🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

وتستمر الحرب الصليبية - أطفال الإيدز في ليبيا

وتستمر الحرب الصليبية - أطفال الإيدز في ليبيا

وتستمر الحرب الصليبية.. أطفال الإيدز في ليبيا

[جمادى الآخر 1428 هـ / 7 – 2007م]

۞

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وآله وصحبه، وبعد...

فضمن قائمة الجرائم المتسلسلة التي يقدمها الغرب الصليبي من حين إلى حين؛ كهدية حضارية تتناسب مع ديمقراطيته وشعاراته وقيمه! رجعت القضية القديمة الحديثة إلى الواجهة، لتكون خنجرًا جديدًا مسمومًا ممكنًا في جسم أمتنا الإسلامية الممزق.

فالكل سمع بتلك الجريمة النكراء التي لم نجد في قاموس الأوصاف والأعراف ما تستحقه ويليق بها وذلك لفرط بشاعتها وخِستها ودناءتها، الجريمة البشعة التي قامت بها خمس ممرضات بلغاريات مع طبيبٍ فلسطيني؛ فحَقنوا ما يزيد على أربع مئة طفل ليبي بمرض الإيدز في إحدى مستشفيات بنغازي، حُقَنٌ تحمل البغضاء الكامنة، والأحقاد الدفينة، والإجرام المتأصل؛ تلك الجريمة التي تدل على انسلاخٍ تامٍ من كل القيم البشرية، وتنم عن قلوبٍ تجسد فيها الحقد في أبشع صوره، وظهرت الكراهية في أقبح حالاتها، والتي أصبح فيها القتل يمارس فيها بأنذل الطرق لتكون هذه الحادثة عنوانًا بارزًا يُعَرِّفنا بقيم الغرب وحضارة الغرب وحقيقة الغرب أيضًا!!

جريمةٌ لم ترتكبها جيوشهم التي ألِفت الإجرام وعودتنا بأبشع الصور منهم، إنما ارتكبها من قطع آلاف الكيلومترات لتمريض الناس وتطبيبهم وعلاجهم -هكذا زعموا!- فإذا بالممرضات ينقلبن سفاحات وقاتِلات بدمٍ بارد ونفوسٍ شريرة وقلوب حاقدة: ﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].

ص 2255

جريمةٌ لم تكن أسلحة التدمير فيها ال «B 52» وال «F 16»، ولم تلقَ فيها قذائف السبعة طن المدمرة أو توجه فيها الصواريخ الذكية والتي يؤدي ذكاؤها دائمًا لقتل المئات من النساء والأطفال والشيوخ ليُقال لنا بعد كل مذبحة ومجزرة أن الحرب لا يمكن أن تخلو من الأخطاء! إنما كان السلاح القاتِل الفاتك في هذه الجريمة حقن كان من المفترض أن تحمل الدواء وتضم العلاج، فإذا بها تدفع في أجسام الأطفال البريئين السم القاتل وتجرعهم الآلام الدائمة وتسقيهم الموت البطيء.

جريمة لم تكن ساحاتها جبال «تورا بورا» ولا شوارع وبيوت «الفلوجة وتلعفر»؛ لتشن على أهلها حربًا تأكل الشجر والحجر وتُذيب الصخر والبشر تحت دعوى وجود إرهابيين في المنطقة، وهي دعوى كافية عند الغرب المتحضر لاستحلال إبادة القرى بسكانها، وإنما كانت ساحة الإجرام مستشفى يقصده الناس طلبًا للعلاج وبحثًا عن الدواء وفِرارًا من الأمراض؛ فإذا بالمستشفى يصبح مجزرة يخرج منه الصحيح مريضًا والمريض ميتًا!

جريمة لم تُشن على أُناس والسلاح بأيديهم وهم يدافعون عن أنفسهم ليقول لنا إعلام الكذب والنفاق والتزوير: إن المقتولين ممن يُشتبه بأنهم متطرفون يخططون لشن عمليات إرهابية كما يسمونها! إنما شُنَّت هذه الحرب -وأسميها حربًا وبأقبح صورها- على أطفالٍ يحملون البراءة والصفاء في قلوبهم ونفوسهم.

هذه هي صورة الجريمة مختصرة، وإن كانت الكلمات لتعجز حقًا عن التعبير في وصفها.

فهل رأى العالم حِقدًا أشد من حقدهم؟ وهل سمعتم بفعلة هي أبشع وأفظع من فعلتهم؟ وهل مر على أحد همجية بلغت مستوى همجيتهم؟ وهل خطر ببال أحد أن يبلغ الإجرام إلى هذا المبلغ المنحط؟

ص 2256

إن من يعرف حقيقة هؤلاء الكفرة الحاقدين ولم ينخدع بزخارف القول وبهرجة الشعارات وأكاذيب الدعايات؛ لن يُفاجأَ بمثل هذا؛ لأن القرآن لخص لنا هذه القائمة الطويلة من الجرائم المتتابعة في آية واحدة كشف بها حقيقتهم وأظهر مكنونات نفوسهم ودقق الوصف لأعمالهم: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2].

لقد عودنا الغرب الصليبي الكافر بالتبجح المستمر بأنهم أفضل المجتمعات وأرقى الحضارات وأكثرهم حفاظًا على حقوق الإنسان -بل الحيوان!- وأن العالم لن يخرج من أزماته إلا بقفو آثارهم في الديمقراطية والتحضر والتقدم حذو القذة بالقذة، فماذا كان موقف حضارتهم ونِتاج ديمقراطيتهم إزاء هذه الجريمة البشعة؟

هل سمعتم طاغية واحدًا من طُغَاتهم، أو مؤسسة حقوقية واحدة من مؤسساتهم أو منظمة خيرية واحدة من منظماتهم أو هيئة مستقلة واحدة من هيئاتهم.. هل سمعتموها؟ لا أقول: نددت أو استنكرت أو شجبت، بل تحدثت ولو من طرف خفي عن هؤلاء الأطفال الضحايا وذكرت شيئًا من معاناتهم ومعاناة أهليهم أو ذرفت عليهم دموع الرأفة والرحمة والتعاطف؟!

فبدلًا من ذلك كله راحوا وبغير حياءٍ ولا وجل يظهرون تعاطفهم وتعاضدهم للذئاب القاتلة وهي تنهش الضحية بأسنانها وتمزقها بمخالبها، غير عابئين بجراحات الضحايا النازفة ولا لصرخاتهم المتعالية ولا لمعاناتهم المتتالية؛ فوجهوا كل جهودهم لإبداء التعاطف والرحمة لتلك الذئاب لا لشيء إلا لأنهم ذئاب مثلها: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ﴾ [الأنفال: 73].

فما لِأَمريكا وقضية خمس ممرضات بلغاريات مغمورات؛ حتى يتعهد رئيسهم المغرور بالسعي لإطلاق سراحهن؟! هكذا لإطلاق سراحهن! لا لتقديمهن لقضائهم العادل المزعوم، فلن يقبلوا إلا بإطلاق سراحهن ولتكن جريمتهن ما كانت، وليذهب أكثر من أربع مئة طفل إلى الجحيم ولتمت عائلاتهم وذووهم بغيظهم! وما لبريطانيا العجوز وهؤلاء المجرمات حتى يُعَبر كلبهم عن بالغ أساه وحزنه للأحكام الصادرة بحقهن وتعهده ببذل ما يستطيع لإطلاق سراحهن؟

ص 2257

إنها العقيدة النصرانية التي تشد بعضهم لبعض وهو تعبيرٌ مجسد لدوافع العداء والبغضاء للإسلام والمسلمين؛ فلم يساعدهم نفاقهم ودجلهم وتمويههم لأن يتخذوا موقفًا سوى هذا الموقف الذي عَرُّوا وعرَّفوا به أنفسهم لمن لم يكن يعرفهم.

وليست قضية هؤلاء الأطفال -أطفال الإيدز- هي أول قضية يتعامل فيها الغرب بهذه الازدواجية، بل إن سياسة الكيل بمكيالين خاصةً حينما يكون الضحيةُ أحدَ المسلمين؛ صار هو السمة البارزة لسياساتهم ومواقفهم وقراراتهم.. فتلك فلسطين وما أدراك ما فلسطين، والتي تُحصد فيها أرواح العشرات من النساء والأطفال والرجال العزَّل على أيدي اليهود المجرمين، ورغم ذلك كله فما زاد الغرب الصليبي أهل فلسطين إلا حِصارًا قاتلًا وتأييدًا مستميتًا للصهاينة السفاحين؛ فحينما يُقتل جندي واحد من دولة بني صهيون ولا يلبث الخبر أن يلبث مسامعهم حتى يبادروا بالاستنكار والتنديد والشجب وتقديم العزاء لأسرة الضحية! نعم، ضحية في قاموسهم.

أما إذا جُرِفت الأراضي بما فيها ودُكَّت البيوت بساكنيها، ونُسِفت المساجد بِمُصلِّيها، وصُهِرت السيارات براكِبيها، وتناثرت أشلاء الأطفال في الشوارع، وتعالت صرخات الضعفاء من النساء والولدان؛ فكل ذلك لا يحرك للغرب الصليبي الكافر ضميرًا، ولا يُعد في قاموسهم جريمة تستحق الاستنكار أو التمعر.. لماذا؟ لأن المقتولين من المسلمين، وما داموا كذلك فلن يكونوا ضحايا يستحقون التعاطف أو الرحمة أو النداءات المتوالية لإيقاف سيل التقتيل الجارف!

وقُل مثل ذلك في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال وغيرها من بلاد المسلمين.

فهذا هو الغرب وهذه هي قيمه التي يريد أن يقدمها لنا، وتلك هي ديمقراطيتهم التي يسعون لنشرها بيننا؛ فبُعدًا لهم ولحضارتهم وقيمهم وعدالتهم.

ص 2258

وإنّ هذه الجريمة لتُعد نموذجًا حيًا لتهاون أنظمة العمالة والخيانة بحياة شعوبها المغلوبة المقهورة واستهانتها بكرامتها، وإلا فكيف استطاع هؤلاء الجزارون ارتكاب هذه الجريمة في حق هذا العدد الكبير من الأطفال الأبرياء من غير أن يكون لنظام طاغية ليبيا القذافي علمٌ أو شعور، بل دور وتواطؤ في هذه الجريمة؟ أين كان النظام كل هذه المدة التي يُجرَّع فيها الأطفال فيروس القتل والإجرام ليظهر بعد ذلك ويتظاهر بحرصه على العدالة وبحثه عن الحقيقة ومتابعته للمجرمين وهو رأس الإجرام والفساد؟ فأين مؤسسات هذا النظام المتهالك وأين رقابته طوال هذه المدة؟

وكيف تمت هذه الجريمة النكراء في سرية تامة وكِتمان مُطبق دون أدنى شعور من أجهزته الأمنية واستخباراته المتهاوية التي تُحصي على الناس أنفاسهم وتُلاحقهم في صغير أمورهم وكبيرها؟! أم أنها كانت منشغلة بملاحقة ومطاردة المسلمين الصادقين تملقًا للغرب وإرضاء لسادتهم كما سيرضونهم في إغلاق ملف هذه الجريمة النكراء: ﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨﴾ [ص: 88].

ولهذا فإننا نقول: آن الأوان لكم أيها المسلمون أن تعرفوا هؤلاء الكفرة الحاقدين على حقيقتهم، فهم قتلة سفاحون مجرمون مُفسدون يسعون في الأرض فسادًا، ولا تخدعنَّكم شعاراتهم البراقة ولا كلماتهم المزيفة، فوالله لا قيمة ولا وزن عندهم لدمائكم ولا لأرواحكم ولا لأبنائكم، ولن تجدوا لأنفسكم عزًا ترتقون به ولا منعة تتحصنون بها إلا بدينكم الحنيف الذي يقوم على البراءة من هؤلاء وأذنابهم وإعلان العداوة الصريحة لهم.

ولن ينكف شرهم ويوقف إفسادهم إلا بقتالٍ لا هوادة فيه، وجهادٍ لا يتوقف طرفة عين، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، قال ﷻ: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

والحمد لله أولًا وأخيرًا..

❖ ❖ ❖

ص 2259

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا