كلمة للشيخ في إصدار ريح الجنة «3» في رثاء الشيخ أبي الليث الليبي
[نُشرت المادة في المحرم 1430 هـ / 12 - 2008م، ولكن الكلمة كانت حين مقتل الشيخ أبي الليث على جثمانه، وكانت شهادته رحمه الله في: ربيع الآخر 1439هـ / 1 – 2018م٣٬٢٢٨[تناول هذا الإصدارُ سيرةَ الشيخ أبي الليث الليبي القاسمي رحمه الله، وفيه مقتطفاتٌ عدة للشيخ أبي يحيى؛ وضعناها جميعًا هنا].]
مؤسسة السحاب: سنحاول في هذا الشريط السَّفَر في سجل تضحيات أحد هؤلاء القادة الأبطال، مع سجل الشيخ القائد أبي الليث الليبي رحمه الله.
الشيخ أبو يحيى الليبي: قادة الأمة في هذا العصر كثيرون، والأمة تعرفهم بصدقهم وبمواقفهم وبإخلاصهم وبتضحياتهم، ولهذا وَثِقت الأمة فيهم وأسلمت لهم القياد، ونحن إذا ذهبنا نعدد أسماء القادة الذين برزوا في هذا العصر وفي هذه الحملة الصليبية على وجه الخصوص؛ لطال بنا المقام، ولكن نريد أن نقف وقفة مختصرة فمن الصعب أن تختزل حياة قائدٍ مجاهدٍ قضى أكثر من نصف عمره في الجهاد أن تختزلها في ساعة أو ساعتين بل ولا في يومٍ ولا يومين.
فهؤلاء القادة هم الذين يسجلون التاريخ، وهم الذين يسطرون صفحاته، لا بالخطب ولا بالكلمات ولا بالأحبار وإنما سطروه بمواقفهم وبدمائهم وبتضحياتهم؛ فأردنا أن نقف عند حياة قائد من هؤلاء القادة وبطل من هؤلاء الأبطال وهو الشيخ أبو الليث القاسمي رحمه الله.
مؤسسة السحاب: ومع بدء القتال بين الأحزاب رأى العديد من المجاهدين اعتزال الفتنة، وكان من بينهم الشيخ أبو الليث رحمه الله الذي قرر مع إخوانه في «الجماعة المقاتلة» الانتقال إلى السودان.
الشيخ أبو يحيى الليبي: بعدَما رجع مَن رجع من المجاهدين [من أفغانستان] عندما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتحديدًا في سنة (1993م) انتقل الشيخ أبو الليث إلى السودان مع بعض الذين رجعوا أو ذهبوا هناك، وفي السودان بقي يهيِّئ نفسه للدخول إلى ليبيا من أجل تهيئة الأمر وتجهيزه ومحاولة إشعالِ جذوة الجهاد ومصاولة نظام الردةِ في ليبيا؛ الذي تسلط على شعب مسلم نهبَ خيراته وكذلك أفسدَ عليه دينهُ ودنياه، والذي ما أبقى صغيرةً ولا كبيرةً من أمور الدينِ إلا واستهزأ بها وسخر منها.
فكل مسلمٍ غيورٍ على دينه لا بد أن يجد في نفسه محاولة الانتقام أو السعي لأخذ الثأر لدين الله ﷻ ولشرائع الإسلام من أمثال هذا الطاغية المرتد الذي لا يزال متسلطًا على رقاب المسلمين هناك.
فالشيخ أبو الليث رحمه الله وبعد أن ترسخت عقيدة الجهاد في قلبهِ وعرف معنى التضحية ومعنى الإقدام وكذلك رأى معية الله ﷻ لعبادهِ المجاهدين رغم قلتهم وضعفهم وتشتتهم ورغم قوة أعدائهم وما آتاهم الله ﷻ من التقنيات التي يحاربون بها دين الله ﷻ.. بعد ذلك شعر أو علم أن النصر من عند الله ﷻ وأن الإنسان إذا أعدَّ نفسه بما يستطيع وبما يسره الله ﷻ عليه؛ فقد أدى واجبه.
فليس عليه بعد ذلك إلا أن ينفر إلى ساحات الجهاد وأن يشرعَ في مقاتلة أعداء الله ﷻ.
مؤسسة السحاب: وقبل دخول الشيخ أبي الليث رحمه الله إلى ليبيا نقف مع حادثة وقعت له يرويها الشيخ أبو يحيى حفظه الله والتي ستكون بداية لسلسلة المطاردات في تاريخ الشيخ أبي الليث رحمه الله.
الشيخ أبو يحيى الليبي: عندما دخل الشيخ أبو الليث إلى الحدود الليبية، كان في السيارة، فأوقفته الشرطة الليبية، فبدؤوا يسألونه: من أين جئت؟ فقال: من سوريا. فالختم الذي كان في الجواز عمله له الإخوة -وزارة الداخلية الخاصة بالإخوة عملوا له ختم-، لكن الشيخ ما انتبه.. وما ركز وما أخذ معلومات الجواز -المزور طبعًا.. بل هو الجواز الحقيقي.. فالمزور هو الذي يخرج من وزارة الداخلية والحقيقي هو الجواز الذي نعمله بأيدينا!-.
فالمهم، بعد ذلك قالوا له: من أين ذهبت إلى سوريا؟ فقال له: ذهبت من مالطا، فأنزلوه من السيارة وأدخلوه إلى مركز الشرطة في نقطة الحدود في منطقة مساعد وهي منطقة حدودية وصحراوية، والبوابة كحلقة ملقاة في فلاة؛ يعني وحدها.
وبعد ذلك أدخلوه وأجلسوه وسألوه بعض الأسئلة؛ فأجاب عليها، فما كانوا مهتمين به كثيرًا، فبدأت الاتصالات بين البوابة وبين طرابلس -لأجل الجواز ورقم الجواز-، فقال الشيخ: فأنا كنتُ جالسًا في الغرفة فكانت الشرطة الليبية عندهم تلفزيون فتحوا فيه فيلمًا، وفيه مطاردات؛ فالرجل الذي يطاردونه في الفيلم استطاع أن يفلت من البوليس، فقال: قلتُ لعل هذه إشارة، فخرجتُ وكانوا جالسين، فالأمر لا زال لم يصل إلى درجة التشديد والسجن.
فخرج من عندهم وشربَ الماء، حتى ملأَ بطنهُ من الماء، وأخذَ زادًا كاملًا، ثم بعد ذلك قال: خرجتُ من جانب البوابة ثمَّ دخلتُ في الصحراء، وكان الوقت ليلًا، وبدأ يجري في الصحراء، ويركض، ومكث في تلك الليلة كلها وهو يجري، ثمَّ دخلَ عليه النهار، وهنا خلاص كان قد بدأَ العطش، فنامَ في وسط الصحراء، لا فراش له إلا الأرض، ولا غطاء لهُ إلا السماء.
فقال: عندما نمتُ وكنتُ مرهقًا وعطشانًا، قال: وأنا نائم رأيتُ النبي ﷺ في النوم -وهو يحدثني بهذا-؛ فأحضر ليَ النبي ﷺ في النوم إناءً فيه ماء، فشربتُ ماءً باردًا وعذبًا ثم استيقظتُ، وطعم الماء ما زالَ في فمي، فبقيَ مدة طويلة بعد ذلك؛ قال: كلما شربتُ ماءً وجدتُ نفس طعم الماء في فمي، قال: فقُمتُ نشيطًا وريان وبدأت أمشي.. والمهم أنَّ القصة طويلة.. بعد ذلك وفي هذه المسافة قطعَ فيها حقل ألغام من أيام الإيطاليين، ولكن الله سلمه.
مؤسسة السحاب: ثمَّ عاد الشيخ أبو الليث رحمه الله إلى السودان بأمر من القيادة؛ ليكلف بمهمة التعريف بالجماعة في صفوف علماء بلاد الحرمين، ويكون مندوبًا عن الجماعة هناك.
الشيخ أبو يحيى: ثمَّ بعد ذلك ذهبَ إلى جزيرة العرب للارتباط بمن يستطيعُ من العلماء والدعاة هنا وهناك، ولتوضيح وضع المجاهدين ووضع المسلمين عمومًا في داخل ليبيا، وكتبَ الله لهُ أن يلتقيَ بعددٍ كبيرٍ من كبار العلماء من الشيخ عبد العزيز بن باز إلى مَن دونه، وكلهم كانوا يؤيدونه وهذا بحسب ما ذكرَ لي هو بلسانه؛ أنهم كانوا يُؤيدونَ الجهاد في داخل ليبيا ويحرضونه ومن معه من إخواننا المجاهدين في جزيرة العرب على قتال القذافي وعلى قتال طائفته، وكانوا يؤكدون ردة هذا المجرم الخبيث، ويقدمون له ولإخوانه ما عندهم من النصائح ومن التوجيهات وهو يرسلها بدوره إلى إخوانه المجاهدين.
مؤسسة السحاب: لكن نظام آل سعود وجلاديه لم ترضهم مهام الشيخ أبي الليث رحمه الله وإخوانه في بلاد الحرمين؛ فتم اعتقالهم ومورس عليهم أشد أنواع التعذيب والتنكيل.
الشيخ أبو يحيى: بقي في سجون آل سعود ما يقارب السنتين والنصف، وهناكَ تعرض للضرب، وأنواع من التعذيب لا يعلمها إلا الله ﷻ، كما يحدثني هو بنفسه في المجالس التي كانت تجمعنا بين حين وحين، وكانَ سب الربِّ عند المحققين جارٍ على ألسنتهم، وهذه أشياء مهما حاولَ بعض المشايخ وبعض الدعاة أن يغضوا الطرف عنها أو يتنكروا لها؛ فإن هذا لا يفيد.. فهذه حقائق رآها وعايشها كل من دخلَ إلى سجون هؤلاء الطغاة، وحقيقةً بالنسبة لهؤلاء المجرمين الذين يتولون التحقيق مع المجاهدين في كل بلدان المسلمين ويتولون تعذيبهم؛ هم على نمط واحد وعلى طريقة واحدة وتربيتهم واحدة وأسلوبهم واحد؛ لا فرق بين من يكون في موريتانيا وبين من يكون في ليبيا وبين من يكون في جزيرة العرب وبين من يكون في باكستان؛ إلا في زيادة الغلظة والشدة والقساوة والكفر، فهذا قد يتفاوتون فيه ولكن الحدَّ الأدنى لكل صنفٍ من هؤلاء هم يشتركون فيه.
مؤسسة السحاب: وفي ظل هذا التعذيب والتنكيل الذي مارسه جلادو النظام السعودي على الشيخ أبي الليث رحمه الله وإخوانه؛ كانت معية الله تحفهم وشاهدوا من الكرامات والرؤى ما خفف من معاناتهم.
الشيخ أبو يحيى: عندما كان في السجن حصلت له كرامات متعددة هناك.
وأنا أذكر كرامة هو حدثني بها بنفسه، وإن كان لم يذكر لي أنه صاحبها ولكن بعد ذلك عرفت أنه هو صاحب هذه القصة، يقول: في يوم من الأيام كانوا ومن معه من إخوانه معلَّقين واستمر تعليقهم قرابةَ الأسبوع، ففي يومٍ من الأيام اشتد عليهم التعذيب والضرب فكان الجلادُ يضربُ بقسوة وبشدة، ففي هذه اللحظات وهم في أشد أنوع التعب والنصبِ وبين الإغماءِ والإفاقة، قال: رأى رسول الله ﷺ، فمن شدةِ ما كان يجدهُ من التعب قال: صرختُ بأعلى صوتي، قال: فقلتُ خلاص يا رسول الله تعبنا تعبنا، فقال: القاعة التي كانت تضجُّ بالسياط وبالصراخ والضرب كلها سكنت وهدأت، قال: فاقترب منه رسول الله ﷺ بحسب ما يرى فأدخل يده، قال: حتى وجدتُ دفء يدهِ على صدري، أدخل يده حتى شعرَ أنها دخلت عند قلبهِ وقرصهُ، ثمَّ قال: ليهنك الإيمانُ يا فلان، ثم قال بعد ذلك إنه وجدَ من القوةِ ومن الصبرِ والجلدِ والتحدي لهؤلاء أضعاف أضعاف ما كان عنده، وهذا من فضلِ الله ﷻ، وهو فضله يؤتيه من يشاء من عباده.
مؤسسة السحاب: إن قصص نجاة المجاهدين التي منّ الله بها عليهم من سجون الطواغيت في الماضي، ولا زالت تتكرر في الحاضر؛ تتطلب من المسلم الغيور على دينه وقفة تأمل في التأييد الرباني لعباده المجاهدين.
الشيخ أبو يحيى: ومثل هذه الحوادث تتكرر بين الحين والحين.
فالله ﷻ يريد أن يرينا أنهُ لا يعجزهُ شيء وأن الأمر كله بيده.. فقط نحن نحتاج أن نعلق قلوبنا بالله ﷻ، وأن نأخذ ما نستطيع من الأسباب ثمَّ نتوكل على الله ﷻ وخاصةً بالنسبة للسجين الذي يكونُ في سجون هؤلاء الطغاة، يعني كل ما تيسرت لك فرصة صغيرة أو كبيرة لا تبدأ تحسب الحسابات، ماذا لو هربتُ؟ ماذا سيكون خلف هذا الباب؟ هل يمكن أن يقبض عليَّ مرة أخرى؟ إذا قبضوا عليَّ مرةً أخرى فماذا أقول؟ قل لهم: حاولتُ أن أفر!
فبهذه النفسية ينبغي للمجاهد أن يعيش بها، وهي النفسية التي كان يعيش بها الشيخ أبو الليث رحمه الله ومن معه من إخوانه الذين يسر الله لهم النجاة من ذلك السجن.
مؤسسة السحاب: بالإضافة لمؤهلات القيادة والزعامة التي اكتسبها الشيخ أبو الليث رحمه الله في تاريخ جهاده وأهلته ليكون أحد قادة الجهاد في هذا العصر، فقد أكرمه الله بأخلاق نبيلة يعجز الإنسان عن حصرها؛ فقد كان شجاعًا كريمًا خافض الجناح لإخوانه وتميز عن بقية إخوانه بإيثاره الكبير، ذلك الإيثار الذي يذكرنا بحال السلف الصالح رضوان الله عليهم.
الشيخ أبو يحيى الليبي: ومن غرائب القصص التي سمعتها في الإيثار، هذه القصة التي يمكن جعلها ألصق بالإيثار منها إلى الكرم، وصاحب القصة هو الذي يحدثني بهذا.
والشيخ أبو الليث عاشَ أكثر عمره غير متزوج، ومرةً حينَ كان في كابل في زمن طالبان أُرسلت إليه من إحدى الدول العربية صورة لفتاة ليتزوجها الشيخ أبو الليث؛ فقبل أن يرى هذه الصورة؛ أول ما وصلته مباشرة أخذها ووضعها في جيبه.. وما رآها، وكان يعرف أحد الإخوة من أصحابه الذين هم أكبر منه سنًا، ويعرف أنه ما كان متزوجًا، فذهبَ إليه -ويحدثني بهذا الأمر صاحب القصة وهو موجود إلى الآن- فقال: واللهِ أخرج إليَّ صورة وقال لي: واللهِ ما رأيت هذه الصورة وأنت رجل كبير في السن ولم تتزوج بعد؛ فخذ هذه الصورة وانظر إليها إذا أردت أن تتزوج بصاحبتها فهي لك، وإذا لم تعجبك ولم ترد أن تتزوج بها؛ فرد إليَّ الصورة لأرى أمري بعد ذلك. فالأخ بقي في حرج، وقال له: لا يا شيخ، فقال له الشيخ أبو الليث: خلاص كما قلتُ لك.. فأخذ الأخ هذه الصورة ونظر إليها ثم تزوج بهذه المرأة وصارت زوجته.
فهذه من غرائب القصص، والذي يعرفُ ماذا يعني البحث عن زوجة في ساحة الجهاد؛ يعرف ماذا يعني الإيثار في مثل هذه المسائل.
وأقول كلمة لله، وأُشهد الله عليها: بفضل الله ﷻ أنا عشت مع الشيخ أبي الليث مدة طويلة، على فترات متقطعة وفي ساحات متعددة وفي ظروف مختلفة؛ تُعرِّفك بمعادن الرجال وبحقيقتهم، ولكن والله -يا إخوة- بعدما قُتل الشيخ أبو الليث رحمه الله ووجدت بعض الأوراق التي كان يكتبها وحده وبعض العبارات التي كان يدوِّنها في خلوته، واللهِ قلت: أنا لم أعرف أبا الليث إلا بعد أن قُتل! ووجدت فيه من صدق العلاقة الخفية بينه وبين الله ﷻ في عبارات يُدونها وحده لا ليعرضها في كتب ولا لينشرها في مصنفات ولا في مؤلفات وإنما هي خواطر أو إيمانيات يتحرك بها قلبه بين الحين والحين فيدونها ويكتبها، نسأل الله ﷻ أن يتقبله في الشهداء.
مؤسسة السحاب: وقبل فترةٍ يسيرة من استشهاده رحمه الله اشتاق محبوه الذين لحقوا بقافلة الشهداء للقائه واستبشروا بقدومه وذلك فيما يرى النائم.
الشيخ أبو يحيى الليبي: قبل أن ننهي الجلسة نذكر بعض الرؤى التي حدثني بها الشيخ أبو الليث قبل مقتله بأشهر.
من بين هذه الرؤى: كان هناك أحد الأفراد الذين عاشوا معه مدة طويلة وهو الأخ عبد السلام التركستاني وكان الشيخ أبو الليث يحبه كثيرًا ويمدحه في عقله وفي أخلاقه وفي خدمته أيضًا؛ فقتل أخونا عبد السلام التركستاني قبل الشيخ أبي الليث بثمانية أشهر تقريبًا فتأثر بعد ذلك كثيرًا، وقبل أن يقتل الشيخ أبو الليث بشهرين فقط قال لي: أنا رأيت رؤيا، قال لي: ولا أدرى إن كانت رؤيا أو حديث نفس، قال لي ولكن اسمعها، فذكر الرؤيا، قال رأى عبد السلام التركستاني رحمه الله وهو في السماء الدنيا وقال: سألته وقلت له: أنت ماذا تفعل هنا؟ أنت ألست في الجنة؟ قال لي: نعم أنا في الجنة ومنزلتي عالية فيها، قال ولكني سمعت أنك ستأتينا قريبًا وأنا جالسٌ أنتظرك..
فهذه من الرؤى التي حدثني بها كذلك.
وقبل أن يُقتل بيوم واحد فقط، قال: رأيت أنني دخلت إلى غرفة ووجدت فيها الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله جالسًا وكان وجهه بشوشًا فرِحًا، قال: فجلست أمامه وكأنه يعطيني بعض الأوامر وأنا أسمع منه، قال: في النهاية عندما انتهى فقمت واحتضنته وقبلته وقبلت رأسه وقبلت وجهه، قال: ثم بعد ذلك خرجت، ولعلها كانت علامة الوداع للشيخ أسامة بن لادن ولمن معه من إخوانه، وأنه سلم له الأمانة التي كانت على عاتقه.
الشيخ أبو يحيى في جلسة مع الإخوة حول جثمان الشيخ أبي الليث الليبي رحمه الله بعد استشهاده:
إننا إذ نعزي أنفسنا، ونعزي إخواننا، ونعزي الأمة الإسلامية كلها، ونعزي المجاهدين في ساحات الجهاد والرباط والإعداد، نقول لهم: هؤلاء هم قادتكم، هؤلاء هم الذين حملوا همكم حقيقةً، ووقَّعوا صدقهم لا بالأقلام والأحبار ولا بالكلام والخطب الرنّانة ولا بالندوات واللقاءات، إنما وقعوها بدماءٍ يراها كل أحد، إنما وقعوها بصدقٍ لا يُمكن لأحدٍ أن يُزايد عليه أو أن يشكك فيه.
إننا إذ نعزي أنفسنا ونعزي إخواننا المجاهدين في ميادين الرباط والجهاد في أفغانستان التي عرفت شيخنا وعرفها شيخنا أيضًا، ونعزي إخواننا في العراق الذين اعتادوا مثل هذه المشاهد، ونعزي إخواننا المرابطين في مغرب الإسلام الذين أحبَّهم وأحبوه، ونعزي إخواننا المجاهدين في بلاد العسرة في الصومال الحبيب، ونعزي إخواننا المجاهدين في كل مكان.
نقول لهم: أيها المجاهدون إن طريقكم لم تختاروه بأنفسكم، إنما اختاره الله ﷻ لكم، وإن نهايتكم ليست بأيديكم، إنما نهايتكم بيد الله ﷻ، فيا شباب الإسلام ويا أبطال العقيدة ويا رجال التوحيد هذه هي طريق الجنة لمن أرادها، وهذا هو طريق النصر لمن كان صادقًا في طلبه وابتغائه، فأعداء الله ﷻ لم يدخروا جهدًا لينالوا منا ومن إخواننا ومن قادتنا ومن ديننا وعقيدتنا قبل ذلك.
فالأحمق السفيه هو الذي يظن بأعدائه خيرًا، والأحمق السفيه هو الذي يتملق لأعدائه يطلب منهم ودًا ويطلب منهم رفقًا ويطلب منهم إحسانًا، ولكن الله ﷻ علمنا وأخبرنا كيف نتعامل مع هؤلاء المجرمين الغدرة الذين لا يصطادون الرجال في ساحات الوغى وإنما يصلون إليهم بخبثهم ويصلون إليهم بجواسيسهم، علمنا كيف نتعامل مع هؤلاء فقال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]، وقال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].
إننا إذ نحتسب شيخنا وقائدنا عند الله سبحانه تعالى، ونسأله ﷻ أن يرفع درجته في عليين وأن يجمعنا به عاجلًا غير آجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
إننا إذ نودعه نقول له: يا شيخنا إن طريقنا قد عرفناه، وإن نهجنا قد خبرناه، والحمد لله، فنقسم بالله العظيم الذي رفع السماوات بغير عمد إننا لن نخذلكم، وإننا لن نخون دماءكم، وإننا لن نتخلى عن الطريق الذي سلكناه معًا سنواتٍ عديدة، فما كان لنا أن نخون دماءً سُفكت من أجل إعلاء لا إله إلا الله، فنسأل الله ﷻ أن يثبتنا على طريق الحق، وأن يثبتنا على طريق الجهاد، وأن يجعل نهايتنا كنهاية شيخنا وقائدنا وأن يرفع درجاتنا في عليين إنه سميعٌ قريب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا