنى يترسخ شيئًا فشيئًا في قلوب المسلمين كما ألفوا مصطلحه «السلفية الجهادية» أرادت هذه الوثيقة الفصل بين الجزئين، ووضع حاجز وهمي مختلق بين العصرين، بدعوى أنه «قد كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا، كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة، وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضًا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس».

ص 659

ولا شك أن هذا الكلام فيه كثيرٌ من الحق وأن الواقع الذي نعيشه اليوم هو مخالفٌ لما كانوا عليه من الاستقلال والاعتزاز بالدين والانفراد بالدار والتمكن فيها، والمجاهدون، بل وكل المسلمين إنما يسعون للرجوع إلى تلك الحال التي كان عليها الأولون والخروج من حالة الشذوذ والاستثناء التي يعيشونها اليوم، إلا أن كلام السلف الذي تريد الوثيقة أن تجعله لزمان غير زماننا، ليس كله كذلك، وليس هو فتاوى جزئية متعلقة بوقائع وأحداث خاصة بزمانهم فحسب، بل إنهم قرروا أحكامًا شرعية مطلقة، وذكروا مسائل شرعية عامة لا تتعلق بزمان ولا مكان، وما كان خاصًا بزمانهم ومرتبطًا بظروفهم فهو في الجملة بيِّنٌ ظاهر لا يكاد يخفى على أحد فضلًا عن أهل العلم المتخصصين، ونحن نعلم أن العصور متقلبة والأزمنة متغيرة من لدن النبي ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يزال كل قرن يستقي من القرن الذي سبقه ويفيد منه أحكامًا وفتاوى ومسائل تكلم فيها السابقون.

والشيخ عبد القادر نفسه الذي نقل عنه الناشرون بأنه يقول: «إنني لست عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة»، قد ملأ كتبه السابقة، بل ووثيقة ترشيده بالنقولات والنصوص الطويلة والمختصرة عن علماء السلف والخلف واستعملها في كلامه للتدليل على وقائع محددة ومسائل جزئية واقعية لا يخرج الحديث عنها بحال عن كونه «فتوى»، والتي هي «معرفة الواجب في الواقع»، كما قال في وثيقة الترشيد، ومهما حاول التنصل من أن كثيرًا مما جاء في كتبه هو فتوى صريحة في وقائع محددة فإن هذا لا يغني شيئًا، بل كتبه كالعمدة والجامع في طلب العلم الشريف وغيرها من الرسائل معظمها منصب على الحديث حول أحكام شرعية متعلقة بالواقع تعلقًا مباشرًا، فإذا كان قد حكم على نفسه بأنه ليس عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة، وبين لنا في وثيقة الترشيد أنه «لا يجوز العمل بما في كتب العلم إلا بفتوى من مؤهل لذلك، بصير بالشرع وبحقيقة الواقع»؛ فليقل لنا ما الذي يفعله بهذه الوثيقة، وماذا نفعل بمئات إن لم تكن آلاف النصوص التي اقتطعها من كتب أهل العلم الأولين والآخرين وعزز بها «فتاواه» وأيد تقريراته، بل ورد على عشرات العلماء الأولين الراسخين في مسائل شرعية متعددة؟

ص 660

فإن كان كل ما فعله ويفعله الشيخ عبد القادر من نقل لنصوص علماء السلف والخلف، واستعانة بها في تقوية الأحكام التي يقررها وينشرها، إن لم يكن هذا هو عين ما ينكره على المجاهدين فما هو، أم أن هذا حلالٌ له لا تبعة عليه فيه مع أنه ليس بمؤهل لأنه كما حكم على نفسه -حسب قول الناشرين- بأنه ليس «عالِمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة»، وحرامٌ على المجاهدين لأنه اكتشف لهم اليوم أن ما دونه السلف قد كتب لزمان غير زماننا فعليهم الاحتياط، فما بال بائك تجر وبائي لا تجر!

فالشاهد من هذا كله: أن هذه الوثيقة تريد أن تقول للمجاهدين بالتلويح أو التصريح: اقطعوا صلتكم بكتب السلف وعلومهم وفهومهم وفتاواهم، وانظروا لواقعكم نظرة مستقلة مبتورة عن ماضيها، منفصلة عن نظرة أسلافكم، وقرروا من الأحكام ما يناسب حالكم، ويوافق أهواءهكم -إن لم تكن أهواء حكامكم- فلقد رأينا ما أصاب كثيرًا من الجماعات الإسلامية، بل وبعض من ينتسبون إلى العلم باسم المعاصرة والتكيف مع الواقع، ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [الصف: 5]، والسعيد من وعظ بغيره.

فلا ينبغي للمجاهدين أو غيرهم أن يغتروا بهذه الدعوة ولا أن يلتفتوا إلى همهماتها، بل عليهم أن يوطدوا صلتهم بعلوم السلف ويُديموا النظر فيها، ويغرفوا من معينها، ويسترشدوا بأنوارها، ويتشبثوا بآثارها، لا سيما وأن كثيرًا مما سطروه رحمهم الله من الأحكام الشرعية لا يتعلق بواقع دون واقع ولا حالة دون حالة، وإنما هو قضايا كلية تنسحب على كل زمان ولا يعوز الخبير إدراكها.

الهدف الثاني: إنعاش القوى الصليبية والصهيونية وأعوانها من المرتدين، وإعطاؤها فرصة لالتقاط أنفاسها وترتيب أوراقها، وذلك من خلال إشغال المجاهدين بمثل هذه الزوبعات التي تثيرها بين الحين والحين، وتضخيمها والنفخ فيها وجعلها أمرًا فيصليًا في مسيرة العمل الجهادي، فحينما ينكب المجاهدون على الانشغال بها والتوجه إليها توجهًا كاملًا بردودهم ومناقشاتهم وتراشقاتهم ومتابعاتهم ويصرفون في ذلك كثيرًا من وقتهم وجهدهم وفكرهم، فإن أعداءهم يغتنمون فرصة الغفلة والانشغال في تمرير مشاريعهم وبث سمومهم وترتيب أوضاعهم، وتعزيز مكانتهم، وترسيخ أقدامهم.

ص 661

وهذا مما ينبغي للمجاهدين أن يتفطنوا له دائمًا سواء في مثل هذه الوثيقة أو ما شابهها من الأمور التي يلاحظون الإعلام يتولى كبر النفخ فيها والإشهار لها، والتركيز على أهميتها، وليعلموا أن لهم طريقًا واحدًا لإقامة الدين ونشر العدل وقطع دابر الظلم والظالمين ألا وهو القتال في سبيل الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [الأنفال: 39]، فلو كان هناك طريق آخر لإزالة الفتنة -أي الشرك والصد عن سبيل الله- ويكون بها الدين كله لله سوى القتال؛ لدلنا عليها ربنا ﷻ فلا تشغل نفسك بهيشات الأسواق ولا بنيات الطريق، ﴿قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: 140]، ولا تعط لأعدائك فرصة ينعمون فيها بأمن ولا ارتياح ولا تفكير، واعلم أن ما يصيبك من الهم والحزن والألم والشدة فلهم مثله وأكثر كما قال ربنا ﷻ: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 104]، وقال ﷻ: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 140].

الهدف الثالث: تصوير المجاهدين على أنهم عصابة مشتتة من النُّهاب، والسراق، وأصحاب الأهواء والكذب والغدر والخيانة، وأنهم منسلخون من كل قيمة أو خلق أو دين، فلا علم يرشدهم، ولا عقل يضبطهم، ولا دين يزعهم، وأن همهم الوحيد هو الوصول إلى الغاية، من غير مراعاة للوسيلة، وأن أكبر مقصدهم ومناهم هو سفك الدماء -أي دماء- من غير مراعاة لحرمة ولا عهد، حتى صوَّرتهم الوثيقة على أنهم يتقصدون الناس بناء على لون بشرتهم وشعرهم وجنسيتهم.

ص 662

فمن يطالع هذه الوثيقة لا شك أنه سينطبع في قلبه هذا المعنى شاء أم أبى، وسيجد في نفسه نفرة تلقائية من كل ما له علاقة بالجهاد والمجاهدين، وسيبادر بالحكم على أي عمل يقوم به المجاهدون ولا تستسيغه نفسه على أنه من قبيل انحرافاتهم المعروفة والمألوفة التي شهّرتها وسطرتها وثيقة الترشيد، فوراء هذا الهدف هدفٌ آخر وهو المقصود أصالةً، وهو عزل المجاهدين عن مجتمعاتهم، وتنفير الناس عن مناصرتهم، وتزهيدهم في إعانتهم والوقوف بجانبهم، بل وربما إيغار القلوب عليهم وملؤها بكرههم وعداوتهم والنتيجة الحتمية بعد ذلك، قطيعتهم ثم إعلان عداوتهم ثم مباشرة محاربتهم وهو الذي يريدون، وقد رأى الجميع مثل هذا في العراق وغيرها، فالمراد الآن هو توسيع دائرة التشويه لتشمل كل المجاهدين وسائر ساحات الجهاد، وهذه الوثيقة تؤدي شيئًا من هذه المهمة ولن يفلحوا بإذن الله: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

الهدف الرابع: التأكيد على أن الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم هو حقيقة قائمة لا بد من الاعتراف بها والتعامل معها على هذا الأساس، وغرس روح القَبول بهذا الواقع والتكيف معه بدلًا من محاولات تغييره، وتأصيل معنى الاستسلام والاستضعاف في قلوب الأمة، والتأكيدُ على أنه حالة متجذرة عميقة متشعبة لا وسيلة لعلاجها، ولا حيلة لتقويم اعوجاجها، ومن ثم فمن العبث التفكير في تغيير هذا الواقع واقتلاعه، فالواجب هو الاعتراف به ودوام استجدائه، والتعامل معه على أنه حقيقة قائمة، لا مجال لإنكارها أو التنكر لها، ولا فائدة من وراء أي سعي لإقامة غيرها، وهذه الفكرة بمجملها خطوة أولى نحو الدعوة «للتعايش السلمي العالمي» وترسيخ مفهوم المواطنة بدلًا من مفهوم الولاء والبراء، والاعتراف بشرعية الأنظمة المرتدة التي تحكم المسلمين بقوانينها الوضعية وتلزمهم بالتحاكم إليها بحديدها ونارها، ومن ثم تسليط كلابها من جيش وأمن واستخبارات وشرط على كل من يعارضها أو يأبى الإذعان لها فضلًا عمن يحاول تغييرها واقتلاع جذورها.

ص 663

الهدف الخامس: تحسين صورة الغرب وعلى رأسهم منبع الإجرام «أمريكا» وتلميعها في أعين المسلمين، وإظهارهم على أنهم هم أصحاب العدل والمساواة وحقوق الإنسان وإنصاف المظلوم وإيواء المشردين، وعليه فيجب أن يكونوا هم المثل المقتدى، والأمين المحتذى، وعلينا أن نجعلهم أسوة لنا في التعامل معهم مثلًا بمثل، فهم قدوتنا في محاسن الأخلاق ونحن تبعٌ لهم في ذلك، وذلك لتعزيز معنى التبعية وإعادة الافتتان بحضارتهم، وتخفي وثيقة التعبيد الجرائم اليومية المفضوحة التي يرتكبها هؤلاء الجزارون وتغض الطرف عن تلك الفظائع التي لا تكاد البشرية تسمع بمثلها، من القتل الجماعي وإبادة الشعوب والإذلال المتواصل والسرقة المقننة وغيرها، فهي وثيقة تطبع صورة بشعة مقززة للمجاهدين وترسم صورة لطيفة منمقة لهؤلاء الكفرة المردة.

الهدف السادس: لا شك أن قادة الجهاد اليوم قد كسبوا ثقة كبيرة في قلوب الناس، من خلال تحملهم لأعباء المعركة، ووقوفهم وقفة صادقة في وجه أعداء الأمة، وإثباتهم بالقول والفعل أنهم هم من يحملون همومها حقيقة لا ادعاءً وكذبًا، وأنهم يضحون بأموالهم وأنفسهم وأهليهم تمامًا كما يضحي جنودهم، فأرادت هذه الوثيقة أن تنتزع وتقتلع هذه الثقة من قلوب المسلمين عمومًا ومن قلوب جنودهم المجاهدين خصوصًا، ولإسقاطهم من المكانة السامية التي بوأهم الله إياها بسبب جهادهم وصبرهم -نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله- وفيما أرى فإن الطريقة التي يراد من ورائها الوصول إلى هذين المعنيين أعني نزع ثقة الناس بهم، وإسقاطهم من أعينهم يراد بمسلكين:

الأول: وذلك بنقر الصخور الصماء في الليلة الظلماء للتنقيب عن أدنى خطأ يمكن أن يقتنص فيلصق بهؤلاء القادة، ثم الشروع في تضخيمه وتشهيره وتكريره، حتى يترسخ في النفوس على أنه حقيقة مسلمة من خبير مطلع، فكما نرى فإن وثيقة التعبيد قد صورتهم على أنهم فرَّارون من المعارك بل حتى عن نسائهم وأبنائهم، وأنهم كذبة فسقة فاسدون مفسدون جهلة، همهم الظهور الإعلامي وطلب الشهرة.

الثاني: لاستدراج هؤلاء القادة وجرهم إلى مهاترات وسفاسف جزئية، من خلال استفزازهم ببعض الأمور وإحراجهم ببعض القضايا التي تدفعهم إلى الدفاع عن أنفسهم وتبرئة ساحتهم، وإلا سيبقون في دائرة التهمة والتشكيك التي ضربتها حولهم وثيقة التعبيد.

ص 664

الهدف السابع: التأكيد على أن المجاهدين هم سبب كل الكوارث التي حلت بالأمة من تقتيل وتشريد وسجن وتضييق، وأنهم وراء جر الأمة إلى المهالك، وأن جهادهم و«صداماتهم» لم تجنِ على شعوبهم إلا الخراب والفساد، وأنهم لولا استفزازهم للدول المتجبرة وحكوماتها العميلة لما كان حال المسلمين على ما هو عليه من الشدائد والكروب والخطوب، حتى يخيَّل للمرء أن الأمة كانت قبل انتشار الجهاد تعيش في أمنِ وعدلِ ورخاء دولةِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا المعنى الذي تعززه وثيقة التعبيد يرمي إلى نتيجة مفهومة وهي أن ترك الجهاد وطرق الأبواب الأخرى «الهجرة، العزلة، كتمان الإيمان»، هي الوسيلة الكفيلة بالتوسعة على الناس ورفع المعاناة عنهم، والخروج من هذا المأزق المتضايق، أما الاستمرار في «الصدامات» والإصرار على محاولة إسقاط الحكومات المرتدة، ومناطحة الدول المستكبرة المحتلة، والاجتهاد في تحريض الناس على القتال، فكل ذلك نتيجته ما جربتم وذقتم ورأيتم... سجونٌ وقبورٌ ومطاردةٌ وتشريدٌ وزيادة تسلط، إذن يا أيها المجاهدون كفوا أيديكم لتكف «السلطات المختصة» أيديها، وإن استمررتم وأصررتم فلا تلوموا إلا أنفسكم، فعلى أهلها براقشُ تجني!

وأنا أنقل كلامًا يليق بالمقام من كتاب العمدة في إعداد العدة لكاتب الوثيقة جاء فيه: «قال ﷺ: (يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا)، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: (أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ تُنزعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيُجْعَل فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ)، قَالُوا وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: (حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)١٬٢٤٧[رواه أحمد: (٢٢٣٩٧)، وأبو داود: (4297) وصححه الألباني].، وقال ﷺ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)١٬٢٤٨[رواه أبو داود: (٣٤٦٢)، وغيره، وصححه الألباني]..

ص 665

والحديثان بمعنى واحد، وهما -ولا شك- يصفان حال المسلمين اليوم، أحبوا الدنيا وكرهوا الموت وتركوا الجهاد، فسَلَّط الله عليهم الأمم الكافرة تسومهم الذل والهوان وهذه عقوبة قدرية واقعة لا محالة بتاركي الجهاد، كما قال الحق ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39]، فالعذاب الأليم في الآية، منه الذل المذكور في حديث ابن عمر، ومنه تداعي الأمم علينا المذكور في حديث ثوبان، والخَلاَص من هذا يكون كما أخبر النبي ﷺ: (لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)١٬٢٤٩[سبق قبل قليل].، وهذا يكون بالعودة إلى الجهاد المذكور في أول الحديث، وهذا يتفق مع قول الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]، وقول الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]».

وكل هذه الأهداف التي ذكرتها تصب في اتجاه واحد وترمي إلى غاية محددة ألا وهي محاصرة المجاهدين خارجيًا وتفكيكهم داخليًا، وبث الفُرقة والاختلاف فيما بينهم، وتوهية العزيمة في قلوبهم، وتوهين الثقة المتينة التي تربطهم ببعضهم، ومحاصرة الآمال وبث روح الإحباط والشعور بالعجز، وتمهيد الأرض لتوطيد وتشييد أركان ودعائم الدولة الطاغوتية، والاستمرار في الحياة الجاهلية ليرتع أعداء الله بعد ذلك في أمتنا كما شاؤوا ولكنْ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14].

❖ ❖ ❖

ص 666