مباحثة في حقيقة الإيمان
[سجلها الشيخ في: شوال 1430 هـ / 10 - 2009م، نُشرت صوتية في التلجرام]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى مَن اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
فدرسنا اليوم إن شاء الله تعالى سيكون حول حقيقة الإيمان، أو مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وقد نعرج قليلًا على أقوال بعض الفرق في مسمى الإيمان، فكما يقولون: «فبضدها تتبين الأشياء»؛ فعندما نتكلم على مذهب أهل السنة ونذكر ما هو معنى الإيمان ومسمى الإيمان وحقيقة الإيمان عندهم، ثم نذكر أقوال بعضِ الطوائف الأخرى التي خالفتهم؛ بعد ذلك يصبح الأمر عندك متميزًا واضحًا؛ تعرف الطريق الصواب أو الحق الذي تقف عليه، وتعرف طريق الخطأ والانحراف والبدعة لتتجنبه.
والخلاف في حقيقة الإيمان وفي مسمى الإيمان هو أول -أو مِن أول- ما ظهر في هذه الأمة، وذلك بخروج الخوارج على جماعة المسلمين ببدعتهم التي أحدثوها.
فأولًا، وقبل أن نبدأ في الكلام على مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ينبغي أن نقول: إن هذه المسألة هي من أعظم المسائل التي يجب أو ينبغي للمسلمين أن يعرفوها وأن يكونوا فيها على بينة؛ فبالمفهوم الصحيح لمسمى الإيمان يستقيم دين المرء وتستقيم دنياه أيضًا، وبالانحراف في مفهوم مسمى الإيمان يقع الزيغ والضلال والبدعة في دينه، ويقع الاضطراب والعبث في حياته أيضًا، وهذا الذي نتكلم عليه -وهو الإيمان- به نجاة العبد في الآخرة؛ يعني أن نجاة العبد من عذاب الله b في الآخرة، وأن فلاحَه وفوزه مبني على معرفة الإنسان لإيمانه؛ فأنت لن تؤمن بالله إيمانًا حقيقيًّا ولن تقوم بمقتضيات الإيمان قيامًا صحيحًا إلا إذا عرفت وأدركت ما هو هذا الإيمان، وما هي حقيقة هذا الإيمان؟!
فالأمر إذن ليس نافلة من القول، وإنما هو صُلبُ ديننا، ولا أقول مِن صلب ديننا، وإنما هو صلب الدين ولبه؛ فمعرفة الإنسان لهذا الشيء أمر مهم وهو غاية في الأهمية.
وقد أولى العلماء الأوائل -من السلف ومن التابعين- هذا الموضوع أهمية خاصة في كشف حقيقة الإيمان، وقبل ذلك أَولاها كتاب الله b وسنة النبي g عناية خاصة وبينتها بيانًا شافيًا؛ بحيث لم يبق فيها لبس ولا مجال للتلبيس من أي جهة كانت.. ومع ذلك، فإن الاختلاف قد وقع في هذه الأمة في هذه الحقيقة مع بيان النبي g لها ومع كشف القرآن لحقيقتها.. فهذا الأمر الذي علينا أن نتنبه إليه.
وقبل أن نشرع في الكلام في أصل الموضوع؛ نحب أن نذكر أمورًا ونتكلم عليهما:
1- الأمر الأول: كيفية تحديد معاني الألفاظ الشرعية: فإن أول الزيغ كان مبناه هو الاضطراب في هذا المعنى، والاستمرار أيضًا في الانحراف في حقيقة الإيمان مبناه على الاضطراب في هذه النقطة؛ فقد ورد في كتاب الله وفي سنة النبي g ألفاظ شرعية، أي ألفاظ استخدمها القرآن واستخدمتها السنة؛ مثل لفظ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها من الألفاظ الشرعية.. فهذه الألفاظ لها معانٍ، وأنتم تعرفون أن اللفظة -يعني الكلمة- لها معنى صحيح، والاسم له مسمى صحيح، فالاسم له مسمى.
فكلمة أو لفظ الصلاة هذا يدل على معنى معين، أو يدل على حقيقة معينة أو مسمى معين، ولفظ الزكاة كذلك له مدلول، أو يدل على معنى أو مسمى أو حقيقة معينة.. فنحن عندنا القرآن أو الشرع عمومًا من الكتاب والسنة جاءت فيه ألفاظ متعددة استخدمت استخدامًا في القرآن أو في السنة؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وكالإيمان، وكالكفر، وكالفسوق، وكالمعصية، هذه كلها ألفاظ وردت في الكتاب وفي السنة.. فكيف نحدد معنى هذه الألفاظ؟ من أين نعرف أو نعلم أن لفظ الصلاة مدلوله أو مسماه أو معناه هو هذا الشيء المحدد؟ ومن أين نعلم أن لفظ الزكاة له دلالة خاصة ومعنى خاص أو مسمى خاص؟ ومن أين نعلم أن لفظ الإيمان له مدلول خاص ومعنى خاص ومسمى خاص؟! هذا رأس المسألة.. ذكروا لمعرفة هذه الحقيقة طريقتين:
أ- الطريقة الأولى: بالرجوع إلى لغة العرب، فيقول من استخدم وسار على هذه الطريقة: إن القرآن عربي وجاء بالكلام العربي وبالأسلوب العربي؛ فكل كلمة في القرآن هي كلمة عربية، والكلمة العربية لها مدلول، يعني لها معنى خاص استخدم العرب هذا اللفظ أو هذه الكلمة له، إذن يقول: نحن نأتي إلى الألفاظ التي في الكتاب أو في السنة لأنهما عربيان، فنُسقِط أو نُنزِل ذلك اللفظ على المعنى العربي.. هذه هي الطريقة الأولى المستخدمة.
ب- الطريقة الثانية: استقراء وتتبع الكتاب أو السنة لنحدد ما هو المعنى الذي يقصده أو ما هو المعنى الذي يريده بهذا اللفظ؛ فنأتي إلى كلمة الصلاة مثلًا ونعمل استقراءً، وما معنى الاستقراء؟ أي نعمل تتبعًا جزئيًا لكل المواضع التي ورد فيها لفظ الصلاة في الكتاب أو في السنة، ثم بمجموع هذا التتبع والاستقراء نخرج بمعنى أو بمسمى، فنقول: إن لفظ الصلاة في الكتاب أو السنة معناه كذا وكذا.. ومن أين أخذنا هذا المعنى؟ بالتتبع وبالاستقراء.. فهذه طريقة وتلك طريقة.
ولا شك أن الطريقة الصحيحة في تحديد معاني ومسميات الألفاظ الشرعية هي الطريقة الثانية؛ لماذا؟ لأن كون اللفظة عربية وكون القرآن عربيًا لا يعني أن القرآن لم ينقل هذا المعنى من معناه اللغوي العربي إلى معنىً شرعيٍّ؛ فنقول: نعم؛ القرآن عربي ولفظه عربي، ولكن هذا لا يعني أن نقل معنى هذه الكلمة قد نقله القرآن واستخدمها استخدامًا خاصًا به؛ فيكون لهذه الكلمة معنى في العرف الشرعي، فقد يزيد عليها أشياء، وقد يقيدها بأشياء.. فبهذه التقييدات أو بهذه الإطلاقات يصبح معنى الكلمة في داخل الكتاب أو في داخل السنة بحَسَبِ ما أراده الشرع.
ومثال هذا: الصلاة؛ فالصلاة في لغة العرب -أي في أصل كلام العرب- معناها الدعاء، وورد في القرآن استخدام لفظ الصلاة بمعنى الدعاء، كقول الله b مثلًا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، و«صَلِّ عَلَيْهِمْ» هنا بمعنى: الدعاء لهم، ولهذا فالنبي g كان إذا جاءه أحد بالزكاة دعا له، كما قال النبي g: (اللهم صل على آل أبي أوفى)()؛ إذن الصلاة لها معنى في لغة العرب؛ فإذا سلكنا الطريقة الأولى في تحديد معنى الصلاة في القرآن وفي السنة.. هل نصل إلى نتيجة صحيحة؟! قطعًا النتيجة خاطئة؛ فإذا قلنا «أقيموا الصلاة» يعني أكثروا من الدعاء، فمعناها أننا أسقطنا الصلوات الخمس مثلًا.. فإذن كون كلمة الصلاة معناها الدعاء في لغة العرب لا يعني أن معنى الصلاة هو الدعاء في الكتاب أو السنة، ولكن نأتي إلى كلمة الصلاة في القرآن، ثم ننظر ونتتبع ما فيها من الجزئيات والإضافات والتقييدات، وكذلك في السنة، فنخرج بعد ذلك بمعنى لهذه الصلاة، فنقول: هي الهيئة المعروفة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ فنقول: إذا وردت الصلاة في القرآن والسنة فليس معناها الدعاء، وإنما معناها هيئة معروفة تشتمل على قرآن وتسبيح وذكر، تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم.. هذا هو معنى الصلاة في عرف الشرع.
إذن مِن أين أخذنا هذا المعنى؟ بالاستقراء وبالتتبع، يعني تتبعنا الكتاب والسنة فوجدنا أنه إذا أطلقت الصلاة فالمقصود بها هذا؛ فالاشتراك في اللفظ اللغوي بين الأصل وبين استخدام القرآن لا يعني الاشتراك في المعنى؛ نعم.. نقول مثلًا: إن العرب يستخدمون لفظ الصلاة في معنى الدعاء، ولكن استخدام العربي للصلاة في الدعاء لا يعني أن القرآن يستخدم لفظ الصلاة في نفس المعنى، وإنما يكون لفظ الصلاة أحيانًا مشتملًا على الدعاء، لا شك في ذلك؛ فنقول: المعنى اللغوي موجود، ولكن القرآن أو الشرع أضاف له معانٍ أخرى فصار بها معنى جديدًا غير المعنى اللغوي.. وقس على ذلك كل شيء.
فالصيام معناه في اللغة هو الإمساك، أي مطلق الإمساك، ولكن الصيام في القرآن أو في عرف الشرع هو: إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.. وليس مطلق الإمساك.
والزكاة كذلك، والحج معناه في لغة العرب هو القصد، ولكن في مصطلح الشرع هو: قصد إلى مكان معلوم لأداء عبادات تشتمل على فرائض وواجبات.. إلى غير ذلك، فأصبح لها معنى خاص.
إذن نقول: إن الطريقة الصحيحة لتحديد المعاني الشرعية هو بتتبع واستقراء طريقة القرآن والسنة في تحديد معناها.
والإيمان من هذا الباب، يعني عندما نريد أن نحدد معنى الإيمان في عرف الشرع، فحتى ولو كان له معنى في لغة العرب، إلا أننا لا نقتصر ولا نتوقف عند المعنى اللغوي، وإنما ننظر ونتتبع ونستقرئ استخدامَ الشرع لِلَفظِ الإيمان؛ ماذا يقصد به؟! فعند ذلك نقول: إن الإيمان عند الشارع معناه كذا وكذا.. هذا هو الأمر الأول.
2- الأمر الثاني: أن البدعة إذا لم تعالج بالكتاب والسنة فإنها تؤدي إلى بدعة مقابلة.
والبدعة كما عرفها العلماء، هي: «طريقة مخترعة في الدين يراد بها زيادة التقرب لله b»، ولذلك فالنبي g يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)()، و(من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)()؛ سواء هو الذي أنشأ هذه العبادة أو تبع فيها غيره مما لم يكن في الشرع؛ فهذه البدعة -أي الطريقة المحدثة في الدين سواء كانت في العقائد أو في الأقوال أو في الأفعال- إذا لم تعالج بنصوص الكتاب والسنة، يعني يبيَّن مخالفة هذه البدعة للحق بالدليل من الكتاب والسنة، وإنما اعتمدنا في نقضها على غيرِ أدلة الكتاب والسنة وبطريقة أخرى، فإن هذا يؤدي وقد يقود إلى بدعة أشد وأبشع من البدعة الأولى، وهذا سنراه عندما نتكلم على قول الخوارج في مسمى الإيمان وكيف قابلهم المرجئة بإحداث قول جديد.
وهذا هو مقتضى قول النبي g: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا)، أي إحداثٌ في الدين وتفرق وغير ذلك: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)() يعني: الخروج من البدع والإنقاذ من التفرق والاختلاف في الدين إنما يكون بالرجوع إلى سنة النبي g وإلى سنة الخلفاء الراشدين.
3- الأمر الثالث: أن كل من قعد قاعدة لم يدل عليها الكتاب والسنة، فسيؤديه ذلك إلى تحريف نصوصهما قطعًا.
يعني أن الإنسان -سواء كان عالمًا أو مقلدًا أو غير ذلك- إذا وضع قاعدة معينة أو وضع أصلًا من الأصول، وهذه القاعدة ما دل عليها لا كتاب ولا سنة؛ فهذا المقعِّد -صاحب القاعدة والأصل- ستجره قاعدته إلى تحريف أدلة الكتاب والسنة.. لماذا؟ لأنه سيحاول بقدر جهده أن يطوع الأدلة لتوافق قاعدته، يعني يجعل هذه القاعدة هي الأصل، وهي عنده من المسلَّمات والقطعيات التي لا تقبل التشكيك ولا الأخذ ولا الرد؛ فإذا ترسخ هذا المعنى في قلبه وصارت هذه القاعدة كاليقين عنده، فإنَّ كل نصٍّ من كتاب أو من سنة يَشعُرُ أنه يخالف قاعدته هذه سيحاول بقدر إمكانه إما أن يزعم أن هذا منسوخ، وإما أن يرده، وإما أن يُطَوِّعه بقدر جهده حتى يقول: هو موافق لقاعدتي ولا يناقضها.
إذن القواعد والأصول التي نريد أن نتعامل بها مع الكتاب والسنة: نفسها يجب أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة؛ يعني لا نجعل القواعد إذا لم تكن مستخرجة من مجموع أدلة الكتاب والسنة لا نجعلها حاكمة على الأدلة، وإنما الأدلة هي التي نبين بها صحة هذه القاعدة أو بطلانها، موافقتها للحق أو مخالفتها.
وأنا أذكر هذه النقاط لأنها ستواجهنا عندما نتكلم على حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة وعند غيرهم.. إذن هذه الأمور الثلاثة تكون مستحضرة عندنا:
الأمر الأول: الطريقة الصحيحة في تحديد المعاني الشرعية، إنما يكون هو باستقراء وتتبع الكتاب والسنة؛ لأن النبي g، أمره الله b أن يبلغ ما أنزل إليه، والنبي g أنزلت عليه الألفاظ والمعاني؛ فإذا أخذنا الألفاظ وتصرفنا نحن في المعاني من عندنا وبدأنا نبحث عن معاني الكتاب والسنة من غير بيان النبي g، فهذه تهمة مبطنة بأن النبي g لم يبلغ ما أنزل إليه تبليغًا كاملًا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]؛ فالنبي g كما أنه بلغنا ألفاظ القرآن من غير زيادة ولا نقصان كما أنزله الله b عليه؛ فكذلك بلغنا معاني القرآن، وذلك هو بيان السنة؛ فالسنة إنما هي مبينة للقرآن.
الأمر الثاني: أن البدع لابد أن نواجهها بالعلم الصحيح المعتمد على كتاب الله وعلى سنة النبي g بالطريقة التي فهمها بها السلف الصالح رضوان الله عليهم.
الأمر الثالث: أننا لا نسلم لكل قاعدة تطرح أمامنا، وإنما علينا أن ننظر في هذه القاعدة: من أين استخرجت؟ ومن أين أُخِذت؟ وما هو معتمد من اعتمد عليها؟ هل هو الكتاب والسنة أم هو العقل أم هو السياسة أم هو المصلحة أو غير ذلك؟ بعد ذلك، إذا تبينَّا أن هذه القاعدة قاعدة شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة فالأمر بعد ذلك سهل.. وأما إذا ظهر لنا أن هذه القاعدة مبناها ليس على كتاب الله ولا على سنة النبي g، فلا نسلم لها ولا نجعلها حاكمة على الكتاب والسنة؛ لأن هذا يؤدي إلى تحريف النصوص وتأويلها والتلاعب فيها.
إذًا هذه هي الأمور الثلاثة التي أردنا أن نبتدئ الكلام بها.
والآن نأتي إلى بيان حقيقة الإيمان؛ فأولًا ننظر إليه من جهة المعنى اللغوي ثم ننتقل إلى المعنى الشرعي؛ فنتكلم على معنى الإيمان في اللغة قبل أن ندخل إلى المعنى الشرعي.
الإيمان لغة: أكثر علماء اللغة وغيرهم يقولون إن الإيمان في لغة العرب معناه: التصديق، معناه التصديق؛ يعني أنَّ كلمة الإيمان مرادفة للتصديق.. ما معنى مرادفة؟! يعني: اللفظ مختلف والمعنى واحد، هذا هو المرادف؛ اللفظ يكون مختلفًا والمعنى يكون واحدًا، فقالوا: إن الإيمان معناه هو التصديق، وأكثر علماء اللغة على هذا وبعضهم حكى الإجماع على هذا.
إلا أن بعض العلماء، وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، لم يسلم لهم بهذا المعنى اللغوي، وهذا لن نهتم به كثيرًا ولن نطيل فيه الكلام؛ فخلاصة كلام شيخ الإسلام أن الإيمان لا يرادف التصديق، وذكر على ذلك بعض النقاط؛ قال: التصديق يكون نسبة الصدق للمخبِر، يعني الذي يخبرك بأمر تقول له: صدقت، سواء كان هذا الأمر الذي يخبر عنه شاهدًا أو كان هذا الأمر غيبيًا، قال: وأما الإيمان فلا يكون إلا في التصديق عن أمر غيبي فقط، ولذلك يأتي في الإيمان بالله وباليوم الآخر الأمور الغيبية، كما قال الله c: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3].
والأمر الثاني الذي قاله شيخ الإسلام: أنه في لغة العرب التصديق يقابله التكذيب، قال: والإيمان لا يقابله التكذيب، وإنما يقابله الكفر كما هو في استخدام الكتاب والسنة، قال: فلو كان التصديق والإيمان بمعنى واحد لكان الإيمان يقابله التكذيب لأنهما كلمة واحدة ولأن المعنى فيهما واحد.. وذكر بعض النقاط الأخرى الطويلة. هذا هو من حيث اللغة.
ذكرنا سابقًا طريقتين لتحديد المعاني الشرعية؛ الطريقة الأولى: الاعتماد على المعنى اللغوي والاستخدام العربي في الأصل، والثانية: استقراء الكتاب والسنة.
فالذين اعتمدوا على الطريقة الأولى قالوا: إن الإيمان الذي في الكتاب والسنة والذي يحاسب عليه الإنسان والذي به نجاته في الآخرة هو التصديق، يعني التصديق القلبي مع زيادات نمر عليها إن شاء الله.. فهؤلاء اعتمدوا الطريقة الأولى، وقلنا: إن هذه الطريقة ليست صحيحة؛ لأن لفظ الإيمان صار له معنى شرعي مثل الصلاة، فهذا مثل الذي يقول لنا: الصلاة معناها الدعاء تمامًا؛ فهل يقبل قوله بأن الآيات التي وردت في الصلاة معناها الدعاء؟! لا يقبل قوله، فكذلك الآيات التي وردت في الإيمان لا نسلم أن معناها التصديق الذي هو مجرد نِسبة الصدق للمخبر، لا نسلم بذلك لأن لفظ الإيمان كلفظ الصلاة فكلاهما لفظ شرعي، بل عناية القرآن والسنة ببيان مسمى ومعنى الإيمان أكثر من عنايتهما بمعنى الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تتفرع عن الإيمان.
إذن: ما هو الإيمان؛ إذا لم يكن الإيمان هو مجرد التصديق.. فما هو الإيمان؟!
الإيمان عرفه السلف بعدة تعريفات -ولعلكم أخذتموها مع الشيخ أبي زيد()-.
- فعرفه بعض السلف بأنه: قول وعمل، هذا هو التعريف الأول وهو التعريف الشائع المنتشر في عبارات السلف أن الإيمان قول وعمل، وسنتكلم على تفصيل هذه العبارات.
- وبعض السلف قال: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، هذه عبارة أيضًا من عبارات السلف في تعريف الإيمان.
- وبعضهم عرفه بأنه: قول وعمل ونية.
- وبعضهم عرفه بأنه: قول وعمل ونية وسنة.
هذه هي عبارات السلف في تعريف الإيمان، ولا تعارض ولا اختلاف بينها في الحقيقة، وإنما كل تعريف زيدت فيه كلمة هو احتراز أو تبيين؛ فهو احتراز من فهم خاطئ قد يقع في التعريف الذي لم تأتِ فيه هذه الكلمة، أو تبيينٌ لمعنى.
ولكن «قول وعمل» باختصار يعني: قول القلب، وقول اللسان الذي هو الإقرار، والعمل هو: عمل القلب الذي هو الانقياد والالتزام، وعمل الجوارح؛ فبعض السلف خَشِي أن يُفهم من قوله «قول وعمل» عدم دخول اعتقاد القلب، فأضاف كلمة «واعتقاد بالقلب» احترازًا من هذا الفهم الذي قد يقع فيه بعض الناس، فقال: قول باللسان -يعني الإقرار- واعتقاد بالقلب -يشمل عمل القلب وقول القلب-، وعمل الجوارح هذا واضح.
وبعضهم قال: لا، فحتى يبقى الاعتقاد بالقلب الذي هو الذي يتوجه الإنسان فيه بالنية لله b، فقال: قول وعمل، يعني قول القلب وقول اللسان وعمل القلب والنية التي هي الإخلاص لله b، وآخر زاد: ونية وسنة؛ يعني الإنسان قد يكون عنده قول في القلب وباللسان وعمل بالجوارح ونية صادقة، ولكن عمله ليس موافقًا للسنة؛ فالمقصود بالعمل الذي يكون من الإيمان هو العمل الموافق للسنة.. فلهذا كل واحد يذكر احترازات حتى لا يحصل فهم خاطئ.
ونحن نتكلم أولًا إجمالًا على مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة ثم بعد ذلك نتكلم عنه عند الفرق الأخرى؛ إذا قلنا: الإيمان هنا قول وعمل.
والقول ينقسم إلى قسمين: (1) قول القلب (2) قول اللسان.
وقول القلب هنا المقصود به: المعرفة والتصديق، والذي يقابل توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو مجرد إقرار وتصديق بأن الله b هو الخالق المالك المدبر الرازق.. إلى غير ذلك.
وقول اللسان المقصود به: النطق بالشهادتين للقادر عليهما، الذي هو الإقرار باللسان.
ثم عندنا العمل، وهو قسمان:
(1) يدخل فيه عمل القلب الذي هو الالتزام والانقياد، يعني أن الإنسان يكون بقلبه عاقدًا على الالتزام لأحكام الله والانقياد لها، فليس عنده إباء ولا رد ولا إعراض عن أحكام الله b، وهذا هو توحيد الألوهية، الذي هو توحيد الله بأفعال العباد.
(2 - 3) وكذلك عمل القلب وعمل الجوارح، ويدخل فيها عمل الجوارح التي هي الأعضاء وكذلك نطق اللسان فيما سوى الشهادتين، كالصلاة والزكاة وغير ذلك.
إذن هذه هي حقيقة الإيمان إجمالًا عند أهل السنة والجماعة؛ فما من طاعة من الطاعات إلا وهي داخلة في مسمى الإيمان.. ما من طاعة من الطاعات جاء بها الكتاب أو السنة إلا وهي داخلة في مسمى الإيمان، وداخلة في حقيقة الإيمان، ولهذا قلنا: إنَّ من زاد: «قول وعمل ونية وسنة»، قصد به أن يكون هذا العمل موافقًا لسنة النبي g ليدخل في مسمى الإيمان وليس كل عمل.
وأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.. ولكن قبل أن ندخل في زيادة الإيمان ونقصانه نتكلم على مراتب الإيمان حتى نعلم أين تقع الزيادة والنقصان في الإيمان
للإيمان ثلاث مراتب:
1- المرتبة الأولى: تسمى أصل الإيمان، وأصل الإيمان هو ما لا يصح إيمان العبد إلا به؛ يعني الإنسان إذا لم يأت بأصل الإيمان فهو في عداد الكافرين والعياذ بالله، وإذا أتى بأصل الإيمان ووقف عند هذه المرتبة فهو في الآخرة من أهل الجنة إما ابتداءً وإما مآلًا.. إذًا الإنسان لا يمكن أن يكون ناجيًا من عذاب الله المؤبد إلا إذا أتى بأصل الإيمان.
إذًا إذَا أردنا أن نعرف هذه المرتبة فنقول: هي ما لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهذه مقسمة على الأمور الثلاثة: اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح؛ فهناك من أعمال القلب ما يدخل في أصل الإيمان إذا انتفت لم يكن صاحبها من الناجين، وكان صاحبها كافرًا، ولَو أتى بأعمال الجوارح كلِّها لأنه من المنافقين إذْ لم يأتِ بأصل الإيمان في القلب. وكذلك الإنسان إذا لم يأتِ بإقرار اللسان مع قدرته على ذلك فهذا أخل بأصل الإيمان، يعني لم يدخل في دين الإسلام، وكذلك هناك من أعمال الجوارح ما تدخل في أصل الإيمان، سواء كانت أعمال الجوارح التي يفعلها الإنسان أو التي يجب عليه أن يتركها.
فعندنا من أصل الإيمان ما يكون متعلقا باعتقاد القلب، وبإقرار اللسان، وبعمل الجوارح؛ ولاحظوا أننا الآن نتكلم على المرتبة الأولى من مراتب الإيمان، ولا نتكلم على حقيقة الإيمان الكلية وإنما نتكلم على أصل الإيمان وهو الذي لا يصح إيمان العبد إلا به، يعني لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بأن يأتي بهذا الأصل.
فاعتقاد القلب يشمل: التصديقَ بما أخبر به النبي g بالجملة والغيب، والالتزام بما أمر به؛ يعني الإنسان عند دخوله في الإسلام هو ابتداءً مصدق بكل ما أخبر به النبي g أو ما سَيخبر به النبي g، سواء بَلغه أو لم يبلغه، ولكن عَقَد قلبه على تصديق كلِّ خبرٍ جاءه من عند النبي g، وكذلك الالتزام والانقياد، بمعنى أن قلبه منقاد ومذعن لكل حكمٍ جاء من عند الله b.. هذا العقد الإجمالي والاعتقاد الإجمالي هو الذي يدخل في أصل الإيمان.
وهناك بعض الفروع من أعمال القلب كالمحبة؛ فالإنسان إذا انتفت محبة الله من قلبه، والمحبة من أعمال القلوب -وليست من أقواله-، فإذا انتفت المحبة فهل أتى بأصل الإيمان؟ لا، وإذا انتفى أصل الخوف من الله b، فهل عنده أصل الإيمان؟ لا. وإذا انتفى أصل الانقياد، فهل عنده أصل الإيمان؟ لا، كالذي كنا نقوله أمس في الديمقراطية؛ قلنا: عندما يُخيَّر الإنسان نفعل هذا أو لا نفعله، هل نقبل بهذا الحكم الشرعي أو لا نقبله، هل هذا عنده انقياد في قلبه؟ لا، لأنه يتخير، والانقياد لا يتوافق ولا يجتمع مع التخير في أحكام الله b؛ فما دام الإنسان قلبه ليس مذعنًا ولا منقادًا ولا ملتزمًا فإنه يتخير بعد ذلك؛ فيفعل ما يرى أن يفعله، وما لا يرى أن يفعله فإنه لا يفعله.
فإذًا هذا هو اعتقاد القلب الذي يدخل في أصل الإيمان، وهو الذي إذا أخل به الإنسان خرج عن أصل الإيمان، يعني صار في عداد الكافرين؛ فإذا أخل بأصل الإيمان في قلبه وأتى بإقرار اللسان وعمل الجوارح فهو من المنافقين.
وكذلك إقرار اللسان لمن كان قادرًا على النطق بالشهادتين، هذا لم يأتِ بأصل الإيمان، يعني إنسان يريد يصلي وهو يزعم أنَّ عنده اعتقاد القلب ولكنه يأبى أن ينطق بالشهادتين مع القدرة عليهما، فهذا لم يأتِ بأصل الإيمان.
وكذلك عمل الجوارح؛ فأعمال الجوارح إما أن تكون أفعالًا وإما أن تكون تُروكًا، أي يترك شيئًا؛ فهناك من أعمال الجوارح التي تدخل في أصل الإيمان؛ فإن تركها الإنسان خرج من دائرة الإسلام، وهناك من أعمال الجوارح التي يجب تركها والتي إن فعلها الإنسان أخل بأصل الإيمان وذهب أصل الإيمان.. مثل الصلاة على الصحيح؛ فالصلاة فعل، فهذه الصلاة وهي من أعمال الجوارح لأنها تؤدى بأعضاء الإنسان؛ فهي تدخل في أصل الإيمان؛ بحيث لو أن الإنسان تركها عمدًا فهو قد أخل بأصل الإيمان، يعني خرج من دائرة الإيمان، ولذلك النبي g يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)().
وكذلك هناك ترك، يعني هناك أفعال يجب على الإنسان أن يتركها فإذا فعلها أخل بأصل الإيمان؛ مثل رمي المصحف في القاذورات مثلًا، فالإنسان يجب عليه أن يعظم كتاب الله b، فإذا فعل خلاف ذلك، فقد استهان بكتاب الله فأخل بأصل الإيمان.
إذًا ضابط أعمال الجوارح التي تدخل في أصل الإيمان: أن كل فعل كان تركه كفرًا فهو داخل في أصل الإيمان، وأن كل ترك كان فعله كفرًا كان تركه داخلًا في أصل الإيمان.
فهذا هو الحد الأدنى في أصل الإيمان؛ الذي لو نزل عنه الإنسان خرج من ملة الإسلام.. وهو مقسم على اعتقاد القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح.
وزيادة في التفهيم: لو قلنا إن هذا هو أصل الإيمان وقاعدته، ويشمل الأمور الثلاثة: اعتقاد القلب وعمل الجوارح وإقرار اللسان؛ فلو أن إنسانًا أتى بأصل الإيمان ووقف عنده، يعني ما زاد عليه شيئًا، وقف عند أصل الإيمان وما زاد شيئًا من أفعال البر وأعمال الخير والطاعات، هذا الإنسان هل يكون في الآخرة من الناجين؟ يعني هل يكون في الآخرة من المخلدين في النار أو لا يكون منهم؟ الجواب: لا يكون من المخلدين في النار، ولكنه في دائرة الوعيد، فإذا وقف عند أصل الإيمان فهو في دائرة الوعيد، بمعنى أنه في مشيئة الله b؛ إن شاء عفا عنه وغفر له وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر ما فرط فيه من الأعمال الواجبة أو ارتكب من الأعمال المحرمة ثُمَّ أدخله الجنة، فهذا دخوله للجنة مُحَتَّم، يعني بفضل الله b، ولكن هو في داخل مشيئة الله b.. إذًا هذه هي المرتبة الأولى وهي أصل الإيمان.
2- المرتبة الثانية: الإيمان الواجب، يدخل فيه كل ما أمر الله c من الأعمال الواجبة، وترك كل ما نهى عنه من المحرمات؛ يعني: كل فعل ترتب على تركه وعيد أو لعن أو عقوبة شرعية كالحد فهذا داخل في الإيمان الواجب، وكلُّ تركٍ ترتب على فعله وعيد أو عقوبة أو لعن فتركه داخل في الإيمان الواجب.. يعني: الإيمان الواجب يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، هذا باختصار.
وصاحب الإيمان الواجب له حالتان:
أ- الحالة الأولى: أن الإنسان صاحب هذا العمل يأتي بالإيمان الواجب كاملًا، يعني يفعل جميع الواجبات ويترك جميع المحرمات، فهذا من الداخلين في الجنة ابتداءً، بفضل الله b؛ يعني أنَّ الإنسان إذا أتى بجميع الواجبات وانتهى عن جميع المحرمات فهو ممن يستحق أن يدخل الجنة ابتداءً، هذه هي الحالة الأولى وهي مَن أتى بالإيمان الواجب كاملًا.
ب- الحالة الثانية: وهي من فرط ونقص من الإيمان الواجب، إما بفعل بعض المحرمات أو تَرْك بعض الواجبات؛ فهذا الإنسان في دائرة الوعيد، مِثلُه مثلُ مَن أتى بأصل الإيمان ووقف عنده، فهذا وهذا يشتركان في كونهما في دائرة الوعيد؛ إن شاء الله غفر لهما وأدخلهما ابتداءً للجنة، وإن شاء عذبهما بقدر ما تركا من الواجبات أو فعلا من المحرمات ثم أدخلهما الجنة.
إذًا هذه هي المرتبة الثانية: الإيمان الواجب، ويسمى كذلك: «الإيمان الكامل بالواجبات».
3- المرتبة الثالثة: الإيمان المستحب، وهذا هو الذي فيه يتنافس المتنافسون، ويشمل فعل المستحبات وترك المكروهات واجتناب المشتبهات؛ فالإنسان إذا فرط في الإيمان المستحب كله ووقف عند الإيمان الواجب فقط وما نقص من الإيمان الواجب فهو ممن يدخل الجنة ابتداءً، وإذا زاد على الإيمان الواجب فهي الدرجات العلى في جنات النعيم.
وقد ذكر الله c هذه المراتب الثلاثة في كتاب الله b فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]؛ فالظالم لنفسه يشمل الذي وقف عند أصل الإيمان أو الذي نقص من الإيمان الواجب، يعني أهل الوعيد، ومنهم المقتصد يعني أتى بالإيمان الواجب ووقف عنده وما زاد عليه، ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله.. فهذه هي مراتب الإيمان.
فعندما نقول: إن الإيمان يشمل جميع الطاعات، فيشمل ما كان مِن الطاعات داخلًا في أصل الإيمان، وما كان داخلًا في الإيمان الواجب، وما كان داخلًا في الإيمان المستحب؛ فمعنى هذا أن نقصان الإيمان وزيادته يمكن أن يكون في الإيمان المستحب ويمكن أن يكون في الإيمان الواجب، ولكن هل يكون في أصل الإيمان؟ لا.. فإذا ضاع إيمانه في أصل الإيمان، فمعناها أنه دخل في دائرة الكافرين والعياذ بالله، ولكنَّ زيادة الإيمان ونقصانه تدخل في اعتقاد القلب وفي أعمال الجوارح أيضًا بما فيها عمل اللسان.
إذن هذا هو الأمر بالنسبة لمراتب الإيمان.. ونقف هنا ونكمل غدًا حتى نفصل أكثر في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه ونعرج على أقوال الخوارج والمعتزلة في هذه المسألة، لأننا نُتهم بأننا خوارج فلا بد أن نبرئ أنفسنا.
في الجلسة الماضية كنا قد بدأنا الكلام على مسمى الإيمان، وعن حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ونبهنا إلى أن معرفة الإيمان من الأمور العظيمة التي يترتب عليها الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة؛ كما أن هناك أمورًا كثيرة تتعلق بمعرفة الإيمان والكفر؛ فالإيمان يقابله الكفر، والإنسان إذا لم يفرق بين الإيمان وبين الكفر، ولم يفرق بين من هو مؤمن ومن هو كافر، فربما زلت قدمه فوقع في الكفر -والعياذ بالله- من حيث لا يشعر، وربما والى وأحب وَصَافَى من هو مِن الكافرين، أو تبرأ مِمَّن هو من المؤمنين؛ فلذلك هذا الأمر مهم، والمسلم ينبغي عليه ألا يغفله وألا يجهله، وأول ما بدأنا الكلام في الجلسة الماضية، قلنا: إن هناك أمورًا لا بد للإنسان أن يعرفها عند التعامل مع مثل هذه المسألة.
وأول هذه الأمور: عندما نريد أن نحدد معنى لفظ من الألفاظ، وهذا اللفظ جاء في كلامِ الشرع إما في الكتاب وإما في السنة، فعندما نريد أن نحدد معناه أو نعرف مسماه وحقيقته، فهناك طريقان:
الطريقة الأولى: هي البناء على المقدمات اللغوية ومعرفة دلالات الألفاظ من جهة اللغة ومن جهة استخدام العربي، وقلنا إن هذه الطريقة خاطئة في التعامل مع دلالات الكتاب والسنة؛ لأنها تؤدي إلى انحراف وإلى زيغ -والعياذ بالله- كما سنرى عندما نتكلم عن حقيقة الإيمان عند بعض الفرق.
والطريقة الثانية عندما نريد أن نحدد معنى لفظ ورد في الشرع: أن نستقرأ وأن نتتبع المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ، ثم بمجموع هذا التتبع والاستقراء والجمع نخرج بحقيقة، وهذه الحقيقة هي المدلول الشرعي لهذا اللفظ.. وهذه هي الطريقة الصحيحة، وضربنا مثالًا بالصلاة ولا نريد تكرار الكلام.
والنقطة الثانية التي ذكرناها: أنَّ البدعة لا تعالج ببدعة مثلها، وإنما تعالج البدعة بالكتاب والسنة وببيان مخالفتها لهما، كما قال النبي g: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا)، وهذه الاختلافات تدخل في العقائد، وفي الأقوال، وفي الأعمال، وفي السياسات، وفي كل باب، وذكر لنا النبي g وبين لنا المخرج من هذا الاختلاف فقال: (فعليكم بسنتي) فهي العلاج إذن، (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) لماذا؟ لأن سنتهم من سنة النبي g، فهم لا يبتدعون دينًا جديدًا وشرعًا جديدًا يحكمون به الناس، وإنما ذلك لاتباعهم لسنة النبي g ولفهمهم الصحيح لكتاب الله وسنة النبي g، فهم مؤتمنون على دين الله b.. وسنرى كيف حصل ووقع الانحراف عندما عولجت أو قوبلت البدعة ببدعة أخرى.
والنقطة الثالثة: كل من قعد قاعدة أو أصل أصلًا، فإن قاعدته إذا بناها على غير الكتاب والسنة وبغير دلالتهما، فإن هذا يقوده إلى تحريف النصوص ومحاولة تطويعها حتى توافق هذه القاعدة التي اعتقد صحتها واعتبرها قاطعة من القواطع التي لا يتطرق إليها الشك، وليست قابلة للنظر ولا النقد؛ فإذن، عندما تكون هناك قاعدة أو أصل لا بد أن نعرضها على الكتاب والسنة حتى نحكم بصحة هذه القاعدة أو نحكم ببطلانها، وأما أن تكون هذه القاعدة -سواء كانت قاعدة عقلية، أو قاعدة سياسية، أو نظرًا إلى مصالح ومفاسد مجردة- فنأتي إليها ونسلم بها ونجعلها حكمًا على النصوص؛ فهذا لا شك أنه سيقودنا ويؤدي بنا إلى تحريف النصوص، وجعل هذه القاعدة هي الأعلى والنصوص هي التي دُونَها؛ فكأننا ننظر إلى النصوص من خلال هذه القاعدة؛ فما وافقها قلنا هذا صحيح وهو موافق للقاعدة، وما خالفها فإما أن نبطله ونرده، وإما أن يحرفَ صاحبُ القاعدة النص من الكتاب والسنة حتى يقول: هو موافق لقاعدتي وليس مناقضًا لها ولا مخالفًا لها، ويكون ذلك تحريفًا لألفاظ الكتاب والسنة تحريفًا زائغًا.
إذن هذه الأمور الثلاثة كلها ذكرناها وسينبني عليها كلام مما سنراه إن شاء الله تعالى.
ولا بد أن يرسخ هذا الأمر في أذهانكم فلا يكون مثل الضباب، بل لا بد أن يكون واضحًا ومحددًا في ذهنك؛ فالموضوع ليس سهلًا والأحكام التي تترتب عليه أيضًا ليست سهلة، والخطأ فيه ولو كان يسيرًا ربما يقود الإنسان إلى انحراف آخر؛ فلا بد أن تترسخ هذه المعاني في أذهانكم وأن تحاولوا مراجعتها مرة بعد أخرى حتى تكون واضحة عندكم.
ثم ذكرنا بعد ذلك الكلام على مسمى وحقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فذكرنا لهم عدة تعريفات؛ التعريف الأول من العبارات التي أخذناها وهي العبارة الشائعة بين السلف؛ أن «الإيمان قول وعمل»، والتعريف الثاني: «قول وعمل ونية»، والتعريف الثالث: «قول وعمل ونية وسنة»، والتعريف الآخر: «قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح»؛ إذن هذه هي التعريفات التي ذكرناها، وقلنا: إن كل زيادة لا تناقض الأخرى، وإنما هي كالبيان أو كالاحتراز من الفهم الخاطئ الذي قد يتسرب إلى بعض الأذهان.
وتكلمنا عن المقصود بالقول والعمل، وأنَّ المقصود بالقول هو: قول القلب وقول اللسان. والمقصود بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، ويدخل فيها اللسان وعمل الجوارح.
وما هو معنى قول القلب؟ قلنا: قول القلب هو المعرفة والتصديق، وقلنا إنَّ قول القلب هو توحيد الربوبية، ثم تكلمنا على عمل القلب، وأنه: الالتزام والانقياد والتسليم، ثم تكلمنا عن المقصود بقول اللسان وأنه: الإقرار والنطق بالشهادتين لمن يقدر عليهما، وذكرنا عمل الجوارح وأنه ما لا يؤدى إلا بها كالصلاة، والزكاة، وتلاوة القرآن.. وغير ذلك.
ثم بعد ذلك تكلمنا على مراتب الإيمان، وقلنا إن للإيمان ثلاث مراتب:
1- المرتبة الأولى: أصل الإيمان، ويسمى كذلك «مطلق الإيمان»، وهو الإيمان الذي ينتفع به صاحبه وينجو به من عذاب الله؛ فإذا أخل بأصل الإيمان فقد صار في عداد الكافرين -والعياذ بالله-، وما يدخل في هذا الأصل مقسم على القلب واللسان والجوارح؛ فبالنسبة للقلب هو: الإيمان بما جاء به النبي g والتصديق به جملة وعلى الغيب؛ فالإنسان يعقد قلبه على التصديق بكل ما جاء به النبي g إجمالًا، ويصدق بما سيُخبر به بعد ذلك حول الغيب، يعني ما لم يكن معلومًا وما لم يكن موجودًا، والانقياد كذلك، ولكن الانقياد من عمل القلب، والتصديق من قول القلب.
وبالنسبة للسان فهو: النطق بالشهادتين للقادر عليهما، وأما الجوارح فأعمالها إما أن تكون تركًا أو فعلا؛ فكل عمل كان تركه كفرَا فإن فعله يدخل في أصل الإيمان كالصلاة على الصحيح، وكل عمل يكون فعله كفرًا فإن تركه من أصل الإيمان كإهانة المصحف والسجود للصنم ونحو ذلك.
وذكرنا أنَّ أصل الإيمان، الذي لا يتم الإيمان إلا به؛ مقسم على القلب واللسان والجوارح؛ فهناك من أقوال القلب وأعماله ما يدخل في أصل الإيمان، وهناك من أقوال اللسان ما يدخل في أصل الإيمان، وهناك من أعمال الجوارح ما يدخل في أصل الإيمان؛ فقول القلب هو التصديق والمعرفة. وعمل القلب يدخل فيه الانقياد والالتزام والتسليم وأصل المحبة وأصل الخوف لله b؛ فهذه كلها تدخل في عمل القلب الذي هو من أصل الإيمان. واللسان المقصود به الإقرار والشهادتان لمن كان قادرًا عليهما؛ فهذا من أصل الإيمان. وأعمال الجوارح على قسمين؛ إما أن تكون فعلًا وإما أن تكون تركًا؛ فالترك فعل على الصحيح من أقوال العلماء؛ فكل عمل كان تركه كفرًا فإن فعله يدخل في أصل الإيمان، كالصلاة على الصحيح من أقوال العلماء، فمن ترك الصلاة فقد كفر، فمعنى هذا أنَّ فعل الصلاة يدخل في أصل الإيمان، فلو أن الإنسان -افتراضا وهذا لن يكون- كان عنده قول القلب وعمل القلب وإقرار بالشهادتين وأعمال أخرى كزكاة وصيام وحج ولكنه تارك للصلاة؛ فهذا أخل بأصل الإيمان بعمل من أعمال الجوارح فلا تنفعه أعماله.
والضابط لأعمال الجوارح التي تدخل في أصل الإيمان أو تركها يدخل في أصل الإيمان -وهذه قاعدة عامة يدخل فيها الصلاة وغيرها، فليس ذلك حصرًا في الصلاة-: أنه: ترك كل عمل فعله كفر؛ فكل عمل يكون تركه كفرًا فإنَّ فعله من أصل الإيمان كالصلاة، وكل عمل يكون فعله كفرًا فإن تركه من أصل الإيمان كالسجود للصنم وإلقاء المصحف في القاذورات، فهذا فعل كفر؛ فتركه من تعظيم آيات الله b وهو يدخل في أصل الإيمان، وهو من التوحيد.
فلو أن إنسانًا أتى بأعمال الجوارح كلها؛ صلى وصام وحج وأدى الزكاة وجاهد وفعل كل أعمال الجوارح وأقر بلسانه، إلا أن قول القلب منتفٍ عنه؛ يعني التصديق والمعرفة ليس عنده بل عنده، بل عنده تكذيب في قلبه، فهل هذا يكون مؤمنًا؟ لا، لأنه أخل بشيء في أصل الإيمان، مع أنه في الدنيا يعامل على أنه مسلم، ولكن في الآخرة لا ينفعه هذا.
وكذلك من أبى النطق بالشهادتين مع القدرة على ذلك، فهذا أبى أن يأتيَ بأصل الإيمان فلا ينفعه ما يفعل بعد ذلك؛ فإذا أخل بشيء مما يتعلق بالقلب أو بالإقرار اللساني أو بالجوارح -سواء كان فعلًا أو تركًا- فإنه قد أخل بأصل الإيمان.
والإيمان الذي نتكلم عليه هو الإيمان الحقيقي الذي ينتفع به صاحبه في الدار الآخرة عند الله، وأما الإيمان الحكمي وهو التعامل في أمور الدنيا فهذا يكفي به الإقرار باللسان والإتيان بالأعمال الظاهرة؛ ولذلك فالمنافق نعامله في الظاهر معاملة المسلم مع أنه قد يكون في باطنه وفي قلبه من أكفر خلق الله، ولهذا قال الله b: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]؛ فالإيمان الذي نتكلم عليه هو الإيمان الحقيقي الذي يريده الله من العباد، وهو الذي ينتفع أصحابه به في الآخرة.
2- والمرتبة الثانية: الإيمان الكامل بالواجبات «الإيمان الواجب»، وهو الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، وذكرنا أن الإيمان الواجب له درجتان لصاحبه:
أ- الدرجة الأولى في الإيمان الواجب: من أتى به كاملًا فلم يخل بشيء من الواجبات ولم يرتكب شيئًا من المحرمات، وهذا هو المقتصد الذي يستحق دخول الجنة ابتداء كما وعد الله c.
ب- الدرجة الثانية: من نقص إيمانه الواجب؛ إما بإتيانه لبعض المحرمات وإما بتركه لبعض الواجبات، وصاحبها مستحق للوعيد وهو ما يسمى بـ«الفاسق الملي» وهذا هو «الظالم لنفسه»، لأنه ما زال في ملة الإسلام ولم يخرج منها، إلا إذا كان هناك إصرار عليها فبعد ذلك يسمى فاسقًا؛ فهذا في دائرة الوعيد وفي مشيئة الله b، إن شاء غفر له برحمته وإن شاء عذبه بقدر ما ارتكب ثم أدخله الجنة ومآله إلى الجنة لأن أصل الإيمان موجود معه، وهو ما يسمى بالفاسق الملي وهو الظالم لنفسه.
ولتوضيح هذه المرتبة وتصويرها لتُفهم نقول: الإيمان الواجب الذي أراده الله من الخلق هو فعل الواجبات وترك المحرمات؛ فمن أضاع شيئًا منها فقد نقص إيمانه الواجب، ففي هذه الحالة: لا يزال مؤمنًا وما نقض إيمانه بالكلية ولا يزال في دائرة الوعيد والمشيئة؛ فإن شاء الله غفر له هذا النقص الذي فعله بترك واجب أو فعل محرم، وإن شاء عذبه بقدر ما ارتكب من المحرمات وترك الواجبات ثم أدخله الجنة؛ لكن مآله إلى الجنة لأن أصل الإيمان موجود معه، وهذا يُسمى بـ«الفاسق المِلِّي» فهو فاسق لارتكابه محرمًا وتركه واجبًا، ومِلِّي لأنه ما زال في ملة الإسلام وما خرج منها.
ومرتبة الإيمان الواجب «الالتزام والانقياد والتسليم» يدخل تحتها أصل المحبة؛ فالإنسان الذي لا يحب الله أصلًا، وليس في قلبه محبة لله؛ فلا شك أن المحبة تزيد وتنقص ولكن لا ينتفي أصلها، فإذا انتفى أصلها فهذا ليس عنده عمل قلب، وإذا كانت خشية الله ليست في قلبه أصلًا فقد زال أصل الإيمان من قلبه؛ فهناك فرق بين نقصان الخشية وبين انتفائها من القلب، وكذلك إنسان ليس في قلبه انقياد لأحكام الله b، فلا يوطِّن نفسه على الانقياد التام لأحكام الله b، وكذلك من ليس عنده تسليم لأحكام الله c بمعنى أنه يرد ما شاء منها ويتخير منها ما شاء مع تيقنه أنها أحكام الله b؛ فهذا إخلال بعمل القلب؛ فالمنافقون مثلًا عندهم أعمال الجوارح وعندهم إقرار بالشهادتين فيكون عندهم قول القلب بمعنى أنهم مصدقون أنه رسول الله g ويعرفون ذلك، ولكن ليس عندهم الانقياد والتسليم فعمل القلب ليس عندهم، والالتزام ليس عندهم: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ﴾ [البقرة: 14] ولذلك قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 142]، فالأعمال لا يعملونها من باب الالتزام والانقياد لأحكام الله b، فيكون الخلل في عمل القلب، وقد يكون عند بعضهم ذلك؛ كأن يكون عند بعضهم نوع خوف من الله b لكن ليس عندهم انقياد، مثل قول إبليس في غزوة بدر حين قال: ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48] على ما في بعض التفاسير، ولكن على قول بعض أهل العلم فقد قالها كاذبًا، ولو خاف الله لاتقى كما قال العلماء.
وضابط الأعمال التي تدخل في الإيمان الواجب: هو ما كان على تركه وعيد أو على فعله وعيد مما ليس كفرًا؛ أي هو ما توعد الشرع على تركه أو توعد على فعله؛ لأنه لو كان كفرًا لكان من أصل الإيمان. فالآن مثلًا ترك الزكاة عليه وعيد، وترك الصيام متعمدًا عليه وعيد، وارتكاب الزنا عليه وعيد، والسرقة عليها وعيد.. فهذه كلها تدخل في الإيمان الواجب الذي يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات.
ومعرفة أن هذا واجب أو أن هذا محرم، أو أن هذا كفر أو ليس بكفر، إنما يكون بدليل الشرع وبدلالة الكتاب والسنة؛ فالسنة مثلًا فرقت لنا بين ترك الصلاة وبين ترك الحج، فجعلت ترك الصلاة في أصل الإيمان وترك الحج في الإيمان الواجب.
3- والمرتبة الثالثة: الإيمان المستحب، وهي فعل المستحبات والمندوبات، وترك المكروهات والمشتبهات -وهي مرتبة الإحسان-، وصاحب هذه الدرجة زاد على الإيمان الواجب باجتهاده في الطاعات والمندوبات؛ فهذه زيادة في الإيمان وزيادة في الدرجات في الآخرة، وفيها يتنافس المتنافسون.
والإيمان هنا شعب كثيرة لا يحصيها إلا الله c؛ لأن الواجبات والتكاليف كثيرة -سواء بالنسبة للشخص أو بالنسبة لمجموع الأمة-، والمحرمات التي نهى الشرع عنها كذلك كثيرة لا يحصيها إلا الله c.
وقد دل على هذه المراتب الثلاث: قول النبي g: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان)()، فهذا الحديث يشمل جميع شعب الإيمان؛ منها ما يدخل في أصل الإيمان وهو أعلاها: قول لا إله إلا الله، ومنها ما يكون في الإيمان الواجب، ومنها ما يكون في الإيمان المستحب.
وقلنا إن هذه المراتب الثلاث دل عليها قول الله b: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32]. فالظالم لنفسه هو من أخل ببعض الواجبات أو ارتكب بعض المحرمات، أو من وقف عند أصل الإيمان ولم يأتِ بشيء من الواجبات فهو في دائرة الوعيد، ولذلك يخرج الله يوم القيامة من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان -أي عنده أصل الإيمان-، لكن من أخل بأصل الإيمان فخلاص هذا لا نجاة له من عذاب الله -والعياذ بالله-. ومنهم المقتصد وهو الذي توقف عند فعل الواجبات وترك المحرمات وما زاد عليها شيئًا، فهذا يدخل الجنة ابتداء، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وهذه مرتبة الإيمان المستحب أو «الكامل بالمستحبات».
والأدلة على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان كثيرة من كتاب الله ومن سنة النبي g، منها حديث الشُّعَب الذي ذكرناه قبل قليل؛ فإماطة الأذى عن الطريق فعل.
ومنها قول الله b: ﴿وَمَا كانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 143]، فقد اتفق المفسرون على أن المقصود بإيمانكم في هذه الآية هو الصلاة؛ وذلك أن بعض الصحابة توفوا قبل أن تُحوّل القبلة؛ كانوا يصلون إلى بيت المقدس فتوفوا قبل أن تحول القبلة، فقال الصحابة من بعدهم: لا نعرف ما يفعل بإخواننا الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة، فأنزل الله b هذه الآية، ومعناها: أي وما كان صلاتكم التي صليتموها تجاه بيت المقدس. والأدلة على أن الأعمال تدخل في الإيمان كثيرة.
والآن نأتي إلى مسألة أخرى وهي مسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ ونحن نريد أن نقرر أقوال أهل السنة حتى تكون واضحة ثم ننتقل إلى الأقوال الأخرى المقابلة لها فيكون الأمر أكثر وضوحًا.
اتفق السلف والعلماء من أهل السنة على أن الإيمان يزيد؛ لأنَّ دلالة الكتاب على هذا واضحة كقول الله b: ﴿لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾ [الفتح: 4]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا﴾ [التوبة: 124]، وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا﴾ [الأنفال: 2]، وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى﴾ [محمد: 17]، والآيات في هذا كثيرة، وعلىه اتفق السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وقد دلت السنة على أن الإيمان ينقص، كقوله g: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)()، وكقوله g: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين...)() إلى آخر الحديث.
وقال العلماء من السلف: وإذا وُصف الشيء بالزيادة فإن هذا يدل على أنه ينقص؛ فإن الشيء لا يوصف بالزيادة إلا إذا كان قابلًا للوصف بالنقصان، وإن الشيء قبل أن يزيد فهو على حالة أنقص مما هو عليه بعد الزيادة.. وأقوال السلف في هذا كثيرة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ولكن ما هي المواضع التي يزيد فيها الإيمان وينقص؟
قلنا إنَّ التصديق من الإيمان، وأعمال القلوب من الإيمان، وأعمال الجوارح من الإيمان -سواء في أصل الإيمان أو الواجب أو المستحب-، فقد ذكر العلماء لزيادة الإيمان ونقصانه عدة أوجه:
1- الوجه الأول: زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة لكثرة تنزل الشرائع والتكاليف الشرعية؛ فالله b قال: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا﴾ [المائدة: 3]، ففي هذا الوقت قد اكتمل الدين واكتمل تنزل الوحي بالتكاليف الشرعية للنبي g، وقبل أن يكتمل الدين كان حاله أنقص من وقت الاكتمال؛ فلو قلنا إنَّ التكاليف الشرعية كلها التي اكتمل بها الدين وتدخل في مسمى الإيمان جميعًا هي ألف تكليف مثلًا، فعندما نزل قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾ انتهى الأمر، فقبل أن تنزل آخر واحدة عندما كانت التكاليف تسعمائة وتسعة وتسعين كان الأمر أنقص من الاكتمال، فإذا نظرنا إلى جهة تَنُزِّل التكاليف الشرعية والأمر بالأعمال فإنها في وقت من الأوقات كانت أنقص من غيرها، وهذا أحد أوجه زيادة الإيمان ونقصانه بالنظر إلى نزول الآيات والتكاليف الشرعية.
2- الوجه الثاني: من جهة معرفة الشخص ذاته وتصديقه بالأخبار؛ إما على الإجمال وإما على التفصيل؛ فلو كان عندنا شخصان؛ زيد وعمرو، فعند عمرو الإيمان المجمل، وهو أنه مصدق بكل ما جاء به النبي g جملة، فهو في الإجمال لا يعرف تفاصيل أخبار النبي g وعن الغيب -أي ما وصله الآن وما سيأتيه فيما بعد-، وكذلك عقد قلبه على الانقياد والتسليم لكل ما جاء به النبي g جملة وعلى الغيب. بينما زيد عنده هذا الأمر الإجمالي الذي عند عَمرو ولكن عنده زيادة معرفة بالشريعة؛ فإذا كان عمر يعرف مما أخبر به النبي g عشرين خبرًا مثلًا ويصدق بها على التفصيل ثم يصدق بالأمور التي لا يعرفها إجمالًا قائلًا: أي شيء قاله النبي g فأنا مصدق به، فنجد زيدًا يعرف من أخبار النبي g ألف أمر مثلًا وهو مصدق بها واحدًا واحدًا، وكذلك عقد قلبه على أن يصدق ما سيأتيه فيما بعد.. فهل إيمان زيد كإيمان عمرو؟ لا؛ لأن التصديق من الإيمان أصلًا، فتصديق زيد أكثر من تصديق عمرو بالنظر إلى تفاصيل الأخبار التي يعرفها زيد.
وكذلك الانقياد؛ فعمر عنده انقياد إجمالي وانقياد في بعض الأمور التي وصلته من أوامر الله وأوامر النبي g، وزيد عنده كذلك الانقياد الإجمالي -يعني عقد قلبه أن كل شيء جاء من عند النبي g فقلبه طائع له باعتباره من عند الله b-، ثم جاءته الأوامر؛ فعمرو يعيش في بادية مثلًا لا يعرف من أوامر الله إلا عشرة، وزيد رجل عالم راسخ في العلم يعرف من أوامر الله وأوامر النبي g ألفًا مثلًا، فكلاهما عنده انقياد وإذعان، ولكن بالنظر إلى عدد الأوامر التي عقد قلبه على الانقياد لها: هل انقياد عمرو كانقياد زيد؟ لا، فزيد زائد في انقياده.. إذن هذا وجه آخر من أوجه زيادة الإيمان ونقصانه من جهة ما يعلمه الإنسان نفسه من التكاليف الشرعية والتي عقد قلبه على التصديق بها والانقياد لها.
فبالجملة: إنَّ زيادة الإيمان ونقصانه تشمل الإيمان المستحب وتشمل الإيمان الواجب، ولكن هل تشمل أصل الإيمان؟ لا..! لأن الإنسان إذا نقص أصل إيمانه دخل في الكفر، ولكن لا نستطيع أن نضع حدًا معينًا بحيث نجعله لكل أحد بحيث لو نزل عنه أخلَّ بأصل الإيمان، بل هذا يختلف بحسب الأشخاص؛ فالمقصود أن أصل الإيمان إذا وقع الخلل فيه فقد انتقض الإيمان؛ فالإنسان إذا كان عنده تصديق ثم حصل له ريب واستقر هذا الشك في قلبه -وليست الهواجس والخواطر التي تقع في القلوب- بل وقع في قلبه ريب واستقر ورسخ: هل النبي g صادق في رسالته أو ليس بصادق؟! فهذا أخل بأصل الإيمان؛ إذا استقر هذا الأمر وثبت وبنى عليه الإنسان أحكامه، بخلاف الهواجس والخواطر التي تأتي ويستعيذ بالله من الشيطان منها ويطردها ويدفعها.
فهذا يدلنا على أن التصديق في ذاته يزيد وينقص؛ لأن هذا الأمر سيأتينا عندما نتكلم على الإيمان عند المرجئة؛ فالتصديق في ذاته بخبر من الأخبار أو التصديق برسالة النبي g ليس الناس فيه متساوون، بل الشخص الواحد يكون حاله في التصديق بخبر ما في وقت من الأوقات أكثر من تصديقه بهذا الخبر في وقت آخر؛ إذن التصديق في نفسه يمكن أن يزيد وينقص، ويضرب له العلماء مثالًا برؤية الهلال؛ فلو كان هناك رجل نظره حاد ويرى الهلال بوضوح، وهناك رجل آخر ينظر إلى الهلال ولكن بطريقة أقل من هذا، وهناك رجل ثالث يرى الهلال ولكن عليه غبش ولكن يرى الهلال ويميز جرمه.. فالآن كل هؤلاء يمكن أن نقول إن عندهم رؤية للهلال، وجميعهم يرون الهلال، ولكن هل رؤيتهم للهلال على مرتبة واحدة؟ لا، ليست على مرتبة واحدة؛ فأصل الرؤية موجود عندهم -بحيث لو فقدها الإنسان صار أعمى-، ولكن اختلفوا في وضوح هذه الرؤية. كذلك التصديق؛ سواء كان في الأخبار العينية أو في التصديق الإجمالي، ولهذا يقول النبي g: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا)()؛ لأن علم النبي g بتفاصيل أمور الآخرة ويقينه بهذه الأمور ليس كغيره من الناس، وإيمان أبي بكر وتصديق أبي بكر بأخبار النبي g ليس كتصديق غيره.
ولذلك فإن الإنسان قد يصدق بالخبر ويكون في قرارة نفسه تصديق له -أي ليس في قلبه تكذيب له-، ثم بعد ذلك تأتي قرائن وتحفُّ بهذا الخبر فتقويه وتزيد أمرَ التصديق فيه، ولذلك يقولون: «ليس الخبر كالمعاينة»؛ فالإنسان عندما يسمع شيئًا ويصدق به لا يكون يقينه بهذا الأمر كيقينه عندما يرى هذا الخبر عيانًا، ولذلك فموسى n عندما أخبره الله b بأنَّ قومه قد عبدوا العجل مِن بعده في غيبته لم يلقِ الألواح، ولكن عندما جاء إلى قومه ورآهم بعينه كيف يعبدون العجل ألقى الألواح من هولِ ما رأى، فهل كان في قلب موسى ريب أو شك في صدق خبر الله b له؟ حاشَ لله؛ فتصديقه لخبر الله b كان تصديقًا يقينيًا، ولكن هذا التصديق انضافت إليه المشاهدة والرؤية فازداد رسوخًا ووضوحًا.
فإذن، التصديق قابل للزيادة والنقص، ولكن إذا دخل إلى دائرة التكذيب أو دخل إلى دائرة الشك الذي يقابله اليقين واستقر هذا الأمر، فلا شك أنه دخل في دائرة الكفر.
وهذا الأمر مهم في مسألة التصديق وزيادته؛ فإذا كان الإيمان يزيد في التصديق وينقص، فمن باب أولى أن يزيد في أعمال القلب؛ فمحبة الناس لله b ليست واحدة، والتوكل على الله b وهو من أعمال القلوب: ليس توكلًا واحدًا، وكذلك الخوف من الله b ورجاء الله c والطمع في رحمة الله c؛ هذه كلها من أعمال القلوب والناس فيها يتفاوتون تفاوتًا لا يعلمه إلا الله c.
فلذلك عناية الإنسان ينبغي أن تتوجه إلى تزكية قلبه؛ فالنبي g قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)()، والأمر متلازم؛ فصلاح القلب يؤدي إلى صلاح الجوارح، وكثرة الطاعات تؤدي إلى تزكية القلب، كما قال الله b: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45]؛ فهي تزجر الإنسان عن أن يرتكب ما حرم الله c، فهناك ارتباط بين الظاهر وبين الباطن.. ارتباط بين أعمال الجوارح وبين أعمال القلوب.
والخلاف بينهم في ترك الصلاة؛ ما الذي يدخل في أصل الإيمان: هل هو ترك الصلاة كليًا، أو أن من ترك صلاة واحدة فقد أخل بأصل الإيمان؟ فهناك فرق.. فمن يقول: إن من يترك صلاة واحدة متعمدًا فقد كفر، فعنده ترك الصلاة الواحدة عمدًا مخل بأصل الإيمان.
وأما من يقول إن ترك الصلاة هو فيمن يصلي مرة ويترك مرة، ولم يترك جنس الصلاة كليًا، فهذا ليس بكفر وعنده هذا لم يخل بأصل الإيمان، بل عنده أصل الإيمان.
فالاختلاف في كيفية دخول ترك الصلاة في أصل الإيمان، وما هي الصورة التي يدخل بها فعل الصلاة في أصل الإيمان.
()ولنكمل في أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، وقبلها نذكر ما مضى سريعًا:
1- فمن ذلك: الازدياد الإجمالي والتفصيلي فيما أمر الله به عباده، وتكلمنا عليها أمس ولن نعيد الكلام فيها.
2- الإجمالي والتفصيلي فيما وقع من المؤمنين: فالذي يعلم بالشيء ويعمل به ليس كالذي يعلم بالشيء ولا يعمل به؛ فالذي جمع بين العلم والعمل ليس كالذي علم ولم يعمل.. إلى غير ذلك من الصور التي ذكرها العلماء وهي أكثر من هذه.
3- أن التصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض؛ فالتصديق في الخبر الواحد يكون الإنسان فيه في حال أشد تيقنًا ورسوخًا وتصديقًا من حاله في وقت آخر، وذلك بحسب القرائن والشواهد والأدلة التي تقوي هذا التصديق، وضربنا لذلك مثلًا بالأمور المحسوسة المشاهدة برؤية الهلال، فأصل الرؤية موجود عند الجميع -يعني أصل التصديق الذي هو من أصل الإيمان موجود عند الجميع- ولكن بعد ذلك يتفاوت الناس في رؤية الهلال من حيث الوضوح والغبش، ولكن الجميع كلهم يرونه، إلا إذا فقد الإنسان بصره فنقول عند ذلك: هذا لا يرى الهلال، وليس عنده مشاهدة، وكذلك الذي فقد أصل التصديق، فهذا نقول: ليس عنده تصديق؛ فالتصديق يختلف في الشيء الواحد؛ كحال الناس في الخبر الواحد، فالذي يُمارس سنةَ النبي g ويأتيه حديث عن النبي g أخبر فيه عن شيء، ورأى له من الشواهد والأدلة والقرائن ما أصبح عنده هذا الخبر يقينًا عن النبي g وغير قابل للتشكيك ولا التردد؛ ليس حاله كحال شخص سمع بهذا الحديث ويمكن أن يدخله التشكيك فيه، مع أن هذا عنده تصديق للخبر وهذا عنده تصديق للخبر، فالتصديق نفسه يقبل الزيادة ويقبل النقصان.
4- أن أعمال القلوب كلها من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها تفاضلًا عظيمًا لا يعلم قدره إلا الله؛ فأعمال القلوب مثل المحبة والخوف والرجاء والتوكل، إلى غير ذلك من أعمال القلوب، هذه لا شك أن الناس فيها ليسوا سواءً، فالتفاضل بين الناس في محبة الله ورسوله؛ لا يعلمه إلا الله c، ولهذا قال الله b: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وكذلك الخوف من الله c؛ فخوف الناس من الله b ليس واحدًا، فالذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراك لا يستويان.. فالناس فيه ليسوا سواء، ولكن أصل المحبة لا بد أن يكون في القلوب، وأصل الخوف لا بد أن يكون في القلب، وأصل التوكل لا بد أن يكون في القلب.. لأنها تدخل في أصل الإيمان؛ فإذن أعمال القلوب يتفاضل الناس فيها تفاضلًا لا يعلمه إلا الله c.
5- أن الأعمال الظاهرة من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها وهي تزيد وتنقص، والأعمال الظاهرة نقصد بها أعمال الجوارح، سواء منها ما يدخل في أصل الإيمان أو في الإيمان الواجب أو في الإيمان المستحب؛ فهذه كلها تدخل في الإيمان، والناس يتفاضلون فيها؛ مع قولنا أولًا أن الأعمال داخلة في الإيمان، وذكرنا من قبل الأدلة على هذا، فالناس يتفاضلون في الأعمال الظاهرة هذه تفاضلًا يراه كل أحد، ولا يستطيع أحد أن ينكره؛ الناس ليسوا سواء في ما يقومون به من الطاعات كالصلاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين، هذه أعمال كلها طاعات وتدخل في الإيمان.. والناس في أدائها ليسوا سواء، بل في العمل الواحد كالصلاة، هذه ليست كصلاة هذا؛ في أدائها وإتمام ركوعها وسجودها وذكرها وإطالة القراءة فيها؛ فالناس فيها ليسوا سواء.
فإذن الأعمال الظاهرة هي أولًا من الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم بعد ذلك إذا كانت من الإيمان فالتفاضل فيها والزيادة والنقص فيها لا يستطيع أحد أن ينكره ممن يقول إن الأعمال داخلة في الإيمان.. إذن هذه هي أوجه زيادة الإيمان.
إذن رأينا أن الإيمان يزيد وينقص سواء كان بالأعمال الظاهرة أو كان بأعمال وعمل القلب أو بقول القلب أيضًا.
نذكرها حتى يتضح قول أهل السنة أيضًا، وحتى يتبين لنا فائدة ما ذكرناه أولًا من القواعد الثلاث؛ فنتكلم أولًا عن:
الخوارج هم فرقة خرجت على علي h عندما وقع التحكيم بين علي وبين معاوية لإيقاف القتال، فقال الخوارج هؤلاء: «لقد حكَّم عليٌّ الرجال وترك كتاب الله b فقد كفر»! إذن هذا هو منشأ ومنبت خروج الخوارج، وهي أول فرقة مبتدعة -أي بهذا التأصيل وبهذا الاجتماع- خرجت في تاريخ المسلمين، والخوارج هؤلاء أول ما خرجوا كانوا مختلطين بمعسكر المسلمين، ثم بعد ذلك اعتزلوا في موطن يسمى حروراء، ولذلك يسمون «الحرورية»، وذهب ابن عباس h وناظرهم هناك في مكانهم الذي كانوا يعتزلون فيه؛ مناظرة عظيمة تدل على رسوخه في العلم وعلى قوة حجته h وكانوا ستة آلاف فرجع منهم ألفان؛ تابوا ورجعوا إلى معسكر المسلمين وبقي منهم أربعة آلاف أصروا على رأيهم فقاتلهم عليٌّ h وأبادهم.. والمناظرة طويلة وفيها من الفوائد والعلم والتوجيهات التربوية الكثير؛ فلولا الإطالة لذكرنا هذه المناظرة وما فيها من الفوائد.
فالخوارج هذا أصل ظهورهم، ثم بعد ذلك بدأ مذهبهم يتطور ويتطور إلى أن وصلوا درجة من الغلو والشطط في حالة لا يختلف علماء المسلمين على تكفيرهم؛ فالخلاف في تكفير الخوارج إنما كان في الفرقة الأولى، وأما الذين طوروا المذهب بعد ذلك وزادوا على عقائد الخوارج وأنكروا كثيرًا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، حتى قال بعضهم: إن الصلوات إنما هي صلاة بالغداة وصلاة بالعشي فقط؛ فهؤلاء كفرهم العلماء.. فإذن الخوارج الذين نتكلم عليهم هم هؤلاء الذين ظهرت بدعتهم ابتداءً، والذي يعنينا منهم هنا ما هو معتقدهم في الإيمان.
الخوارج قالوا نفسَ قول أهل السنة والجماعة، قالوا: إن الإيمان قول وعمل، يعني يدخل فيه اعتقاد القلب وإقرار اللسان وأعمال الجوارح، قالوا هذا القول، وهناك فوارق بسيطة بينهم وبين أهل السنة الآن لا تعنينا كثيرًا، لكن الذي يعنينا هو مجمل تعريفهم للإيمان، فكيف وقع الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة؟ ومن أين وقعت المصيبة على الخوارج؟
هذا يُرجعنا إلى النقطة الثالثة التي ذكرناها، وهي: كل من قعد قاعدة مخالفة لكتاب الله b أو غير مأخوذة من الكتاب والسنة ستؤديه قطعًا إلى تحريف النصوص، وكما نعلم فإن البدعة تقود إلى بدعة أخرى: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ﴾ [الشورى: 40].
فالخوارج زادوا في باب الإيمان قاعدة، وقالوا: إن الحقيقة شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض؛ فإذا ذهب بعضها ذهبت كلها، وهذه القاعدة ضلَّت بها المعتزلة كذلك -مع أنها في موقف مناقض للخوارج!- فضلت بها المرجئة وضل بها الخوارج؛ وكل الفرق التي تكلمت في الإيمان ضلوا بسبب هذه القاعدة.. فما معنى هذه القاعدة؟!
قالوا: إن حقيقة الشيء -يعني مسمى الشيء- هو شيء واحد، إذا ذهب بعضه ذهب كله، فالشيء لا يتجزأ؛ فما هي النتيجة التي خرجوا بها من هذا؟! قالوا: إن أعمال الجوارح هي كلها جزء من حقيقة الإيمان، فإذا ترك الإنسان واجبًا أو ارتكب محرمًا فقد ذهب بعض إيمانه، وإذا ذهب بعض إيمانه فقد ذهب كلُّ إيمانه، فلذلك حكموا على مرتكب الكبيرة بأنه كافر وأنه مخلد في النار.. هذا أعظم أصول الخوارج، وهو قولهم: إن مرتكب الكبيرة -كالذي يزني أو يشرب الخمر أو غير ذلك- كافر في الدنيا ومخلد في النار في الآخرة.. فمنطلقهم في هذه البدعة أنَّ حقيقة الشيء تعد واحدة، إذا ذهب بعضها ذهبت كلها، يعني إذا ذهب شيء من أعمال الجوارح فخلاص كل الإيمان يُمسح، ولا يبقى منه شيء.
وأما أهل السنة فعندهم أن الحقيقة تتجزأ وتتبعض، يمكن أن يذهب بعض الإيمان ويبقى بعضه، يمكن أن يذهب الإيمان الواجب كله ويمكن أن يذهب الإيمان المستحب كله ولكن يبقى أصل الإيمان.
ثم دعموا بدعتهم هذه بأدلة مشتبهة فلم يجمعوا بين المحكم وبين المتشابه، وإنما انطلقوا إلى المتشابه من الكتاب أو من السنة ثم بعد ذلك جعلوه حجة لهم، كقول الله b: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغِضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، وكالحديث الذي ذكرناه قبل قليل: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، قالوا: إذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر. واستدلوا بأدلة من هذا القبيل قووا بها شبهتهم، كما قال الله b: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]. وأما أهل السنة فقد سَلِموا من هذا الزيغ، ولذلك طريقتهم في تقرير المسائل سواء كانت علمية أو عملية هو أن يجمعوا الأدلة في المسألة، فينظروا إلى مجموع الأدلة في المسألة ثم يخرجون بالحكم الشرعي، ولا يضربون كتاب الله بعضه ببعض، ولا يضربون كتاب الله بسنة النبي g، وإنما يقولون: كلٌّ من عند الله.. هذا كله من عند الله b.. فهذا قول الخوارج: حكموا على الإنسان بالكفر بارتكابه الكبيرة في الدنيا، وكذلك حكموا عليه بأنه مخلد في نار جهنم.
ولذلك فمن الظلم الذي يقع على المجاهدين أن يوصَفوا بأنهم خوارج، فما أحد من المجاهدين يقول بمثل هذا القول، وكذلك هاتوا أصول الخوارج كلها التي ذكرها العلماء؛ فليأتِ هؤلاء الذين يتهمون المجاهدين بأنهم خوارج بأصل واحد من أصول الخوارج قال به المجاهدون، فقط نريد أصلًا واحدًا مما قال به الخوارج وكان من أصول معتقداتهم قال به المجاهدون في أي بقعة من البقاع.. فهذا من الظلم، ونحن مأمورون بالعدل مع أعدائنا ومع إخواننا: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فهذا إذن مما امتُحنَّا به في هذا الزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي مقابل ذلك ذكرنا أن البدعة إذا لم تعالج بكتاب الله وبسنة النبي g فإنها ستنتج بدعة أخرى ولا بد، وقد تكون أشنع منها، أما إذا عولجت بالكتاب والسنة كما فعل ابن عباس h عندما ذهب وحاجَّ الخوارج وناظرهم بكتاب الله وبسنة النبي g، فقد رجعوا إلى الحق ورجعوا إلى جماعة المسلمين ورجعوا إلى طاعة أمير المؤمنين علي h؛ لأنه حاجهم وناظرهم وأقام عليهم الدليل بكتاب الله وبسنة النبي g، وهم أهل الفهم الصحيح، فالصحابة j عليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله كما قال ابن عباس للخوارج.. لماذا ذكرت هذا؟ حين ذكرنا القاعدة العامة للخوارج وهي أن الشيء إذا ذهب بعضه ذهب كله، فلا يتجزأ ولا يتبعض؛ فعندهم الإيمان حقيقة واحدة غير قابلة للنقصان، إذا ذهب منها بعض مُسح جميع الإيمان، يعني عندهم جميع الأعمال تدخل في أصل الإيمان؛ فلذلك يكفرون بارتكاب الكبيرة.
حينها جاء المرجئة ونظروا إلى هذه القاعدة فسلَّموا بها، وقالوا: هذه القاعدة صحيحة لا نقض لها، وهو أن الشيء الواحد أو الحقيقة لا تتجزأ؛ فإذا ذهب بعضها ذهب كلها، ولكن عرفوا شناعة ما يقوله الخوارج وهو أن من ارتكب كبيرة فقد كفر وصار من أهل النار، فقالوا: دلالة الكتاب والسنة القطعية تدل على خلاف ما يقوله الخوارج.. فالآن وقعوا بين أمرين؛ الأمر الأول هو التسليم بهذه القاعدة، فجعلوها من المسلمات، وما فكروا في نقض القاعدة أصلًا وردها، ولكن بدأوا يبحثون عن كيفية التوفيق بين هذه القاعدة التي يعتبرونها صحيحة لا لبس فيها وبين آيات الكتاب وأحاديث النبي g.. فصاروا بين خيارات:
1- إما أن يردوا هذه القاعدة، وهي عندهم من المسلمات غير قابلة للنقض.
2- وإما أن يوافقوا الخوارج فيما قالوا وهو إخراج الفاسق من ملة الإسلام والحكم عليه بالخلود في النار.
3- وإما أن يكون لهم قول آخر يتوافق مع هذه القاعدة.
فرضوا بالثالثة؛ فقالوا: الأعمال التي أدخلها الخوارج في الإيمان هي ليست من الإيمان أصلًا؛ فالأعمال التي يحكمون بها على الناس بأنه فاسق -يعني ترك واجب أو فعل محرم- هذه لا تدخل في الإيمان أصلًا؛ فقالوا: الإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون في القلب، وعليه قالوا: هذا الإنسان الذي يترك واجبًا أو يرتكب محرمًا أصلًا لم ينقض إيمانه لأن هذه الأعمال لم تدخل في الإيمان أصلًا، والتصديق عندهم شيء واحد لا يتجزأ؛ لأن التصديق إذا نقص صار شكًّا، وإذا كان شكًّا فقد كفر صاحبه.. إذن القاعدة عند الفريقين واحدة، ولكن المرجئة جعلوا التصديق قطعة واحدة وشيئًا واحدًا غير قابل للنقصان -يعني نفس ما يقوله الخوارج في الإيمان الذي هو جميع الطاعات- ولكن هؤلاء طبقوه على التصديق فقط؛ فقالوا: هذا غير قابل للنقصان، فإذا نقص التصديق دخل الإنسان في دائرة الشك أو التكذيب، وإذا دخل في دائرة الشك أو التكذيب فقد كفر.
وعليه؛ فالإيمان لا يزيد ولا ينقص عندهم أيضًا، فأخرجوا الأعمال من الإيمان، ولذلك سموا بالمرجئة لأنهم أرجأوا -يعني أخروا- الأعمال عن الإيمان، على أحد تفسيرات أو سبب تسميتهم بالمرجئة.. وهذا قول لبعض المرجئة وهو أن الإيمان هو التصديق، ولكن جمهور المرجئة -أي أكثر المرجئة- أضافوا إلى التصديق الإقرار باللسان؛ إلا أن بعضهم يجعل الإقرار الذي هو النطق بالشهادتين: ركنًا للإيمان وبعضهم يجعله شرطًا لإجراء الأحكام، يعني في الدنيا فقط، وإلا قد يمنع الإنسان عن النطق بالشهادتين ويكون مؤمنًا في الباطن مع قدرته على النطق.
فكانت بدعة المرجئة أشنع من بدعة الخوارج، ولذلك فمن أقوالهم: إن إيماني كإيمان جبريل، لماذا؟ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، وعندهم: إيمان أفسق الناس كإيمان أتقى الناس؛ لأنه كله تصديق، وعندهم الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
فانظر كيف قابلوا البدعة ببدعة أخرى بسبب التسليم بقاعدة باطلة.
واستدلوا على شبهتهم أيضًا بأدلة، كقولهم إن الله b عندما يذكر الإيمان يعطف عليه الأعمال الصالحة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فقالوا: لو كانت الأعمال الصالحة من الإيمان فلماذا يعطفها عليها؟ وقالوا: إن العطف يقتضي المغايرة، يعني الشيء لا يُعطف على نفسه، لا نقول: جاء زيد وزيد هو نفسه، ولكن نقول: جاء زيد وعمرو، فقالوا: بما أن الأعمال عطفت على الإيمان فهذا يدل على أن الأعمال ليست داخلة في الإيمان؛ هذا أحد أدلتهم التي يستدلون بها على عدم إدخال الأعمال في الإيمان.
ولكن أهل السنة ردوا عليهم أولًا بالأدلة الصريحة الواضحة على دخول الأعمال في الإيمان، كقول النبي g: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وكقول الله b: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة.
وأما عن شبهتهم هذه، فقالوا: ليس دائمًا العطف يقتضي المغايرة، هذا ليس دائمًا، وإنما قد يُعطف العام على الخاص، والخاص هذا يكون أحد أفراد العام، أو يُعطف الخاص على العام لخصوصيةٍ تتعلق به، وهذا كثير في كتاب الله b؛ فآيتكم منها، ومثلها قول الله b: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فالصلوات تشمل الصلوات الخمس، ثم خصَّ بالذكر صلاة العصر -الصلاة الوسطى- وعطفها على العام، وكذلك الآية التي في سورة البقرة: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98] وهؤلاء من الملائكة، وكذلك آيات كثيرة في كتاب الله b: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: 7] ونوح من النبيين؛ إذن هذا مما يدل على أن العطف ليس في كل وقت يقتضي المغايرة.
بل ذكر بعض العلماء فائدة طريفة في هذا، قال: إن إفراد الأعمال بالعطف مما يدل على دخولها في الإيمان ولا يدل على خروجها. كيف؟! قال: لأن بعض الناس يقول مثلًا إن الإيمان في اللغة هو التصديق، فقد يتوهم أن الإيمان الذي يريده الله من العباد هو مجرد التصديق؛ فالله c خص الأعمال بالذكر لدفع هذا التوهم، ليبين لهم أن المقصود هنا هو الإيمان الذي في القلب والأعمال التي هي من الإيمان؛ فلا ينفع مجرد أن يذكر الإنسان أو أن ينتميَ الإنسان إلى الإيمان من غير عمل.. هذا هو القول الثاني باختصار، وإلا فإنَّ أقوال المرجئة تحتاج إلى تفصيل ولكن أهم شيء نفهمه أصول الأقوال.
ونأتي الآن إلى قول المعتزلة، والمعتزلة فرقة خرجت في زمن التابعين، وقيل: تسميتها بذلك لاعتزال عطاء بن يسار -وهو رأس المعتزلة- لمجلس الحسن البصري r.
والمعتزلة قالوا في تعريف الإيمان بنفس قول الخوارج، إذن هو قول أهل السنة في الجملة؛ يعني أنه اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح.. هذا تعريف الإيمان عندهم، فالطاعات كلها عندهم من الإيمان.
ولكن هنا سلموا بهذه القاعدة وهو أن الحقيقة المركبة ليست قابلة للتبعيض ولا للتجزؤ؛ فإذا ذهب بعضها ذهبت كلها.. ولكن الآن ماذا بقي لهم من الأقوال؟! إما أن يقولوا بقول الخوارج وإما أن يقولوا بقول المرجئة، فماذا بقي لهم؟ ذهبوا إلى قول آخر، وانظر كيف تجر البدع إلى بدع مثلها، وكما تؤدي هذه التقعيدات أو الأصول المبنية على غير الكتاب والسنة إلى الانحراف.
قالوا: الأعمال من الإيمان، ولكن قالوا: نحن لا نسمي من ارتكب كبيرة أو ترك واجبًا في الدنيا كافرًا، وإنما نسميه فاسقًا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار، لماذا؟! لأن إيمانه قد ذهب، فإذا ذهب بعضه ذهب كله؛ غإذن هم خالفوا الخوارج في المقال -في الدنيا- ووافقوهم في المآل؛ فخالفوا الخوارج في الدنيا؛ فالخوارج يسمون مرتكب الكبيرة كافرًا وهؤلاء يسمونه فاسقًا، فيقولون هو في منزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فهو من أهل النار؛ خالد في النار، يعني حكمه حكم الكفار.. فخالفوا الخوارج في الاسم ووافقوهم في الحكم؛ يعني في الحكم الأخروي، فانظر كيف جرت عليهم هذه القاعدة هذا الضلال. ولهم أصولهم الأخرى، ولكن الذي يعنينا هنا الآن هو فقط الكلام على مسألة الإيمان.
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: هذه الحقيقة أصلًا منقوضة، فقالوا مثلًا: الإنسان مركب، عنده أعضاء؛ عنده رأس، عنده عينان، عنده يدان، عنده رجلان، فذهاب بعض الأعضاء لا يعني ذهاب الإنسان، فإذا قطعت يد الإنسان هل نقول: إن هذا الإنسان غير موجود؟ لا، هذا الإنسان موجود، ولكن نقول: إنسان ناقص ذهب بعضه؛ فكذلك الإيمان قالوا: قد يذهب بعضه ولا يذهب كله، يعني قابل للتجزؤ كما ذكرنا هذا في مراتب الإيمان.
إذن هذه الحقيقة باطلة من أصلها، ولذلك ردها أهل السنة والجماعة واستدلوا بأدلة الكتاب والسنة بعيدًا عن هذه الفلسفات وهذه التقعيدات.
1- الخوارج: ذهب الخوارج إلى أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فعندهم أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، إلا أنهم بَنَوا هذا التعريف على حقيقة جعلوها أصلًا مسلَّمًا وهي أن الحقيقة شيء واحد لا يتبعض؛ فإذا ذهب بعضها ذهبت كلها، ولهذا فهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار، وقووا معتقدهم هذا ببعض الآيات والأحاديث التي لم يعطوها حقها من الفهم.
2- المرجئة: وهؤلاء سلموا بالقاعدة التي بنى عليها الخوارج قولهم في الإيمان، وأقروا بأن الحقيقة الواحدة غيرُ قابلة للتبعُّضِ، ولهذا وفرارًا من قول الخوارج القاضي بتكفير مرتكب الكبيرة أخرجوا الأعمال من الإيمان وحصروه في التصديق، والذي هو عندهم حقيقة واحدة غير قابلة للتجزئة؛ فإذا نقص التصديق صار شكًّا فيكون صاحبه كافرًا، وجمهور المرجئة زادوا على التصديق إقرارَ اللسان.
وجميع فرق المرجئة بلا استثناء -وهي فرق متعددة- تتفقُ في إخراج الأعمال من الإيمان، ثم بعد ذلك يختلفون فيما بينهم في حقيقة الإيمان ما هي، لكن خروج الأعمال من الإيمان هذا جميعهم يقولون به؛ بعضهم يجعل الإيمان هو التصديق فقط، وبعضهم يجعل الإيمان هو المعرفة وهؤلاء غلاة الجهمية، وبعضهم يجعل الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء.. فيقولون بأن التصديق هو إقرار باللسان وتصديق بالقلب، مع أن بعض العلماء -كشيخ الإسلام- يقول: يعسر التفريق بين المعرفة وبين التصديق، لكن هذا قول الجهم: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، فمجرد أن يعرف الله مثلًا أنه موجود هذا خلاص مؤمن، ولو أردنا أن نفصل فيما يبنى على هذا من الأقوال الشنيعة لقلنا أشياءَ كثيرة.
إلا أن مرجئة الفقهاء قال بعض العلماء: إن الخلاف بينهم وبين أهل السنة هو خلاف لفظي، وأما من جهة الأحكام فهم يتفقون مع أهل السنة، ولكن يخالفونهم في كيفية تفسيرها؛ فمثلًا: أهل السنة يكون الكفر عندهم بالاعتقاد كمان يكون بالقول ويكون بالعمل؛ فكل عمل نص الشرع على أن فاعله كافر فعندهم هذا العمل هو بذاته مكفر؛ سواء كان تركًا أو فعلًا، وأما مرجئة الفقهاء فيقولون: نعم؛ إذا نص الشرع أنَّ فاعل هذا العمل يكفر فنحن نقول بكفره، نقول بتكفير فاعله. فقال لهم العلماء: كيف تقولون بتكفيره والإيمان عندكم هو التصديق؟ فالكفر يقابله المفروض يكون هو التكذيب فقط، وهناك من يعمل أعمالًا وقلبه ليس مكذبًا، هناك من يعمل أعمالًا كفرية وفي قلبه ليس هناك تكذيب، فيكون مصدقًا، فقال مرجئة الفقهاء: لا، نحن نقول إن هذا العمل هو علامة على وجود التكذيب، فهو أمارة ودليل على وجود التكذيب في قلبه.. وهذه مكابرة، هذه مكابرة، وإلا ففرعون الذي قال الله c عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14] ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء: 102]، ففرعون كان قلبه مستيقنًا بأن هذه الآيات التي جاء بها موسى هي من عند الله b، ولكن جحدها.
فإذًا مرجئة الفقهاء من حيث الأحكام الظاهرة يوافقون قول أهل السنة: أن كل من قال أو فعل ما هو كفر مما نص الشرع على أنه كفر هم يقولون هو كفر، لكن أهل السنة يقولون هو كفر بذاته بنص الشرع، ولا يحتاج أن نقول: هو دليل على كفره أو تكذيبه أو جحده. وأما هؤلاء فيقولون: هذا العمل أو هذا القول دليل على وجود التكذيب في القلب الذي هو الكفر، فهم يحصرون الكفر في التكذيب.
والصحيح أنِّ أنواع الكفر كثيرة؛ منها كفر التكذيب، ومنها الجحود، ومنها الإباء، ومنها الاستكبار، ومنها الإعراض.
3- المعتزلة؛ وهؤلاء يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وهم أيضًا سلموا بالقاعدة التي بنى عليها الخوارج والمرجئة قولَهم في الإيمان؛ فحاولوا التوفيق بينها -يعني بين القاعدة وبين قولهم في الإيمان- فاخترعوا قولًا جديدًا، وهو أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين؛ فلا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار، وهم بذلك خالفوا الخوارج في الاسم ووافقوهم في الحكم. ففي الاسم جعلوه «منزلة بين المنزلتين» وفي الحكم اتفقوا مع الخوارج على أنه مخلد في النار، فما تنفعه المنزلة بين المنزلتين؟ لا هو مؤمن ولا هو كافر يعامل معاملة المسلمين، ولكن لا نقول إنه مؤمن ولا نقول إنه كافر، وأما في الآخرة ففي النار مخلد.
هذا هو ملخص الأقوال في هذه المسألة.
وأما أهل السنة فنقضوا هذه القاعدة من أصلها، وبينوا أن الحقيقة الواحدة قد تتبعض؛ يذهب بعضها ولا يذهب كلها، ولهذا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، والله تعالى أعلم.
إنَّ الحماسة المطلقة والغيرة غير المنضبطة بالشرع وحدها لا تكفي، فهؤلاء الخوارج إنما أخرجهم -فيما يزعمون- غيرتهم على الدين وإرادتهم لتحكيم الكتاب ولكن بحسب فهمهم هم؛ ففارقوا جماعة المسلمين مع أن النبي g وَصَفهم وصفًا دقيقًا ووصفًا عظيمًا حيث قال: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم)() يعني: كانوا كثيري الصيام وكثيري الصلاة وكثيري تلاوة القرآن كما جاء في أحاديث أخرى، ومع ذلك النبي g وصفهم بأنهم: (كلاب أهل النار)()، والنبي g قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)()، وقال النبي g: (أينما وجدتموهم فاقتلوهم)().. فكيف، وهؤلاء ناس خرجوا غيرة وحمية للدين، وكانوا أصحاب عبادة وأصحاب اجتهاد وأصحاب تلاوة للقرآن وأصحاب صبر على العبادة، حتى إنَّ ابن عباس عندما دخل إلى معسكرهم قال: «ما رأيتُ مثلهم؛ كأن أيديهم ثَفِن الإبل» -يعني مواضع ركب الإبل هذه القطعة السوداء التي في الإبل- قال: أيديهم كانت هكذا من كثرة السجود، قال: «وكانت علامة السجود على وجوههم» أي أنَّ آثار السهر من التهجد وقيام الليل كانت على وجوههم. ومع ذلك يصفهم النبي g بهذا الوصف! فلا يكون الإنسان مندفعًا في إصدار الأحكام وفي التعامل مع القضايا بمجرد عاطفته، ولا يظن أنَّ مجرد غيرته على الدين تكفيه وتشفع له في عدم الوقوع في الخطأ، وإنما الأمور لا بُد أن تنضبط بالعلم وتنضبط بالفهم، وأن يكونَ الإنسان على الصراط المستقيم الذي كان عليه السلف، هكذا نكون نجمع بين الغيرة الحقيقية وبين ضبط هذه الغيرة.
وكما قلت؛ فإن قصة ابن عباس مع هؤلاء الخوارج والله إنها لعبرة لمن أراد أن يعتبر، ونذكرها باختصار ولو أطلنا عليكم شيئًا؛ فابن عباس h كما نعلم هو ابن عم النبي g، وعلي بن أبي طالب هو زوج بنت النبي g فاطمة i؛ فعندما اعتزل الخوارج معسكر المسلمين وفارقوا جماعتهم ذهبوا إلى ناحية من النواحي، فكان الناس يأتون إلى علي h ويحضُّونه على قتالهم، يقولون: لو اخرج لهم فقاتلهم. هم لم يحملوا السلاح ولم يمتنعوا ولكن اعتزلوا فقط، يعني كانوا في جهة متطرفين فيها يعبدون الله بحسب ما يرون، وكانوا يكفرون معسكر معاوية ويكفرون أيضًا معسكر علي j؛ فعلي h كان يأبى، يقول: لا أقاتلهم حتى يبدأوني وإنهم لفاعلون، يقول: أنا لا أقاتلهم حتى يبدأوا في قتالي وهم سيفعلون هذا. فجاء ابن عباس h واستأذن عليًا في أن يذهب إليهم، فقال: إني أخشى عليك منهم، فأذن له. فذهب إليهم ولبس أحسن حلة عنده يمانية، ثم خرج إليهم فقالوا: مرحبًا بابن عم رسول الله g، ما جاء بك؟ فبعض هؤلاء الخوارج تناقشوا فيما بينهم: هل نتناقش معه أم لا؟ بعضهم قالوا: لا تتناقشوا معه، فالله c يقول عن قريش: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] يعني أصحاب مخاصمة، ثم تجادلوا وقالوا: لنستمع ما يقول.
فقال لهم: ما جاء بكم إلى مفارقة علي h؟ وقال لهم: جئتكم من عند أصحاب رسول الله g الذين نزل عليهم القرآن وهم أعلم بتأويله منكم؛ يعني هم أهل العلم، وهم الذين أدركوا النبي g، وكما شاهدوا تنزيله شاهدوا تأويلَه وعرفوا ما هي معاني القرآن.
فقالوا له: ثلاثة أمور، يعني نحن فارقنا عليًا بسبب ثلاثة أمور ارتكبها.
فقال: أرأيتم إن رددت عليكم وبينت لكم خطأ ما تقولون بكتاب الله وبسنة نبي g أكنتم راجعين؟!
قالوا: نعم.
فقال: هاتوا الأولى، اذكروا الشبهة الأولى التي عندكم.
قالوا: إن عليًا حكَّم الرجال وترك كتاب الله b، يعني عندما وقع التحكيم بينه وبين معاوية؛ قدم أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص j جميعًا ليُحَكِّموا بينهم، فقالوا: هو حكّم الرجال فيما بينهم ولم يحكّم كتاب الله c، والله b يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]. هكذا قالوا لابن عباس.
فقال لهم: هاتوا التي بعدها، اذكروا الشبهة الثانية.
قالوا: قاتل ولم يغنم ولم يسبِ، فإن كانوا كفارًا فلماذا لم يغنم أموالهم ولم يسبِ نساءهم؟ وإن كانوا مؤمنين فكيف يستحل أموالهم ودماءهم؟
قال لهم: هاتوا الثالثة.
قالوا: مَحَا اسمه من أمير المؤمنين، يعني في أثناء التحكيم تنازل عن هذا الاسم، قالوا: فإن لم يكن أميرًا للمؤمنين فهو أمير للكافرين. هكذا قال الخوارج.
قال لهم ابن عباس: أما الأولى -أي شبهتكم الأولى، وهؤلاء وقعوا في الشبهة بسبب سطحيتهم في التعامل مع الأدلة، يعني خالفوا أصحاب النبي g بسبب الجهل والتعامل مع النصوص بمجرد النظر فيها، يعني من غير التعمق ومن غير فهم ومن غير جمع بين الأدلة ومن غير رجوع لأهل العلم الذين منهم ابن عباس h-؛ فإن الله c قد قال في الصيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى أن يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]، وقال فيما يقع بين الرجل وأهله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]. قال لهم: أَنشُدُكم بالله؛ أيهما أولى بالتحكيم؟ أرنب ثمنها ربع دينار أو ما يقع بين الرجل وأهله، أم تحكيم الرجال لحقن دماء المسلمين؟ قالوا: بل تحكيمهم لحقن دماء المسلمين. قال لهم: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم -خلاص اقتنعنا في هذه-.
قال لهم: أما الثانية -وهي كيف قاتل ولم يَغنم ولم يَسبِ؟- قال لهم: أتسبون أمكم؟ لأن علي h قاتل عائشة أم المؤمنين i، فقال لهم: إن قلتم نعم واستحللتم منها ما تستحلون من النساء كفرتم، وإن قلتم إنها ليست أُمَّنا كفرتم، فأنتم فاختاروا أي الضلالتين شئتم.. فقال لهم: إذا تقولون نحن نعم يجوز السباء ونستحل منها ما تستحل من النساء، كفرتم لأنكم استحللتم أمكم، وإن قلتم: هي ليست أمنا كفرتم لأن الله c يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
أما الثالثة فقال لهم: إن النبي g عندما بدأ عقد صلح الحديبية بينه وبين أبي سفيان وبين سهيل بن عمرو، فكتب: هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله، فقالوا له: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله باسم أبيك، وكان الذي يكتب علي بن أبي طالب، فقال له: امحها واكتب عبد الله، فقال: لا أمحوها يا علي، فقال له النبي g: أين هي؟ فرآها فحكها ثم كتب محمد بن عبد الله. فقال لهم: هذا رسول الله g محى اسمه -رسول الله- ولم يُخرجه ذلك عن كونه رسولًا لله. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: خرجت.
فرجع منهم في هذه المناظرة ألفان وبقي أربعة آلاف أصروا على ضلالتهم حتى قاتلهم علي h واستأصلهم.
فهذا يبين لنا أنَّ الإنسان لا يعتمد في نظره في الأدلة في كتاب الله وسنة رسوله g نظرًا مجردًا، وإنما عليه أن يرجع إلى فهم العلماء الراسخين الأولين من السلف، وأن ينضبط بقواعدهم وأن لا يشذَّ عنهم.
ويبين لنا أنَّ الحمية أو الغيرة التي لا تنضبط بدليل من كتاب ولا من سنة ولا تتقيد بالعلم والفهم الصحيح، هذه لوحدها لا تشفع لصاحبها، وإنما علينا أن نضبط شؤوننا كلها سواء كان ما في قلوبنا أو في أعمالنا الظاهرة؛ أن نضبطها ونقيِّدَها بالعلم الصحيح والفهم الصحيح، ثم بعد ذلك نتوكل على الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا من أتباع السلف الأولين من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد يكون هذا الدرس هو آخر دروس هذه الدورة، أسأل الله أن يبارك لنا فيما سمعنا وتعلمنا، وأن يجعله ذخرًا لنا ننتفع به يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
لقد أتممت قراءة كتاب: مباحثة في حقيقة الإيمان
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا