الوقفة الثالثة
أن تلك المصائب التي تلحق المجاهدين، من كثرة القتل وشدة الجراح ونقصان الأنفسِ يُعَد في أصله -بالنظر إليه مجردًا- من الأسباب الموجبة للهون والضعف والاستكانة، ولكن مع قوة الداعي لهذه الأمور من حيث الأصل إلا أن أهل الإيمان الراسخ والعزيمة الصادقة واليقين المتمكن لا ينقادون لذلك الموجِب ولا يستسلمون له ولا يدعونه يغلب عليهم أو يهيمن على نفوسهم ولا يجعلونه مدعاةً للفشل والخور والإذعان لعدوِّهم، بل يدافعونه بقوة إيمانهم ويطردونه بشدة عزيمتهم ويبددونه بإخلاصهم فلا يبقى له محلٌّ في قلوبهم ولا يظهر له أثرٌ في أعمالهم، فلا تنطق الألسن بالتضجر ولا التذمّر، ولهذا مدح الله ﷻ أولئك الربيين بقوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ﴾ [آل عمران: 146].
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله، وما ضعفوا، وما استكانوا، وما وهنوا عند القتل، ولا ضعفوا، ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة، والعزيمة، والإقدام، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزة كراما مقبلين غير مدبرين»١٬٧٣٣زاد المعاد: (3 / 225)..
فظهر من ذلك أن عدم الوهن والضعف والاستكانة كلُّ ذلك عملٌ مكتسبٌ يمكن تحصيله؛ فيصبح المرء المسلم المجاهد عند حلول مثل تلك المصائب بين أن يستجيب لداعيها وينقاد لتأثيرها فتورثه ضعفًا وخورًا واستكانةً فيُذم، وبين أن يردها ويقوي قلبه لدفعها ويجمع لها موجبات إبعادها فتشتد عزيمته ويَظهر صبرُ وتصبُره فيمدح، ومن هنا فإن الله ﷻ قد نهى عباده المؤمنين عن الوهن والضعف أمام عدوهم فقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ﴾ [آل عمران: 139-140]، وقال ﷻ:﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ﴾ [النساء: 104]، وقال ﷻ: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ [محمد: 35]، وإنما يُنهى المرء عن فعلٍ هو قادرٌ على تركه وعدمِ الاتصاف به، وإلا كان تكليفًا بما لا يُطاق، ويزداد ويتأكد مدحه وحمدُه إن فعل ما هو ضده من الأعمال الصالحة والأوصاف الحميدة كالعزيمة والقوة والثبات هنا، ولهذا مدح الله الربيين بعدم ضعفهم لنتأسى بهم ونفعل فعلهم، ونهانا عن الضعف أمام عدونا لنسلك سيرتهم.
قال العلامة أبو السعود رحمه الله: «قوله ﷻ: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ [آل عمران: 146] عطفٌ على قاتَلَ على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك: وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمرارًا عليه بحسب الظاهرِ، ولكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم ﴿لِمَآ أَصَابَهُمۡ﴾ [آل عمران: 146] في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ»١٬٧٣٤تفسير أبي السعود: (1 / 469)..
فقد ذكر الله تعالى ثلاثة أمورٍ مذمومة لم تُصب أولئك الربيين ولم تلتصق بهم فاستحقوا المدح بنفيها عن أنفسهم، وهي الوهَن، والضعف، والاستكانة، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «يعني بقوله تعالى ذكره: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 146]؛ فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قُتل منهم، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم، ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ [آل عمران: 146]؛ يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم، ﴿وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ﴾ [آل عمران: 146]؛ يعني وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم، وطاعة لله واتباعًا لتنزيله ووحيه»١٬٧٣٥تفسير الطبري: (7 / 269)..
وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله في ذلك: «وجمع بين الوهن والضعف، وهما متقاربان تقاربًا قريبًا من الترادف؛ فالوهن قلة القدرة على العمل، وعلى النهوض في الأمر، وفعله... والضعف بضم الضاد وفتحها ضد القوة في البدن، وهما هنا مجازان؛ فالأول: أقرب إلى العزيمة، ودبيب اليأس في النفوس والفكر، والثاني: أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة، وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعه المذلة والخضوع للعدو»١٬٧٣٦التحرير والتنوير: (3 / 244)..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا؛ أي ذلوا لعدوهم»١٬٧٣٧تفسير السعدي: (151)..
فأصبح كل سابقٍ من هذه الثلاثة كأنه سببٌ في تولِّد اللاحق وحصوله، فوهن القلب وخوره وشدة جزعه يقود إلى ضعف الأعضاء عن العمل وتهاونها في القيام بالمهام وتراخيها في الاضطلاع بأعبائه، وإذا وقع ذلك انقطع دفعهم لعدوهم وانعدم قتالهم لهم فيؤدي ذلك إلى تجرؤ عدوهم واستعلائهم عليهم فيحصل الخضوع والاستسلام والاستكانة لهم.
والمقصود من ذلك أن المصائب مهما تعاظمت وتفاقمت وحطت برحالها المثقلة في سوح الجهاد؛ فلا ينبغي أن تكون سببًا في التراخي والخور والوهن والفتور، ولا الانكسار أمام العدو والخضوع له، فالأمر يحتاج إلى تحملٍ وتكلفٍ وتصبُّرٍ تُطرد به كل تلك الأدواء القاتلة، وإلى محاربة داعي النفسِ وقطع أسباب التخاذل والتكاسل، وسد كل المنافذ التي يمكن أن يتسرب منها شيء إلى القلب، فمن الأسباب التي تعين على قوة القلب وإبعاد الوهن وعدم الخضوع للعدو:
الأول: دعاء المجاهدين ربَّهم بأن يثبتهم كما سيأتي فيما حكاه الله تعالى عن الرِبِّيِّين من قولهم: ﴿وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا﴾ [البقرة: 250]، وكما حكى ﷻ عن أصحاب طالوت لما عاينوا عدوَّهم: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
الثاني: الثبات في المعركة وعدم الفرار، كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ﴾ [الأنفال: 45]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ [الأنفال: 15].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا العافية فإن لقيتموهم فاثبتوا)١٬٧٣٨أخرجه ابن أبي شيبة [٢٠٦٦١]، والبيهقي [(١٨٤٦٩)، واللفظ له] وغيرهما، ولفظ الصحيحين: (فإذا لقيتموهم فاصبروا)، [البخاري: (٢٩٦٥)، ومسلم: (١٧٤١)].، وروى ابن أبي شيبة١٬٧٣٩[٣٦٠٦٣]. عن أبي مسافع، قال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن مع النعمان بن مقرن: إذا لقيتم العدو فلا تفروا».
الثالث: التأسي بمن سبق من أهل العزيمة والشجاعة والمصابرة ممن عاينوا أنواع الأهوال وخالطوا ألوان المصائب، وركبوها طبقا عن طبق، ومع ذلك لم يلينوا ولم يضعفوا ولم يورثهم كل ذلك إلا قوةً وثباتًا، فقوله ﷻ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ﴾ [آل عمران: 146]، جاء بعد بيان ما حلَّ بالصحابة رضي الله عنهم من الاضطراب إثر شيوع مقتل النبي ﷺ، وذلك حتى يبيّن لهم أن ما أصابهم قد أصاب أمثالهم من الأولين فكان عليهم أن يكونوا على طريقتهم في عدم الوهن والضعف والاستكانة، كما قال أبو حيان رحمه الله: «لما كان من المؤمنين ما كان يوم أحد وعتب عليهم الله ما حذر منهم في الآيات التي تقدمت، أخبرهم بأنّ الأمم السالفة قتلت أنبياء لهم كثيرون أو قتل ربيون كثير معهم، فلم يلحقهم ما لحقكم من الوهن والضعف، ولا ثناهم عن القتال فُجْعُهم بقتل أنبيائهم، أو قتل ربييهم، بل مضوا قدمًا في نصرة دينهم صابرين على ما حل بهم.
وقتل نبي أو أتباعه من أعظم المصاب، فكذلك كان ينبغي لكم التأسي بمن مضى من صالحي الأمم السابقة، هذا وأنتم خير الأمم، ونبيكم خير الأنبياء»١٬٧٤٠البحر المحيط: (3 / 417)..
وقال ابن عاشور رحمه الله: «واعلموا أنه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النبوة هديًا وتعليمًا، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحق، ألا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل»١٬٧٤١التحرير والتنوير: (3 /244)..
فالتأسي بالخيار يبعث الهمم ويقوي العزم ويخفف الألم، ولهذا يخبر الله ﷻ نبيه بما كان يصيب الأنبياء قبله من شدة عداوة أقوامهم ومبالغتهم في أذاهم، وصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على كل ذلك حتى يأتيهم فرج الله وفتحه كما قال ﷻ: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله عن هذه الآية: «هذه تسلية للنبي ﷺ وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة»١٬٧٤٢تفسير ابن كثير: (3 / 252)..
وقال سبحانه: ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [هود: 120].
ومن ذلك الإكثار من قراءة مواقف الأبطال عند الشدائد، واستهانتهم بالأهوال وقتَ نزولها، وركوب أنواع المخاطر من غيرِ مبالاةٍ، واستهانتهم بغمراتها، والتأمل في قوة إصرارهم واستماتتهم أمام عدوهم وبلوغهم الذروة من المصابرة والتحدي، كما حصل للصحابة رضي الله عنهم في معركة اليمامة، وكيف تحملوا أنواع الجراح وتلافوا الانكسار وارتدى بعضهم أكفانهم تثبيتا لنفسه وتقوية لأصحابه، واستحر القتل في خيارهم وعلمائهم وسابقيهم فما تزحزحوا ولا تراجعوا حتى فتح الله عليهم.
الرابع: مواساة النفس بما يصيب الكفار من الآلام نظير ما يصيب أهل الجهاد والإيمان، كما قال سبحانه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ﴾ [النساء: 104]، قال العلامة السعدي رحمه الله في هذه الآية: «أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار؛ أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء، بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.
ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:
الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك؛ لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى..»١٬٧٤٣تفسير السعدي: (199)..
وقال سيد قطب رحمه الله: «فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام، وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله»١٬٧٤٤في ظلال القرآن: (2 / 229)..
وقال العلامة الرازي رحمه الله: «والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعًا لهم عن قتالكم فكيف صار مانعًا لكم عن قتالهم»١٬٧٤٥تفسير الرازي: (5 /368)..
وقال ﷻ أيضًا: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 139-140].
الخامس: الطمع فيما أعده الله ﷻ لعباده المجاهدين الصابرين، والتيقن بأن الأجر على قدر ما يعانونه من الشدة والبلاء والضيق، وهذا فارقٌ عظيمٌ بينهم وبين أعدائهم، فإن أولئك اجتمع عليهم آلام الدنيا ومصائبها وخسران الآخرة وعذابها، فهم خاسرون على كل حالٍ، أما المؤمنون فلهم في كل صبرٍ أجر، وفي كل مصابٍ ثواب، وما بقي لهم عند ربهم خيرٌ مما فاتهم في دنياهم، وما يستقبلهم من أمر الآخرة أفضل مما خلفهم من أمر الدنيا، كما قال تعالى في الآية السابقة مشجعًا عباده المؤمنين: ﴿وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 10﴾ [النساء: 104].
وقد نقلت بعض ما ذكره العلامة السعدي عما يقوي قلوب المؤمنين وتكملتُه في قوله: «...الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، كامل العلم كامل الحكمة»١٬٧٤٦تفسير السعدي: (199)..
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: «ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا توجد فيهم، وهي: أنكم ترجون من الله من الأجر وعظيم الجزاء مالا يرجونه لكفرهم وجحودهم، فأنتم أحقّ بالصبر منهم، وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم قوية؛ لأنها ترى الموت مغنمًا، وهم يرونه مغرمًا»١٬٧٤٧فتح القدير: (2 / 207)..
وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من غازية، أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم لهم أجورهم)١٬٧٤٨رواه مسلم [١٩٠٦]..
السادس: الحذر الشديد من معصية الله تعالى، والخوف من الوقوع في شيءٍ منها أو الاستهانة بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾ [آل عمران: 155]، قال العلامة السعدي رحمه الله: «يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم «أحد» وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان»١٬٧٤٩تفسير السعدي: (153)..
ومن المعاصي التي توجب الفشل والضعف التنازع والتفرق ومخالفة أمر الأمراء والتحايل في التنصل منه كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46]، قال الإمام الطبري رحمه الله: «ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم ﴿فَتَفۡشَلُواْ﴾ [الأنفال: 46]، يقول: فتضعفوا وتجبنوا»١٬٧٥٠تفسير الطبري: (13 / 575)..
وكان بعض السلف يقول إن جزاء الحسنة حسنة بعدها، وجزاء السيئة سيئة بعدها، ومن تأمل هذه الآية لمح فيها هذا المعنى، فالتنازع والتفرق والاختلاف معصيةٌ لله تعالى وهذه كلها إنما تقع بالأقوال والأفعال وإن كان أصل مصدرها تنافر القلوب أو قد تكون مفضية إلى تنافرها لعلاقة الباطن بالظاهر كما كان النبي ﷺ يقول: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)١٬٧٥١[رواه أحمد: (١٨٥١٦)، وأبو داود: (٦٦٤)، وصححه الألباني].، وكذلك قوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)١٬٧٥٢[رواه البخاري: (52)، ومسلم: (١٥٩٩)، وغيرهما].، ولكن الله ﷻ جعل من عقوبة اختلافهم فشلهم أي جبنهم كما فسر غير واحدٍ من العلماء الفشل في الآية بالجبن، والجبن محله القلب وإنما تظهر آثاره على أعمال الإنسان، فإذا حصل الفشل وتمكن الجبن في القلب ذهبت الريح أي القوة وتمكّنَ الأعداء، فانظر -رحمك الله- شؤم الاختلاف وعواقبه على المرء وعلى إخوانه.
وأنقل هنا كلامًا قيمًا للعلامة ابن عاشور رحمه الله حول آية الأنفال المذكورة: «وأما النهي عن التنازع فهو يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم، والتشاور، ومراجعة بعضهم بعضا، حتى يصدروا عن رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى أمرائهم لقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ﴾ [النساء: 83]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة لولاة الأمور: لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي.
ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة بسط القرآن القول فيه ببيان سيئ آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله تعالى: ﴿فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46]، فحذرهم أمرين معلوما سوء مغبتهما: وهما الفشل وذهاب الريح.
والفشل: انحطاط القوة وقد تقدم آنفا عند قوله: ﴿وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ﴾ [الأنفال: 43] وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلًا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه على العمل. وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضًا، وتوقع عدم إلقاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكن منهم العدو، كما قال ربنا ﷻ في سورة آل عمران: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم﴾ [آل عمران: 152]»١٬٧٥٣التحرير والتنوير: (9 / 123)..
هذا ومن أسباب اجتماع كلمة الأمة اشتغالها بالجهاد حقيقةً، كما أن من دواعي تفرقها تركها له، وهذا كما يلحق الأمة عمومًا فهو عن المجاهدين ليس ببعيد، فحيث اشتغلوا بالجهاد وتحصيل أسبابه من إعدادٍ وتدريبٍ، ومقارعة لأعدائهم ألف الله بين قلوبهم وجمع كلمتهم ووحّد صفوفهم فازدادوا قوة إلى قوتهم، وحيث اشتغلوا ببنيات الطريق وألْهَتهم هيشات الأسواق وأماتوا أوقاتهم في جلسات القيل والقال دب بينهم الخلاف وسرى في جماعتهم التنافر والتدابر فما أعجل تسلط أعدائهم عليهم حينئذٍ، قال شيخ الإسلام رحمه الله في رسالته للسلطان: «ومتى جاهدت الأمة عدوها ألَّف اللَّه بين قلوبها، وإن تركت الجهاد شغل بعضها ببعض»١٬٧٥٤[جامع المسائل: (5/300)]..
❖ ❖ ❖