سيرة الشيخ أبي يحيى الليبي (حسن محمد قائد) رحمه الله
هو فضيلة الشيخ العالم، المجاهد المهاجر، المرابط الداعية القائد «أبو يحيى الليبي»: الحسين محمد أبو بكر قايد.. هذا اسمه الصريح الذي سماه به أبوه، ثمَّ إنه أثناء معايشته في قريته صار يُنادى عليه اختصارًا باسم: «حسن محمد قائد»١هكذا نطق أخوه «أبو بكر قايد» اسم الشيخ صريحًا، وقال إن هذا اسمه المكتوب في الوثائق الرسمية، وعندي صفحة بخطِّ الشيخ كُتب فيها اسمه «الحسين محمد قائد» في عام «1990م»، أثبتها أعلاه، وإبدال همزة «قائد» بالياء لغة عربية فصيحة؛ فلصعوبة النطق بالهمزة فتستبدل بالياء لأنها من جنسها، وهي قراءة حمزة الكوفي -من السبعة- عند الوقف على نحو هذه الكلمة؛ تخفيفًا لأداء الهمزة.، وأقرَّ الشيخُ لنفسه هذا الاسم في كتبه ومؤلفاته ومرئياته، فصار علمًا عليه، ولم يعد يُستعمل اسمه الأصلي؛ فانقلب «الحسين» إلى «الحسن».
واستعملَ الشيخ اسمه الذي سمَّاه به أبوه؛ في حياته المدرسية والجامعية، فقد كان يكتب اسمَه الأصلي على دفاتره، كما يظهر هنا خط يده كما نشرته عائلته:
* صفاته الخَلقية: الشيخُ أسمرُ اللون، حسنُ الوجه، تعلوه معالـمُ الرُّجولةِ مِن صِغرهِ، على هيئة أهل الصحراء في السِّحنة والصورة، طويلُ القامة، عريض الأنف، متوسط العينين، داكنُ سواد الشعر مع جعودةٍ فيه، تصاحبه بسمةٌ تعلو مُحَيَّاه إذا تكلم، تحمرُّ وجنتاه إذا خطب.
* مولده: وُلد يوم الثلاثاء: 6 شعبان 1382هـ، الموافق: 1 يناير 1963م٢هذا ما تحرر عندي في تاريخ مولد الشيخ (1963م) وهو الأكثر انتشارًا، وفي النفس شيء من هذا التاريخ؛ فقد أفادني أخٌ من متابعي قناتي الشخصية على التلجرام -ولا أعرفه شخصيا- أنَّه قد اطلعَ على «المجموعِ» الشيخُ عبد الوهاب قايد -الأخ الأكبر للشيخ أبي يحيى- فذكر أن تاريخ مولده 1969م، ولكن يُشكل على ما ذكره أخوه: التحاق الشيخ بالجامعة في وسط العشرية الثامنة، حيثُ أكد لي متابعٌ مجهول أن الشيخَ التحق بجامعة سهبا الليبيةِ «أواخر السبعينات وأول الثمانينات» وأنه يعرف مَن درس معه وتاريخ مولده في عام 1963م؛ وحيثُ التبسَ الأمرُ بقيتُ على المشهور من تاريخ ولادته وهو المثبت أعلاه.. والله أعلم.، في قرية تْسَاوَة؛ إحدى واحات وداي عَتْبة، في وسط الصحراء الليبية بجنوب ليبيا٣كما أفادته مراسلة قناة «الآن» في زيارة ميدانية لعائلة الشيخ في قلب الصحراء.، ويحد هذه القرية الصغيرة من جهة الجنوب: النيجر، ومن الشمال: سلسلة جبال وادي الحياة، وتبعد عن مدينة سبها: 200 كم، وعن طرابلس 950 كم، وتعداد سكانها حوالي 9000 نسمة تقريبًا.
* نشأته: نشأ الشيخ في تلك القرية الصحراوية الوادعة البعيدة عن صخب المدن، ودرس فيها حتى أنهى دراسته الثانوية بتفوق عالٍ يدلُّ على نبوغٍ مبكر وعلو همة، ممَّا جعله يختار اللحاق بجامعة سبها ليدرس الكيمياء في كلية العلوم.. وهناك في مقاعد الدراسة الجامعية تأثر بالجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا؛ فهاجر لأفغانستان في الجهاد الأفغاني الأول آخر العشرية التاسعة٤تقرير قناة «الآن» الميداني في زيارة عائلة الشيخ وولده أسامة، وأخيه «أبو بكر قايد». والعشرية التاسعة بين (1980 – 1989م)..
وخط الشيخ نسخيٌّ حسنٌ جميل؛ كما في مذكرته الخاصة، ومنها هذه الصفحة مثلا:
* عائلة الشيخ: للشيخ امرأتان؛ أولاهما زوجته الموريتانية الفاضلة «توتو بنت عبد الرحمن»، والتي تزوجها أثناء دراسته في موريتانيا، وله من الأولادِ ثلاثة منهم: يحيى، وكريمة، وثالث لا أعرف اسمه.. ولما هاجر الشيخ لأفغانستان صبرت على فراقه، ورجعت إلى ليبيا، ثم هاجرت إليه في باكستان وبقيت معه مدة حتى رجعت قبل غزوات الحادي عشر من سبتمبر، وقد عانت زوجة الشيخ في ليبيا كثيرًا أيام حكم القذافي الطاغية؛ حيثُ مُنعت من السفر والحج، ورُفض إعطاؤها أي أوراق ثبوتية رسمية من الدولة الليبية، ثم إنها بعد استشهاد الشيخ رجعت لموريتانيا عند أهلها٥في مقابلة مع زوجة الشيخ بعد استشهاده، لقناة «الآن»، منشورة على اليوتيوب. ومعلومات أخرى من مصادر خاصة..
وأما زوجته الثانية فهي أفغانية من بيشاور، وله منها ولدين؛ فيكونُ للشيخ خمسة أولادٍ بذلك.
* الهجرة للجهاد في أفغانستان: التحق الشيخ بالجهاد الأفغاني ضمن «الجماعة الإسلامية المقاتلة» في أواخر العشرية التاسعة (19869م)، وشارك في عدد من معسكرات التدريب الشرعية والعسكرية، ومما يدلُّ على أنَّ هذه السنة هي التي التحق بها الشيخُ بأفغانستان، ما قاله عن نفسه في المقابلة التي جرت معه عام (2005م) حيثُ يثبت أن مجيئه لأفغانستان كان عام (1989م)، وذلك بقوله: «جئت للجهاد إلى أفغانستان قبل ستة عشر سنة، كنت في لوغر، وبعد سقوط نجيب سافرت وتركت أفغانستان، ثم رجعت إلى أفغانستان في حكومة طالبان، وبقيت في سجون الأمريكان ثلاث سنوات».
وبقي الشيخ في أفغانستان حتى انتهى الجهاد الأفغاني الأول بانسحاب الروس، واصطدام الفصائل المقاتلة مع بعضها في صراعٍ أخذ العربُ منه موقفًا محايدًا.. ووقتها خرج الشيخ للسودان مع المجاهدين العرب، ثم منها ذهب لموريتانيا.
* طلب العلم في موريتانيا: بعد سقوط نجيب وحصول القتال بين المجاهدين؛ سنحت للشيخ فرصةُ الذهاب إلى موريتانيا لطلبِ العلم فسافرَ إليها بصحبة رفيق دربه الشيخ عطية الله، وذلك في عام (1992م) تقريبًا، حيثُ أرسلت «القاعدة» بعض الشباب لطلب العلم في «موريتانيا» كان منهم الشيخ «عطية الله»٦الشيخ المجاهد العالِم العامل الشهيد: أبو عبد الرحمن جمال اشتيوي المصراتي (1969 - 2011م)، المعروف بـ«عطية الله الليبي»، انظر سيرته الكاملة في مقدمة مجموع الأعمال الكاملة له، جمع وترتيب العبد الفقير: الزبير الغزي (1/48).، بينما أرسلت «الجماعة المقاتلة» عددا من الشباب لنفس الغرض؛ كان منهم الشيخ «أبو يحيى» والذي سمى نفسه هناك: «يونس الصحراوي»، وكان مجموعهم أحد عشر طالب علم مجاهدٍ٧انظر: نثر الجواهر في مناقشة المعترض على تفجيرات الجزائر، في: هذا المجموع (ص 1831). كما ذكر الشيخ وكانت هذه الرحلة العلمية في «موريتانيا» مرحلة مهمة في حياتهما، فقد صِيغت حياتهما العلمية والسلوكية والجهادية في ظل ما استفاداه من هذه المرحلة؛ فلم تكن الاستفادة علمية فقط؛ بل تَعدَّته للتربية وتزكية النفوس والتواضع والبساطة وغمط النفس -لدرجة كبيرة جدا أحيانا-؛ إذ كان هذا خلق مشايخ «شنقيط».
مع أخلاق أخرى حميدة ترسخت عندهم كالبعد عن الغرور والعجب، فقد عرف المشايخ في دراستهم الشنقيطية أنَّ علمهم الذي كان معهم ليس شيئا يذكر؛ بجانب البحار الزاخرة من علماء «شنقيط» مع بساطة في لباسهم ومسكنهم ومطعمهم، فخلَّقهم ذلك بخلق التواضع!
وقد حدثني أحد إخوان الشيخ في خراسان؛ أنَّ الشيخ أبا يحيى قرأ لبعضهم يكتب في وصف بعض طلبة العلم حديث: (المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور)؛ فتأثر بها الشيخُ جدًّا وأخذ يرددها؛ كأنه خشيَ على نفسه أن يكونَ من أهل هذه الصِّفَة.. وحاشاه من ذلك تقبله الله.
وفي شنقيط بموريتانيا استفادَ الشيخ -كصنوه ورفيق دربه الشيخ عطية الله- في فقه التعامل مع الناس وخاصة المخالف، في تقديره وعدم نسف جهوده عند اختلاف الرأي والفكر؛ لذلك تجد ردود الشيخ طافحة بالأدبِ واختيار أحسن الألفاظ، فلم تحمله الغيرة الدينية على نسيان فضل أولي الفضل وإزالة حسنات المخالف.
* الخروج من موريتانيا والعودُ لأفغانستان: وفي موريتانيا صار عليهم بعض التضييق أخيرًا؛ فذهب الشيخ إلى السودان والتحق بإخوانه في الجماعة «المقاتلة» و«القاعدة» و«الجهاد»، وبقي هناك معهم حتى رجع أخيرًا مع الشيخ أسامة بن لادن إلى أفغانستان في عام (1996م)، وهناك انشغل بالتعليم والتحريض من ضمن كوادر الجماعة الليبية المقاتلة، وفي هذه المدة ألف كتابه المهم: «نظرات في الإجماع القطعي» الذي رد فيه على دعوى الشيخ عبد القادر في قطعية تكفير أعوان الطواغيت، التي راج الكلام حولها في أفغانستان التي كان يُقيم فيها الشيخ هذه المدة.
* التخفي بعد سبتمبر وابتلاء السجن: كان الشيخُ يتحدث العربية والباشتو والأوردية، مما ساعده على التخفي بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر، وفي هذه المرحلة تولى إدارة موقع «الإمارة الإسلامية» الناطق باسم الطالبان على الانترنت، وبقي كذلك حتى أَسَرته المخابرات الباكستانية في مدينة كراتشي بتاريخ: (28/5/2002م) وسلمته للأمريكان بعد ست ساعات من اعتقاله، وُضع بعد فترة في سجن باجرام، وبقي في السجن ثلاث سنوات ونصف، حتى منَّ الله عليه بالخروج منه بقوته وقدرته في ليلة (10 / 7 / 2005م)؛ حيثُ وثَّق الشيخ مرئيًّا طريقة فراره بصحبة ثلاثة مجاهدين آخرين من سجن «باجرام» الأمريكي سيء السمعة في أفغانستان، وتحدث بما جرى معهم من الكرامات في عملية الفرار، والتي وصفتها صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن أحد المسؤولين في باجرام أنها كانت عملية «محرجة ومذهلة في آن واحد»٨تقرير نصي عن سيرة الشيخ، الجزيرة نت الانجليزية، نُشر بتاريخ: 5 / 6 / 2012م، وتم الوصول: 28 / 10 / 2023م، الرابط:
https://www.aljazeera.com/news/2012/6/5/profile-abu-yahya-al-libi.
* قصة الهروب من باجرام: وردت هذه القصة مفصلة في الإصدار المرئي الذي أصدرته «مؤسسة لبيك الإعلامية» -التابعة للجماعة الليبية المقاتلة- تحت عنوان: «إنهم فتية آمنوا بربهم»٩وقع الإصدار المرئي المذكور في جزئين مدتهما ساعتان، وتضمنَ شرحًا لقصة هروب المجاهدين الأربعة من سجن باجرام وهم: أبو ناصر القحطاني، أبو عبد الله الشامي -ويُسمى: أبو معاذ السوري-، الفاروق العراقي، الشيخ أبو يحيى الليبي.. متضمنًا تدريبات وكلمات وشرح لواقع السجن وحال السجناء، وانظر كلام الشيخ أبي يحيى الوارد ضمن هذا الإصدار في هذا المجموع (ص 2125).، حيثُ تمَّ الشرح مرئيًّا مع رسمِ معالم السجن وآلية الهروب على اللوح تفصيلًا.
وقد شرح عملية الهروب الأخ أبو ناصر القحطاني، فذكر أنه: تُعتبر قاعدة باجرام من أكبر القواعد الأمريكية في قارة آسيا، حيثُ يوجد فيها ما يقارب اثنيْ عشر ألف جندي أمريكي، فضلا عن ستة آلاف جندي آخر للتحالف الصليبي؛ من بينهم جنود ألمانيا ومصر والإمارات وغيرها.
وكان عدد أسرى المجاهدين العرب في باجرام أحد عشر عربيا، وأما بقيتهم فنُقلوا لسجن غوانتنامو، وقد بدأت فكرة الهرب حين وضع بعض الضباط الأمريكيين حاجزًا خشبيًّا بين غرفة العرب وبقية الأفغان لمنعهم من التواصل؛ فصار هذا الحاجز حائلًا بين الإخوة والحرس الأمريكي، فاتخذوا قرارهم بالهرب مستغلين هذه الثغرة ومستعينين بالله؛ وذلك لشدة ما لاقوه من الذل والعذاب في السجن، وكان الاتفاق أن يكون الهروب يوم الأحد حيثُ إجازة الأمريكان، مع قيامهم بتغيير ملابسهم التي في السجن -وهو اللباس الأصفر- للأزرق وهو لباس آخر يوجد مع السجناء، وكذلك اتفقوا أنه عند الخروج يُرتب كل سجين فراشه على هيئة النائم؛ لإخفاء الأمر.
وبدأت العملية بخروج أبي ناصر والفاروق من باب غرفة السجن إلى الباب الخشبي الكبير في ساحة السجن مع بقاء الشيخ أبي يحيى وأبي معاذ داخل غرفة السجن؛ على أنه إن كان الخروج ممكنًا أشارا لهما بالخروج، وفعلا قام الفاروق العراقي -وهو خبير بفتح القيود- بفتح قفل الباب وخرج معه أبو ناصر، وقدَّر الله أنه في تلك الساعة ضعفت حركة الأمريكان في الساحة -على خلاف العادة-، فأزال أبو ناصر الحاجز بين باب السجن والباب الخارجي وفتحوا ثغرةً فيه وخرجا حتى صارا خارج صالة السجن، وضمن حدوده، ولا يفصلهم عن الخروج من باحة السجن إلا حارس أمريكي يقع بقربهم نحو خمسة عشر مترًا، وقد وأحال بينهم وبين هذا الحارس خزان ماء وكذلك انشغال ذلك الحارس بكتابٍ يقرأه؛ فتقدما للباب الأخير للخروج من المحبس ولكن وجدا بعده شبكا شائكًا ثم ممرا ضيقًا عرضه متر ثم حواجز اسمنتية ثم بعدها بخمسة أمتار بوابة أمريكية فيها ثلاثة جنود أمريكان -والمسافة بينهم وبين الجنود سبعة أمتار وحسب!- فضلا عن عربات أمريكية كثيرة في الخارج مع حركة قوية لهم.. وتوجب عليهم تجاوز كل هذه العوائق، وغم هذا عزموا على الهروب؛ فأشارا للشيخ أبي يحيى وأبي معاذ بالخروج، على أن يخرج أبو معاذ أخيرًا ويعيد الباب والقيود كما هي؛ فإذا جاء الحارس الأمريكي لا يستغرب شيئًا.. وبهذا خرج الأربعة واختبؤوا خلف خزان المياه بقرب الحارس الأمريكي والذي جاءه عدد من الحراس حينها ومكثوا عنده قليلا ثم رجعوا، وسلمهم الله.
وبدأت مسيرة الهرب بالمشي في ظلام الجدار القريب الذي حال بينهم وبين الحارس المذكور حتى وصلوا للشبك الأول الذي كان مربوطًا بالأرض بمسامير حديدية وشِباك أخرى حتى إن عشرة رجال لا يستطيعون نزعها، وقد حاول الأربعة نزعها أول الأمر فلم يقدروا على ذلك، وبينما هم يحاولون نزع الشِّبَاك من الأرض جاء نحوهم سبعة جنود أمريكيين حتى ما يفصل بينهم سوى عشرة أمتار ولكن الله صرفهم عنهم بالظلام ولو أضاء أحدهم نورًا لأبصرهم، وبعد الدعاء صُرِف الأمريكان عنهم، ورجعوا للشباك فما إن أمسكها الشيخ أبو يحيى حتى حلَّ تلك المسامير القوية بيدٍ واحدة، وهي كرامة من الله تعالى للشيخ، وكان هذا أخطر موقف يمر به الإخوة حين هروبهم؛ ففتحوا هذه الثغرة وبدأوا بالخروج واحدًا تلو الآخر، ويفصل بين بعضهم عدة دقائق، وغيروا ثيابهم الزرقاء إلى سراويل زرقاء غطَّت أقدامهم فقط، وليس على صدورهم لباس.
ولما خرجوا من الشِّباك وجدوا المنطقة مكشوفة ومضاءة فعبروا منها زحفًا حتى خرجوا من الممر الضيق وصاروا تحت إحدى العربات العسكرية، وفي هذه اللحظة جاء أحد الأمريكان ووقف بجوار العربة ولو نظر أسفل منه لرأى الإخوة تحته، وشغَّل إحدى الآليات ومشى بها وسلَّمَ الله الإخوة من أن يُكتشفوا، ثمَّ صاروا يزحفون تحت السيارات التي كانت نحو عشرين سيارة حتى وصلوا إلى ميدانٍ مكشوف مُضاء خاص بالإدارة الهندسية للقوات الأمريكية «قسم النجارة»؛ فقرر الإخوة تقمصَ دور الجنود الأمريكيين لئلا يُكشفوا، فأخذ كل أخ طاولة أو خشبة يحملها ويمشي بها حتى وصلوا جميعًا لمنطقة مظلمة هي آخر المساكن الأمريكية والحاجز الأخير للسجن، وقد حملَ الشيخ أبو يحيى خشبة ومشى بها وبينما هو كذلك خرجت جندية أمريكية فلم تلتفت إليه وأعمى الله بصرها عنه ومضى حتى وصل الشبك الشائك الآخر؛ فدعوا الله تعالى وبدأوا بفتح ثغرة أسفل الشبك فيُسِّر لهم ذلك وخرجوا منها، وصاروا حينها داخل ميدان السرية الأخرى في باجرام؛ فخرجت عليهم عربة أمريكية فاختبأوا بين الحشائش حتى انصرفت العربة، وأكملوا المسيرَ بين البيوت الأمريكية مطمئنين حتى وصلوا لشبك شائك آخر ففتحوا ثغرة أسفلَ منه وصاروا في موقع للمعدات الثقيلة «بلدوزرات» فعبروا من بينها، حتى صاروا أمام مهبط لطائرات الهيلكبوتر وبحولها ورش لإصلاحها ولكن ليس عندها أحد حيثُ صارت الساعة الواحدة والنصف ليلًا، ولم يجدوا إلا عسكريا نائمًا تحت إحدى الطائرات وليس بينهم وبينه إلا خمسة أمتار؛ فرجعوا قليلا وتجاوزوه، وكان في المهبط حوالي خمس عشرة طائرة لنقل الجنود، ثمَّ مشوا فوجدوا بعدها نحو عشرين طائرة أباتشي مقاتلة؛ فاختبؤوا تحت إحداها بسبب مرور دورية أمريكية، فلما مضت مشوا قرابة كيلو متر، وصاروا في المهبط الرئيسي للطيران في القاعدة.
واتفقوا أن يمشوا جهة اليمين نحو كيلو ونصف فإذ أمامهم حقول خضراء فارغة، وكانوا يتوقعون وجود حقول ألغام، ولكن قدَّر الله أن تكون المنطقة التي وصلوها خالية من الألغام فعبروا هذه الحقول بين كل أخ وصاحبه عشرة أمتار؛ حتى وصلوا للشبك الأخير لقاعدة باجرام، ففتحوا ثغرةً أسفلَ منه وخرجوا سالمين منها بقوة الله، وسقط معها زيف تحصينِ هذه القاعدة.
ثمَّ تابع الأخ أبو عبد الله الشامي بذكر بعض ما جرى معهم حين خرجوا من باجرام إلى حين وصلهم إلى المجاهدين؛ فذكر أنهم حين خرجوا مشوا حتى بلغوا بعضَ القرى والمزارع فباتوا يبتعدون عن كل شيء حي احتياطًا لئلا يمسكهم العدو، وأذَّن عليهم الفجر حين ذاك؛ فاختبؤوا داخل قمحٍ تغطوا به وكان هذا متعبًا جدا لأنه مثل الشوك، ومع طلوع الصباح بدأت أصوات صفارات الإنذار تخرج من باجرام حيث اكتشفوا هروبهم، وبينما هم مختبئون اكتشفهم المزارع فطلبوا منه الماء ثمَّ لمَّا ذهب قرروا أن لا يبقوا في المكان فخرجوا يمشون في وضح النهار والناس ترقبهم وتستغرب منظرهم لغرابة لباسهم، حتى بلغوا واديًا ضيقًا فنزلوا فيه متضرعين لله أن يسترهم، وبقوا كذلك للمغرب، وقد بلغ بهم العطش والجوع مبلغًا شديدًا لأنهم لم يذوقوا الماء من وقت خروجهم.
ومع المغرب رجعوا للقرية التي تركوها فوجدوا شيئًا من الماء العكر فشربوه، ثمَّ تابعوا المسير نحو عشرة كيلو حتى وجدوا بيتًا متطرفًا لا يعرفون صاحبه فدعوا الله تعالى أن يكونَ صاحبه خيِّرًا، وهو ما كان؛ حيثُ دقوا بابه فأطعمهم وسقاهم (مستغربًا منهم: لحى شعثة، ليس عليهم قميص؛ إنما يلبسون السراويل فقط يُغطون بها نصفهم الأسفل) فثبته الله ورزقهم به، جزاه الله خيرًا.
وبعد ذلك تابعوا المسير حتى وجدوا كهفًا، فصلُّوا فيه الفجر وبقوا فيه طول النهار، ولا تزال طائرات الأمريكان فوقهم تبحث عنهم، فدعوا الله مع دخول العشاء وشربوا ماء كان معهم، ومشوا حتى وجدوا أمامهم قاعدة عسكرية فنجاهم الله منها، ومشوا حتى وجدوا بيوتًا فدقوا على بعضها كذلك فقال صاحب البيت: أنتم العرب الذين هربتم من باجرام، ولستم أفغان، فلا تخافوا أنا مسلم مثلكم، وعرض عليهم المساعدة الكاملة، وفعلا أدخلهم وأطعمهم وأحضر لهم لباسًا وأحذية وأموالًا وقدمَ لهم كل ما يقدرون عليه؛ رغم أن هذا الرجل ومَن معه فقراء فيما يظهر مِن حالهم، ولم يكتفوا بهذا فقد صاروا يصفونَ لهم طريق الهرب، ويَذكرون أنهم يكرهون الأمريكان والإنجليز كثيرًا، وصاروا يتأسفون أنهم لا يقدروا على مساعدتهم أكثر من ذلك.
خرج الإخوة من هذا البيت ومشوا حتى مروا ببدوٍ فاشتبهوا فيهم وصاروا يطلقون عليهم النار، ولكن سلَّمهم الله؛ فمشوا نحو خمسة عشر كيلو، حتى وجدوا كهفًا بجواره نبع ماء للقرى المجاورة ولم يفطن لهم أحد حتى وقف كلبٌ أمامهم فلم ينبح عليهم بلطف الله لهم، واستقوا من الماء وعبؤوا ما معهم، ثم تابعوا المسير أكثر من كل ليلةٍ مضت حتى اقترب الفجر ولم يجدوا ما يختبئون فيه فبقوا طول النهار تحت أحد الجسور ولم يُفطن لهم، فبقوا في النهار حتى جاء الليل.
بعد المغرب رجعوا للمشي ومروا بقرب بيت من طين خارج القرية فذهب أبو ناصر يترصَّد البيتَ ووجد أهله يصلون؛ فاطمأنُّوا لهذا الرجل، وذهبوا للبيت يستقون منه ويأكلون، فحضر كبير البيت فورُّوا عليه وقالوا له: نحن من قوم كذا وكذا، ولكنه عرف أمرهم وأنهم العرب الفارين من السجن؛ فجهز لهم العَشاء، وذكر أنه مع الطالبان، وأنَّ الله سلمهم إذ يوجد بقربِ بيته نقطة تفتيش للمرتدين؛ ثم أكرمهم وأعطاهم مالًا ودلهم على الطريق حين خرجوا من عنده، ومشوا طويلا تلك الليلة حتى طلع الفجر فوجدوا واديًا فدخلوه ليمكثوا نهارهم، وحين جلسوا فيه قليلًا جاءهم راعٍ فشكُّوا في أمره، فقرروا مغادرة المكان، وكان ذلك خيرًا؛ إذ كانت المنطقة بعد هذا المكان كلها مزارع وبيوت، ولو خرجوا في الليل لما قدروا على المشي فيها، ولكُشف أمرُهم لكثرةِ الرصد والسكان في المنطقة؛ فكانت معية الله معهم في كل مسيرهم، وهكذا صاروا يمشون في النهار ويستريحون ليلًا، وقريبًا من الضحى وصلوا إلى سوقٍ قريب من كابل، وكانوا قد تفرقوا كل اثنين مع بعضهما، وبين كل فريق مسافة بعيدة حتى لا يُكتشف أمرهم.
ومرت بهم في السوق سياراتٌ لبعض المرتدين ولجنود ألمان مدججين بالسلاح؛ فعمى الله أبصارهم، حتى خرجوا من السوق وهناك وجدوا خيمة مهجورة وبقربها ماء وفيها قنبلة فكان هذا من معية الله لهم، وبقوا في الخيمة إلى العصر ثمَّ مشوا بعدها حتى بلغوا بعض البيوت خارج القرية فاستخاروا الله ومضوا نحوها، ووجدوا رجلا يصلي فكلموه، فعرفَ أنَّهم الذين هربوا من السجن وفرح بمساعدتهم؛ فأكرمهم وجمع لهم نحو عشرة رجال آنسوهم وناصروهم، وأعطوهم أموالًا ودلوهم على الطريق، ونصحوهم أن يمشوا نهارًا لا ليلًا؛ لئلا يُشكَّ فيهم.
ثم خرجوا من عندهم مشيًا حتى بلغوا مزارع طويلة جدا وكان المشي فيها مُتعبًا حتى تقرَّحت أقدامهم من شدة المشي وجُرحت أرجلهم، وبات مشيهم صعبًا عسرًا لكثرة القروح، ولكنهم مع ذلك لا يقدرون على التوقف خشية انكشاف أمرهم؛ فاستمروا في المشي حتى بلغوا بيوتًا متفرقة فسألوهم فأطعموهم وأكرموهم كذلك، ثم أكملوا المسير حتى وجدوا نهرا فارتاحوا عنده وَقَالُوا حتى بُعَيْدَ العصر، حيثُ جاءهم رجلٌ عند النهر يبدو عليه الغِنَى فخافوا منه أن يشيَ بهم؛ فألقى عليهم السلام وقد رأوا معه هاتفًا فزادت خشيتهم أنه من المخابرات فرجعوا إلى المزارع التي كانوا فيها؛ لأن الطريق أمامهم مكشوف، ولمَّا رجعوا إلى هذه المزارع كان الفرج -بتقدير الله لهم- حيثُ وجدوا شبابًا استبشروا بهم خيرًا، فعرَّفوهم أنهم الهاربون من باجرام، فكان هذا فرجهم؛ فدلُّوهم على رجلٍ صالح في كابل وأخذوهم إليه، وقد أوصلهم هذا الرجل إلى «الطالبان»، بعد أن مكثوا عنده في كابل مدةً لم يكتشفهم فيها أحد، بفضل الله وستره عليهم.
يقول الإخوة الناجون من السجن: لا نجد ما نشكرُ به الله تعالى إلا أن يرزقنا شهادةً في سبيله، وواللهِ مذ خرجنا من باجرام حتى وصلنا إلى الطالبان -وقد بقينا أيامًا كثيرة في الطريق- كلما جئنا أحدًا من الناس نجدهم يستقبلوننا بالدموع والأحضان، بفضل الله تعالى، فهؤلاء هم أهل أفغانستان الذين يدعي الأمريكان أنهم يشتكون من تنظيم القاعدة والطالبان؛ فلم نجد منهم إلا أحسن الاستقبال ولم نراهم إلا يلعنون الأمريكان، وكنا إذا فارقنا البيت يبكون كلهم؛ كأن أحدنا أخوه أو أبوه أو قريبه الحميم.. حتى أنَّ أُمَّ بعضِ مَن ساعدونا حين سمعت بالخبر بَكَت كثيرًا عليهم، وأرسلت للإخوة بعض الهدايا لتكون معهم في الطريق، فجزى الله خيرًا كل من أعاننا.
* العمل الجهادي بعد السجن: في هذه المرحلة العصيبة في الجهاد الأفغاني بدأ ظهور الشيخ الشرعي والإعلامي بقوة؛ كأنَّ الله خباه لهذه الأيام، فاستمرَّ الشيخُ المجاهد في إنتاجه الشرعي والفكري والجهادي، وبقي منتميًا لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» حتى عام 1428هـ/2007م حيثُ بايعت الجماعة المقاتلة في أفغانستان الشيخَ المجدد أسامة بن لادن رحمه الله، وانخرطت في صفوف جماعة قاعدة الجهاد بذلك، وكان الشيخ أبو يحيى هو السبب الأكبر في هذه البيعة؛ فإنه أول ما خرجَ من السجن بدأ بتوطيد علاقته مع تنظيم القاعدة، وبخاصة رفيق دربه الشيخ عطية الله رحمه الله الذي كان له تأثيرٌ كبير في أروقة التنظيم الداخلية؛ فحصل على إثر هذا التقاربِ لقاءات مطولة بين الجماعتين جرت البيعة على إثرها.
وقد وصف جاريت براشمان -المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية والذي صار يشغل منصب مدير الأبحاث في مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت- الشيخ أبا يحيى بأنه: «رجل كل المواسم بالنسبة إلى تنظيم القاعدة.. إنه محارب، شاعر، عالم، خبير، قائد عسكري وهو نجم صاعد يتمتع بشخصية كاريزمية، وشاب ومتهور للغاية داخل تنظيم القاعدة، وأعتقد أنه أصبح الوريث الواضح لأسامة بن لادن فيما يتعلق بالسيطرة على الحركة الجهادية العالمية بأكملها»١٠تقرير نصي عن الشيخ، نيويورك تايمز، نُشر بتاريخ: 4/ 4/ 2008م، وتم الوصول: 28 / 10 / 2023م، الرابط:
https://www.nytimes.com/2008/04/04/world/asia/04qaeda.html.
نعم؛ لقد صار الشيخ أبو يحيى من يومها أشهرَ من نارٍ على عَلم في التحريض على الجهاد، والذبِّ عن أهله، وبات يعرفه القاصي والداني بكتاباته الرصينة، ومؤلفاته المتينة، وكلماته الـمُرتَجلة التي تمتلئ فصاحةً وبيانا، وقد حدث بعض الإخوة اللصيقين بالشيخ أنه كان يقولها ارتجالًا بغير تحضير؛ فللَّهِ هو ما أفصحه، فضلا عن كونه جَهوري الصوت عالِيهِ..
* عملية خوست البطولية: وكان للشيخ مشاركةٌ في عملية «خوست» التي نفذها المجاهد البطل «أبو دجانة الخراساني» وقُتل فيها أكابر ضباط السي آي إي، وقال متحدثًا عن أبي دجانة: «طلبني لجلسة خاصة، وجلسنا جلسة خاصة طويلة، وبدأ يحكي لي قصته كلها، مَن أسره ومَا طلبه منه مجرمو الأردن -وكان عندي علم مسبق بالأمر- ثم ذكر لي ما هو عازم عليه، ولم تكن كيفية العملية قد اختمرت في ذهنه؛ فكان حديثه دائماً على النتيجة وكأنها قد وقعت، ويقول: تصور كيف ستكون ضربة مخزية لاستخبارات الأردن، ولم يكن في ذلك الوقت قد دار في خلده –فيما أظن- أن ما سيوفقه الله إليه أكبر مما طمع فيه، ولعل الله كافئه على حسن نيته وحسن ظنه بالله، وهكذا كان أيضا في لقاء آخر جمعنا به مع الشيخ مصطفى أبي اليزيد رحمه الله؛ فكانت طريقته هي هي: أي الحديث عن النتائج المبهرة المغرية والنكاية العظيمة التي ستكون من وراء ذلك، فكأنه كان ينظر بنور من الله تعالى، فسبحان من يهب ما شاء من فضله لمن يشاء من عباده نسأل الله أن يتقبله ويجمعنا به في جنات النعيم»١١القصة الكاملة لعملية خوست، للشيخ أبي الحسن الوائلي (ص 13)..
* أثر الشيخ أبي يحيى العلمي في ساحات الجهاد: وقد نفع الله المجاهدين بعلم الشيخ أبي يحيى كثيرا، وصار مُقدَّمًا في الفتوى والبحث العلمي لدى الأطياف المجاهدة، مع حرص على دوام المراجعة؛ فقد اجتمع مرة مع أخيه ورفيقه «عطية الله» مدة ستة أشهر؛ يراجعان فيها المتون والعلوم، ويتذاكران المسائل، ويتباحثان النوازل.. أعلى الله نزلهما، وعوضنا خيرا.
قال الشيخ أيمن الظواهري: «كان الشيخ مع حرصه على التعلُّم والتعليم مقاتلاً بيده ولسانه للكفار الغزاة؛ فمع مشاركته السابقة في الجهاد الأفغاني ضدَّ الروس فقد كان مع رفيق دربه الشيخ أبي الليث الليبي رحمه الله من الروَّاد الذين بدأوا الجهاد ضدَّ الحملة الصليبية الأمريكية وضدَّ عملائها الباكستانيين والأفغان؛ قاتلهم الشيخ بيده وقلمه ولسانه، فكان ممَّا كتب رحمه الله: «حدُّ السنان لقتال حكومة وجيش باكستان» و«كفر نظام كرزاي ووجوب قتاله»، و«فتوى حول الهجمة الصليبية الأمريكية على أفغانستان»، وكان لهذه الكتابات أثرٌ كبير في انتشار الدعوة الجهادية في باكستان وأفغانستان.
ولم يكتفِ الشيخ ببيان الحكم الشرعي في جهاد الأمريكان وأتباعهم الخونة؛ بل فضح كذبهم ونفاقهم ودجلهم، وأظهر حقيقة ظلمهم وعدوانهم واعتدائهم على المسلمين والمستضعفين؛ فقد ابتُلي الشيخ بالأسر على يد عملاء أمريكا الخونة في باكستان ثم سُلِّم للأمريكان، وتنقَّل بين سجونهم في أفغانستان فلم يخنع ولم يستسلم؛ بل ظلَّ يسعى ويحاول، حتى استطاع الهرب من سجن باجرام مع ثلاثةٍ من رفاقه. ولما منَّ الله عليه بالنجاة كتب وتكلَّم عن حقيقة ظلم الأمريكان وعدوانهم ومدى نفاقهم بالتشدُّق بحماية الحرية والعدالة الذين هم أول منتهكيها والمعتدين عليها، وخصَّص لذلك رسالةً سماها: «حقيقة ما يجري وراء القضبان في سجون الأمريكان.. وفضح كذب الأمريكان في قضية أختنا المظلومة عافية صديقي؛ فأظهر كذب الأمريكان في روايتهم وبيَّن أنَّها كانت مسجونةً معهم في باجرام قبل التاريخ المزعوم للقبض عليها»١٢الإصدار المرئي: أسد العلم والجهاد الشيخ أبو يحيى الليبي، للشيخ أيمن الظواهري..
وقد تولى في تلك الفترة التي صار فيها مع «القاعدة» مسؤول المكتب الشرعي البحثي في تنظيم القاعدة، وكان من مهمَّاتِه الجهادية والشرعية كذلك: المسؤول الشرعي عن الجهاز الأمني للتنظيم، حيثُ يُمنع الجهاز الأمني إجراء أي عمل غير معتاد دون أخذ الموافقة الشرعية على ذلك، وحيثُ كان عمل الجهاز الأمني مركزًا على الجواسيس فقد كتب الشيخ في ذلك رسالتَه: «المعلم في حكم الجاسوس المسلم».
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
فَمَا راقَنِي مَنْ لَاقَنِي بَعْدَ بُعْدِهِ | وَلَا شَاقَنِي مَنْ سَاقَنِي لِوِصَالِهِ | |
وَلَا لَاحَ لِي مُذْ نَدَّ نِدٌّ لفَضْلِهِ | وَلَا ذُو خِلَالٍ حَازَ مِثْلَ خِلَالِهِ١٣ذكره الحريري: المقامات (ص 29)، يقول: ما أعجبني من صحبني بَعْدَ بُعْدِ صاحبي القديم، ولا شوَّقني أحدٌ دعاني لصحبته كما شوقني الصاحب الذاهب، ولا ظهر لي مذ ذهب صاحبي مقارنٌ ومثيلٌ لفضله، ولا كان خليلٌ مصاحب يجوز مثل أوصافه وخلاله. |
* أخلاقه وصفاته: وكان الشيخُ واسعَ الصدر في النقاش العلمي، يُفهِّم الشبابَ ويحرص على توضيح المعلومة لهم بدون تململٍ أو ضجر، ولما حصلت قضية الشيخ أبي النور المقدسي في غزة وبدأ البعض يكفر حماسَ لأجلها حاورَ الشيخ المتسرعينَ في ذلك وبيَّن لهم أنها حركة إسلامية لها عُذرها وصبر على نقاش الشباب حتى ردَّ الحق إلى نصابه.
قال الشيخ د. أيمن الظواهري؛ في رثاء الشيخ أبي يحيى: « وكان على شدَّته على أعداء الله رقيقًا رؤوفًا بالمسلمين، وخاصةً بالأرامل واليتامى، فكان حريصًا على أن يتابع مشاكلهم بنفسه ولا يفوِّضها لغيره، وكان رحمه الله على سعة علمه متواضعًا لا يخالطه الغرور ولا العُجب، وقد أخبرني رحمه الله عن نفسه أنَّه قد تأثَّر بهذه الصفات التي رآها في مشايخه في موريتانيا، وأنَّهم كانوا على سعة علمهم وتبحُّرهم يتواضعون لطلابهم، ولا يمتنعون عن إفادتهم وتعليمهم، ولا يجدون حرجًا في أن يذكروا أنَّهم لا يعرفون إجابة سؤالٍ أو جواب مسألة، وأخبرني أنَّهم أكرموه وإخوانَه، وأغدقوا عليهم من علومهم، وحَبَوهم برعايتهم، وفتحوا لهم بيوتهم بل وزوَّجوهم، وكانت تربطه بهم علاقةٌ روحيَّةٌ قويَّة على رغم تباعد البلاد والمسافات.
والشيخ أبو يحيى لم يكل ولم يمل من طلب العلم ودرسه وتدريسه؛ بل والرحلة في طلبه إلى موريتانيا لينهل من معين فرسان اللغة والفقه، وهو حينما يتحدث عن مشاكل الجهاد والمجاهدين إنما يتحدث حديث العالم العارف الخبير المجرب المحنَّك.
وقد قضى عمره حافلًا بالتعلُّم والتعليم، والهجرة والجهاد، والصبر على الأسر، ورفض الذلِّ، وتحريض الأمَّة، وضرب القدوة لها قولاً وعملاً، ذهب إلى ربِّه وقد صار قدوةً للعلماء بالقيام بفريضة الجهاد، وقدوةً للمجاهدين في الحرص على التعلُّم والتعليم، وصار قدوةً للعلماء والمجاهدين في الخُلُق الرفيع، والنُّبل والشجاعة، والإقدام والصدق، والتواضع والزهد»١٤الإصدار المرئي: أسد العلم والجهاد الشيخ أبو يحيى الليبي، للشيخ أيمن الظواهري..
قال الزبير: وقد كان الشيخُ رحمه الله كريما، متواضعا جدا، شهما، ويجيد الرماية بمهارة ويتفوق فيها للغاية، وفي مسابقات الرماية التي كان يُقيمها الشباب المجاهد ويحضرها الشيخ كان كثيرًا ما يفوزُ بها على منافسيه من المجاهدين، وكثير منهم من القدماء وذوي الخبرة العسكرية.
* مواقف من شاهد عيان معايشٍ للشيخ:
حدثني الأخ عطية الله بن الشيخ مصطفى أبي اليزيد -وقد رافق الشيخ أبا يحيى عدة سنوات وهو صغيرٌ بحكمِ عيشه مع والده، وحفظه للقرآن على يدِ الشيخ أبي يحيى- عن مواقفَ للشيخ:
- فمنها أنه: كان شديدًا على الأمنيين لضبطِ عملهم، ولا يفتحُ لهم المجال، وقد شدَّ على المسؤول الأمني للتنظيم «أبي الوفا» حينَ تسرَّع شبابه في قتل معتقلٍ مشتبه في جاسوسيته؛ بغير استيفاء لكل الشروط الشرعية، فدار بينهم نزاعٌ كبير لشدة حرص الشيخِ على الدماء، وعنفهم واشتدَّ عليهم في الإنكار.
- ومنها أنه كان للشيخ مكتبةٌ كبيرة تبلغ حوالي عشرين مترًا، تقع في شمال وزيرستان بقرية «تبي» بريف «مير علي»، وكان للشيخ رحمه الله تعليقاتٌ كثيرةٌ على الكتب التي فيها، وقد كان الشيحُ في خُراسانَ معروفًا بمصاحبته للكتاب وكثرة قراءته، وقوته في البحث العلمي؛ فلم يتول أمورًا تنظيمية كبيرةً إلا بعد مقتل الشيخ عطية رحمه الله، مما جعله يتفرغُ للقراءة والبحثِ وبناء بعض الشباب الصغار علميا وتربويا -ومنهم عبد الرحمن بن الشيخ مصطفى أبي اليزيد-.. ولعل هذه المكتبة لا تزال موجودة حتى الآن حيثُ احتفظ فيها بعض الأنصار المعروفين بمثل هذا الأمر.
- ومنها: أنه كان متواضعًا للغاية، وأذكر قصة حكاها لي أبو إبراهيم الداغستاني؛ قال فيها: مرةً كنا في مقر كله عجم فأحب الإخوة ممازحة الشيخ، وتوافقوا أن يقولوا له أول ما يأتي: «أخ فاضي» فلما جاء الشيخ بقوا أربعة أيام يقولون للشيخ: «شيخ فاضي» فلم يراجعهم حتى خرج بعد أيام أربعة، فقال لهم: هل تعرفون الفرق بين «فاضي – فاضل؟» فأُحرج الإخوة وضحك الشيخ.
- ومنها: أنه كان فيه ذكاء وفطنة وسرعة بديهة واستحضار للمعلومة؛ فأذكر أني كنت أسمع للوالد مرةً وكان متعبًا والشيخ أبو يحيى غير منتبه لي؛ فأردتُ الانتهاء من القراءة وأنا صغير- فقفزتُ لآخر السورة، فانتبه الشيخ لخطئي، فقال لي: تعال واقرأ علي، وفعلا صار كلَّ صباحٍ يُسمِّعُ لي لشدةِ تعبِ الوالد؛ حيثُ كان عند الوالد ورد لا يتركه من القيام فيتعبُ معه صباحًا.
- ومنها: أنه كان محرضًا حماسيا، لا واعظًا رقيقًا؛ فلما جاء الشيخ أبو زيد خالد الحسينان -وكان واعظًا رقيق القلب- سدَّ نقص الوعظ بين المجاهدين؛ فسماه الشيخُ: واعظَ المجاهدين.
- ومنها: أنَّ الشيخ كان يتابعُ واقع العوائل والأسر في خراسان؛ فقد انتشرَت مرةً أفلام كرتون يابانية مدبلجة «مثل: ناروتو» حيثُ أحضرها الإخوة الذين كانوا قد اعتقلوا في إيران؛ فمنعها الشيخ لشدة حرصه على عوائل المجاهدين، وتنبه لما فيها من مضار أخلاقية ومخالفات عقدية؛ فنشر بين العوائل فتوى بمنعها وتحريمها، ولم تصلنا هذه الفتوى.
* التواصل مع ساحات الجهاد المختلفة: وكان الشيخ رحمه الله حريصًا على التواصل مع ساحات المجاهدين المختلفة؛ يجيب عن مسائلهم، ويبحث لهم نوازلهم، ويُفتي في أقضيتهم، ومن الألقاب التي كان يستعملها في مراسلاته: «عبد الحليم» -كذا في الرسالة الخاصة المرسلة لأبي محمد الجولاني وماجد الماجد في مطلع الجهاد الشامي-.
* التخوف الغربي من الشيخ: كانَ الشيخُ -لما رُزقه من كاريزما كبيرة بلغت أثرها العظيم في التحريض الجهادي- على قوائم كبر الجهاديين الذي يتتبعهم الغرب الصليبي ويحلل كلماتهم، حتى إن الصحفي الاستقصائي «غاريت بينشمان» -أحد المتخصصين في شؤون الجماعات الجهادية- تتبَّع كتب الشيخ وأشرطته ولقاءاته، واعتبرَ أنه لو قُدِّر أن يكون الشيخ أبو يحيى أميرًا لقاعدة الجهاد «فإنَّ الجماعة ستكون عدوًا أكثر إرهابًا مما هي عليه تحت إمرة بن لادن أو الظواهري»، وكان يرى أنَّ الشيخ أبا يحيى قدَّم الحركة الجهادية بصورةٍ جديدةٍ لا تقتصرُ على مجرد دحر أمريكا أو الإطاحة بطواغيت العرب، بل كان نموذج أبو يحيى أنَّ قاعدة الجهاد في جوهرها ثورةٌ منهجية فكرية، تُعيد صياغة الإسلامَ في عقول المسلمين، وأنَّ أبا يحيى أعادَ تشكيل المعركة القائمة، وصيَّرها معركة أفكار قبل أن تكون معركة عسكريةً وحسب.
وكان مما قاله في هذا الصدد: «يتجسد الكثير من تطور تنظيم القاعدة على مدى السنوات الثماني الماضية [أي بعد ثماني سنوات من الحادي عشر من سبتمبر 2001م] في رجل واحد، هو الشيخ أبو يحيى الليبي، مدير اللجنة الشرعية في تنظيم القاعدة والخليفة المحتمل لأسامة بن لادن؛ إن أبا يحيى، الشاب الداهية الإعلامي، والبارع في تبرير الأعمال الجهادية بالحجج الدينية، يقدم لحركة القاعدة العالمية كل ما لا تستطيع قيادتها القديم القيام به.. »١٥المصدر: صحيفة فورين بوليسي، مقالة نُشرت بتاريخ: ١٠ سبتمبر ٢٠٠٩م، وتم الوصول لها بتاريخ: 28 / 10 / 2023م، الرابط:
https://foreignpolicy.com/2009/09/10/the-next-osama/?utm_source=pocket_saves.
* استشهاد الشيخ: وكان آخر منصبٍ تولاه الشيخ أنه صارَ الأمير العام لتنظيم قاعدة الجهاد في خراسان -أفغانستان وباكستان-؛ حيثُ تسلَّم إمارةَ التنظيم بعد استشهاد الشيخ عطية الله مباشرةً؛ إذ كان نائبًا له قبل مقتله، أجزل الله مثوبتهما، فلذلك اشتدَّ عليه الطلبُ الأمريكي.
وقد استُهدفَ الشيخُ أول مرةٍ قبل مقتله بثلاث سنواتٍ؛ حيثُ قتل في هذا القصف الشيخ عبد الله سعيد -المسؤول العسكري للقاعدة- ومعه مجموعة من الإخوة؛ حيثُ صار القصفُ مع صلاة المغرب وكان الشيخ ينتظر الصلاة في المجموعة الأخرى -حيثُ فرقوا صلاتهم في مجموعتين-، وقد أخبر الشيخ أبو يحيى إخوانَه بعد ذلك؛ أنه لما صار هذا القصف اتجه نحو شجرة ولم يتحرك أبدًا فلذلك نجا يومها، بينما الذين قُتلوا كانوا يتحركون فقتلهم طيران الاستطلاع الغادر.. ولما أُمسك الجاسوس اعترف أنه كان موجودًا في الخلف ويوجه الطيران بشكل مباشر لقتل الإخوة.
بينما كانت الضربةُ التي قُتل فيها الشيخ رحمه الله -شهيدًا كما نحسبه- في غارةٍ أمريكية بطائرة بدون طيار، في منطقة «مير علي» -الواقعة شمال ميران شاه- التابعة لمقاطعة شمالي وزيرستان القبلية، وذلك بتاريخ: (14 رجب 1433هـ، الموافق: 4 / 6 / 2012م)، وقصة هذا القصفِ:
أنَّ الشيخ جرت عادته أن يُقيمَ في بيتٍ فيه خَندق مسقوفٌ بجوار البيت الذي يقضي فيه أعمالَه، وذلك أنَّ الصاروخ الذي كان يُضرب عادةً على الإخوة المجاهدين له رأس حربي متشظٍّ يقتل بالشظايا لا التدمير؛ فقدرته التفجيرية غير عالية؛ فقُصف الشيخ قبل مقتله بثلاثة أيام، وكان يومها في الخندقِ فلم يُصب بأذى، حيثُ هُدَّت الغرفة التي كان الأمريكان يتوقعونه فيها فقط، وقُتل الأنصاري صاحب البيت، وانتقل الشيخُ بعدها لبيتٍ آخرَ لم يكن قد حُفِر فيه خندقٌ -وذلك بسبب قصفِ البيتِ الأول-، وبقيَ في هذا البيت ثلاثة أيام فقط، ولكنه كان متابَعًا متابعةً دقيقةً حثيثة؛ فما مرَّت أيامٌ ثلاثة حتى قُصفَ البيت الثاني الذي استقرَّ فيه، وهناك ارتقى الشيخُ شهيدًا تقبلَّه الله.
* الحالة الجهادية في وزيرستان:
فليأذن لي القارئُ بأخذه في جولة سريعةٍ حولَ منطقة القبائل الباكستانية والوجود الجهادي فيها:
تبلغ مساحة المقاطعات الخاضعة لسيطرة مجلس شورى المجاهدين في باكستان، وهي: «وزيررستان – خيبر - كرم إيجنسي - أرغزاي إيجنسي) حوالي ثلاثين ألف كم2، بينما تبلغ مقاطعة وزيرستان بشقيها الشمالي والجنوبي حوالي 12 ألف كلم2، وقد كان يتوزع على كل هذه المقاطعات حوالي ستين ألف مجاهد، وقد مرَّ هذا التواجد الجهادي في الفترة (2007 – 2014م) بين ولادة ثم فتوة ثم شيخوخة ووفاة؛ حيثُ إنه في النهاية أجرت الحكومة الباكستانية العميلة عددًا من العمليات العسكرية المتواصلة قضت فيها على الوجود الجهادي بالكلية، وسيطر الجيشُ الباكستاني العميل على هذه المنطقة بالكلية، وانتقلت القيادة الجهادية حينها لداخل أفغانستان، وانتقل معهم العرب والمجاهدين، وكان موقفًا مشرفًا أن القبائل وأبناء المنطقة لم يقبلوا البقاء في قراهم حفاظًا على دينهم، بينما بقيت قبيلة «مسعود» منتشرة في جبال وزيرستان تخوض حرب عصابات ضد الجيش الباكستاني العميل.
وفي هذه الفترة (2007 – 2012م) تواجد الشيخُ أبو يحيى الليبي مع قيادات تنظيم القاعدة، وذلك بدءًا من تحرير وزيرستان (2007م تقريبًا) حيثُ أقامت القيادات الجهادية في منطقة «وانا» التي تعُتبر عاصمة الإقليم الجنوبي لوزيرستان؛ حيثُ ابتدأ الحراك الجهادي انطلاقًا منها بقيادة الشيخ أبي الليث الليبي رحمه الله، ومن ذلك اليوم باتت «وانا» تجمعًا لمشايخ المجاهدين وقيادتهم؛ فاستقرَّ فيها المشايخ: أبو يحيى وأبو الليث الليبي وأبو الوليد الغزي وأبو خباب المصري ومصطفى أبو اليزيد وأبو حمزة الجوفي؛ رحمهم الله.
ثمَّ في بدايات عام (2008م) حدثَ قتالٌ في «وانا» بين القبائل الباكستانية والأوزبك -الذين عُرفوا بالغلو الكبير حينذاك-؛ فاختارت القاعدةُ الحيادَ -مع ميلهم للقبائل لما عند الأوزبك من غلوٍّ ظاهر-، وبسبب هذه الإشكالات في «وانا» انتقل الثقل الجهادي القيادي لمناطق قبيلة «مسعود» في جنوب وزيرستان، وصارت هذه المنطقة مأوى لكل القيادات؛ بمن فيهم د. أيمن الظواهري، فاحتضنت قبائل «مسعود» الكريمة كل قيادات القاعدة والأوزبك والمجاهدين الأفغان، وكانت هذه المنطقة محررة بالكلية، حتى إنَّ الجيش الباكستاني حين طُردَ منها لم يستطع اختراقها أمنيا إلا بعد عدة سنوات، وكان لمنقطة القبائل خطوط رباط فعلية منتشرة ضد الجيش الباكستاني؛ فباتت منطقة مسعود إمارةً مصغرة تضمُّ عمومَ قيادات الجهاد الفاعلة في تلك الجغرافيا، وكان أمير القبائل هو الشيخ «بيت الله محسود»، أو «مسعود»، وهو الذي قتلته أمريكا في بدايات الاغتيالات الأمريكية في وزيرستان (8 / 2009م)، ومن هذه المنطقة كانت تُدار عموم العمليات الجهادية في باكستان وأفغانستان؛ فقد كان متواجدًا فيها الشيخ «سراج الدين حقاني» الملقب حينها بـ«خليفة حقاني»-، وكانت تضمُّ أكثر من عشرين ألف مقاتل فِعلي؛ موزعون في نقاط الرباط ومعبَّؤون للقتال.
وبلغ الحال في تمكن المجاهدين في منطقة «مسعود» أن أقرب نقطة للجيش الباكستاني كانت تبعد خمسة كيلو عن نقاط المجاهدين، وتُرمى النقاط دائمًا بالهاون والصواريخ، وتتفاخر قبيلة مسعود أنها تمتلك النووي ولكن لا توجد فتوى لاستخدامه..! وهذا يدل على درجة القوَّة التي وصلتها القبيلة، وإن لم يكن ثمة نووي بالمرة؛ لكن المراد حجم التمكن حينها.
واستمرت هذه السيطرة حتى أواخر (2009م) حيثُ شنت الحكومة الباكستانية العميلة حملة عسكرية شرسة على مناطق مسعود، فسقطت المنطقة بالكلية بأيديهم وتحول المجاهدون لحرب عصابات، وكان السبب المباشر لسقوط المنطقة هو: القتال المباشر مع الجيوش؛ فكانت عادة الطلبة في القتال أنهم لا يثبتون في قتال المواجهة -بخلاف الجيش النظامي المهيأ لذلك-، ولكنهم كانوا أبدعَ ما يكونوا في حرب العصابات، فعرف الجيش الباكستاني ذلك، وشنَّ حملة عسكرية بجيش قوامه مئة ألف جندي، يدعمهم مثلهم في الخلفِ، وبدأوا بالزحف على مناطق مسعود، وخلال خمسة عشر يومًا سيطر الجيش الباكستاني على كل المنطقة رغم صعوبتها وعسرها وكثرة السلاح فيها؛ ذلك أن طالبان باكستان لمَّا رأت هذه الجدية في المعركة ذابوا في المدنيين وخرجوا عبر حواجز التفتيش إلى مناطقَ أخرى، وحصل الجيش الباكستاني على غنائم معلوماتية كثيرة في المنطقة؛ ساعدته بعد ذلك على بدء الاغتيالات.
وقد كانت المناطق القبلية التي فيها وجود جهادي بارز ثلاث مناطق: «وزيرستان -بشقيها-، وإقليم خيبر، وإقليم أُرغزاي».. وكانت هذه المناطق الثلاثة تتوزع فيها السيطرة بين قوات «مجلس شورى المجاهدين» وهو تجمع ائتلافي لقوى المجاهدين المختلفة بما فيها «القاعدة»، المبايعة للإمارة الإسلامية بأفغانستان، والموجودة على أرض باكستان؛ فكان التعاهد والحَلِف على المصحف فيما بينهم أن يتناصروا -مع اختلافهم البيني حتى فكريا وعقائديا- على التناصر حين يهجم الجيش الباكستاني على أي تجمعٍ منهم، ولكنَّ المؤسف أنه حين هجم الجيش الباكستاني على منطقة مسعود؛ كانت قواته تمر عبر منطقة «وانا» المسؤول عنها «الملا نذير»، ومنطقة «شمال وزيرستان» المسؤول عنها «جول بهادر» بلا حراكٍ منهم؛ فلم تُناصر هاتين الشخصيتين قبيلة «مسعود» بدعوى أنه لا يصح إشعال الشمال مع الجنوب، ولما بينهم من خلاف فكري ومذهبي؛ فلأجلِ ذلك استفرد الجيشُ الباكستاني بقبيلة مسعود، والتي لجأت بدورها إليهم في الشمال.
وبعد هذا الانكسار الكبير في منطقة مسعود (11 / 2009م) انتقل المجاهدون وقياداتهم بما فيهم الشيخ أبو يحيى إلى شمال وزيرستان، وكانت هذه المنطقة مليئة بالجواسيس والعملاء -بخلاف منطقة مسعود التي كانت حصينةً من ذلك-، وهنا في الشمال بدأ العمل الأمني الأمريكي يزاداد كثافةً ويقوى على قيادات المجاهدين؛ حيثُ توفر في الشمال بيئة خصبة لمتابعة المجاهدين، وذلك بسبب قربِ معسكرات الجيش الباكستاني، وشدة نفوذ جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) فيها؛ حيثُ كانت معسكرات الجيش الباكستاني عبارة عن مركز خدمي حكومي مصغر؛ فصار كل من يريد أي أمر يتبع للدولة الباكستانية بما فيها الأوراق الثبوتية وأخذ التراخيص وأذونات السفر.. الخ؛ يمر عبر المعسكرات، والتي كانت في الواقع نقطة التجنيد الأكبر والتي بدأت أمريكا تستفيدُ منها بشكل كبيرٍ جدا في عمليات الجاسوسية وتحرك الطيران المسير لتنفيذ عملياته؛ حيث قُتل مئات القيادات الجهادية وآلاف الإخوة؛ كلهم عبر طائرة الاستطلاع فقط، فقد كانت محرقةً كبيرةً للإخوة، فكان حَصْرًا ثم حرقًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
يحدثني راوي القصة الشيخ «عمران» فيقول: جلستُ في تلك الأيام (2012م) مع أخٍ لي مهاجر في وزيرستان، وصرنا نعدد عدد القتلى الذين نعرفهم ممن ارتقى شهيدًا فبلغا أكثر من (150) أخًا هم الذين نعرفهم وعاشرناهم فقط.. ومن لم نعرفهم أكثر بكثير؛ خاصةً بعد عملية أبي دجانة الخرساني الشهيرة، فقد ازداد سعار أمريكا وكلبها على الدم المسلم، فقتلت آلافًا مؤلفة؛ رحمهم الله.
وحين وقع هذا الانكسار في الجنوب؛ جرى نقاشٌ ضمن أطر التنظيم: هل نخرج إلى شمال وزيرستان، أم نقاتل في مناطق قبيلة مسعود؟! فكان الخيار الأرجح بالذهاب للشمال، رغم أنَّ الشيخ علي جان قال يومها: «إن ذهبتم إلى الشمال فسُتَقتَّلوا»؛ أي أنه كان يرى الاعتصام بالجبال وعدم الذهاب للقرى الشمالية من وزيرستان، ولكن غلب الرأي الآخر الذي كانت مقتلته هنالك رحمهم الله، وقد بقيت فئات قليلة في الجبال مع قبيلة مسعود، ولكنها لم تمكث سوى سبعة أشهر؛ فانقطعت عنهم المؤن والإمدادات، وكانت القاصمة حين حصل اقتحامٌ على الجيش الباكستاني قُتل وأُصيب فيها ثلاثون أخًا؛ فاستدعت قيادة التنظيم -ممثلة بالشيخ أبي اليزيد والشيخ عطية الله رحمه الله- الشيخَ «بشير أحمد المصري» وهو من أعضاء شورى التنظيم، وعُقدَتْ له محاكمة لهذه الدماء، ومن يومها تم سحب شباب التنظيم المتبقين في الجبال إلى الشمال.. وهناك بدأت المقتلة أو «الأخدود الثاني» كما يُعبِّر عنه الشيخ عطية الله رحمه الله.. مع الإقرار بأن الشيخ «بشير أحمد» من قامات الجهاد ورموزه والفاعلين فيه، وحسبه من الحسنات والثبات سنيَّ طويلة ما يرفع عنه اجتهاده هذا، جزاه الله خيرًا.
وقد تتابع الحصدُ الجهادي والاصطفاء الرباني للشهداء؛ في تسلسلٍ متدرج، حتى كان مقتلُ الشيخ أبي يحيى الليبي -كما مرَّ ذِكره- في منطقة «مير علي»، والمؤسف أنَّ الشبكة التي اغتالت عموم قيادات التنظيم كانت من أبناء بعض الإخوة الشهداء الذين لم يكونوا محل ريبة وتحوط من القيادات؛ بل كان بعضهم يَدرس عند تلك القيادات الجهادية ثمَّ يضع لها الشرائح -كما هو الحال مع الشيخ أبي صالح الصومالي الذي وضع له الشريحة ولدٌ من أبناء الشهداء جُند من الأمريكان- وقد قُبض على هذه الشبكة أخيرًا في (2013م) وكانت صدمةً كبيرة للحركة الجهادية في أفغانستان؛ حيثُ إنَّ الخرق جاء من حيثُ لا يُتوقع؛ فبعض الأولاد الجواسيس كانوا حفاظًا ومتعلمين، واحتار التنظيم في كيفية التعامل مع هذه الشبكة -التي بلغت تسعة عشر غلامًا؛ أربعة منهم جواسيس والبقية في طور التهيئة لذلك!!-، وقد قُتل اثنان من هؤلاء الجواسيس الأربعة بعد ذلك بينما فرَّ اثنان؛ رغم أن التنظيم -ممثلا بالإخوة المشايخ أبي عبد الرحمن المغربي وأبي دجانة الباشا رحمه الله-، أعطوا أمرًا بتسليم كافة الجواسيس للطالبان لا قتلهم، ولكن الأخ المسؤول عن ملفهم اجتهدَ في قتلهم.. غفر الله للجميع.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
أَيا عَيْنُ جُودِي بالدُّمُوعِ السَّوَاكِبِ | وفِيْضِي فَلَيْسَ اليَوْمَ عُذْرٌ لِرَاغِبِ | |
ذَكَرْتُكَ والذِّكْرَى تَجِيشُ بِخَاطِرِي | تُنَادِمُنِي يَوْمِي وتُمْسِي بِجَانِبي | |
أَحَاطَتْ بنا الأحْزَانُ يَوْمَ وَدَاعِهِ | وذَابَتْ قُلُوْبٌ من لَهِيْبِ الـمَصَائِبِ | |
تَعَالَتْ بِتَكْبِيرٍ مَآذِنُ حَيِّنَا | غَدَاةَ عَلَا لِلـمَجْدِ نَجْلُ الأَطَايِب | |
وأَمْسَتْ نُفُوسٌ قد تَكَدَّرَ صَفْوُهَا | تُلَاقِي الرَّزَايَا بالدُّمُوعِ السَّوَاكِبِ | |
تَئِنُّ لهُ شَوْقاً وتَسْكُبُ دَمْعَهَا | وتَنْظُرُ يَوْمَاً بالعُلُوجِ الغَوَاصِبِ | |
وضَجَّتْ سُرَاةُ القَوْمِ تَطْلُبُ ثَأرَهَا | ونَادَتْ لِحَرْبٍ بالسِّيُوفِ القَوَاضِبِ | |
أَحَقاً غَدَوْنَا اليَوْمَ نَرْثِي مَحَاسِنَاً | لِشَيْخٍ جَلِيْلٍ حَازَ أعْلَى الـمَرَاتِبِ | |
عَرَفْتُهُ والـمَرْءُ الكَرِيْمُ فِعَالُهُ | شَوَاهِدُ حَقٍ آيَسَتْ كُلَّ كَاذِبِ | |
أأرْثي وَهَلْ أَبْقَى الـمُصَابُ لِشَاعِرٍ | قَوَافٍ لِشِعْرٍ في رِثَاءِ الكَوَاكِبِ | |
فَيَا خَيْلُ ابْكِي فَارِسَاً مُتَنَمِّرَاً | قَحُوْمَاً لِسَاحَاتِ الوَغَى والـمَصَاعِبِ | |
وَرِيْثُ الهُدَى فِقْهُ الأَوَائِلِ عَالِمٌ | سَلِيْلُ الكِرَامِ الغُرِّ لَيْسَ بِكَاذِبِ | |
يَلُوْذُ بِهِ منْ كُلِّ صَوْبٍ خَلَائِقٌ | هُمُ الفَضْلُ أعيَتْهُم صُرُوْفُ النَّوَائِبِ | |
عَفِيْفٌ كَرِيْمٌ ذُو الفَضَائِلِ سَيِّدٌ | خَطِيْبٌ شَدَا مِسْكاً عَظِيمُ الـمَنَاقِبِ | |
لهُ صَوْلةٌ في الرُّومِ عَزَّ نَظِيْرُهَا | سَقَاهُمْ بِهَا كَأسَ الحُتُوفِ السَّوَالِبِ | |
بَهِيٌّ جَلِيْلُ القَدْرِ تَعْلُوهُ هَيْبَةٌ | إذَا رَامَهَا إِنْسٌ عَلَتْ دُوْنَ خَاطِبِ | |
أَخُو الفَضْل ِكَفَّاهُ النَّدَى لَمْ يَزَلْ بِسَا | حِهِ النَّاسُ حتَّى صَارَ طَعْنَ القَوَاضِبِ | |
سَتَبْكِيْكَ خَيْلٌ جَامِحَاتٌ صَهِيْلُهَا | يُجَابُ صَدَاهُ في مُحِيْطِ الـمَضَارِبِ | |
وتَبْكِيْكَ أَقْلَامُ الكِرَامِ ومِنْبَرٌ | وأجْنَادُ عِزٍّ لَمْ يَذِلُّوا لِغَاصِبِ | |
سَلَامٌ على تُرْبٍ تَوَسَّدَ طُهْرَكُمْ | وَقَبْرٍ كَرِيْمٍ شَاهِدٍ وَمُعَاتِبِ | |
رَحَلْتَ أَبَا يَحْيَى وَذِكْرُكَ خَالِدٌ | دَوَاوِيْنُ مَجْدٍ خَطَّهَا حِبْرُ كَاتِبِ | |
فَطِبْ شَيْخَنَا نَفْسَاً سَنُدْرِكُ ثَأْرَنَا | بآسَادِ حَرْبٍ صُبَّرٍ في الـمَتَاعِبِ | |
غَدَاً يَوْمهُمْ والخَيْلُ تَنْظُرُ صُبْحَهَا | وجَيْشُكَ سَارٍ بالسِّيُوفِ اللَّوَاعِبِ | |
كأَنِّي بِهمْ والـمَوْتُ يُطْبِقُ جَفْنَهُ | مَقَاحِيْمُ حَرْبٍ بُذَّلٌ للرَّغَائِبِ | |
تَرَاهُمْ إذَا مَا جَنَّ خَطْبُ الـمَكَارِهِ | سِرَاعَاً إلى حَزِّ الرُّؤوسِ الخَوَاضِبِ | |
تَنَادَوا لِثَأرٍ سَوْفَ نُدْرِكُ يَوْمَهُ | فَصَبْراً بَنِيْ الرُّومِ اللِّئَامِ الثَّعَالِبِ |
* ورثاه الشيخ حفيظ بن عجب آل حفيظ الدوسري، فقال -كما في مدونته الرسمية-١٦ديوانه: الصدق كُفن بالوطن، المنشور في عام: 2013م، وتم الوصول لها بتاريخ: 28 / 10 / 2023م، الرابط:
http://shhafeed.blogspot.com/2017/03/blog-post_41.html?m=1:
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
أَبَا يَحْيَى جُزِيْتَ بِكُلِّ خَيْرٍ | عَنِ الإِسْلاَمِ يَا أَسَدَ الجِهَادِ | |
حَمَلْتَ العِلْمَ لِلسَّاحَاتِ تَبْغِي | رِضَا الرَّحْمَنِ فِي يَوْمِ المَعَادِ | |
تُجَاهِدُ بِالعَقِيدَةِ كُلَّ كُفْرٍ | وَتَشْمَخُ بِالهُدَى فِي كُلِّ نَادِ | |
عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ فَكُنْتَ فَخَرًا | لِأَهْلِ العِلْمِ مِنْ بَيْنِ العِبَادِ | |
تُعَلِّمُ بِالدَّلِيلِ مَنِ اِسْتَنَارُوا | بِوَحْيِ الحَقِّ مِنْ نُورِ الرَّشَادِ | |
دَعَوْتَ لِنُصْرَةِ التّوْحِيدِ لَمَّا | تَخَلَّى النَّاسُ عَنْ دَرْبِ السَّدَادِ | |
بِشَعْرِكَ كُنْتَ تَصْفَعُ مَنْ تَعَدَّى | عَلَى الإِسْلاَمِ فِي كُلِّ البِلَادِ | |
صَدَقْتَ فَنِلْتَ مَا تَبْغِي؛ فَوَاهًا | لَكُمْ بِالفَوْزِ فِي يَوْمِ الحَصَادِ |
* ورثاه كذلك الشيخ أحمد عشوش -من التيار الجهادي في مصرَ- فقال -فك الله أسره-:
«يقول الله ﷻ: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: 207]، ويقول الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: 218].
ونحسب أن الشيخ أبا يحيى من أهل هاتين الآيتين الطيبتين المباركتين ولا نزكيه على الله؛ فقد اصطفاه الله عز وجل، ليموت موت الأبطال، بعد أن باع نفسه في سبيل الله ﷻ وبعد أن هاجر وجاهد، فلقد كان يرجو رحمة الله، فنرجو أن تكون قد أدركته الرحمة، فنحسبه ممن قال الله ﷻ فيهم: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 23]؛ فالله نسأل أن يتقبله في الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
فسلام عليك أبا يحيى في الصادقين، وسلام عليك في الثابتين، وتحية لك وسلاما، يا من نذرت نفسك، ومالك، وأهلك، لله رب العالمين.. ويا لها من ميتة تشرف بها في الدنيا والآخرة، فالأبطال يموتون قتلا، وأشباه الرجال يموتون خوفا، فيا علم الجهاد وحادي ركبه؛ أبشر، فالجزاء جنة عرضها السماوات والأرض: الله بانيها، والرضوان خازنها، ومحمد وآله الصحب فيها، فدع الدنيا لأهلها، رمم تموت وتحيا في مخازيها، خوف، وهلع، و ذلة، ومهانة، وعبودية لليهود والنصارى.
أبا يحيى؛ طال المسير، ويا لعناء المسير، ولكن يا لفرحة اللقاء، لقاء الأحبة، محمد وصحبه.
أبا يحيى؛ نم قرير العين، فالجهاد ماض، والعزائم صادقة، والجحافل قافلة على طريق النصر، فأعداؤك الموتى، وأنت ورفاقك على درب الشهداء الأحياء، فالأُسْد تغز السير مسرعة إلى ربها، لا يضرها نبح الكلاب ولا عواء الذئاب.
أبا يحيى؛ أعذرت إلى ربك، فأثخنت في الأعداء، ووفيت بعهدك ووعدك، فلم تسمع إلى الشيوخ التي ملأتها الشروخ، ممن استهواهم أكل الثريد، وشراء العبيد، لم تركن إلى الدنيا باسم العلم، ولم تبرر القعود باسم المصلحة والمفسدة.
فقد عرفناك أسدا هصورا على أعداء الإسلام، أعدت فينا سيرة الأولين، وكرهت إلينا سيرة البطالين، ممن يحسنون المداهنة، ويركعون لأول موجة عاصفة.
حياك الله يا بطل الإسلام، فلتمض مطمئنا، فالركب ماض إلى غايته، فالجهاد حق حتى تفتح روما، ونحيل كنائس أمريكا مساجد ومحاريب، ويعم أرجاؤها القرآن.
أبا يحيى؛ يا بطل الإسلام، لم يستعبدك الخوف، ولذا لم تكن كمن خافوا الشيطان فعبدوه، كانت الفطرة فيك ظاهرة، وكانت طبيعة الشيطان على أعدائك بادية.
أبا يحيى؛ شهدناك وشهدنا لك، أنك الثابت البطل المُجرَّب؛ في لقاء الأعداء، في مقابلة الطغاة، في اشتداد الفتنة، في تربص الشر، في انتشار البلاء، كنت فيها جميعا علما عالما عاملا، ثبْتا قويا عالي الهمة.
أبا يحيى؛ علمتنا أن العقائد تقوى بالكفاح، علمتنا أن الإيمان بحكمة الله وعدالته والصبر على قضائه يصير المسلم إماما للمتقين، علمتنا أن العالم الفاجر شيطان مريد، وأن العابد الجاهل عدو نفسه، وسهم يرتد إلى صدر أمته، وعلمتنا أن تغيير الرأي كتغيير الرأس عند الجاهلين المعاندين، فعلمتنا كيف نميز بين الصادق والكاذب، وبين العامل والمداهن –يرحمك الله رحمة واسعة– وتقبلك الله في الشهداء، فقد بان لنا وللدنيا بأسرها نقاء معدنك، ففي المآزق تنكشف معادن الرجال، وفي الفتنة تنكشف أصالة الرأي، فعرفناك سديد الرأي موفق التدبير.
أبا يحيى؛ عرفناك حلو المعشر، طيب الخلق، قوي الإرادة ذا عزيمة وقوة، عرفناك قولا وعملا، عرفناك دعوة وجهادا، عرفناك جنديا وقائدا، وعرفناك عاملا وعابدا، وعرفناك صابرا على الشدائد والمحن، عرفناك رجلا مجاهدا، وعرفناك بطلا شاكيا، وعرفناك عالما وفقيها، وعرفناك شهما مقاوما، وعرفنا فيك رباطة الجأش في مواجهة الموت أو في مواجهة الأسر، عرفناك إرادة صلبة هدمت الجدران والقضبان، عرفناك همة عالية، خرجت من سجنك إلى ميدان العزة والشرف، إلى ساحة الجهاد والاستشهاد،، فكنت بحق القدوة والمثال؛ في زمن عزت فيه القدوة وغاب فيه المثال. فإلى الله في الخالدين، نرجو لك الخلود مع الأنبياء والصديقين والشهداء، فلقد ذهبت مسرعا تشكو إلى الله تخاذل كثير من الدعاة، وركون بعض من العلماء، وانحناء الشعوب، وتحكم الطغاة، واستبداد الخونة بأمور العباد.. ذهبت إلى ربك تشكو تلون المتلونين، وصفاقة المتبجحين، وسفالة المنهزمين، وحقارة المستعبدين للدولار والقمار، ممن ناصبوك العداء لا لشيء إلا لأنك مجاهد، تعلوهم شهامة وشجاعة ورجولة، وبطولة وفحوله؛ ناصبوك العداء لأنك تعلم وتعمل بما تعلم ناصبوك العداء لأنك عالم بالدين لا تاجر به.
فرحمك الله أبا يحيى وتقبلك في الشهداء، فأبشر بخَيْرِي الدنيا والآخرة؛ النصر في الدنيا والفوز في الآخرة، وعزاؤنا فيك هو قول الله ﷻ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُۚ﴾ [التوبة: 111].
فاللهم أعظم أجر أمتنا في هذا البطل، واخلفنا خيرا منه وارفع ذكره في الدنيا والآخرة.
أبا يحيى؛ إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك لمحزنون، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»١٧مقال: «عزاء ورثاء لفارس المحراب والميدان.. الشيخ البطل أبي يحيى الليبي»، منشور في المنتديات الجهادية، نسخة الكترونية..
ورثته كافة الجماعات الجهادية؛ حتى إنه ما مِن جماعة جهادية إلا ولها بيانٌ في ذلك، ومن البيانات التي وقفتُ عليها في رثائه -وذهب بعضها من المواقع فلم أعثر عليه-:
- تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب: فقد جاء في بيانهم: «إن المجاهدين في جزيرة العرب يتقدمون للأمة الإسلامية، وفي مقدمتها شعب ليبيا، وللمجاهدين عموما ونخص منهم إخواننا المجاهدين في ثغر خراسان، وعلى رأسهم أمير المؤمنين الملا محمد عمر، والشيخ الأمير الدكتور أيمن الظواهري -حفظهم الله- بالتعزية في استشهاد العالم المجاهد المهاجر، المرابط الداعية القائد، فضيلة الشيخ: أبي يحيى الليبي حسن محمد قائد -r رحمةً واسعة-.
إن استشهاد الشيخ أبي يحيى الليبي r وأمثاله من قادة الأمة العالمين بعلمهم؛ لهو باعث لأمتهم لتقتفي أثرهم، وتنتهج نهجهم: علم وعمل، جهاد وبذل، صبر ورباط، تضحية وفداء..
وبحمد الله فلم يكن مقتل الشيخ أبي يحيى إلا شواظًا من نار يحرق أعداء الأمة؛ فهاهم أحفاد عمر المختار شعب ليبيا الأبي المجاهد؛ لم يزدهم مقتل الشيخ أبي يحيى إلا حماسًا وإصرارا على الانتقام ممن يستهزئ بديننا وينال من رسولنا m... فقر عينا شيخنا أبا يحيى؛ فوالله ما ماتت دعوتك بعد استشهادك، وإنما انتفضت حية، ولا والله ما كانت إلا نبراسًا للهدى، وشهادة على الحق، ونموذجًا لعالم عامل، وقائد مجاهد شهيد، نحسبك والله حسيبك.
فرحمك الله يا أبا يحيى في العلماء العاملين، ورحمك الله في المجاهدين المهاجرين، ورحمك الله في الأتقياء المخبتين، ورحمك الله في الأحرار الغيورين، ورحمك الله في الثابتين الصادقين، ورحمك الله في الجاهرين بالحق الصادعين؛ رحمك الله قدوة تقتدى، ومثلا يُحتذى، وسيرة تُقتفى، وهمة تبعث الهمم وصيحة تُحيي الأمم».
- وجماعة دولة العراق الإسلامية؛ كما جاء في بيانها الرسمي: «تلقَّينا بقلوبٍ حزينةٍ راضية بقضاء الله ومُسلّمةٍ لقدره ما أعلنه إخوتنا في تنظيم القاعدة، من تأكيد نبأ مقتل الشيخ الجليل والعالم العامل والمهاجر المجاهد أبي يحيى حسن قائد الليبيّ، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، ونسأل الله أنْ يجيرنا وأمّتنا في هذا المُصاب، وأن يرحمنا ويُخلفنا خيراً ممّن فقدنا.
ونعزّي أهل الشّيخ وذويه ورفاقه والمسلمين جميعاً، ونعزّي أنفسنا وإخواننا وأحبّتنا بتنظيم القاعدة، فإنّ المُصاب واحد، ولقد فُجعنا بفارس الجهاد ورجل العلم والحزم والسّداد، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، واللهَ نسألُ أن يتقبّل أسد الجهاد أبا يحيى وأن يُكرمه بما تمنّى شهيداً في سبيله، وأن يجمعه بخيرِ خَلْقه في الفردوس الأعلى من الجنّة.
لقد ترجَّل فارسنا إلى دار الكرامة نحسَبُه والله حسيبه، بعد مسيرةٍ حافلة بالصّبر والرّباط والدّعوة والجهاد، ضارباً مثلاً آخر على قدَرِ الطّائفةِ المُجاهدةِ، التي يأبى قادتها إلا الموتَ قتلاً في ساحات العزة، ملبِّين نداء ربِّهم نُصرةً لدينه ومُسارعةً لجنانِ خُلده..».
والحمد لله رب العالمين، اللهم تقبل وأزل حظ النفس من هذا الكتاب، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك المجاهد الشهيد محمد وآله وصحبه، واحشرنا تحت لوائه.. آمين.
والله ولي التوفيق، ومنه المعونة والتسديد..
❖ ❖ ❖