أسامة.. مسيرةُ عزٍّ وخاتمةُ شرفٍ

[مجلة طلائع خراسان، العدد التاسع عشر رمضان 1432هـ / 8 - 2011م]

۞

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قال الله ﷻ: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤ وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 154-157].

نرفعُ إلى أمتنا الإسلامية الغالية تعازيَنا وتهانينا في استشهادِ بطل الإسلامِ وشيخ الجهادِ وقائد جموعِه، الفارس المقدام والسيد الهُمامِ، مِسعَرِ الحروب ورفيق الخُطوبِ، سليلِ الشرف عدوِّ الترَف: «أبي عبد الله أسامة بن لادنِ»، أعلى الله منزلته، وأجزل مثوبته، وأكرم مثواه، ورضيَ عنه وأرضاه، وجزاه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ولن نقولَ إلا ما يُرضي ربنا: فإنا لله وإنا إليه راجعون: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

ص 2103

كَذا فَليَجِلَّ الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ

فَلَيسَ لِعَينٍ لَم يَفِض ماؤُها عُذرُ

تُوُفِّيَتِ الآمالُ بَعدَ «أُسامةٍ»

وَأَصبَحَ في شُغلٍ عَنِ السَّفَرِ السَفرُ

وَما كانَ إِلّا مالَ مَن قَلَّ مالُهُ

وَذُخرًا لِمَن أَمسى وَلَيسَ لَهُ ذُخرُ

فَتىً كُلَّما فاضَت عُيونُ قَبيلَةٍ

دَمًا ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

فَتىً ماتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً

تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ

وَما ماتَ حَتّى ماتَ مَضرِبُ سَيفِهِ

مِنَ الضَرْبِ وَاعْتَلَّتْ عَلَيهِ القَنا السُّمْرُ

وَقَد كانَ فَوتُ الـمَوتِ سَهلًا فَرَدَّهُ

إِلَيهِ الحِفاظُ الـمُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ

وَنَفْسٌ تَعافُ العارَ حَتّى كَأَنَّهُ

هُوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ

فَأَثبَتَ في مُستَنقَعِ الـمَوتِ رِجلَهُ

وَقالَ لَها: مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشْرُ٣٬٠٠١[قالها: أبو تمام. انظر: الزهرة (ص 157)، مع تصرف يسيرٍ ظاهرٍ من الشيخ].

جاء أسامةُ وأمةُ الإسلام تغطُّ في سباتٍ عميقٍ، وتتقلب في وادٍ من الخنوعِ سحيق، ترهّلت قواها، واسترخت مفاصلها، قد تمكَّن اليأس من قلوب أكثر أبنائها، وظنَّ أعداؤها أنهم قادرون عليها بعد أن كادوا لها الليل والنهار ومكروا مكرهم الكبّار لإخراج جيلٍ منسلخٍ عن دينه بعيدٍ كلَّ البعدِ عن شرائعه، متنكّرٍ لعقيدته، نابذٍ لتاريخه، منابذٍ لأصولِه، مفتونٍ بما يبثونه إليه وينشرونه بينه من رجس أفكارهم ودَنسِ عاداتهم ورديِّ أخلاقهم، يأتسي بهم -وهم أضل من الأنعام- حذو القذة بالقذة، يرى أقبح قبائحهم تقدمًا وحضارةً وازدهارًا، وقد فتحوا على الأمة أبوابًا من الشرورِ المدمِّرة كالسيل المنحدر لا يقف في وجهه شيءٌ؛ فما أبقوا لها دنيا ولا أبقوا لها دينًا.

يُدَعِّمهم في ذلك عملاء أذلاء، بلغوا أقصى دركات حضيض العبوديةِ والاستخذاء والانحطاط أمام كلِّ منحطٍّ، قد أسلموا القياد لأعداء الأمة وأرخوا لهم الحبلَ على الغارب يفعلون ما يشاؤون، وما يشاؤون إلا كلَّ خيبةٍ وخبيثٍ وفسادٍ وانحراف، فوالَوهم قلبًا وقولًا وفعلًا فلا تراهم إلا في عُدوتهم ولا يرضون إلا بِشقِّهم، قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 81].

ص 2104

يستبشرون بكل واردٍ رديٍّ، ويتغيّظون بذكر أي شيءٍ من الحقِّ جلي، قال ﷻ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]، فكانوا جسرهم لتحقيق مآربهم وتحصيل أطماعهم، فساموا أمة الإسلام خسفًا، وضربوا بها في الضلالة عسفًا، يدمرون عقائدها، ويفسدون أخلاقها، وينهبون ثرواتها، ويقتِّلون خيرةَ أبنائها، يُذلون أعزتها، ويُعزون أذلتها، يرفعون أعداءها تشريفًا وتكريمًا، ويضعون أولياءها امتهانًا وتحقيرًا، ويسقونها الذلةَ كأسًا إثر كأسٍ، ولم يرضوا لأمة الإسلامِ في كلِّ موطنٍ إلا أن تكونَ في الذيل، يجرُّها أعداؤها بخِطامِ الهوانِ حيثما شاؤوا، ويتنقَّلون بها بين أودية الأهواءِ وشُعَبِ الشهواتِ ودهاليز الأفكارِ المنحرفة، يصدونها عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ليميلوا بها عن الصراط ميلًا عظميًا.

فكان خروج هذا الأسد في هذه الحقبة المظلمة رحمةً من الله تعالى بهذه الأمةِ الْمُبتلاة، ليصرخ فيها بكلماته الهادئة الهادرة تحريضًا لها على الجهاد، وبعثًا للهمم على الجلاد، وإعادةً للثقة بنفسها، وتحقيرًا لأعدائها الذين أذاقوها ويُذيقونها سوء العذاب، وتذكيرًا بسالف أمجادها وغابر عزها، وليفجِّر من داخلها طاقاتٍ كامنة أراد أعداؤها أن يميتوها أو يدفنوها، فشمَّر لذلك عن ساعِد الجد وقام للأمر بنفسه ومالِه، فقرن بين القول والعمل، وكابد السهر ووعثاء السفر، وجعل عمره وقفًا على إحياء هذه الفريضةِ المهجورةِ فريضةِ الجهادِ، التي رأى أنها المخرج مما تتقلب فيه أمته المكلومة وأيم الله إنها لكذلك! وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39]، وقال النبي ﷺ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب)٣٬٠٠٢[حديث حسن، تقدم في: (ص 670)].، وأيُّ عذابٍ عمَّ الأمةَ أكثر من تسلط الأراذل يذيقونها أنواع النكال في الأنفس والأعراض والأموال؟!

ص 2105

فهجر النعيم، وطلَّق الدنيا، وفارق رغد العيش، وتركَ حياةَ القصورِ والترف، وتحمَّل التقشُّف والشَّظف، ورضي لنفسه بالكفافِ والغربةِ، وصبر لصنوف الأذى في نفسه وماله وأهلِه وأبنائه، وكذلك هم أصحاب العزائم الصارمة، والهمم العالية حينما يقومون لمبادئهم ليُقيموها، يستسهلون في سبيلها كل صعبٍ، ويتجاوزون كل عقبةٍ، بل يستعذبون كلَّ مصابٍ وهم مستيقنون أن السبيل الذي يسلكونه هو الموصل للغاية المحقق للهدفِ فعلى ذلك يحيون وعلى ذلك يموتون، وما أسامة إلا واحد من هؤلاء، وما أجمل ما قاله السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله: «لقد تتبعت أيها السادةُ التاريخَ، واستعرضت المواقف الحاسمة، والساعات العصيبة في تاريخ الأمة، وفي التاريخ العام، فرأيت على رأس كل قضية منها، وفي كل أزمة ومحنة تتهدد كيان هذه الأمة، وتتحدى شرفها وكرامتها رجلًا من العصاميين يستولي على قلبه الحزن والاهتمام بهذه الحالة، فيذهل عن نفسه، وأهله، ويهجر راحته ولذته، وتتلخص الحياة عنده في حل هذه الأزمة، وفض هذه المشكلة، فلا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال حتى تنجلي هذه الغمرة، ويرى نفسه مكلفا بذلك، فقد خلق له، وأمر به، ولا يرى لنفسه عذرا في الاعتزال والانصراف إلى النفس والعيال»٣٬٠٠٣[محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة (2/82)]..

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

ص 2106

أُسامَةُ قَد سَمَوْتَ عَلى البَرايا

بِمَا أُوتِيتَ فِيهِمْ مِن مَزايا

وَأَجدَرُ أَن تَقولَ فَلا تُمَارَى

«أَنا اِبنُ جَلا وَطَلَّاعُ الثَّنَايا»

لَكَ الطَعناتُ في الأَعداءِ شَزرًا

مُسابِقَةً إِلَى القَومِ الـمَنايا

وَضَرباتٌ تَشيبُ لَها النَواصي

عَظيماتٌ عَظيماتُ الرَزايا

وَوَقفاتٌ تَفِرُّ الأُسْدُ مِنها

كَما فَرَّت مِنَ الأُسدِ الرَّذايا٣٬٠٠٤[الرذايا: جمع رذيِّ، من أثقله المرض، وهو المهزول الضعيف من الإبل. انظر: حاشية القصيدة في ديوان الشاغوري].

وَبَيتٌ لا يُسامى في الـمَعالي

لَك الـمِرباعُ مِنها وَالصَفايا

وَفَضلٌ شاعَ في الدُنيا فَشَدَّت

إِلَيهِ بَنوهُ أَكوارَ الـمَطايا

وجودٌ تَعجَزُ الأَوصافُ عَنهُ

وَتَخجَلُ مِن عَطاياهُ العَطايا

حَمَدنا اللَهَ أَن عِشنا إِلى أَن

رَأَيْنا مَن لَهُ هَذي السَجايا٣٬٠٠٥[قِيلت أصلا في مدح مؤيد الدولة الأمير المجاهد: أسامة بن منقذ، وهي للشاعر: فتيان الشاغوري؛ أبي محمد فتيان بن علي الأسدي (ت 615 هـ)، انظرها في: ديوانه، ت. أحمد الجندي (ص 604)].

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

هذا زمانٌ لَيْسَ يفهم أهلُه

إلا حديث النار أو لغة الدمِ٣٬٠٠٦[قاله: الشاعر أحمد محرم، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (29/76)].

وهي اللغة الوحيدة التي فهمتها أمريكا المتجبِّرة المتكبِّرة من بين سائر اللغات التي طالَ أمدُ استخدامها معها، من شجبٍ واستنكارٍ... كلا! فإن ذلك أيضًا كان في حقِّها عزيزًا، بل هو استجداءٌ واسترضاء، وتوسلٌ واستسلامِ، مع رعبٍ استقرَّ في أعماق القلوبِ كلما ذُكِر اسمُها، ولا ترى من طغاة أمتنا المجرمين إلا تجبرًا وتكبَّرًا واستئسادًا على شعوبهم وذلةً وعمالةً وخضوعًا وخنوعًا أمام أسيادهم، فأبت عليه عزة إيمانه، وحمية عقيدته، وعلوُّ دينه، ونخوةُ مَحتِده أن يجاريَ المستبدين في ذلتهم، ويواكبهم في تملقهم ولسانُ حاله يقول قول الله سبحانه تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

ص 2107

فما لنا وللاستجداء فليست أمتنا بالمستجدية، وما لنا والذّلة وقد جعلنا الله أعزةً، وما لنا والتقهقر ونحنُ أحفاد الأبطال المقدَّمين، وما لنا والتقوقع والانحسار وقد فتحت على أيدينا القرى والأمصار، تساؤلات جالت في خاطره ولاقت عزيمةً لا تحيد وإصرارًا لا يميد؛ فعزم أمرَه ثم توكَّل على ربه ومضى لما يريد، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَفي الأَرضِ مَنأًى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى

وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ

لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضِيقٌ عَلى اِمرئٍ

سَرى راغِبًا أَو راهِبًا وَهوَ يَعقِلُ٣٬٠٠٧[قاله: الشنفرى، انظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين (ص 102)].

وقبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء: 100]، وقوله تعالى: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56].

ص 2108

وأبى أن يجاورَ معسكراتهم وقواعدهم ويرى بوارجهم وطائراتهم وهو مُكبَّل اليدين عن مواجهتهم مُلجَم الفم عن نقدهم وتعريتهم بدعوى طاعة ولاة الأمر العملاء الذين أسلموا لأعداء الأمة البلادَ وجعلوها نهبًا مستباحًا وحمىً بلا حُرمةٍ، فجدد الله به وصية النبي ﷺ التي قالها وهو على فراش الموت: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)٣٬٠٠٨[متفق عليه، البخاري: (٣٠٥٣)، ومسلم: (١٦٣٧)].، بعد أن كادت تُوأَدُ في خضم التآمر والتلبيس والتدجيل والتضليل؛ كشف للأمة أن هؤلاء ما جاءوا للتحرير وإنما للاحتلالِ، ولم يدخلوا للإعزاز وإنما للإذلال، وما قصدوا مصلحةَ أحدٍ إلا مصلحتهم، وأن خططهم وراء ما يتوهم الواهمون وغاياتهم أبعد مما ينخدع به المخدوعون، وإنه لمن السذاجة والتسطيح لقضية بهذا الحجم أن نجعلها مسألةً فقهيةً عابرة نُمِرُّ عليها سطرًا أو سطرين مما قاله العلماء الأوائل ثم نحسب أن عهدتنا قد برئت بذلك، أو ليست هي أمريكا فماذا بعد؟!!

وها هي تلك الجموع الكاثرة الكافرة يمر عليها أكثر من عقدين من الزمان، وهي جاثمة على جزيرة الإيمانِ بعد أن اتخذتها قاعدةً تنطلق منها لدكِّ ديار المسلمين القريب منها والبعيد، وتحصُد من خلالها أرواح الآلاف من رجالهم ونسائهم وأطفالهم.

فما ذهب أسامةُ حتى ترك لهؤلاء وعملائهم أبطالًا صابرين من ذوي البسالة والبأس، رفعوا لواء الدفاع عن جزيرة العرب، وأخذوا على عاتقهم إمضاء وصية نبيهم ﷺ أو يفنوا دونَ ذلك، لا يردهم عن هدفهم تلبيس الملبسين، ولا تطاولُ العملاء الفاسدين، ولا تخاذل المنخزلين ولا المنخذلين، فها هي طلائعهم المباركة تبزغ شمسها من جديد، من يمن الإيمان والحكمة تقذف على أعداء الدين حِممًا، وتحرمهم الأمان الذي حرموا منه الأمة وطاردوهم، ولو كانوا في قعر قصورهم التي اتخذوها ملاذًا للكيد وملجأً للمكر.

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ

وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا٣٬٠٠٩[قاله: ابن دريد الأزدي في مقصورته المعروفة، انظر: شرح مقصورة ابن دريد لعبد اللَّه الصاوي (102)].

أَوَ ليست هي أمريكا التي صمَّت آذاننا بالتفاخر والتعالي بأنها إمبراطورية العصر، وأن يدها تطالُ من تشاء أينما تشاء متى تشاء!، وأن تقنياتها تكاد تعلم السرَّ وأخفى! فما لها ولهذا الفرح والمرح بمقتلِ شخصٍ واحدٍ قد تجاوز الخمسين من عُمره؟! بعد ملاحقةٍ قاربت العقد من الزمان؟ وضنَّت عليه حتى بقبرٍ يؤويه خشية أن يكونَ منارًا مُلهِمًا لمن بعدَه كما زعموا، وهل هذا إلا شهادة من نفسها على نفسها بأنها أضعفُ أمةٍ وأذلُّها وأهونُها وأحقرها، وأنها عاجزةٌ عن مواجهة الرجال في حياتهم وعن إماتة أفكارهم بعد موتهم؟

دولةٌ قد نشرت قواعدها العسكرية من أقصى الأرض إلى أقصاها، وتغلغلت استخباراتُها في أجسام الدول إلى الصميم، فأذلت الملوك في قصورهم، وأرعبت الطغاةَ على عروشهم، وبيدها المال والإعلام والعملاء فإذا بها تحتفل بمقتلِ رجلٍ واحدٍ احتفالَ المنتصر على جيشٍ جرارٍ عرمرم بعد معركةٍ طاحنةٍ ماحقة.

إن أسامةَ رحمه الله لم يُخلق ليخلد في هذه الدنيا، قال ﷻ: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

ولكن هل أدركت أمريكا بإعلامها المزور أن الكذب والتدجيل والتمويه كل ذلك لا وزن له ولا قيمة أمام نصاعة الصدق وقوّته، وأن أكوامه المنتفشة المتراكمة تطيشُ في لحظةٍ واحدةٍ تصبح فيها هباءً منثورًا حينما تواجه الحقائق التي لا يمكن محوها ولا تحريفها، فقد بذلت أمريكا جهودًا مضنية بكتائب من العملاء والإعلاميين وتسليكِ فتاوى كلِّ مُضلٍّ عليم اللسان؛ لتقنع عامة المسلمينَ أن أسامةَ رجلٌ إرهابيٌّ قاتلٌ لا يضبطه دينٌ ولا يزعه خلقٌ، وخَرَقت لذلكَ الأكاذيبَ واختلقت ضروب الزور، ونمّقت وزوّقت ولفّقت وزخرفت، وأقنعت نفسها أنها قد بلغت هذه الغاية أو كادت، والله معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول.

ص 2109

فإذا بها يوم مقتل الشيخ تكتشف أن هذا الرجل كان متربعًا على عرشٍ من المحبةِ في قلوب شعوب المسلمين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وأنه بحقٍّ كان في نظر تلك الشعوب بطلًا من أبطال الإسلام ورمزًا من رموز التاريخ، وإمامًا من أئمة الهدى، وعصاميًا من نبلاء الزمان، فما زادت بقتله على أن وضعت خاتمًا على تصديق تلك الصفات السامية، فقد بكاه الصغير والكبير ورثاه القريب والبعيد، وصلى عليه المصلون في بقاع الأرض، وخرجت المظاهرات المؤيدة له صراحةً بعد أن كان الناس يذكرونه على توجسٍ وخوفٍ، فهؤلاء هم رجالنا وقادتنا وأبطالنا يا أمة اللقطاء ويا عصابات الأشقياء فأرونا رجالكم ورموزكم الذين يموتون ولا تسمع عنهم ولا تشعر بهم حتى أمتهم التي إليها ينتمون، وسلوا أمتكم وشعبكم عن الهالك «هولبروك» لتكتشفوا الحقيقة.

نعم قُتِل الشيخ أسامة ليُخلِّد بعده معانيَ عظيمة تبعث بالروح في هذه الأمة، وما كان ليبلِّغها على وجهها مهما أوتيَ من بلاغةٍ وبراعة ما لم يقرنها بالعمل الجادِّ، والتفاني في نصرة الحقِّ، والصبر على طول الطريقِ، ومكابدة الشدائد، وتحمل الأذى في النفس والأهل والمال، حيث عاش للجهاد وبالجهاد لحظةً بلحظة، وغلب حبُّه على قلبه وتملَّك فؤاده.

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

هَاتِي صَلَاحَ الدِّينِ ثَانِيَةً فِينَا

وَجَدِّدِي حِطِّينَ أَوْ شِبْهَ حِطِّينَا٣٬٠١٠[نقله محمد البشير الإبراهيمي في «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» عن خير الدين الزركلي: (1/٣٣١)].

ومن هذه المعاني التي تأصلت بحياته، وتأكدت بعد مقتله رحمه الله:

ص 2110

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

إِذَا هَمَّ أَلْقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ

ونَكَّبَ عن ذِكْر العَواقبِ جانِبا٣٬٠١١[قاله: سعد بن ناشب. انظر: الزهرة (ص 201)].

[البحر: الهزج]

[البحر: الهزج]

‌وَبَعْضُ ‌الحِلْمِ ‌عِنْدَ ‌الجَهْـ

ـلِ لِلذِّلَّةِ إِذْعَانُ!٣٬٠١٢[قاله: الفند الزماني. انظر: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال (ص489)].

فشمَّر لهذا الأمر بإنشاء معسكراتِ التدريب منذ أمدٍ بعيدٍ، وأنفق عَليها مِن حُرِّ ماله ليكوِّن جيلًا مقاتلًا؛ لا يرى طعمًا للحياةِ بغير سلاحٍ وكفاحٍ، مع استعلاءٍ إيمانيٍّ ملازمٍ لهم في كلِّ حالٍ؛ فنفث بذلك في رَوْعِ الأمة معنى القوةِ والاعتزاز والثقة بالنفسِ وصرامة التحدي، وقطع بها شوطًا كبيرًا -وفي وقتٍ وجيزٍ- نحو الصدارة لتتبوأ مكانها اللائق بها.

ص 2111

ثالثًا: إن القيادة الحقيقة التي تحتاجها الأمةُ في هذا العصر وتفتقر إليها هي التي تتقدَّم الصفوف وتتصدَّر الجموع، وتضرب الأمثلة في أنواع التضحية، وتخوض غمار المعارِكِ في ساحات النزال، وتجمع بين القول والعمل، وتقول للناسِ: هلموا إلى الجهاد، وتدعوهم إلى ساحاته وقد سبقتهم إليها، تمامًا كما كان النبي ﷺ، قال ﷻ: ﴿۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ﴾ [آل عمران: 153]، حتى أنَّه ﷺ بيَّن حرصه على ملازمة الخروج للقتال في كل سريةٍ فقال: (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية)٣٬٠١٣[متفق عليه، البخاري: (٣٦)، ومسلم: (١٨٧٦)]..

أما أن يعيش من أراد قيادةَ الأمة عُمره كله وهو قاعدٌ خلف كلِّ جيش أو سريةٍ أو ساحةٍ، وقد جهَّز لنفسه قائمةً طويلةً من الأعذارِ والحجج يسردها سردًا عن ظهر قلبٍ كلما طُلِب منه النفير؛ فما مثلُه من سيقود الأمةَ لا سيما في مواطن المعامع والزعازع وما أكثرها في عصرنا.

رابعًا: أن الكفر مهما امتلك من أسباب القوة وتبجح به من السلاح والتقنيات، وتعاضد وتساند وتناصر وتضافر وتكاثر لا يمكنه أن يقف أمام قوة الإيمانِ وتحدي العقيدةِ، وأن قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249]، يمكن أن يتحقق في كل عصرٍ إذا ما وُجد أهل الإيمان والصبر والعزيمة والتوكل على الله تعالى؛ فها قد رأى العالم بأسره صراعًا ليس فيه أدنى نسبة من التقارب بين دولٍ لم تُبقِ شيئًا من أسباب القوةِ المادية إلا وحصلتها، وبين طائفةٍ قليلة مشتتة مشردة قد ضاقت عليها الأرض بما رحبت ورمها القريب والبعيد بسهام العداوة والتنكّر ومع ذلكَ لا تزداد -بفضل الله تعالى- إلا قوةً ونموًا وسموًا، ولا يجني عدوُها إلا خزيًا وانكسارًا وانحسارًا، فهل يمكن لأحدٍ أن يزعم أن أمريكا اليوم في قوتها واقتصادها وهيبتها وسطوتها كما كانت عليه قبل عشر سنواتٍ؟

ص 2112

هذا ولم يكن ما وصلت إليه وتردت فيه قد وقع بضربٍ لازبٍ، ولا بطلاسم سحرية، وإنما بسنواتٍ طما بها الخطبُ حتى غاصت الرُّكبُ! وسلسلة من التضحيات الباهظة والمسير العسير والصبر المرير على أنواعٍ من أهوال الحروب والكروب والخطوب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

خامسًا: أن السبيل الحقيقي لإحياء الأمة وإعادتها إلى الجادة وجمعها على سبيل الحقِّ وكلمةٍ سواء، إنما هو بالجهاد في سبيل الله، وكل الجهود التي تبذل يجب أن توجه إلى هذا المقصد، وهو أشد الطرق اختصارًا لإيقاظها، وأكثرها فاعلية في تقطيع أوصال النعرات الجاهلية والدعوات القومية التي تمزقها.

فقد رأى العالم كله كيف اجتمع شباب الأمة في ساحات الجهاد وتوافدوا من كل حدبٍ وصوبٍ، وعاشوا جميعًا تحت كنفه أحبةً متوادين متآلفين.

هذا سوى الآلاف الذين كانوا تائهين في أودية الضلال وقعر الفساد قد استفاقوا ورجعوا إلى الحقِّ بعد أن رأوا صورا من التضحية والفداء والإقدام والتحدي والجرأة كانت قد مُسحت من أذهانهم، ولم يخيَّل إليهم أنه قد بقي منها في أمة الإسلام باقية؛ فكان الجهاد سببًا لهدايتهم أولًا، ثم لالتحاقهم بساحاته ثانيًا.

ومن رأى ساحات الجهاد وما تضمه من «الجنسيات» المتنوعة؛ عَلِم عِلْـمَ اليقين أن في ذلك إشارةً إلى أن طريق جمع الأمة وتوحيدها واستئصال شأفة النعرات منها، إنما هو بهذا الطريق الذي يدل دلالةً واضحة على أن أمة الإسلام «أمة واحدة» يفدي بعضها بعضًا بدمائه وأشلائه.

والمعاني التي تجلت من خلال مسيرة الشيخ رحمه الله وتأكدت بمقتله كثيرةٌ وإنما المقصد الإشارة.

ص 2113

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

سِرْ يَا أُسامةُ ما لجيشكَ هَازِمُ

أَنْتَ الأَمِيرُ وَإِن تَعَتَّبَ وَاهِمُ

أنا من جُنودِكَ لو ملكت رأيتني

تحت اللّواءِ فهالكٌ أو سالـمُ

سِرْ يا أُسامةُ فالقواضِبُ لم تَمُتْ

هِيَ ما ترى وَهْوَ الجهادُ الدّائِمُ

يا لاثِمَ القمرِ المنيرِ مُودّعًا

هل كان قبلكَ للكواكبِ لاثمُ

زلْزِلْ جُنودَ الرُّومِ وَاهْدِمْ مُلكَهُمْ

في عزّهِ العالي فنِعمَ الهادِمُ

ولقد هَزمْتَ جُموعَهم فتفرَّقوا

وشَفاكَ منهم جَيْشُكَ الـمُتلاحِمُ

وأجَلْتَ خيلكَ في عِراصِ دِيارِهم

وفعلتَ فِعلكَ والأُنوفُ رَواغِمُ

قَتْلٌ وأسرٌ هَدَّ من عَزَماتِهم

وأذلَّهم وكذاكَ يُجزَى الظّالِمُ٣٬٠١٤[هذه القصيدة للشاعر: أحمد محرم، ديوانه «مجد الإسلام»: (ص 456)؛ لكن الشيخ أبا يحيى نقلها بترتيبه الخاص؛ فهي في الأصل مستلة من قصيدة كبيرة، فصارت بهذا انتقاء خاصَّا بالشيخ، وهي في الأصل تتحدث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه فحورها للشيخ أسامة رحمه الله].

هم أولاء رجالنا، وهؤلاء عظماؤنا، فأرونا رجالَكم وعظماءكم، رجلٌ في أمةٍ وأمةٌ في رجل صنعتهم تربية القرآن وزكى نفوسهم نور الإيمان، وذابت قلوبهم شوقًا إلى الرحمن؛ فمضوا بعد أن أمضوا بدمائهم الزكية شهادةَ صدقٍ على يقينهم باستقامة سبيلهم ونقاء نهجهم.

وقد أبقوا لجنودِ إبليس أجمعينَ ما يسوؤهم ويسوِّد وجوههم؛ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ [محمد: 11].

وسيأتي اليوم الذي يقال فيه لأوباما: بُؤْ بشسع نعل أسامة.

وما ذلك على الله بعزيز!

❖ ❖ ❖

ص 2114

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: أسامة.. مسيرةُ عزٍّ وخاتمةُ شرفٍ

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا