ومضى الفارس في سكون
[قصيدة في رثاءِ الشيخ الشهيد: عبد الحكيم مسعود العماري «أبو مسلم عوض»، المولود في بنغازي (1967م)، والمقتول غدرًا شهيدًا في سجن بوسليم بطرابلس (2001م)]
أترى الشعر يبلغ ما أريد؟ أم الكلمات تصف ما يعتلج بين أضلعي؟
فأين نظم الشعر من هيجان المشاعر... أم أين تصفيف العبارات من جريان العبرات؟
لا أحسب أن أيًّا من ذلك يكفي ويفي.. ولكن ما كان لنا إلا أن نَجهد لنؤدي شيئا من حقكم علينا وإن لم نؤده كله.. فرفقتكم في الطريق تحثنا.. ومواكبتكم للدرب تدفعنا.. وتوقيعكم بالدماء على صفحات التضحيات تحضنا.. فمن ذلك جميعه خرج هذا الكَلِم المثخن بالكُلَم..
[البحر: الكامل]
إِنْ غَابَ شِعْرِي فَالْمَشَاعِرُ تُعْرِبُ | أَوْ جَفَّ حِبْرِي فَالدُّمُوعُ سَتُكْتَبُ | ||
فَاتْرُكْ عِنَانَ الذِّكْرَيَاتِ وَقُل لَهَا: : | هَذَا أَوَانُ بُدُوِّ مَا يُسْتَصْحَبُ | ||
فَاحْكِي لَنَا مَا يُسْتَطَابُ لَعَلَّ مَا | فِي الْقَلْبِ مِنْ وَهَجِ الْفِرَاقِ يُغُيَّبُ | ||
إِنِّي طَلَبْتُ الصَّبْرَ حَيْثُ ظَنَنْتَهُ | فَإِذَا بِظَنِّي حَيْثُ أَطْلُبُ يَكْذِبُ | ||
هَاتِ الْحَدِيثِ عَلَى سَنِيِّ أَحِبَّةٍ | وَدَعِي الظُّنُونَ فَمَا لَهَا مُتَطَلَّبُ | ||
كَانُوا الأَنِيسَ لَنَا إِذَا عَصَفَتْ بِنَا | أُزُمٌ فَمَا بَالُ الْعَوَاصِفِ تَجْلِبُ | ||
مَا بَالُهَا بِتَبَخْتُرٍ وَتَكَبُّرٍ | دَهَمَتْ فُؤَادِيَ أَيْنَ أَيْنَ الْمَهْرَبُ؟ | ||
قَالَتْ أَتَطْلُبُ أَنْ أَبُوحَ بِمَا مَضَى | تَسْلُو بِهِ وَلِمَا دَهَى تَتَجَنَّبُ | ||
أَوَ مَا عَهِدْتُكَ فِي النَّوَائِبِ شَامِخًا | جَلْدًا قَوِيَّ الجَأْشِ لَا تَتَهَيَّبُ | ||
أَوَمَا أَلِفْتَ الْحَادِثَاتِ فَكَمْ وَكَمْ | جَاءَتْكَ تَتْرَى كَالْوَغَى تَتَقَلَّبُ | ||
فَكُنِ الصَّبُورَ إِذَا أَتَتْكَ مُلِمَّةٌ | فَالصَّبْرُ يَرْفَعُ مَا يُلِمُّ وَيُذْهِبُ | ||
وَاجْعَلْهُ زَادًا عِندَ رَزْأِ رَزِيَّةٍ | فَبِهِ الْهُمُومُ عَنِ الْقُلُوبِ سَتُسْلَبُ | ||
صَبْرًا فَمَا تَنْفَكُّ تَفْقِدُ صَاحِبًا | فَالعُمْرُ يَمْضِي وَالْمَنِيَّةُ تَطْلُبُ | ||
عَجَبًا لِمَن صَافَى الْحَيَاةَ بُعَيْدَ مَا | جَادَ الْأَحِبَّةُ بِالنُّفُوسِ فَغُيِّبُوا | ||
فَإِلَى مَتَى تَبْقَى المُوَدِّعَ سَامِعًا | نَبَأَ الْفِرَاقِ بِهِ تُعَدُّ وَتُحْسَبُ | ||
وَإِلَى مَتَى تَبْقَى شَرِيكَ مُيَتَّمٍ | فِيمَا عَرَاهُ أَجِبْ وَقُلْ يَا مُصْعَبُ | ||
«عَبْدَ الْحَكِيمِ» سَلَامُ قَلْبٍ مُثْخَنٍ | يُهْدَى إِلَيْكُمْ وَالْجَوَى مُتَشَعِّبُ | ||
هَا قَدْ مَضَيْتَ وَمَا مَضَيْتَ سِوَى فَتًى | يَأْبَى الْخُنُوعَ يَخُوضُ مَا يُسْتَصْعَبُ | ||
فَلِمَنْ تَرَكْتَ مَقَامَ ثَغْرِكَ خَالِيًا | وَالْحَرْبُ شَبَّ ضِرَامَهَا وَتَلَهَّبُ | ||
مَا زِلْتُ أَرْقُبُ يَوْمَ فَكِّ إِسَارِكُمْ | فَإِذَا الْمَنُونُ تَهُدُّ مَا أَتَرَقَّبُ | ||
عُذْرًا أَخِي؛ طَالَ انْتِظَارُكَ صَابِرًا | فِي ظُلْمَةٍ فَيهَا الْفَضَائِلُ تُسْلَبُ | ||
فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَنَالَ وِسَامَ مَنْ | شَادُوا صُرُوحًا بِالدِّمَاءِ تُخَضَّبُ | ||
لَا لَمْ تَذِلَّ لِمَنْ طَغَى مُتَجَبِّرًا | يَلْهُو بِأَفْكَارِ الضَّلَالِ وَيَلْعَبُ | ||
وَيَظُنُّ أَنَّ السِّجْنَ يَقْهَرُ عَزْمَ مَنْ | فِي كُلِّ يَوْمٍ عَزْمُهُ يَتَصَلَّبُ | ||
أَوَ مَا دَرَى أَنَّ الرِّجَالَ بِعَزْمِهِمْ | فَلُّوا جَحَافِلَ مَنْ بَغَوا وَتَغَلَّبُوا | ||
«عبد الحكيم» أرى القصائد ضحلة | لا تستجيب لما أريد وأطلب | ||
وأرى المعانيَ سامقات في الذرى | تبدو لنا حينًا وحينًا تغرب | ||
لما دعا داعي الشَعوب أجبته | برضى فجنات النعيم المطلبُ | ||
ورحلت نحو الباقيات فحبها | كان الفؤاد به يفيض ويعجب | ||
ودعتنا والصمت يصحب موكبًا | فلنعم ما قد ضم ذاك الموكب | ||
فلقد حويتَ من المكارم لُبَّها | أنت الكريم وأنت أنت الأطيب | ||
ما كانت الدنيا لتخدع مثلكم | كلا فأنت بها الخبير الـمُعرِب | ||
فركلت آفات تميد بأهلها | تسعى النفوس لنيلها وتُعذب | ||
وكذا الرجال الصادقون تنزهوا | عن لوثها ولما يُذل تجنبوا | ||
وسموا لعز تستلذ خطوبه | فيه المنون إذا دنت تُستَعذب | ||
فاهنأ أخي فالعيش عيش الخلد لا | عيش به جند اللئام تخرب |
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: ومضى الفارس في سكون
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا