مقدمة الشارح الشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله

۞

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى من اهتدى بهديه، واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.

ثم أما بعد...

فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأولا أذكر نفسي ثم أذكر إخواني بأننا في مجلس نتقرب به إلى الله تعالى بتعلم دينه وأحكام شريعته، وهذا يتطلب منا الصدقَ والإخلاص؛ فإن هذا عبادةً لله ﷻ فالإخلاص هو روح الأعمال ولبها، وعمل بلا إخلاص كجسد بلا روح، ولا نقول إن العمل الذي لا إخلاص فيه لا نقول إن صاحبه لن ينتفع به فقط؛ بل نقول إنه سيكون وبالا على صاحبه؛ أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

فهذه المجالسُ مجالسُ مباركة؛ كما أخبرنا النبي ﷺ أنها من المجالس التي: (تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة، وتتنزل عليها السكينة، ويذكرها الله فيمن عنده)١٬٩٦٦[صحيح مسلم (2699)].، نسأل الله أن يجعلها من المجالس التي ننتفع بها يوم لا ينفع مال ولا بنون١٬٩٦٧[ذكر الشيخُ في المادة الصوتية هنا أنه كان ينبغي أن تكون الدروس للشيخ محمود «عطية الله أبي عبد الرحمن رحمه الله» وأنه بدأ في الدرس اضطرارًا لعدم مجيء الشيخ، ثم ذكر أن المواد المقررة في الدورة هي: هذا الكتاب «السياسة الشرعية»، وكذلك بعض الفصول المنتقاة من بعض كتب الحنابلة في فقه الجهاد -قال الزبير: وهو شرح مختارات من متن «الإقناع» وسيأتي في آخر هذا القسم-]..

ص 1158

وإنَّ كتاب «السياسة الشرعية» قد كتبه وفصَّله وبيَّنه شيخ الإسلام رحمه الله بطريقة وأسلوب لا تكاد تجد جماعةً ولا تجمعًا إلا وهو محتاج لما كُتب في هذا الكتاب، ونحن نُدرِّس هذا الكتاب للمرة الأولى فتدريسه تجربة لمدى حاجتنا لهذا الكتاب، ولا شك أننا محتاجون لما فيه؛ فتم اختياره لهذا الأمر، خاصة أنه ليس له شروح لان عبارته واضحة، ومعانيه كذلك بينة جلية، ولكن قد شرحه الشيخ «محمد بن صالح العثيمين رحمه الله» وفُرع شرحُه في الكتاب الذي ترونه أمامكم؛ فهو شرح مبسط وفيه بيان للعبارات وبعض التعليقات المهمة والجيدة.

وهذا الكتاب موجز العبارة، بناه شيخ الإسلام -كما هي عادته- في كتبه على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو كتاب مختصر، ولكنه كتابٌ شامل ينبغي لكل من ولِي شيئًا من أمور المسلمين أن يقرأه، وأن يفهم ما دوَّنه هذا الإمام، وما استخلصه من كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ ومن خلال تجربته أيضًا، فهو الإمام العالم العامل الذي كان يشارك العوام في همومهم ومصائبهم ومشاكلهم، ويشارك الجند في قتالهم وجهادهم، ويشارك العلماء في مناظراتهم وفي تعليمهم وتدريسهم، فما من شعبة إلا وكان له فيها سهم حتى لا يكاد يُقال إنه إمام في غيرها.

حتى أن الإمام الذهبي رحمه الله حينما تكلم عن هذا العالم قال: «لو أقسمت بين الركن والمقام أنني لم ترَ عيناي مثله، ولم ير هو مثل نفسه لما حنثت»١٬٩٦٨ذيل طبقات الحنابلة: (4 / 390).، وهذه شهادة من إمام جليل راسخ في العلم مؤرخ كالإمام الذهبي رحمه الله.

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الإمام الغني عن التعريف، ويكفيه من الوصف أن صار لقب «شيخ الإسلام» علـمًا عليه في الغالب، وقد توفي شيخ الإسلام في سنة «728» للهجرة، وهو في سجن القلعة١٬٩٦٩انظر إلى ترجمة شيخ الإسلام في كتاب: «الجامع لسيرة شيخ الاسلام ابن تيمية»، فقد جَمَعَ هذا الكتاب التراجم المتفرقة في كتب التواريخ والسير والطبقات ونحوها، بداية من عصر شيخ الإسلام، وانتهاء بنهاية القرن الثالث عشر الهجري..

ص 1159

«السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ»: بهذا التقييد استدللنا على أن السياسة قسمان: شرعية، وغير شرعية، وكلمة السياسة: مأخوذة من ساسَ الأميرُ القومَ؛ يعني أمرهم ونهاهم١٬٩٧٠تاج العروس: (16 / 157)، لسان العرب: (6 / 107).، فهي كلمة تدل على الإصلاح، وتدل على حمل النَّاس على الطريقة القويمة التي فيها صلاح دينهم ودنياهم، وهذه مهمة الأمراء ومعهم العلماء، لأن استقامة النَّاس على الدين تحتاج إلى الكتاب الهادي وتحتاج إلى السلطان.

فالسياسة الشرعية هي السياسة العادلة التي تجري وفق أحكام الله ﷻ، فهي التي تكون مبنية على كتاب الله ﷻ، وسنة النبي ﷺ، وما استُخلص منهما واعتُمد عليهما كالإجماع والقياس، فالسياسة ليست هي المخادعات، وليست هي البناء على المصالح المزعومة والموهومة، وليست هي الكذب والمراوغات، وإنما السياسة هي إقامة النَّاس على دين الله ﷻ، فالإمام مهمته هي أن يصلح دين النَّاس ودنياهم، وأن يعينهم على إصلاح دينهم، وعلى إصلاح دنياهم.

«فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ» فهي تتكلم على الولاة، وتتكلم على من هو تحتهم من الرعية، لأن الأمر متبادل بين الأمراء والمأمورين.

وكلمة السياسة ومشتقاتها لم ترد في كتاب الله بهذا اللفظ، وإن جاءت معانيها في أوامر الله ﷻ التي تأمر بالعدل، ورد الأمانات إلى أهلها، والحكم بين النَّاس بكتاب الله ﷻ، وغير ذلك، كقول الله ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90]، ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، وأما في السنَّة النبوية فقد جاء قولُ النبيِّ ﷺ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ)١٬٩٧١ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (3268)، ومسلم: (1842)، وابن حبان: (4555)، وابن ماجه: (2871)، وأحمد: (7947).؛ أي تقودهم وتجري أمورهم بما أوحى الله ﷻ إليهم، فكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء بما أوحى الله لهم، وبما جاءوا به من عند الله ﷻ؛ فهو شرع أوحي إليهم، وأمروا بأن يقودوا النَّاسَ به، وكذلك نبينا ﷺ أوحى اللهُ ﷻ له إمَّا وحيًا مباشرًا باللفظ والمعنى، وهو القرآن، وإما بالمعنى وهي السنة.

ص 1160

وأمر رسولنا ﷺ أن يبلغ ما أوحى الله ﷻ إليه، وأمر أيضًا أن يحكم بين النَّاس بالعدل، والحكم بين النَّاس بالعدل؛ إنما هو الحكم بالشرع، فكل عدل هو من الشرع، وكل شرع هو عدل، كما قال الله ﷻ: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، وكما قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90].

وكلمة الشرعية: يعني السياسة التي تُنسب إلى الشرع؛ يعني مصدرها كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ؛ فهي سياسة لا تعتمد على العقل المجرد، ولا تعتمد على الأعراف، ولا على العادات، ولا على نُظم الملوك وقوانينهم ودساتيرهم، وإنما هي سياسة أو أحكام مستقاة ومأخوذة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ.

وهذا مما يبيِّن لنا أنَّ الشرع والسياسة لا ينفكان ولا ينفصلان؛ فالدعوة العَلمانية الخبيثة العصرية التي تدعو إلى فصل الدين عن السياسة، ويقولون: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، هؤلاء نسألهم: ماذا تقصدون بالدين؟ ثم ماذا تقصدون بالسياسة؟ حتى ننظر كيف يمكن أن يُفصل بينهما؟ فإن قالوا: نقصد بالدين؛ الصلاة والزكاة والحج والصيام وما شابهها من العبادات، قلنا لهم: بأية كتاب، أم بأيَّة سنَّة، قصرتم معنى الدين على هذه العبادات؟ فالدين بحسب معرفتنا، وبحسب مدلول شرعنا، هو كل ما جاء من عند الله ﷻ، كما قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]؛ فكل جزئية من أحكام الله ﷻ فهي داخلة في معنى الدين؛ يدخل في ذلك: العقائد والعبادات والمعاملات والحدود وغيرها.. فكلها يشملها معنى الدين، فالذين يُريدون أن يفصلوا هذا الجزء المسمى بالسياسة عن الدين، نقول لهم: ماذا تقصدون بالسياسة؟ فإن قالوا: إن السياسة هي كيفية إدارة الدول وتسييرها، فنقول لهم: إنَّ هذا مما جاء في كتاب الله ﷻ، وقد قامت دولٌ إسلامية قرونًا طويلة في التاريخ وفتحت الأرض وساست الناس وحكمتهم بأحكام الدين؛ فلا يمكن لهذه الدعوة أن تُنسب بأي حال من الأحوال إلى مسلم، إلا مسلمًا قد بلغ من الجهل جهلا مطبقا فلا يعرف معنى الدين ولا معنى السياسة.

فالإسلام كلُّ الإسلام الذي أُمرنا بأن ندخل فيه، هو الدين الذي جاء به النبي ﷺ، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ﴾ [البقرة: 208]؛ يعني ادخلوا في الإسلام كاملًا، أو ادخلوا كلكم في الإسلام.

ص 1161

فإذن الدين كلمة شاملة لكل ما جاء به النبي ﷺ، ونحن نعلم يقينًا، بما لا يدع مجالًا للشكِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأتنا فقط ليأمرنا بالصلاة والزكاة والحج والصيام والبر والصلة وغير ذلك، وإنما جاءنا لتقوم حياتنا كلها، وِفق ما جاءنا به، ووفق ما أوحى الله ﷻ إليه، فجاءنا بالعقائد، وجاءنا بالأخلاق (إنَّما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)١٬٩٧٢من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الحاكم: (4221)، وفي رواية: (صالح الأخلاق)، أحمد (8939)، صححه الألباني.، وجاءنا بالفصل بين النَّاس بالعدل بالقضاء، كما قال ﷻ: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، وجاءنا بعلاقات الدول مع الدول، فالنبي ﷺ خاض الحروب، وعقد المعاهدات، وأمَّن النَّاس وغير ذلك، فما من شُعبة من شعب الحياة إلا وفيها أمر من الله ﷻ، وفيها توجيه من دين الله تعالى، من دخول المرء لقضاء حاجته في الخلاء إلى الأمور الكبرى التي تتعلق بالدماء والأموال والأعراض.

إذن ليس هناك أية مجال لقبول الدعوة التي يقوم عليها بعض الزنادقة والكفرة، ممن يريدون أن يفصلوا بين الدين والسياسة، فهذه دعاوى غربية، لها جذورها من تمرد النصارى على رهبانهم، الذين تسلطوا عليهم بالظلم والقهر، فتمردوا على كل ما له صلة بالدين، وقالوا: «دعوا السياسة لنا وأنتم لكم كنائسكم ولكم معابدكم»١٬٩٧٣يُنظر: «مذاهب فكرية معاصرة؛ العلمانية» و«العلمانيون والإسلام» كلاهما لمحمد قطب.، فهذه ليست في دين الله ﷻ، فإذن السياسة الشرعية هي من دين الله ﷻ، ونحن مأمورون بتعلمها وإقامتها وإجرائها في حياتنا تمامًا كما نحن مأمورون بتعلم أحكام الله ﷻ كالصلاة والصيام... وغير ذلك من الأمور الشرعية التي جاء بها النبي ﷺ.

ثم قال في اسم الكتاب: «فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ»

ص 1162

كلمة «الإصلاح» قد جاءت في كتاب الله ﷻ؛ كقول الله ﷻ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]، وكقوله: ﴿إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ﴾ [هود: 88]، والنبي ﷺ قد بُعِثَ للإصلاح، ولكنَّ الإصلاح هو بمفهوم الإسلام؛ كما أن العدل له مفهوم خاص في الإسلام، فالناس الآن عندهم العدل يُرادف المساواة، فالعدل والمساواة عندهم شيء واحد، ولذلك يكثر الكلام في المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والمواريث وغير ذلك، ونحن نقول: العدل شيء والمساواة شيء آخر، وعدم وجود المساواة لا يعني انتفاء العدل؛ فقد تنتفي المساواة ويبقى العدل كما قال الله ﷻ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ [النساء: 34] فهناك تفضيل، والله ﷻ قد فضل الذكر على الأنثى في المواريث، وهذا ليس ظلمًا للمرأة بل هو عين العدل؛ فكل حكم أخذ من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ فهو عدل، فالله قد أعطى كل ذي حق حقَّه، ولا يزلم من هذا المساواة.

«في إصلاح الراعي والرعية»؛ أي كيف يكون الراعي صالحًا ومُصلحًا، وكيف تكون الرعية مُصلحة وصالحة جارية على طريق الشرع، فلا يمكن أن يكون هناك إصلاح إلا بأن يكون النَّاس على دين الله ﷻ.. وبحسب ما ينقص حال النَّاس، ويبتعدون عن دين الله ﷻ؛ بحسب ما ينقص صلاحهم وإصلاحهم، ولذلك ترى اضطراب النَّاس في أمور دينهم ودنياهم، بسبب بعدهم عن دين الله ﷻ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾ حياة ضيِّقة شديدة ﴿وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124]، وأما في حقِّ المؤمن فكما قال الله ﷻ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ [النحل: 97]؛ فالمؤمن له الحياة الطيبة، وبحسب إيمانه وصلاحه واتباعه لدين الله ﷻ بحسب ما يكون له من هذه الحياة الطيبة، والنقص كذلك بحسبه.

«الراعي»: المقصود به الولاة، فكلُّ من تولَّى أمرًا صغيرًا أو كبيرًا فهو راعٍ، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)١٬٩٧٤ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: البخاري: (853)، ومسلم: (1829)، وابن حبان: (4490)، والترمذي: (1705)، وأبو داود: (2928)، وأحمد: (5167).، وسيأتينا هذا الحديث إن شاء الله تعالى.

ونبدأ بالكتاب وسيكون شرحنا مختصرًا، ونبذل جهدنا أن نربط ما نقراه بواقعنا الذي نعيشه إن شاء الله؛ لأن هذا هو فائدة العلم، قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله:

ص 1163

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»؛ هذا افتتاحٌ بالآية التي في سورة «الحديد»، وإقامة دين الله واستقامةُ أمرِ الناس لا يمكن أن يكون إلا بأمرين: بالكتاب الهادي؛ والمقصود به العلم، وبالسيف الناصر؛ والمقصود به القوة، وقد أشارت هذه الآية إلى هذين الأمرين؛ أشارت إلى وجود البينات: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ﴾ يعني الحُكم وهو العدل والقِسط، ﴿وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ﴾ [الحديد: 25]؛ يعني فيه قوة، وهذا إشارة إلى الجهاد؛ لأن السلاحَ المستخدم في القتال إنما يكون في الغالب من الحديد.

فالمقصود أن دين الله تعالى لا يمكن إلا أن يكون بهذين الأمرين: السيف وحده لا يقيم دين الله ﷻ، والكتاب وحده لا يُقام به دين الله ﷻ، وإنما لا بد أن يكون هناك كتاب يهدي حتى يسير ناصروا دين الله على بيِّنة وعلى هدى، ولا بد أن يكون هناك سيف يحمي ويقيم الأحكام بالقوة؛ لأن النَّاس ليسوا منقادين إلى القرآن طواعية جميعًا، ولهذا يقال: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»١٬٩٧٥جاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» التمهيد لابن عبد البر: (1 / 118)، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن» تاريخ بغداد: (4 / 107).؛ يعني يدفع بصاحب الشوكة والقوة ما لا يدفعه بالقرآن، فالنَّاس قد يُوعظون، ولكن كثيرًا من النَّاس تحملهم نفوسهم الشريرة على تجاوز حدود الله، وعلى ظلم النَّاس، وارتكاب ما نهى الله ﷻ عنه، فهؤلاء يحتاجون إلى الردع والدفع والمنع، وهي مهمة السلطان، ولذلك شرع الله ﷻ الحدود والتعازير، فالعقوبات إنما شُرعت لردِّ هؤلاء المعتدين، وليكونوا عبرة لمن شابههم.

وهذه تُسمى «ببراعة الاستهلال»؛ يعني أن شيخ الإسلام أشار إلى مقصود الكتاب بهذه الآية١٬٩٧٦[لاحظتُ بمطابقة المادة الأصلية أن هذا السطر وما قبله بخمسة أسطر كلها من إضافات المعتني، ومثلها كثير؛ فليُنتبه!]..

«وَخَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَيَّدَهُ بِالسُّلْطَانِ النَّصِيرِ، الْجَامِعِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَلَمِ لِلْهِدَايَةِ وَالْحُجَّةِ، وَمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالسَّيْفِ لِلنُّصْرَةِ وَالتَّعْزِيرِ»

ص 1164

كلمة «السلطان» إذا أطلقت في الكتاب والسنة؛ فالمقصود بها سلطان الحجة؛ أي البراهين القاطعة التي تُثبت حجية كتاب الله، وأحقية اتباع دين الله والتي يُفند بها الشبهات التي يتعلق بها الناس، وكذلك سلطان السيف الناصر لدين الله، وقد أشار شيخ الإسلام لهذين الأمرين، و الله ﷻ أرسل نبيه بسلطان الحجة والقلم والهداية وكذلك سلطان القوة والقدرة والسيف والنصرة.

«وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً خَالِصَةً خَلَاصَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ١٬٩٧٧الذهب الإبريز: الخالص، لسان العرب: (5 / 309)، تاج العروس: (15/23).، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَشَهَادَةً يَكُونُ صَاحِبُهَا فِي حِرْزٍ حَرِيزٍ.

أَمَّا بَعْدُ... فَهَذِهِ رِسَالَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، فِيهَا جَوَامِعُ مِنْ السِّيَاسَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْإِنَابَةِ النَّبَوِيَّةِ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةُ، اقْتَضَاهَا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ نُصْحَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، كما قال النَّبيُّ ﷺ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: (إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمَرَكُمْ)١٬٩٧٨ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (3388)، وأحمد: (8785)، ومالك: (1796)، وجاء في صحيح مسلم: (1715) دون ذكر مناصحة ولاة الأمر.».

ذكروا أن شيخ الإسلام رحمه الله كتب هذه الرسالة أو هذا الكتاب في عشيِّة واحدة، وليس هذا بغريب ولا عجيب على شيخ الإسلام.

وكما أشار هنا: كتبه نصحًا لبعض ولاة الأمور في زمنه، واستدل بالحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)؛ يعني توحيد الله ﷻ، (وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)؛ يعني أن تكونوا جماعة واحدة غير متفرقين ولا متنازعين ولا مختلفين، وورد هذا في كتاب الله ﷻ في مواطن كثيرة، كقول الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]، وكقوله ﷻ: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46]، وكقوله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103].

ونهانا الله ﷻ أن نكون كالأمم السابقة الذين تنازعوا واختلفوا فقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِمَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران: 105]؛ يعني فكونوا متفقين متآلفين معتصمين بحبل الله ﷻ، فهذا مما يرضاه الله لنا.

والأمر الثالث: (وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمَرَكُمْ)؛ وهذا يشير إلى أمرٍ عظيم، وكما جاء في الحديث المعروف المشهور: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم)١٬٩٧٩ من حديث تميم الداري رضي الله عنه: مسلم: (55)، وابن حبان: (4574)، وأبو داود: (4944)، والنسائي: (4197)، وأحمد: (16982).، فالدين النصيحة؛ يعني كأنَّ الدين كله جُمع في كلمة «النصيحة»؛ فمما يرضاه الله ﷻ لنا أن نناصح من ولَّاه الله أمرنا، والنصيحة هي الإرشاد إلى الخير والحث عليه، أو التحذير من الشر؛ فإما أن ترشده إلى خير، قد يكون واجبًا قصَّر فيه، أو مستحبًا فرَّط فيه، أو شيئًا غفل عنه، فتنبهه إلى هذا الخير، أو تحذره من شر وقع فيه، فهذا من النصح، فالإنسان لا يحتقر نفسه، وينبغي أن يكون مُناصحًا لأمرائه؛ فالأمراء لم يخرجوا عن صفات البشرية مهما علا كعبهم، ومهما علا صِيتهم، ومهما كانت منزلتهم؛ فهم لا يزالون بشرًا، وما زال فيهم النقص البشري من الغفلة والهوى وغير ذلك، فالإنسان يحتاج إلى من يناصحه ويذكره، وهذا من الإعانة لهم على ما هم فيه.

«وَهَذِهِ رِسَالَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى آيَةِ الْأُمَرَاءِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ قوله تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 58-59].

قَالَ الْعُلَمَاءُ: نَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ، عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، وَنَزَلَتْ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِنَ الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ؛ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ».

معنى «الفاعلين لذلك»؛ أي الذين أدُّوا الأمانات، وحكموا بين النَّاس بالعدل، القائمون على أحكام الله كما أنزلها، «فِي قَسْمِهِمْ»؛ يعني للغنائم وغيرها، «وَحُكْمِهِمْ وَمَغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ»؛ يعني عليهم أن يطيعوا أولي الأمر منهم في هذه الأمور.

ص 1165

«إلَّا أَنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنْ أَمَرُوا بِمَعْصِيَةٍ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ؛ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وُلَاةُ الْأَمْرِ ذَلِكَ، أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».

ذكر شيخ الإسلام أنَّ مبنى هذه الرسالة على آيتين من كتاب الله، وهما الآيتان اللتان في سورة النساء، أولهما: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، فقال: ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية في حق الولاة؛ يعني أن الله ﷻ أمرهم أن يؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، والأمانات -كما قال العلماء- كلمة شاملة لِمَا يتعلق بحقوق الله وبحقوق العباد؛ فالإنسان عليه أن يؤدي الأمانة التي بينه وبين الله ﷻ على وجهها، ومنها التكاليف الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72]، وهي التكاليف الشرعية والطاعة لله ولرسوله ﷺ.

وكذلك ما يتعلق بحقوق العباد كالديون والحقوق والعرايا.. وغير ذلك؛ على الإنسان أن يجتهد في إيصالها إلى أهلها ومستحقيها، وهذا أيضا يدخل فيه الرعية، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن هذه الآية قد شملت البر والفاجر»١٬٩٨٠مصنف ابن أبي شيبة: (33231).، فكل إنسان مُطالب بأن يؤدي الأمانة، وأن يجتهد فيها.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ يعني إن الله يأمركم إذا حكمتم بين النَّاس أن تحكموا بالعدل، والعدل هو الحكم بما أنزل الله تعالى، لأن الله ﷻ قال: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: 90]، فكل أمرٍ جاء في كتاب الله، أو في سنة النبي ﷺ فهو أمر بالعدل، فإن الله ﷻ حرَّم على نفسه الظلم، كما قال ﷻ في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا)١٬٩٨١من حديث أبي ذر رضي الله عنه: مسلم: (2577)، وابن حبان: (619)، وأحمد: (21458).، والظلم يقابله العدل، فما دام أن الله تعالى حرَّم على نفسه الظلم، وحرَّم على العباد أن يظلم بعضهم بعضًا، فهذا يدل على أنَّه أوجب على نفسه العدل ﷻ، وأمر العباد أن يحكموا بينهم بالعدل، وقد جاء هذا منصوصًا عليه في كتاب الله ﷻ.

ص 1166

وقال الله تعالى في الآية الثانية -وهي المتعلقة بالرعية-: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، قال العلماء في هذه الآية:

أولًا؛ إن الله ﷻ ذكر الفعل مستقلًا ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ ثم أعاده في حق النبيِّ ﷺ فقال: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ ثم قال: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، لأن الله لا يأمر إلا بحقٍّ وعدل، والنبي ﷺ لا يأمر إلا بحقٍّ وعدل، وطاعته من طاعة الله ﷻ، فأما ولاة الأمور فقد يأمرون بالطاعة، وقد يأمرون بالمعصية، فطاعتهم ليست مطلقة، وإنما فيها التفصيل؛ فإذا كان أمرهم تابعًا لأمر الله ﷻ وأمر رسوله ﷺ؛ فتجب طاعتهم في ذلك، وإذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهم: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)١٬٩٨٢ من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البخاري: (6830)، ومسلم: (1840)، وابن حبان: (4567)، والحاكم: (4622)، وأبو داود: (2625)، والنسائي: (4205)، وأحمد: (622). كما قال النَّبيُّ ﷺ، (ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)١٬٩٨٣من حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري رضي الله عنهما: الحاكم: (5870)، أحمد: (19893) بلفظ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى) صححه الألباني، وفي مسند الشهاب: (873) جاء بلفظ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)..

إذن الولاة لهم دائرة وحدود في الطاعة لا نتجاوزها١٬٩٨٤قال ابن القيم: «فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء كان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل، وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة» إعلام الموقعين: (1/48).؛ وهذا مما يدلنا على أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وتصيبهم الأهواء وغير ذلك؛ فنحن مأمورون بأن لا نتجاوز دائرة الطاعة المتعلقة بطاعة الله ورسوله ﷺ، ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ يعني هنا: الحال إما أن تكونوا متفقين أنتم وولاة الأمور على أن هذا هو حكم الله، ولا خلاف بينكم في ذلك معهم؛ فتجب الطاعة هنا، فإذا أمر الولاة -والولاة يدخل فيهم الأمراء؛ يعني السلطان الأكبر ومن دونه، وكل من تولَّى أمرًا وتحته ناس فهو والي، وعلى من تحته ومن دونه أن يسمعوا ويطيعوا له- فإما أن يكون هذا الأمر مُتفقًا عليه، أو هو أمر بما أمر الله ﷻ به ورسوله ﷺ؛ فهنا تجب الطاعة.

وإما أن يأمر بمعصية صريحة، فهنا تحرم الطاعة.

ص 1167

وإما أن يأمر بأمر مختلف فيه -لا نعرف قد يكون من طاعة الله وقد لا يكون- فهنا قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ يعني: إذا وقع بينكم وبينهم النزاع والخلاف في مسألة ما، فعليكم -حتى تخرجوا من هذا الخلاف- أن ترجعوا إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي ﷺ، وبهذه الآية استدل العلماء على أن سنة الرسول ﷺ محفوظة، كما حُفظ كتابُ الله ﷻ؛ لأن الله ﷻ أمر المختلفين أن يردوا إلى الله وإلى الرسول، والمقصود به: الرد إلى كتاب الله ﷻ وهو محفوظ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، والرد إلى رسوله ﷺ؛ فهو إلى شخصه في حياته وإلى سنَّته بعد وفاته، فإذا لم تكن سنته محفوظة فكيف يأمرنا الله ﷻ أن نردَّ إليها؟، فهذا مما يدل على أن السنَّة محفوظة تمامًا كما حُفظ كتاب الله ﷻ، ولذلك قيَّض الله ﷻ لها جهابذة من العلماء، سهروا لأجلها وسافروا وتعبوا حتى حفظوها، ووصلتنا كما قالها النَّبيُّ ﷺ وكما فعلها.

«وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وُلَاةُ الْأَمْرِ ذَلِكَ»؛ يعني إذا لم تحكم بين الرعية بالعدل، وإذا لم تؤدِّ الأمانة إلى أهلها، كأن يستأثر بعض ولاة الأمور عن رعيتهم، ومنعوا بعض الرعية شيئًا من حقوقهم، وأكلوا بعض أموال الناس، ولكنهم يأمرون بالطاعة في جوانب أخرى فأقاموا الصلاة والجهاد وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. الخ؛ فهل بسبب منعهم لحقوقنا لا نسمع لهم ولا نطيع؟ أم علينا أن نسمع ونطيع لهم في كل شيء؟

ص 1168

فذكر شيخ الإسلام هنا أنَّ الحكم كما جاء في الحديث: «أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إلَيْهِمْ»؛ يعني إذا كانت لهم حقوق على الرعية؛ فعلينا أن نؤدي الحقوق، فلا نعمل الأمر مقايضة فنقول لهم: أنتم منعتمونا شيئًا من حقوقنا، فنحن أيضًا سنمنعكم شيئًا من حقوقكم! لا، فليست هذه طريقة الشرع، وإنما قال: «كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]»، فهم أمروا بطاعة الله ﷻ؛ فعلينا أن نطيعهم، لأن ذلك من طاعة الله ﷻ، وفي الحديث: (إنها ستكون أثرة)١٬٩٨٥قال النووي: (المراد بها هنا استئثار الأمراء بأموال بيت المال، شرح صحيح مسلم: (12 / 232)..، فسأل الصحابة رضي الله عنهم فماذا تأمرنا؟، قال: (أدُّوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم)١٬٩٨٦ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: البخاري: (3408)، ومسلم: (1843)، وابن حبان: (4587)، وأحمد: (4127).؛ يعني أدوا الحقوق الواجبة عليكم لأمرائكم، واسألوا الله ﷻ الحقوق التي عليهم لكم، فالمقصود أنه ليس هناك تلازم.

وهذا خطأ يقع فيه كثير من المجاهدين؛ فقد يقع بعض الأمراء في شيء من الأخطاء، أحيانًا تكون أخطاء صريحة واضحة، وأحيانًا تكون بعض الأمور الاجتهادية المحتملة التي علينا أن نردها إلى الله وإلى رسوله؛ فبعض الإخوة يجعل الأمر مقايضة، فبما أن أميره فعل شيئًا من الأخطاء، أو منع شيئًا من الحقوق، فهو في المقابل يَمنع شيئًا مما أوجبه الله ﷻ عليه كالسمع والطاعة.. فإن فعلت هذا؛ فتكون قد ارتكبت معصية في هذه الحالة، وتعاونتَ على الإثم والعدوان، ولم تتعاون على البر والتقوى، فالصحيح أنه ليس هناك تلازم بين الأمرين فننصح ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونسمع ونطيع؛ لأن السمع والطاعة للأمراء في هذه الحالة منفعتها عامة للمسلمين، وليست متعلقة بشخصك، وانقطاع السمع والطاعة أيضًا ضررها عام وشامل للمسلمين، وليست متعلقة بشخصك.

ولذلك لو أنَّ كلَّ إنسان كان تحت أمير ظلمه أو منعه شيئًا من حقوقه أو حقوق الناس، فامتنع عن السمع والطاعة لتفككت الجماعة، وتشتت المسلمون، وضعف حالهم، ثم بعد ذلك تبطل أصلًا ما أنُشئت وتكونت من أجله هذه الولاية، وفي ذلك تضييعٌ لشيء من أمور الدين١٬٩٨٧قال النووي في شرح الحديث المذكور: «وفيه الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالِمًا عسوفًا، فيُعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يخلع، بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره وإصلاحه» شرح صحيح مسلم: (12/232)..

«وَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ أَوْجَبَتْ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا، وَالْحُكْمَ بِالْعَدْلِ، فَهَذَانِ جِمَاعُ السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ، وَالْوِلَايَةِ الصَّالِحَةِ» أي أن السياسة العادلة تتعلق بهذين الأمرين: أداء الأمانات والحكم بالعدل.

❖ ❖ ❖

ص 1169