نقاط على الحروف اللقاء الثاني للسحاب مع الشيخ بعد مرور عامين على نجاته من سجن باجرام
[شعبان 1428 هـ / 8 - 2007م]
۞
مراسل مؤسسة السحاب: الحمد لله، رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
يسر السحاب للإنتاج الإعلامي أن ترحب بالشيخ أبي يحيى الليبي في لقائها الثاني بعد مرور عامين من نجاته من سجن باجرام، ونسأله بدايةً:
شيخنا الكريم بعد مرور هذه المدة على نجاتك من الأسر واحتكاككم بالمجاهدين وبقائكم بينهم كيف تقيّمون المسيرة الجهادية بصورة عامة وفي أفغانستان بصورة خاصة؟
الشيخ أبو يحيى الليبي:
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
بين يدي الجواب، أتقدم بالشكر الجزيل لمؤسسة السحاب الإعلامية على مجهودها الكبير الذي تقوم به لتبليغ المنهج الحق والصورة الناصعة للإسلام بعيدًا عن الترقيع والتلفيق ومناهج التوفيق التي أصبح تبنيها أحد سمات العصر وربما من مفاخره.
أما عن الجواب أخي الكريم فيمكن وضعه في فقرتين:
الأولى: تتعلق بالتقدم العلمي المنهجي الفكري إن صح هذا التعبير الذي أحرزه ويحرزه المجاهدون يومًا بعد يوم؛ سواء كان من جهة النظر إلى أصحاب هذا المنهج وحملته داخل الأمة الإسلامية التي ينتمون إليها، أم من جهة فرض رؤيتهم واتساعها على مستوى الأمم والشعوب جميعًا ودخولهم لحلبة صراع الأفكار وتدافع المناهج بقوة وثقة وبصيرة وفهم؛ ليقول المنهج الجهادي وسط هذه المعمعة: ها أنا ذا فأين الْمُنازل؟
فبفضل الله ﷻ نحن نلحظ وبكل وضوح تفوقًا وتقدمًا يحرزه المنهج الجهادي في جميع الاتجاهات النظرية العلمية عبر تأصيلاته الشرعية وتحليلاته للواقع ونظرته للأحداث وتوصيفه للقضايا وإعطائه تصورات شرعية واضحة محددة لكثير من الشؤون الكبرى التي تمس الأمة الإسلامية داخليًا وخارجيًا، وبتنا نشعر ونرى ترقب الأمة الإسلامية لكلمة المجاهدين في جل الأحداث التي تقع بين الحين والحين، وأصبح الصوت الجهادي هو المقدم عندها والمعبر عن رأيها ورؤيتها، ولم يعد الجهاد كمنهج كلي مغمورًا بين ركام الأفكار، ولا مغيبًا تحت مختلف المناهج، بل أصبح وبفضل الله أولًا وآخرًا يدافع كل المناهج والأفكار والتصورات المنحرفة، يقابل الحجة بالحجة، والبيان بالبيان، يناقش الأطروحات، ويرد الشبهات، ويزيل الضلالات، ويصحح الأخطاء، ويقوم الاعوجاج، ويقول كلمته بالصفاء والنقاء لا يخاف في ذلك لومة لائم.
وغدا الطرح العلمي المؤصَّل لمنهج الجهاد تظهر آثاره على كثير من الحركات الإسلامية والتي كان كثير من عناصرها كالمخدرين بتصورات أشبه ما تكون بالخيالات منها إلى الصلة بالشرع والواقع وهذا كله بالنظر إلى الأمة الإسلامية.
أما إذا وسّعنا دائرة النظر وانتقلنا إلى مدى بلوغ وتأثير صوت الجهاد إلى العالم ككل، سواء كان على مستوى الحكومات أم الشعوب؛ فإننا سنسمع أصداء هذا الصوت يتردد من أعماق العالم الكافر في أوروبا وغيرها، وكما يقال: فإن لكل فعل رد فعل، فما هذه الهجمة الإعلامية الشرسة التي يشنها أهل الكفر وبصور مختلفة ومتنوعة على الجهاد والمجاهدين إلا بسبب الزلزلة التي يحدثها تناول المجاهدين وتحليلهم للمسائل الكبرى التي يأبى هؤلاء أن ينظروا إليها نظرًا منطقيًا صحيحًا بعيدًا عن التلبيس والتدليس والتحريف والتزييف، وبالجملة فإن الجهاد كعبادة وشعيرة إسلامية لها أحكامها وآدابها وضوابطها وقواعدها أصبحت تنتشر وتتسع وتزداد وتقوى وتتقدم، ولهذا فإن محاولة الدول الكافرة ومن ورائهم عملاؤهم في المنطقة إماتة الروح الجهادية في الأمة وإرجاعها إلى الوراء وخنقها بحبال التضييق المتنوعة، إنما هو ضرب من العبث اليائس ستكون كل تلك الجهود التي تُبذل والأموال التي تُنفق وبالًا عليهم وحسرةً في قلوبهم، وسيستمر الجهاد في النمو والعلو والاتساع وإن كرهت قلوبهم ورغمًا عن أُنوفهم مصداقًا لقول الله ﷻ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: 32].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36].
أما ثاني الفقرتين: فهي تتعلق بالإنجاز العملي المتمثل في الجهاد المسلح الذي تخوضه الأمة الإسلامية اليوم في ساحات كثيرة وأثبت فيه المجاهدون -الذين هم جزء من أمتنا- بأن منازلة الأعداء في ساحات القتال هي أملٌ طالما تمنوه ورغبوا فيه وحرِصوا عليه؛ لعلمهم أن انكسار العدو عسكريًا وتبدد قوته سيعني بلا شك تقهقره فكريًا؛ لأن النفوس مشغوفة بتقليد الأقوى ومعركتهم التي يخوضونها هي مع أقوى قوة عالمية، فأمريكا التي هي إحدى أمهات الخبائِث في هذا العصر كانت قبل بضع سنوات تتبجح بقوتها وتتباهى بجيشها وعتادها، وكان الجميع خاضعين لها مستسلمين لقراراتها، فلا انتقاد ولا اعتراض ولا مراجعة، إنما هو الاستجداء والتوسل وتقبيل أعتاب البيت الأبيض ونعال ساسته، أما اليوم فأين أمريكا وأين قوتها وبهرجتها؟ أين شعارات من لم يكن معنا فهو ضدنا؟ أين كلمات التهديد وعبارات التوعد؟ أين بطر وكبر الجيش الأمريكي وساسته؟
بل أين قيمة الجندي الأمريكي الذي كان مقتله يتصدر قائمة الأخبار في جميع وسائل الإعلام؟ واليوم صار يُجرْجَر في شوارع بغداد، ويُعلق على جسور الفلوجة، ويتدحرج فوق صخور أفغانستان، ويتفحم وسط عاصمتها كابل، ومع ذلك فخبره يمر مرورًا عابرًا خاطفًا بلا اهتمام ولا تحليل؛ هذا إن ذُكِر في وسائِل الإعلام ولم تعتبره خبرًا هامِشيًا لا يسعه وقت أخبارها وبرامجها.
ومن هنا فعلينا أن نسأل سؤالًا صريحًا: من الذي أوصل القوة الأمريكية إلى هذه الهاوية؟ من الذي ميَّز بين اللحم والورم فوَضَعَ أمريكا على المحك وفي كفة الميزان ثم بيَّن للجميع وزنها وقيمتها وأظهر حقيقتها؟
إنك ستُجيبني بلا شك -بعد فضل الله ﷻ وتوفيقه- أنهم المجاهدون بلا مُنازع؛ سواء في أفغانستان أو العراق أو الصومال أو في قلب أمريكا.
ولهذا فلو لم يكن من مكاسب الجهاد والمجاهدين العسكرية إلا هذا؛ لكفاهم فخرًا ونصرًا وظفرًا، فكيف والأمر أكبر من ذلك بكثير، والمكاسب بفضل الله ﷻ ومدده متوالية متتالية، واتجاه المعركة إن شاء الله يسير نحو ما خطط له المجاهدون وما يريدونه.
وأفغانستان هي إحدى حلقات هذه المواجهات، بل هي الساحة الأم باعتبار الأقدمية، وأهلها الأبطال قد تمرسوا في مواجهة قوى الكفر وأتقنوا تفتيت الإمبراطوريات الواحدة تلو الأخرى والتي نسأل الله ﷻ أن تكون أمريكا آخرها.
فيمكن أن تضع مقارنة بين ما كان عليه المجاهدون من إخواننا الطالبان وأنصارهم، وما هم عليه؛ حيث كانت السنة الأولى من سقوط إمارة أفغانستان الإسلامية -أعادها الله- سنة يأس وإحباط إلا لمن ثبَّته الله ﷻ بنور اليقين وقوة الإيمان والثقة بوعد الله ﷻ، أما اليوم والفضل لله وحده؛ فأصبح المجاهدون مُطارِدِين لا مُطارَدين، ومُستهدِفِين في الأغلب لا مُستهدَفين، وصارت العمليات العسكرية بشتَّى أنواعها تضرب في أعماق المدن الأفغانية، بل وفي قلب القواعد العسكرية المحصنة، وسيطر المجاهدون على مساحات شاسعة واسعة من أرض أفغانستان وباتت تحت قبضتهم وسلطانهم، وأصبح هناك جيل جديد من المجاهدين يتدفقون بالآلاف على ساحات القتال، وقد انكشف لهم زيف الدعايات وأزيل عن قُلوبهم التهويل الذي كان أحد الأسلحة التي استخدمها العدو ضدهم في أول المعركة وبدأ العدو يتخبط في قراراته ويتردد حتى في إمداد قواته والحمد لله رب العالمين.
مراسل مؤسسة السحاب: رسمت لنا صورة مشرقة عن الجهاد والمجاهدين فكريًا وعسكريًا، ولكن هناك من يخالفكم في هذا التقويم ويرى أن الصورة فيها نوع مبالغة، أو ربما هي على عكس ما ذكرتم؛ فعلى الصعيد العسكري قد قُتِل أو اعتُقِل كثير من قادة المجاهدين وعلمائهم، وعلى الصعيد الفكري فلا يخفى عليكم التراجعات التي صدرت أو نُسِبت إلى بعض الرموز الجهادية، بل بعض الجماعات الجهادية، فما قولكم؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: من البديهي حينما نقول: إننا في جهاد وقتال ومدافعة؛ فهذا يعني بالضرورة أن هناك تضحيات سيقدمها ويبذلها هؤلاء المجاهدون، وعِندما نصف أنفسنا بأننا في معركة وعلى جبهات مختلفة ومفتوحة؛ فمعنى ذلك أن المعركة تحتاج إلى وقود وزاد وطاقة تتحرك بها عجلتها، وأنا لم أقل في جوابي السابق: إننا لم نقدم شيئًا من التضحيات في المواجهة الساخنة والشرسة بيننا وبين أعدائنا الصليبيين وأذنابهم، فهذا لم نقله، ولا يمكن أن نقوله، وهل الجهاد إلا الجروح والقروح والقتل والقِتال والحرب السِجال؟
فكل من وفقه الله ﷻ والتزم عبادة الجهاد؛ فهو بذلك قد مهَّد لنفسه الطريق بقاعدة عامة يتعامل بها مع كل خطوة يخطوها في مسيرته الجهادية تلك القاعدة التي أوضحها القرآن أتم إيضاح؛ فقال: ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ﴾ [التوبة: 52]، وهما النصر أو الشهادة، وقال الله ﷻ: ﴿۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 74]، فميزان الإسلام في تقويم الأمور وقياسها ليس ميزانًا دنيويًا محضًا مبتورًا عن عالم الآخرة، فكفّته التي نزن بها قيمة الأعمال الجهادية جزؤها الأكبر يتصل بعالم الآخرة عالم الأُجور والثواب والمكافأة العظمى من الكريم الوهاب.
أما باقي جزء هذه الكفة فهو المرتبط بالدنيا ومصالحها والذي يوضع فيها حلاوة النصر والظفر والتمكين، وعليه فبهذا التصور الصحيح للتعامل مع الربح والخسارة والنصر والهزيمة والتمكين والإخفاق؛ علينا أن ننظر إلى أعمالنا الجهادية.
وتأمل معي الحديث الذي يرويه الإمام مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تُخفِق وتُصاب إلا تم أُجورهم)٣٬١٣٠[صحيح مسلم: (١٩٠٦)].، ولهذا نهى الله ﷻ المؤمنين عن التعامل مع أمور الجهاد بهذه الطريقة وردَّ على من جعل سبيل التعقل هو طلب السلامة والبعد عن المخاطرات والانطواء على الذات؛ فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [آل عمران: 156]، وكذا قال ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168].
ومن هنا فقد شدد الله ﷻ النكير على النفر الذين حاولوا التخلي عن المعركة ووضع السيوف بمجرد إشاعة مقتل النبي ﷺ في غزوة أحد، وهو أعظم مصيبة يمكن أن يبتلى بها المسلمون على الإطلاق إلى يوم القيامة، وبيَّن لهم أن موت أو قتل رسول الله ﷺ وفقدانه لا يعني التراجع ولا يعني الخسارة في ميزان الجهاد، ولا يُقبل معه الانقلاب على الأعقاب؛ فقال سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
خذ مثلًا حادثة المسجد الأحمر في إسلام آباد، والتي أعتبرها نقلة نوعية في الحياة الجهادية المعاصرة بجميع المقاييس؛ فلو أردنا أن نضعها في كفة ميزان الربح والخسارة الدنيوي والذي كثيرًا ما يموهه أصحابه بالتعقل والفهم العميق والتعامل مع الواقع بحكمة ورزانة وغير ذلك؛ فإن أصحابه لا شك أنهم سيوصفون بأنهم متهورون طائِشون عديمو الخبرة قد ورطوا أنفسهم في معركة لا قِبل لهم بها، فأهلكوا أنفسهم وأدوا إلى تضييع جهود واعدة تصب في مصلحة باكستان وغير ذلك، ولكن لو وَضَعْتَ هذه الحادثة في الميزان الإسلامي الصحيح الذي يرتبط بعالم الآخرة؛ فإنك ستجد نظيرها قد حصل زمن النبي ﷺ حيث قُتِل في بئر معونة سبعون من علماء الصحابة، وتنبه لقولنا «من علماء الصحابة» يعني بالتعبير العصري المعهود: من كوادر الدولة، بل من أعلى طبقاتها.. وهذه لو حصلت في هذا العصر لعُدت نكبة من النكبات ولتغير تجاهها سياسات، وحصلت تراجعات ولتوالى النقد اللاذع من هنا وهناك.
ولكن انظر ما يقول الصحابة رضي الله عنهم؛ حيث عدوا هذا منقبة من مناقب الأنصار كما قال قتادة: «ما نعلم حيًا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعز يوم القيامة من الأنصار»٣٬١٣١[صحيح البخاري: (٤٠٧٨)].، وقال أنس: «قُتِل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون»٣٬١٣٢[صحيح البخاري: (٤٠٧٨)].، وأعظم من ذلك نيل رضوان الله ﷻ كما قال أنس رضي الله عنه: «أُنزِل في الذين قُتِلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نُسِخ بعد، بلغوا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه»٣٬١٣٣[صحيح البخاري: (٢٨١٤)]..
فهذا الجزء الأخروي هو المفقود في معادلة تقويم الربح والخسارة في معركتنا مع أعدائنا وبالطبع هذا لا يعني لا عقلًا ولا شرعًا التهاون في الأخذ بالأسباب ولا التفريط فيما يمكن القيام به منها، والاجتهاد في سد الخلل وتكميل النقص والاستفادة من التجارب وتمحيصها ومحاسبة المقصرين في ذلك، ولكن هذا شيء وجعل ما يقدمه المجاهدون من التضحيات مهما كانت باهظة عقبات وحواجز نمنع بها مواصلة المسير شيء آخر وعليه فمقتل من قُتِل من قادة المجاهدين الذين كان لهم أعظم الأثر وأبلغه في معركة الإسلام المعاصرة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان يُعد جزءًا من التضحيات التي كان أصحابها أحرص الناس عليها وأكثرهم طلبًا لها وإدراكًا لقيمتها، ومقتل هؤلاء القادة الأجلاء وإن كان له بعض التأثيرات السلبية على الجماعات الجهادية، إلا أن جوانبه الإيجابية لا تكاد تقل، بل ربما تربو على هذه السلبيات.
ومن أعظمها: إثبات قوة ولاء أهل هذا الدين لعقيدتهم وشريعتهم وأنهم مستعدون أن يتخلوا في سبيل تحقيقها وإقامتها وتمكينها عن كل شيء حتى ولو كانت نفوسهم وحياتهم.
ومن تلك الجوانب أيضًا: البرهان القاطع على أن شريعتنا وجهادنا بالخصوص ليس مرتبطًا بفردٍ من الأفراد مهما علا قدره وظهر أثره؛ بل هو عقيدة باقية وشريعة محفوظة تتقوى وتشتد وتثبت بقدر الدماء التي يبذلها أصحابها من أجلها، ألم يقل القرآن: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
وأنا أضرب لك أمثلة على ذلك: قبل مقتل الشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله وهو أبرز قادة الجهاد الذين فقدتهم الساحة تقريبًا، كانت الآلة الإعلامية الأمريكية تُحاول أن تُقنع شعبها البائِس بأن نصرها في العراق سيتحقق بمجرد مقتل أو أسر هذا القائد البطل، حتى جُعلت قضية العراق هي قِصة أبي مصعب رحمه الله واعتبروه كخيط المسبحة الذي إن انقطع توالت حباتها في السقوط، ولكن هل كانت أحلام وأوهام إدارة بوش صادقة في ذلك؟
والجواب هو ما نراه اليوم في العراق والتقدم الكبير والمتواصل الذي حققه ويحققه المجاهدون هناك، والخسائِر الفادِحة اليومية التي يتكبدها الأمريكان وأذنابهم.
ومثل ذلك استشهاد القائِد داد الله رحمه الله في أفغانستان، حيث ضخَّم الإعلام قضية مقتله واعتبرها مسألة فيصلية في مسيرة الجهاد الأفغاني، وزعم أن استشهاده سيؤدي إلى انكسار أو انحسار الأعمال الجهادية وخاصة العمليات الاستشهادية، ولكنَّ الواقع اليومي وبالنظر إلى ما تتلقاه القوات الصليبية وحكومة العمالة في كابل يكذب تلك الدعاوى تكذيبًا صريحًا، والعلميات الاستشهادية اليوم تضرب في قلب العاصمة الأفغانية كابل وقندهار وخُوست، بل وفي سائِر الولايات الأفغانية، ولم يظهر أي تأثر على العمل الجهادي الميداني في أفغانستان والحمد لله.
ولهذا فالأمريكان أنفسهم أصبحوا يدركون تمام الإدراك أن المسيرة الجهادية لا تتوقف حركتها على وجود قائِد بعينه ولا يمكن أن تسقط بِفقدانه، وأصبح تعاملهم مع الجماعات الجهادية مبني على هذه القناعة، فراحوا يقرعون أبوابًا أخرى لعلهم يكسبون بها هذه الجولة من المواجهة مثل ما أسموه بحرب الأفكار وغيرها.
وخلاصة الأمر في هذه المسألة أننا نقول: نعم، إن المجاهدين قدَّموا وبشرف واعتزاز العديد من قادتهم الأبطال، قدَّموا خالد الشيخ، قدَّموا أبا أنس الشامي، قدَّموا أبا مصعب الزرقاوي، قدَّموا أبا عمر السيف، وقبله خطَّاب، قدَّموا الملا داد الله، قدَّموا عبد العزيز المقرن وغيرهم كثير، وأخيرًا قدّموا الشيخ عبد الرشيد غازي رحمهم الله جميعًا، وهم لا يُخفون هذا ولا يجعلونه وبحسب الميزان الشرعي خسارة يوقِفون بسببها أعمالهم الجهادية، وإنما يجعلون دماء هؤلاء القادة مُحرِّضًا ومُحفِّزًا لهم للثَّبات على طريقهم والتأسي بهم والاجتهاد للأخذ بثأرهم.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
إِذَا سَيِّدٌ مِنَّا خَلَا؛ قَامَ سَيِّدٌ | قَؤُولٌ لِمَا قَالَ الْكِرَامُ فَعُولُ٣٬١٣٤[قاله: السموأل بن عاديا. انظر: حماسة الخالديين (ص 49)]. |
أما عن قصة التراجع والتي يحاول البعض أن يجعلها هزيمة للمنهج الجهادي فكريًا وضربة قاصمة له وقاضية عليه؛ فهي إحدى حلقات الصراع التي ابتكرها أئمة الكفر في دهاليز أجهزة الأمن المصرية لتقدمها كوصفة طبية جديدة يمكن أن تساهم في علاج المأزق الحرج الذي يجدون أنفسهم وأسيادهم فيه، والذي سببه لهم المد الجهادي المتدفق محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا فسارعت بعض الدول العربية إلى تلقفها كدولة آل سعود أو ليبيا والأردن وغيرها، ولهذا فنحن لا ننظر إلى التراجعات التي صدرت أو قد تصدر من هنا أو هناك بنظرة ضيقة نحصرها في أن فلانًا قد تخلى عن ما كان يحمله من منهج قتالي جهادي فندخل معه في دوامة الردود والمناقشات التفصيلية، إلا إذا كان على سبيل التّبع ورفع اللبس لا الأصل.
وإنما ننظر إلى قضية التراجعات على أنها فكرة جديدة متكاملة هي جزء من منظومة حرب الأفكار التي تعد إحدى جبهات المواجهة الشرسة بيننا وبين أعدائنا الصليبيين وأذنابهم، وعليه فنتعامل على هذا الأساس ومن هذا المنطلق، وإلا فنحن نحفظ لمن نُسِب إليهم التراجع: سابقتهم وجهادهم ومكانتهم وقدرهم، ونقدر أيضًا ظروف الكثيرين منهم بما صدر أو قد يصدر عنهم من أفكار طارئة ترشحت من ظلمات الزنازين وتحت سياط الجلادين وسياسة القهر والإكراه، ولعلك توافقني أن أفكارًا صدرت في ظروف كهذه لا يمكن أن تُعطي القناعة الحقيقية لصاحبها.
مراسل مؤسسة السحاب: وكيف ترون الطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه القضية؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: يمكن أن ألخص لك الطريقة الصحيحة حسب نظري في التعامل مع هذه القضية الخطرة في نقاط:
الأولى: أن الظروف التي يعيشها هؤلاء الإخوة الأسرى الذين ينسب إليهم التراجع هي ظروف إكراه وقهر وانتزاع للأقوال بالإرغام والجبر والضغط على هؤلاء الأسرى وابتزازهم بوسائل قذرة لتأصيل أفكار ومناهج؛ يدرك كل من له أدنى فهم أنها أبعد ما تكون على صلة بالدليل الشرعي والتأصيل العلمي.
ولهذا فالإنصاف يوجب علينا التوقف في اعتبار هذه الأفكار والمناهج الجديدة المطروحة مطابقة لقناعات أصحابها حتى يتكلموا بها ويتبنوها وهم في كامل حريتهم وتمام اختيارهم، فإذا كان الشرع قد جوّز للمسلم أن يتكلم بكلمة الكفر وهي أعظم ما يمكن قوله في حالة الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان؛ فكيف بما دونه؟! فقد قال الله ﷻ: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [النحل: 106].
الثانية: للذين يريدون أن يجعلوا قضية التراجعات عنوانًا بارزًا قد خطَّ عليه: «ها هم إخوانكم فكونوا مثلهم!»، نقول لهؤلاء: يجب التفريق بين الاستفادة من التجارب واستخلاص الدروس منها، وبين الاعتبار بأحداثها وبين جعل تلك التجارب حكمًا عدلًا وقولًا فصلًا عند موارد النزاع ومواطن الاختلاف؛ فالحكم والفصل ورفع الخلاف إنما هو لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وبهما فقط توزن أقوال العباد وأعمالهم ويُرفع نزاعهم، قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
فمن هنا ليس صحيحًا بأي وجه من الوجوه أن نجعل تراجعات المتراجعين وتجارب المجربين -مهما كانت مرتبتهم- أن نجعلها حجة شرعية نرجع إليها عند الخلاف، فلا يأتي أحدٌ ويقول لنا: أنتم ما زلتم مصرِّين على طريقتكم ومنهجكم ومستمسكين بأفكاركم وقد تراجع عنها فلان وفلان وهو من هو في العلم والسابقة! فنقول: نعم، هم من أهل العلم والسابقة، ولكن هذا لا يضفي على أقوالهم قدسيةً تجعلها مُسلّمةً لا مجال فيها للنقد والاعتراض، فالواجب علينا شرعًا وديانةً أن نقيس أقوال كل متراجع بالميزان الشرعي الدقيق الذي لا يظلم فتيلًا، وأن نضع تلك الأفكار الطارئة على محك الأدلة لنرى مدى قربها أو بعدها عن الحق، وحينها فقط نحكم بتخطئته أو تصويب أي فكرة تصدر من هنا أو هناك، أما القبول المطلق والتسليم الكامل والتحاكم العشوائي للتجارب والمراجعات من غير عرضٍ لها على كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ؛ فهذا مدحضةٌ ومزلّةٌ لا يسلم معها دين المرء، ولا يمكن أن يكون سبيل من طلب الحق وتوخى معرفته وأتباعه.
الثالثة: نسأل الله أن يثبتنا على الحق ويثبت إخواننا المسلمين داخل السجون وخارجها، فحتى لو كانت تلك التراجعات التي كانت تنسب إلى البعض صدرت عنهم بمحض اختيارهم وكامل قناعتهم؛ فأسباب التراجع ليست محصورة دائمًا في الانتقال من الخطأ الصريح إلى الحق الصريح، حتى يُجعل كل متراجع قدوة لمن وراءه فهناك أيضًا تقلب القلوب وتنكرها للهدى، ألسنا نقرأ في كتاب الله ﷻ دعاء أهل الخوف والوجل والإشفاق: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
وكان أكثر دعاء النبي ﷺ: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فقيل له في ذلك، قال: (إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ)٣٬١٣٥[رواه الترمذي: (٣٥٢٢) وقال: حديث حسن]..
ويُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة»٣٬١٣٦[الطبقات الكبرى لابن سعد: (1/9)].، نسأل الله أن يعافينا وإخواننا المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
مراسل مؤسسة السحاب: أشرتم سابقًا إلى أن قضية التراجعات هي جزء من منظومة حرب الأفكار التي تشن ضد المجاهدين؛ فهل يمكن أن تبيِّنوا لنا أهم محاور هذه الحرب وبعض الوسائل المستخدمة فيها؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: أدرك الصليبيون وعلى رأسهم أمريكا ومِن ورائها أذنابها بالطبع أن الجهاد ليس كما كانوا يتصورونه وأنه مجرد عمليات عسكرية عابرة لا تعدو دوافعها أن تكونَ ردات فعل للواقع المرير الذي يشعر به المجاهدون تجاه أمتهم، ولا هو فقط محاولة لرفع معاناة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية؛ بحيث يمكن امتصاص ذلك الفوران ببعض الترقيعات الإصلاحية لتخدير الأمة، ومن ثَمَّ العودة لإجراء العمليات الجراحية التي يتم بها تقطيع أوصالها من غير أن تشعر، كلا! وحيث توصلوا لهذه الحقيقة نشطوا في فتح جبهات جديدة ضد المجاهدين وتعتمد على محورين:
الأول: محور التفكيك الداخلي للجماعات الجهادية بل للمنهج الجهادي ككل؛ فبعد احتكاكهم بالمجاهدين واطلاعهم على كثير من تفاصيل أفكارهم التي توصلوا إليها من خلال ما يدونه المجاهدون في أدبياتهم أو يلقونه في كلماتهم أو من خلال المناقشات التي تحصل بين الحين والحين داخل مكاتب التحقيق وراء القضبان.. بعد هذا كله علم هؤلاء أن الأمر أكبر وأعمق من أن يكون مجرد فرقعات هوائية أو ردود أفعال مؤقتة، أو انعكاسات مجردة لمعاناة متداخلة؛ وأدركوا أن الجزء الأكبر من المعركة يكمن في القناعات الراسخة، والمنطلقات العقدية المنهجية التي يتبناها ويتعامل من خلالها المجاهدون والتي تعد المحرك والدافع الحقيقي لهم فيما يقومون به من أعمال ضد هذه الدول الكافرة وأحزابها.
ومن هنا فكروا وقدروا، ثم نظروا، ثم فكروا وقدروا؛ فتوصلوا إلى أن جزءًا كبيرًا من المعركة يعتمد على خلخلة القناعات التي يبني عليها المجاهدون مسيرتهم، والتشكيك في المنطلقات العقدية التي يعد أكثرها من المسلمات عندهم، وبهذا يحدث تصدع وربما انهيار للمرتكزات والقواعد الأساسية التي يقوم عليها المنهج الجهادي.
ونحن نعلم أن التذبذب والتردد والاضطراب العملي هو انعكاس وتعبير عن التذبذب والتخلخل والغبش العقدي والمنهجي، فهذا هو المحور الأول الذي تنطلق منه فكرة حرب الأفكار الموجهة ضد المجاهدين والتي صارت جزءًا أصيلًا من المعركة الصليبية العارمة.
أما المحور الثاني: فهو محاولة عزل المجاهدين عن الأمة ومحاصرتهم داخلها، واعتبارهم جسمًا غريبًا ناتئًا داخل المجتمع الإسلامي يجب استئصاله؛ لأننا نعلم أن المجاهدين ما هم إلا جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية دينًا وعقيدةً وانتماءً.
فإن استمرار هذا التصور وما يترتب عليه من قضايا عملية يعني تواصل تدفق المد الجهادي وانتعاشه من خلال احتضان الأمة له، وشعورها واقتناعها بأنه امتداد لجهودها ودعمها بشريًا ومعنويًا واقتصاديًا؛ فيريد الصليبيون وضع حواجز وموانع تحول بين الشعوب المسلمة وبين هذا الفهم والشعور، بحيث تصبح كل القضايا التي يطرحها المجاهدون لا تعبر عن ضمير الأمة وعقيدة الأمة ونظرة الأمة، وإنما هي أفكار شاذة منبوذة محصورة في طائفة صغيرة تتصرف بعشوائية وارتجالية وبهذا يصبح المجاهدون في طوق مغلق والتآكل يأخذهم من الداخل فلا يلبثون أن يتلاشوا وينتهوا.
مراسل مؤسسة السحاب: وحسب نظرتكم ما هي الوسائل التي يمكن أن يستخدمها الصليبيون لتحقيق هذا الهدف؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: أولًا أقول وبكل اطمئنان وإيمان: إن هذا الهدف بمجموعه وشموله لن يتحقق، ويقيننا في ذلك لن يتطرق إليه أدنى شك؛ لأن ما يسمى بالقناعات أو المنطلقات هي عبارة عن أصول وأسس شرعية مبنية على أدلة شرعية ناصعة لامعة، والتي هي جزء من الدين الإسلامي الذي تكفل الله ﷻ بحفظه وبقائه ولو كره الكافرون، كما أنه أصول الطائفة المنصورة الظاهرة على عدوها إلى قيام الساعة.
نعم قد يكون لهذه الحرب «الفكرية» تأثير على بعض الأفراد وربما الجماعات وقد تحدث شيئًا من الاضطراب والتشويش في بقعة من البقاع، أما أن تقود إلى استئصال المنهج الجهادي استئصالًا كاملًا وإماتته إماتة لا قيام له بعدها؛ فهذا ما لن يحدث أبدًا إن شاء الله.
وعودة إلى سؤالك المتعلق بالوسائل التي يستخدمها أعداؤنا في حربهم الفكرية فأقول:
إن هؤلاء الأعداء ليست لهم في حروبهم أخلاقيات يقفون عندها، ومن ثَمَّ فليس لهم لبلوغ غاية النصر وسيلة ينضبطون بها، ولا يتعدونها إلى سواها؛ فالكذب والاختلاق وبث الإشاعات وارتكاب أقذر الأفعال وأخسها كلها عندهم من الوسائل التي لا تنفك عن حربهم طرفة عين، ولكن حينما نتحدث عن الحرب الفكرية فإنها فيما يظهر لي يمكن ذكرها في عدة نقاط أساسية:
الأولى: الإعلان عن تراجع بعض قيادات المجاهدين داخل السجون، وتخطئتهم لأنفسهم فيما كانوا عليه وإشهار نصائحهم لإخوانهم للتخلي عن الطريق الذي يسيرون فيه، والإعلام حاضر بقوة في هذه العملية لإجراء اللقاءات ونشر مقالات وكتب التراجعات وتضخيمها والتهويل من شأنها، وإظهارها على صورة مسلَّمات غير قابلة للنقاش والأخذ والرد، وقد تحدثت عن هذه النقطة سابقًا، وذكرت لك الأسس الصحيحة للتعامل معها.
الثانية: اختلاق بعض الأكاذيب المنفرة أو التضخيم والنفخ في بعض الأخطاء التي لا تخلو منها ساحة جهاد واعتبارها انحرافات لصيقة بالمنهج الجهادي وجزءًا لا يتجزأ منه، وتوسيع دائرتها لتكون حُكما عامًا يشمل جميع الجماعات الجهادية وفي كل ساحات الجهاد.
مراسل مؤسسة السحاب: يا شيخ لو تعطينا مثالًا.
الشيخ أبو يحيى الليبي: مثل القول: بأن المجاهدين يكفرون الأمة ويكفرون علماءها، ويستحلون دماءهم وأموالهم وتصويرهم على أنهم شرذمة قليلون خارجون عن القانون ومشاقُّون لسبيل المؤمنين، وأن أفكارهم أفكار غلو وتطرف وتشديد وانغلاق وغلظة؛ لا تمت إلى رحمة الإسلام وسماحته ورفقه بصلة، ومن طرائف ما سمعته هنا قول بعض من يسمون بالمحللين والخبراء بالجماعات الإسلامية: «إن دستور تنظيم القاعدة ينص على قتل كل من يخرج عنها»!!
ونحن نقول لهؤلاء المفترين الذين لا يستحيون من الكذب الفاضح: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، أرونا هذا الدستور الذي اطلعتم على هذه الفقرة فيه ونحن نتكفل لكم بنشره على أوسع المستويات وعلى كافة الأصعدة؛ فتنظيم القاعدة وقادته أسمى وأرقى وأنقى من أن يتنزلوا إلى هذا الحضيض المنتن من السفاسف، فهم ليسوا أصحاب أعمال عشوائية ولا أفعال ارتجالية ولا مصالح وهمية وقتية ولا يخبطون في سيرهم وسيرتهم خبط عشواء، وإنما يقيمون منهجهم على الدليل الشرعي الواضح والقواعد الإسلامية الراسخة والمحكمات العقدية القاطعة ومعالم مسيرتهم يدركها كل أحد، بشرط واحد وهو أن يكون متجردًا في البحث عن الحق والحقيقة ولم تعمه العداوة أو الحسد أو الجهل المطبق.
ومن الوسائل التي أشرنا إليها أيضًا: التركيز على مسائل اجتهادية سلكها المجاهدون بناءً على اجتهاد شرعي وحاجة واقعية، وجعلها محورًا في النقد واعتبارها خطأً فاحشًا قطعًا لا مجال لتصحيحه ولا لقبوله، بل والتوصل من خلاله إلى إصدار أحكام ظالمة بلا تثبَّت ولا روية ولا برهان، وأبرز الأمثلة على ذلك: التفجيرات العامة التي يستهدف فيها المجاهدون أوكار التشريع الكفري ومراكز الإجرام الاستخباراتي والثكنات العسكرية وغيرها؛ كما حدث في الجزائر وقبلها في جزيرة العرب، فتصور تلك الأعمال المباركة على أن المقصود الأول -بل ربما الوحيد- هم عوام الناس وضعفتهم، ويتخفى الإجرام المستهدف والردة المغلظة وراء مشهد يحرك العواطف ويثير العواصف تتناقله وسائل الإعلام بعضها عن بعض.
الثالثة: ومن أعظم الوسائل المستخدمة في الحرب الفكرية إصدار الفتاوى، أو بالأصح استصدار الفتاوى التي تجرم الجهاد والمجاهدين، وتصفهم بمصطلحات شرعية معروفة منفرة كقطاع الطرق والخوارج بل القرامطة والغلاة وغيرها، وتلصق بهم تهم العمالة والخيانة.
وقد أتقن هؤلاء المفتون تحريف النصوص واعتدوا على أعناقها، بل لا بأس بكسرها أحيانًا إن أبت المطاوعة، بل وأصبحت الدول تكوِّن لجانًا خاصة من المشايخ لمناقشة المجاهدين المقهورين وراء قضبان السجون؛ كما يحصل في جزيرة العرب اتِّباعًا لسنة الحكومة المصرية، فقل لي: ماذا تنتظر من شخصٍ يرى السيف فوقه والنطع أمامه والشيخ يلقنه الحجة والبرهان على وجوب طاعة السلطان؟! ولطالما دعا المجاهدون وعلماؤهم للمناظرة العلنية المفتوحة من غير شرط ولا قيد؛ فهلا قبلها هؤلاء العلماء وواجهوا الحجة بالحجة قبل أن تكون الأيدي في القيد؟
وزيادة في محاصرة المنهج الجهادي من قبل العملاء في المنطقة: هناك مساعٍ حثيثة وجهود متواصلة لتقنين مصادر الفتوى وتحريم وتجريم من يحاول الخروج في الإفتاء أو الاستفتاء عن القنوات التي سيعينونها، ولتكون مهمة تلك القنوات الرسمية التسبيح بحمد الطغاة والتطبيل لهم والتسويغ لقبائحهم، وفي المقابل الطعن في المجاهدين وإثارة الشبهات حول أفعالهم وإصدار الفتاوى الحازمة ضدهم.
الرابعة: تقوية ودعم بعض المناهج التي تتبناها الحركات الإسلامية البعيدة عن الجهاد، لا سيما ذات المنهج الديمقراطي وجماعات تمييع وتطويع النصوص وتذليلها لتوافق حضارة الغرب وثقافة الغرب ومناهج الغرب، وإظهارها في مظهر البديل المعتدل المتزن المتعقل المتحضر، ومن ثم دفع هذه الجماعات للمواجهة الفكرية مع الجماعات الجهادية، وتغذية تلك المواجهة وإشغال المجاهدين بها وهي إحدى خطوات عزل المجاهدين داخل المجتمعات ووضعهم أمام سيل جارف من الأفكار والمناهج التي تجد دعمًا وتقوية ونشرًا من جهات متعددة حتى إذا انتهت مهمة تلك الجماعات قلب لها ظهر الـمِجنِّ، وستقول بعدها أُكلت يوم أكل الثور الأبيض.
الخامسة: قتل أو أسر أو تحجيم أو تشويه الرموز الجهادية الموجهة والمرشدة وعزلها ومنعها من إيصال صوتها للناس وإخلاء الساحات منهم أو حسرهم قدر الإمكان؛ فبعدها سيصبح المجاهدون بلا مرجعية يثقون بها ثقة كاملة تقوم بتوجيههم وترشيدهم وكشف الشبهات عنهم، وتضبط مسيرتهم بالعلم والفهم والحكمة؛ فيؤدي ذلك بتدخل بعض من لم ينضج في هذا الطريق نضجًا كاملًا أو من هو مناوئ لهم أصلًا فيبث ما شاء من الأفكار والآراء التي تحدث تشويشًا وغبشًا في الرؤية الصحيحة التي يجب أن يكون عليها كل مجاهد.
السادسة: النفخ في بعض الخلافات الجزئية الاجتهادية التي قد تقع بين المجاهدين، وتكبيرها واعتبارها خلافات منهجية عقدية، وابتكار أوصاف وأسماء جديدة لتلك الجماعات بناءً على هذه الاختلافات وجعلها مدخلًا لهم لتسعير نار النزاعات، وإلقاء التهم ونشر الإشاعات ليتوصلوا بذلك إلى انقلاب الاختلافات من جزئية اجتهادية قابلة للنظر إلى تصويرها على أساس أنها خلافات منهجية عميقة متضاربة تصنف على أساس الجماعات هل هي معتدلة أم متوسطة أم متطرفة، ولا شكَّ أن الأجواء إذا بلغت هذا الحد من التوتر صارت محضنًا محفوظًا وملاذًا آمنًا للمرجفين والمخذلين والمثبطين، وصار الباب مفتوحًا على مصراعيه للطعن والتشكيك وإثارة التهم والرمي بالإفك، وعندها مهما حاول المجاهدون بيان الحق وكشف اللبس والرد على التهم؛ فسيكون صوتهم كصوت المبحوح وسط آلاف الناس الذين يصرخون بصوت واحد، هذا الصوت التي تمثله اليوم وسائل الإعلام بلا استثناء، والله المستعان!
وأنا أقول: إن ما يسميه هؤلاء الأعداء بحرب الأفكار ويحسبون أن هذا شيء جديد قد ابتكرته عقليتهم، أقول: إن عقول صناديد قريش الكافرة ومن حذا حذوهم من ثعابين المنافقين قد سلكوا هذا النوع من الحرب من الأيام الأولى لدعوة النبي ﷺ، وهي حرب يمكن أن نسميها حرب الطعن والتشكيك والتشويه، فبعد أن قارعتهم الحجة وبهرهم البرهان وعجزوا عن مقابلته وظهر هوانهم أمامه؛ طعنوا في حامله ومبلغه؛ فقالوا عنه: ساحر، كذاب، وقالوا: معلم مجنون أو هو كاهن كما حكى القرآن عن أسلافهم: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ﴾ [الذاريات: 52]، ولما لم تفلح هذه الحجة وجعلوا أنفسهم عرضة للسخرية بسبب إثارتها؛ لأن الجميع يشهد بصدق النبي ﷺ وبأمانته وكمال عقله ووضوح بيانه وشمول دعوته.. استخدموا سياسة التهويش والتشويش واللغط والمهاترة ومنع الناس من الاستماع لصوته والإنصات لحجته، وهي حجة المفلسين في كل حين، وهو مطابق لما تمارسه وسائل الإعلام المرذولة على اختلاف مشاربها وتنوع أساليبها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
مراسل مؤسسة السحاب: ماذا تقصد بمنهج التمييع والتطويع الذي ذكرته؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: هذا المنهج مما ابتُليت به أمتنا الإسلامية في هذا العصر، وفُتِن به الكثيرون ممن يُوصفون بالمفكرين أو المتنورين أو المعتدلين أو الوسطيين، وحقيقة هذا المنهج هو تمييع حقائِق الدين وتطويعها وإخضاعها لِتوافِق أفهامًا ورؤى وقناعات اعتقدها أصحابها، خاصةً القضايا التي يُستشعر معها مخالفة أو مصادمة لبعض المسائِل التي روج لها الغربيون؛ فتجد هؤلاء التطويعيين لا يألون جُهدًا ولا يدخِرون وسيلة ليثبتوا بها موافقة الإسلام وتطابق أحكامه، بل سابقيته لما ذهب إليه هؤلاء الغربيون.
وللأسف فإن هذه العدوى قد أصابت كثيرًا من علماء المسلمين ودعاتهم، حتى صاروا من رؤوس هذه المدرسة هؤلاء العلماء الذين ألقى الله على عاتقهم تبليغ الرسالة ونشرها بين الناس كما هي من غير لبسٍ ولا غِشٍ ولا يثنيهم عن ذلك رغبة ولا رهبة كما قال الله ﷻ: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39].
فمدرسة التمييع والتطويع هذه جعلت كل مسائِل الدين حِمى مُستباحًا تقتحمه عقولهم، وتلِغ فيه أفكارهم وتتناوله أبحاثهم، ولا يحول بينهم وبين ذلك وازعٌ ولا مانع وهي مصيبة عظيمة من مصائِبنا العصرية، وقد بين القرآن هذه الحقيقة وكشف دخيلة أصحابها ودوافعهم فيما يفعلون؛ وهو الزيغ والانحراف القلبي، والذي نلخصه هنا في الافتتان بثقافة الغرب والانجراف وراء فتنة الفكر والنظر، فقد قال الله ﷻ: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران: 7]، تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثم قال: (إذا رأيتم الذين يتَّبِعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم)٣٬١٣٧[رواه الترمذي: (٢٩٩٤)، وقال: «حسن صحيح»]..
إذًا ينبغي للمسلم حتى يسلم له دينه ويصون نفسه من الزيغ والضياع في متاهات الضلال؛ أن يحذر من هؤلاء ويُحذِّر منهم، وأن لا يغتر بالأسماء والألقاب والشهرة وغير ذلك.
فما يقوم به هؤلاء هو تلويث لمصادرنا الإسلامية وتدنيس لمفاهيمنا الخاصة الخالِصة والتي حرِص الإسلام على بقائِها باستقلاليتها في مصطلحاتها ومعانيها ومضمونها للحيلولة دون تسرب أي شائِبة تكدر هذا المنبع الصافي، وفي هذا قِصة النبي ﷺ حينما أتاه عمر رضي الله عنه فقال: «إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟»، فقال: (أمُتهوِّكون أنتم كما تهوَّكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيًا ما وسِعه إلا اتباعي)٣٬١٣٨[رواه أحمد: (١٥١٥٦)، وغيره، وضعف إسناده الأرنؤوط]..
وأنت ترى اليوم ما إن يتكلم مفكرٌ أو مثقفٌ غربي ويُثني على شيء مما جاء به الإسلام حتى يُجعل حجة على مِصداقية الرسالة، وكأننا مُفتقِرون إلى مِثل هذه الشهادات.
والأدهى من ذلك الأمر والأخطر أن الأمر سار بالعكس؛ وهو أن أصحاب هذه الأفكار الفضفاضة صاروا يطوِّعون المعاني الإسلامية لتكون شاهِدةَ صِدقٍ على صِحة كثير من أوجه الثقافة الغربية التي تُصادِم الإسلام مصادمة كاملة في المفهوم كما تُخالِفه في المصطلحات.
وأنا أرى أننا في حاجة إلى دراسةٍ كافية وافية لأُسس وقواعد مدرسة الزيغ والتلاعب هذه، واجتثاثها من أصولها وبيان خطرها على مسلَّمات الدين ومدى إفسادها لمفاهيمهم ومباينتها التامة لسبيل تسليم القلب وانضباط الفهم الذي كان عليه السلف والعلماء الراسِخون من بعدهم.
كما أنني أنبه هؤلاء الذين تولوا كبر ترسيخ مفاهيم هذه المدرسة وعاثوا في حقائق الدين فسادًا تملقًا للغرب الكافر: إن هذا لن يرضيه عنكم، ويوم خسرانكم الحقيقي الكبير حينما تسمعون تصفيق الغرب الكافر لأفكاركم ورضاه عن ثقافتكم فهم يريدون منا الاقتراب منهم بالتنازل عن ديننا شيئًا فشيئًا ونقضنا لعراه عروةً عروة، ولا بأس أن يتظاهروا لأجل ذلك ولو مؤقتًا بشيء من المرونة واتساع الصدر، ولكن من غير أن يتنازلوا في الحقيقة والواقع عن شيء من عقائِدهم وثوابتهم وأفكارهم كما قال الله ﷻ: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، وقال ﷻ: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].
فنقول لهؤلاء التطويعيين المميعين لحقائِق الدين ما قاله ربنا ﷻ: ﴿قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
مراسل مؤسسة السحاب: ذكرتم في المحور الأول للحرب الفكرية أن للجهاد أُسسًا ثابتة وقواعد راسخة يقوم عليها، وهي التي يحاول العدو الصليبي وأذنابهم الوصول إليها، هل لكم أن تبينوا لنا أهم تلك الأُصول والركائِز؟
الشيخ أبو يحيى الليبي:
أول تلك القواعد وأهمها في نظري هو: الاعتقاد الجازم بأن الجهاد عِبادة شرعية، بل هو من أعظم العبادات التي أمر الله ﷻ بها في كتابه ورسوله ﷺ في سنته.. إن استيعاب هذا المفهوم استيعابًا عميقًا وفهمه فهمًا صحيحًا؛ يجعل الإنسان تلقائِيًا يتعامل مع الجهاد كما يتعامل مع الصلاة والصيام والحج وغيرها من شعائِر الإسلام، فالجهاد ليس خيارًا يقابله خيارات أخرى ينتقى من بينها انتقاء، والجهاد ليس بديلًا عن وسائِل أخرى مستقلة لها ذاتيتها وحلولها.
مراسل مؤسسة السحاب: معذرة على المقاطعة، ألا يُعد الجهاد وسيلة وليس غاية؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: هذا الكلام صحيح إذا فُهِم فهمًا صحيحًا، ولكن كثيرًا ممن يكرر هذه العبارة يُخطئُ في إدراك مضمونها وربما يتعمد ذلك؛ فالجهاد يُعد وسيلة إلى أعظم غاية وأجل مقصود ألا وهي توحيد الله ﷻ وتحقيق عبوديته في الأرض التي لن تحصل حصولًا كاملًا شاملًا إلا بالجهاد، وشرف الوسيلة بشرف الغاية، قال الله ﷻ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]؛ أي إن لم تُقاتِلوهم فستكون فتنة، والفتنة هي الكفر والشرك كما قال الْمُفسِرون، وفي الحديث الْمُتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (أُمِرتُ أن أُقاتِل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)٣٬١٣٩[سبق في: (ص 95)].... إلى آخر الحديث، والجهاد وسيلة أيضًا لإنقاذ المستضعفين ورفع الظلم والقهر والكف عنهم كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
إلا أن الجهاد مع كونه وسيلة يُتوصل بها إلى هذه الغايات النبيلة وغيرها قد جعله الله تعالى غاية في ذاته بالنظر إليه من جهة أخرى يُمحَّص بها أهل الإيمان، ويتميز الخبيث من الطيب، وترتفع به درجات أهل الصدق والإخلاص، وتتفتح أنوار الهداية وسُبل التوفيق للمؤمن في أمور دينه، وقد قال الله ﷻ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31]، وقال سبحانه: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
وبما أن إقامة الدين والتمكين للشرع وكشف الذل والهوان الذي يعيشه المسلمون لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُرفع ويُزال بغير الجهاد في سبيل الله وهو الطريق الوحيد لإدراك هذه الغايات؛ فما هي الفائِدة إذن من الدندنة المستمرة حول جعل الجهاد وسيلة وليس غاية مع استخدام معنى خاطئ للوسيلة في هذا الموطن؟ قال النبي ﷺ: (ما ترك قومٌ الجهاد إلا عمّهم الله بالعذاب)٣٬١٤٠[تقدم في: (ص 670)].، وقال ﷺ: (من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق)٣٬١٤١[تقدم في: (ص 691)]..
إن الفقهاء رحمهم الله حينما قسموا العبادات إلى مقصودة بذاتها ومقصودة لغيرها لم يدر في خلدهم أو يخطر ببالهم شيء من معنى الوسيلة التي يذهب إليها كثير من المعاصرين، والذين جعلوا هذه العبارة مُتكأ لهم لترك الجهاد والتنصل من أعبائه والبحث عن بدائِل أخرى يزعمون أنهم سيصلون بها إلى نفس الغاية التي يؤدي لها الجهاد، وللأسف فيا ليتهم صانوا تلك الغاية من التدنيس وشغب العقول والأهواء، ولكنهم أفسدوا الغاية كما حرّفوا الوسيلة وفرّطوا في المقصود مثل ما استهانوا بما يؤدي إليه، وما ذلك إلا لتجريدهم الجهاد من معناه التعبدي وقطعه عن عالم الآخرة.
والحقيقة أنه ما من عبادة من العبادات إلا وهي مقصودة لذاتها من وجهٍ ووسيلة من وجهٍ آخر، فالصلاة مثلًا: هي وسيلة للنهي عن الفحشاء والمنكر كما قال ﷻ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45]، فلا يقول قائِل: إني قد تحصلت على بُغيتي في الانتهاء من الفحشاء والمنكر من غير طريق الصلاة فيتركها لذلك؛ لأننا نقول: إن الصلاة عبادة أمر الإسلام بها ونهى عن تركها وحذَّر من التهاون فيها وتوعد المفرط في أدائها وجعل لها آداب وأحكام تتعلق بها، وهكذا كل عبادة من العبادات هي وسيلة لنيل رضا الله ﷻ والفوز بجنَّاته، والظفر بمحبته، والتحلي بتقواه، كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، وهي في نفس الوقت مقصودة لذاتها بحسب مرتبتها وجوبًا أو استحبابًا، والجهاد واحد من هذه العبادات بل هو في قِمّتها وعلى رأس هرمها، كما قال رسول الله ﷺ: (وذروة سنامه الجهاد)٣٬١٤٢[رواه الترمذي: (٢٦١٦)، وقال: «حديث حسن صحيح»]..
مراسل مؤسسة السحاب: فلنعد إلى مسألة الركائِز التي يقوم عليها المنهج الجهادي.
الشيخ أبو يحيى الليبي: نعم، قلت: إن الأساس الأول والمنطلق الرئيس في هذه القضية هو الإيمان الكامل والاعتقاد الجازم بأن الجهاد عبادة ربَّانية أُمِرنا بها، وعلينا أن نجتهد في أدائها تمامًا كما نؤدي الصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات، وكثير من الجماعات التي سلكت طريق الجهاد أولًا أصابها الدخل والخلل من فهمها المضطرِب لهذه الحقيقة؛ حيث كان أو صار الجهاد في تصورها عبارة عن وسيلة مجردة جافة كغيره من الوسائِل الأرضية التي يسعى عن طريقها الساعون لإقامة الدول، فلما وقع الغبش في هذا المفهوم سَهُل عليهم التخلي عن الجهاد والقفز إلى صناديق الاقتراع باعتبارها خيارًا آخر يُساوي عبادة الجهاد؛ فجعلوه بديلًا عنها ولهذا راج في الاصطلاح المعاصر: خيار الجهاد، وخيار المقاومة -والتي يعنون بها الجهاد أيضًا-، وخيار السلاح، وخيار الكفاح، وخيار النِضال... إلخ، هذه السلسلة العصرية المقيتة.
أمَّا نحن فنقول: عِبادة الجهاد وحينما نُضيف العبادة إلى الجهاد فهذا يجعله نابعًا من التذلل والانقياد والاستسلام وترك الخيرة من الأمر.
أما ثاني الركائِز التي يقوم عليها المنهج الجهادي: هو أن هذه العبادة التي نقوم بها ونجتهد قدر طاقتنا في إحيائِها؛ غايتها الأولى هي إقامة الدين وتحكيم الشرع وتعبيد الخلائِق لخالقهم؛ فهو وسيلة نبيلة لغاية جليلة ليست مدنسة بلوثة الوطنية، ولا رِجس القومية، ولا دنس العقلانية، ولا تلاعب الأهواء، وهو المعنى السامي الذي يعبر عنه القرآن والسنة بكلمة «في سبيل الله»، أي في طاعة الله ﷻ، وهذا الباعث يجب أن يكون مُحررًا محدَّدًا في أعماق النفس، كما يجب أن يكون قائِمًا ملموسًا في الممارسات العملية، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يُقاتل للمغنم والرجل يُقاتل للذِكر والرجل يقاتِل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)٣٬١٤٣[صحيح، سبق في: (ص 1069)].، وقال ﷺ: (من قاتل تحت راية عُمِّية يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقُتِل فقِتلةٌ جاهلية)٣٬١٤٤[صحيح، سبق في: (ص 1072)]..
وبناء على هذا الأصل؛ فنحن نُحذّر بعض الجماعات الإسلامية ومنها حماس التي تُغامر بدماء أبنائها وتُقحمهم في معارك لا زِمام لها ولا خِطام، وندعوهم أن يُجرِّدوا جهادهم ويُصفوه من اللوثات الجاهلية الْمُعاصرة ومن المصطلحات التي زيَّنها لهم الشيطان وهي في ميزان الشرع كالريح في الفلاة؛ فالوطنية والقومية ووحدة المصير والمصلحة العليا، وغير ذلك من الشعارات التي تُعاد في اليوم مرات ومرات على لسان مسؤوليهم وقادتهم؛ كل هذه لا مكان لها في دين الله ﷻ وهي إحدى الطوام العِظام التي نتجت عن الاختلال في إدراك هذه الركيزة الأصيلة من ركائِز المنهج الجهادي.
إذن فليكن مقصدنا واضح وهدفنا محدد وغايتنا معلنة: إقامة دين الله ﷻ بمفهومه الكامل الشامل الذي يُفصح عنه قول الله ﷻ: ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، وهي غاية من أجلها نضحي ولإقامتها نُريق دماءنا ونبذل جُهودنا وكل ما سواها مهما كان قدره فهو دونها.
ولهذا فنحن لا نقبل تجاهها أدنى تنازل ولا نرضى أن نضعها محل البحث والنظر والأخذ والرد، ولو أدى الاستمساك بها إلى فناء جماعاتنا عن بكرة أبيها؛ فلسنا في ذلك خيرًا من أصحاب الأخدود، فلا مجال لاحترام الشرعية الدولية، ولا الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة، ولا الرجوع لقرارات مجلس الأمن، ولا تقديس ميثاق جامعة الدول العربية؛ فكل هذه الهيئات بما فيها ومن فيها لا تساوي عندنا ذرة.
أما الركيزة الثالثة التي يقوم عليه المنهج الجهادي؛ فهي الولاء والبراء عقيدةً ومفهومًا وسلوكًا وعملًا.. هذا المفهوم الإيماني العميق الذي هو أوثق عرى الإيمان -كما جاء في الحديث الصحيح٣٬١٤٥[أخرجه ابن أبي شيبة في: المصنف (32464) بلفظ: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله)، وصححه الألباني: الصحيحة (1728)].- هو من أعظم وأهم ما يستند إليه المنهج الجهادي.
وإن أي خدش لهذا المفهوم أو تلاعب به يعني زعزعة المسيرة الجهادية وخلخلتها من الداخل وتمييعها تمييعًا شنيعًا تقديمًا لمصالح موهومة مزعومة يهدم بها أصل الدين وركنه الركين؛ فالموالاة التي يتفرع عنها حق النصرة والتأييد والمحبة والمودة يجب أن تكون قائمة على أساس واحد راسخ رسوخ الجبال ألا وهو الإيمان، فالمسلمون أمة واحدة من شرقهم إلى غربهم ومن شمالهم إلى جنوبهم سواء في ذلك الأحمر والأسود، العربي والعجمي، القريب والبعيد، قال الله ﷻ: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [التوبة: 71].
وقال ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائِر الجسد بالسهر والحمى)٣٬١٤٦[تقدم في: (ص 2908)].؛ فلا اعتبار للون ولا للجنس ولا للقبيلة ولا للحدود ولا للبعد ولا للقرب، سواء كان في أفريقيا أو آسيا أو أوروبا أو أمريكا أو استراليا إنما هو الإيمان والتقوى، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، فتأصل هذا المعنى في قلوبنا؛ يُوجب علينا تبني قضايا المسلمين والشعور الحقيقي الذي يورث عملًا أن فرحهم هو فرحنا، وحزنهم حزننا، ومصيبتهم مصيبتنا، وذمتهم ذمتنا، فليس هناك شيء مما يتعلق بالمسلمين يمكن أن نسميه قضية داخلية نتنصل بها عن النصرة مع القدرة وإعلان الموالاة وتأدية حقوق الأخوة الإيمانية.
فالقاعدة العامة التي تنبثق عن هذا المفهوم المتأصل هو ما بينه النبي ﷺ بقوله: (انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالِمًا؟ قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه)٣٬١٤٧[تقدم في: (ص 1386)].، والحديث متفق عليه.
أما مفهوم البراء والذي يتضمن العداوة الدائمة والبغضاء المستمرة بين الإيمان وأهله من جهة والكفر وشيعِهِ من جهة أخرى؛ فالكفار -كل الكفار- هم أعداؤنا لا نواليهم ولا نوادهم ولا نحبهم؛ فكيف نحب أو نود من جعله الله عدوًا له؟ إنما الأمر معهم كما قال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء: ﴿إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]؛ فلا نفرق بين كافر وطني وكافر أجنبي، ولا بين كافر محلي وآخر خارجي، ولا بين محتلٍ غازٍ ومرتدٍ مناصر.
فعلى هذا فنحن لسنا ممن يجعل معقد الولاء هو المواطنة أو الجنسية أو القرابة أو غيرها، فالمؤمن أخونا ولو كان أبعد البعداء سكنًا ونسبًا، والكافر عدونا وإن كان أقرب الأقرباء محلًا وصلة، قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23]، وقال ﷻ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ [المجادلة: 22]، وقال ﷻ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].
ولسنا أيضًا ممن يجعل الجهاد عِضين؛ فيحله ويؤيده ويناصره ويدعو له ضد اليهود في فلسطين، ويحرمه ويجرمه ويمنع منه ويصد عنه في العراق أو أفغانستان أو الشيشان أو الجزائِر أو غيرها، فالجهاد والذي هو أعلى وأجلى صور البراءة يكون ضد اليهود تمامًا كما يكون ضد النصارى والمجوس والهندوس والمرتدين سواء بسواء، لأن نوع علاقتنا مع هذه الطوائف كلها واحدة وهي المفاصلة التامة والبراءة الكاملة والعداوة الظاهرة وما دام الأمر كذلك فلن نحابي كافرًا على كافر لأجل وطنيته، ولا لأجل قوميته ولا لأجل حسبه ولا نسبه، فنحن نقاتل المشركين كافة كما يقاتلوننا كافة ولا نقف في هذا عند حد ولا ننحصر في نوع ولا نتقوقع في إقليم، وهكذا حتى يُذعِن الجميع لدين الله ﷻ ويخضع لأحكامه ويستسلم لسلطانه.
مراسل مؤسسة السحاب: وهل يعني هذا أنكم ستفتحون جبهات قِتالية مع جميع هذه الطوائِف التي ذكرتها في آنٍ واحد؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: لا، ليس هذا هو المقصود ولا هو المطلوب شرعًا ولا عقلًا؛ فأنا لم أتحدث عن قضية القِتال من جهة متى نبدأ ومع من نبدأ وكيف نبدأ، فهذه مسألة خاضعة للسياسة الشرعية وقائِمة على أساس رجحان المصلحة ومنوطة بالقدرة أيضًا وهي مسألة ترتيب أولويات بينتها الشريعة الإسلامية كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].
والجهاد -كغيره من العِبادات- متوقف على الاستطاعة والوسع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإنما كان حديثي منصبًّا على طبيعة العلاقة التي يقوم عليها الإسلام بين أهله المنتمين إليه وبين من هم سواهم من الأديان الأخرى، هذه العلاقة التي كلما كانت على الأساس العقدي الصحيح الواضح انضبطت المسيرة الجهادية وسلِمت من منهج التمييع والتطويع الذي صار له دعاته ومُفكروه ومنظِّرُوه.
نَعم؛ ما نعتقده أن جميع الأرض لا بد أن تكون تحت حكم الإسلام لا يخرج عن ذلك ذرة واحدة منها؛ لأن رسولنا ﷺ قد أُرسِل للناس كافة لا يُستثنى منهم أحد، ولكن هذا لا يعني أبدًا أننا سنقاتل جميع شعوب الأرض دفعة واحدة لنُخضعها للشريعة الإسلامية؛ فالإسلام لم يأمرنا بذلك، وإنما أمرنا بأن نقاتِل الأدنى فالأدنى ممن أبى أن يخضع للحكم الإسلامي ونشرع مع الأقرب فالأقرب، وهكذا حتى تتسع الدائرة، حتى يُذعِن الجميع لحكم الله، ونحن الآن في أول الخطوات ومبدأ الطريق حيث نسعى لاسترداد أراضينا التي استولى عليها الكفرة من اليهود والنصارى وأنصارهم المرتدين من الحكام الخونة، وهذا هو المتعين على المسلمين الآن ليجدوا لأنفسهم موطئ قدمٍ يقيمون فيه دولتهم التي تحكمهم بالإسلام ويتفيؤون بِظِلاله ويتنعمون بعدله.
مراسل مؤسسة السحاب: على ذِكركم لقضية الأولويات في القِتال هناك من يطرح مسألة البدء بقِتال الحكومات المرتدة باعتبارها العدو الأقرب للمسلمين في مقابل الأمريكان والأحلاف الكافرة الأخرى.
الشيخ أبو يحيى الليبي: لا شك أن الحكم المتقرر الأصلي الذي نصت عليه الآية الكريمة والذي دلت عليه سيرة النبي ﷺ وجرى عليها أصحابه من بعده هو البدء في القِتال بالأقرب فالأقرب كما قال الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]، وهذا في حال استواء الحال وانتظامه؛ أي عندما تسير الأمور سيرًا طبيعيًا بحيث ينتقل المجاهدون في فُتوحاتهم من الأدنى إلى من يليه، فهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الجهاد لا تمنعه الحدود ولا يتوقف على صورة الدفع فقط كما يحاول أن يقرر ذلك كثير من المنهزمين العصريين.
وعلى كل حال؛ فالفقهاء الذين تكلموا في هذه المسألة وبيَّنوا حكمها قد نصوا على أن هناك حالات متعددة يترجح فيها البدء في قتال العدو الأبعد ويُقدم على من دونه.
من تلك الحالات: إذا كان العدو الأبعد أشد ضررًا وأكثر خطرًا على المسلمين ودينهم، وتقدير هذا يرجع إلى قادة المجاهدين الذين يقررون بعد تشاورهم ونظرهم مَن مِنَ الأعداء أولى أن يبدؤوا به لأي اعتبار من الاعتبارات الشرعية المعتمدة؛ فالقضية ليست مسألة نصية قطعية غير قابلة للاجتهاد والبحث والترجيح بحسب الواقع والحاجة والقدرة والمصلحة وإنما أفسح فيها الشرع المجال واعتبر فيها المصلحة والتقدير.
ثم إن القرب والبعد المكاني في عصرنا الحاضر لم يعد له ذلك الاعتبار الكبير إذا نظرنا إلى الواقع؛ لأن أنواع الأسلحة المستخدمة من طائرات وصواريخ وغيرها قد اخترقت الحدود وتجاوزت السدود وصارت تعبر القارات والمحيطات وتستهدف المسلمين وهم وسط بيوتهم وبين أهليهم، والعلاقات التي تربط الدول الكافرة الكبرى بالدويلات الصغيرة وحكوماتها المرتدة علاقات متداخلة وثيقة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، بل حتى الثقافية، فهم في الجملة شيء واحد، وعدو واحد، وجيش واحد، وهم علينا يدٌ واحدة والمعركة التي يخوضونها ضدنا معركة واحدة، إما أن تتبناها الدول الصليبية الكافرة بنفسها، وإما أن يتولاها وكلاؤها العملاء المتسلطون على الشعوب المسلمة، هذا زيادة على الوجود العسكري الثقيل لتلك الدول وعلى رأسها أمريكا في عقر دار المسلمين تقتل وتخرب وتدمر وتستبيح حرماتهم وتنتهك ثرواتهم وتفرض عليهم سياساتها وقوانينها، وما هذه الحكومات المرتدة بالنسبة لها إلا كالجنود مع قائدهم، بل كالعبيد مع سيدهم، لا تسمع لهم همسًا ولا رِكزًا.
وكلنا يعلم أن تهشيم هذا الصنم العصري وإلحاق الهزيمة به سيعني تلقائيًا ضعف هذه الحكومات العميلة الهزيلة والتي ستُدفن مع إلهها التي ظلت عليه عاكفة لتُلقى معه في مزبلة التاريخ غير مأسوفٍ عليها، فالمجاهدون اليوم في حالة دفع للعدو وصد لهجمته الشرسة على بلاد المسلمين؛ فالخيارات في ابتداء القتال مع هذا العدو أو ذاك ليس له حقيقة مُعتبرة في الواقع، فحتى من أراد أن يبدأ بقتال الحكومات المرتدة المتسلطة على بلاد المسلمين سيجد نفسه بعد فترة وجيزة ورُبما من أول يوم يستأنف فيه عمله سيجد نفسه في مواجهة بصورة أو بأخرى مع القوات الصليبية وعلى رأسها أمريكا ومن ثم سيقف وجهًا إلى وجه مع العدو الذي كان يعتبره ويفترضه أبعد وتفادى البدء بقتاله.
فأعداؤنا اليوم كلهم قريب؛ قريبهم قريب وبعيدهم قريب، وحظُّ المجاهدين من اختيار وقت المواجهة هو المقاربة والتسديد قدر الإمكان لخوض المعركة الحاسمة التي تتناسب مع قدراتهم وتتوافر فيها عوامل النجاح وتختصر عليهم كثيرًا من الجهود وتؤدي إلى استئصال العدو الأكبر الذي يصدر الفساد وينشر الخراب وفي كنفه تنشأ وتترعرع أنظمة البطش والتنكيل.
مراسل مؤسسة السحاب: شيخنا؛ أشرتم فيما سبق إلى أن المتعين على المسلمين عمومًا والمجاهدين خصوصًا إيجاد موطن أو دولة تكون المنطلق الأول لهم لنشر دين الإسلام في رُبوع الأرض وكما تعلمون فإن المجاهدين في العراق قد أعلنوا عن قيام «دولة العراق الإسلامية»؛ فما هي نظرتكم لهذه الخطوة التي قام بها إخواننا هناك؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: حقيقة أنا أعتبر أن إقدام إخواننا المجاهدين في العراق على إعلان قيام الدولة الإسلامية هو توفيقٌ إلهي محض، وهو جزء من الهداية التي تكفل الله بها لعباده المجاهدين بقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ [العنكبوت: 69]، بل لا أشك أنه من دفاع الله عن المؤمنين الذين نصروا دينه وكتابه كما قال ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38]، فالجهاد في العراق قبل إعلان الدولة كان يسير نحو منزلقٍ خطيرٍ وقاتل، ولكن بِخفية وتستر، والذي كشف هذا المنزلق وأزاح الغِطاء عن تلك الهاوية الْمُهلِكة هو إعلان قيام الدولة، ولهذا فإن العدو المحتل وقع في مأزق لا يُحسد عليه حيث أربكت عليه هذه الخطوة كل حساباته وخلطت جميع أوراقه وذلك أن الخطوة أو بالأصح الخِطة التي كان يسير عليها العدو قُبيل إعلان الدولة هي إيجاد حكومة عميلة محسوبة على أهل السنة تكون مرضيًا عنها نوعًا ما ومُعترفًا بها من قِبل دول السوس المجاورة وخاصةً دولة آل سعود والأردن اللتان تتوليان كِبر هذه المؤامرة؛ فصارتا تنفخان في بوق الدِفاع عن أهل السنة في العراق وتتظاهران بالحرص على دمائهم، وصار الإعلام يضخم هذه القضية وينوع صور إخراجها.
ونحن لا نعني هنا أن إخواننا أهل السنة في العراق لم يكونوا ولا زالوا يتعرضون لأبشع صور الإجرام الرافضي والصليبي على حد سواء، بل المقصود من كلامي أن الدندنة المستمرة على هذه القضية ومن قِبل دولٍ مردت على النفاق والإجرام كان جزء من مؤامرة كبرى تُحاك ضد الجهاد والمجاهدين في العراق، فبعد أن يبلغ التنكيل والتقتيل بأهل السنة مداه ويقتنع الجميع داخل العراق وخارجها أنهم وصلوا الذروة من المعاناة؛ تُفبرك لهم مسرحية سياسية تترشح عن حكومة ذات أغلبية سنية وتُبادر دول المنطقة إلى دعمها وتقويتها وتلميع صورتها؛ فيُقال لأهل السنة في العراق: ها قد نِلتم ما تُريدون وظفرتم بما كنتم تطلبون، ونجوتم من مسالخ الرافضة ومذابح أهل الصليب، فانعموا بحكمٍ علماني عميل طبَّل له القريب والبعيد، ومن سيعترض على تلك الحكومة «السنية» وهذه بين قوسين؛ فسيجد نفسه شاذًّا منبوذًا لأنه سيحاول بأفعاله تدمير هذا الصرح العظيم الذي ناله أهل السنة في العراق والذي يعيشون تحت مظلته وحمايته.
وهكذا يُسدل الستار على تضحيات الأبطال ودموع الأرامل ومعاناة الأيتام لتذهب هباء مع عاصفة الفرح والتأييد والتلميع والبطولات المصطنعة التي ستظهر بها تلك الحكومة المفترضة، ولكن الله سلم وأنقذ الجهاد العراقي من ضربة قاصمة ستودي به، أو ترجعه إلى نقطة الصفر وذلك بإعلان قيام «دولة العراق الإسلامية».
مراسل مؤسسة السحاب: ولكن كما تعلمون فإن كثيرًا من المجاهدين داخل العراق وخارجها يرون أن الخطوة لا تصب في مصلحة الجهاد والمجاهدين.
الشيخ أبو يحيى الليبي: فيما أرى والله أعلم أن الاعتراض على إعلان دولة العراق الإسلامية من قِبل هؤلاء الفُضلاء قد أخذ أكبر من حجمه، وما أقدم عليه إخواننا من الإعلان يُعد خطوة أقل ما يُقال فيها: أنها اجتهاد لطائفة كبيرة وشريحة واسعة من المجاهدين، ويُتعامل معها على هذا الأساس، ونتجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة التسديد والترشيد والدعم والتقوية ورص الصفوف والسعي الدائِم للأفضل والأكمل، ولا نقف عند نقطة الإعلان ونجعلها وكأنها قاصمة ظهر الجهاد في العراق مع أن الواقع على الأرض يظهر غير هذا، ويكشف الجوانب الإيجابية الكبرى التي توالت بعد إعلان الدولة ولا ينبغي أن نتغافل عن أعظم مكسب في هذا الإعلان وهو إنقاذ الجهاد في العراق من مشروعٍ استئصالي يأتي على قواعده، وهي الحقيقة التي أدركها العدو قبل الصديق.
فالقول بأن هذه الخطوة لا تصب في مصالح الجهاد والمجاهدين؛ غير صحيح على الإطلاق، وهو تجاهلٌ يصطدم اصطدامًا مباشرًا مع الواقع الذي تسير فيه قافلة الجهاد في العراق، وحقيقةً إننا حينما نريد أن نُقَوِّمَ أي أمرٍ من الأمور ونخرج فيه بنتيجة صائبة منصفة؛ يجب علينا أن نوازن بين الايجابيات والسلبيات التي يتضمنها هذا الفعل أو ذاك، قال تعالى: ﴿۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ﴾ [البقرة: 219].
فرُب إيجابية واحدة بسبب ثقلها وقوتها ورجحانها ينغمر في بحرها مئات السلبيات، والعكس كذلك، والذين يتحدثون عن المشروع الإسلامي الحضاري الكبير ويتعلقون بالصورة المثلى له ويجعلونه معيارهم في نجاح أو فشل أي عملٍ حقيقة هؤلاء لم ينزلوا إلى ساحة العمل الواقعية، ولم يحتكوا بتفاصيل الأحداث ولم يتعمقوا في النظر لدرجة الكيد والمكر والدسائس التي تتفتق عنها عقول دهاقنة الكفر يومًا بعد يوم، فقل لي بالله عليك هل هذا المشروع الحضاري الذي تتمتع العقول بتخيله وتسبح في بحار تصوره هل سيولد بين عشية وضحاها كاملًا فتيًا قويًا قد سد الأفق بازدهاره وحضارته ونضارته؟ أم أن معاناة الواقع واتجاهات أحداثه ستكون منعكسة تمامًا عليه في قوته وحجمه وامتداده؟ ولكنه يقاوم ويقاوم ويسدد ويقارب ويتقوى ويرتفع حتى يقترب شيئًا فشيئًا من مرحلة التمام والتي لن تكون إلا عبر عقودٍ من الزمان وليس في يومٍ أو يومين.
مراسل مؤسسة السحاب: وفي نظركم ما هي أهم المخاطر التي يمر بها الإخوة في دولة العراق الإسلامية في هذه المرحلة؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: كما ذكرت لكم من قبل؛ فإن إعلان قيام الدولة كان مفاجأة كبرى للعدو المحتل بجميع المقاييس، حيث صارت القناعة التلقائية للشعب العراقي أن الدولة هي البديل الوحيد والمباشر الذي سيخلف المحتل عند انسحابه بإذن الله ﷻ، ومع الضربات المتتالية التي يتلقاها الصليبيون على أيدي المجاهدين هناك، وتزايد الضغوطات الداخلية لإدارة بوش، ومع شدة الخطر الذي يستشعرونه من خلال إقامة المسلمين لدولة لها كامل الاستقلالية على كافة الاتجاهات مع هذا كله؛ صار همُّ المحتل هو إفشال هذا المشروع ووأده في مهده بأية طريقة.
ومن ذلك اقتلاع هذه القناعة التي ترسَّخت في قلوب العراقيين بإعلان الدولة؛ ليصنعوا لهم بعد ذلك من البدائِل ما شاؤوا، وكانت أنجح وأنجع الطرق في هذا هو بث الفرقة الداخلية وتغذيتها بين المجاهدين واستغلال بعض النقاط التي تختلف فيها أنظارهم وتضخيمها وتعميق الخلاف من خلالها ومحاولة اختراق الصفوف للعبث بالمنهج الجهادي من الداخل وارتكاب بعض التصرفات الشنيعة ونسبتها للمجاهدين تنفيرًا منهم، وبذلك سيصبح المجاهدون منشغلين بأنفسهم ومنكبين على سلسلة مشاكلهم التي لا نهاية لها؛ فتُستهلك طاقاتهم وتُهدر جهودهم وتنعدم الثقة بينهم.
ولهذا فإنني أشبه حال إخواننا في دولة العراق الإسلامية بحالة من يمشي في حقلٍ من ألغام وسط ظلام دامس، وهذا يتطلب منهم تيقظًا كاملًا وتحسسًا مستمرًا لمواطن الأخطار ووعيًا محيطًا بأنواع المؤامرات، وبصيرة تكشف لهم سبيل المجرمين، وأن تكون قراراتهم منبثقة من النظر الشمولي للأحداث والتعامل المستقل مع القضايا والشعور بالمسؤولية عند كل خطوة، والبعد التام عن سياسة ردَّات الفعل، والاستجابة للاستفزاز؛ فالمرحلة جد خطيرة ودقيقة، والخروج من عنقها بسلام يعني كمال النصر وتمام التمكين بإذن الله.
مراسل مؤسسة السحاب: حقيقة هناك كثير من القضايا الساخنة التي كنا نتمنى أن نتناولها في هذا اللقاء مثل قضية فلسطين والجزائر والصومال وجزيرة العرب وغيرها، ولعل فرصة أخرى تُتاح يكون فيها الحديث أشمل وأكمل ولكن هل من كلمة ختامية توجهونها للمجاهدين خصوصًا وللأمة عمومًا؟
الشيخ أبو يحيى الليبي: أقول: إن المرحلة التي يمر بها الجهاد العالمي هي من أخطر المراحل، ووسائِل المواجهة بين المعسكرين ليس فيهما أدنى تكافؤ، ولكن ما يرجح كفتنا بعد أخذنا بالأسباب المعتبرة؛ هو صدقنا مع الله ﷻ، وإيماننا العميق والجازم بأن الله ﷻ معنا، وهذا يستوجب منا خضوعًا لله وتواضعًا بين يديه وابتعادًا عن الكِبر والبطر والغرور وهو أهم ما نوصي به إخواني المجاهدين في ساحات الجهاد كافة، أن تكون ثقتهم بالله كبيرة ويقينهم بصحة منهجهم راسخًا، وأن يضعوا بين عينيهم قول الله ﷻ ممتنًا على الصحابة الكِرام الذين نصرهم يوم بدر مع قِلتهم وذِلتهم وضعفهم: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]، وأن يكونوا أشد الناس نفرة من معصية الله، فهل يُعقل أن نعصي ربنا سبحانه ثم نطلب النصرة منه؟!
كما أوصيهم بتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم وتذليل كل عقبة تحول بينهم وبين ذلك فإن الخِلاف كله شر، وإن توهمنا فيه المصلحة وادعينا من خلاله الإصلاح؛ هذا مع الحفاظ على سلامة المنهج ووضوح الغاية وتطهيرها من أي دنسٍ يكدر صفوها كالعصبية الجاهلية والقومية والوطنية وغيرها.
وإذا كان الكفار وهم أهل نِحلٍ متضاربة وقُلوبٍ متنافرة قد اتفقوا واجتمعوا وتنازلوا لبعضهم، وكوَّنوا أحلافًا اعتبروا فيها مصلحتهم العليا المتمثلة في القضاء على الإسلام؛ فكيف بنا نحن المسلمين وديننا واحد وعقيدتنا واحدة وربنا واحد ونبينا ﷺ واحد؟ ألسنا أحق منهم بهذه المنقبة وهذا الشرف؟
أما أمة الإسلام فأقول لها: أبشري فوالله لقد آذن ظلام الظلم والقهر بالزوال، وبدأت شموس الحق ترسل أشعتها شيئًا فشيئًا، وما كان ذلك ليحصل بالخنوع والخضوع والاستسلام والتهرب عن مواطن المخاطرة والمغامرة، وإنما بدأت هذه الغمّة في الانكشاف بتضحيات أبنائك البررة التي امتزج فيها دم الشهيد وعرق الْمُجهدين ودموع الثكالى، فاصبري أمتنا الحبيبة فإنما النصر صبر ساعة ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4-5].
مراسل مؤسسة السحاب: وفي خِتام هذا اللقاء نشكر الشيخ أبا يحيى ونسأل الله تعالى أن ينفع بعلمه ويجزيه خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.
الشيخ أبو يحيى الليبي: وأنتم أيضًا جزاكم الله خيرًا على جهودكم ومساعيكم، نسأل الله أن يبارك فيها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا