باب من عملَ قليلًا وأجر كثيرًا
الحديث الثالث والثلاثون: عن الْبَرَاء بنِ عازبٍ رضي الله عنه قَال: (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ١٬٩١٩[قال ابن حجر: لمْ أقفْ على اسمهِ ووقعَ عندَ مسلمٍ أنهُ منَ الأنصارِ منْ بني النبيتِ.. ولولا ذلكَ لأمكنَ تفسيرهُ بعمرو بنِ ثابتِ بنِ وَقَشٍ وهوَ المعروفُ بأصرمَ بنِ عبدِ الأشهلِ؛ فإنَّ بني عبدِ الأشهلِ بطنٌ منَ الأنصارِ منَ الأوسِ وهمْ غيرُ بني النبيتِ».. ثم قال مبينًا احتمال كونهما رجلًا واحدًا: «وأما كونهُ منْ بني عبدِ الأشهلِ ونسبَ في روايةِ مسلمٍ إلى بني النبيتِ فيمكنُ أنْ يحملَ على أنَّ لهُ في بني النبيتِ نسبةٌ ما، فإنهمْ إخوةُ بني عبدِ الأشهلِ يجمعهمُ الانتسابُ إلى الأوسِ». فتح الباري (6/24)]. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا)١٬٩٢٠رواه البخاري [٢٨٠٨] -واللفظ له- ومسلم [١٩٠٠]..
بعض معاني الكلمات:
مقنَّع بالحديد: قال ابن الأثير: «هو الـمُتَغَطِّي بالسلاح، وقيل: هو الذي على رأسه بَيْضة وهي الخُوذة لأنَّ الرأس موضع القِناع»١٬٩٢١[النهارية في غريب الحديث والأثر: (4/114)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: سعةُ فضل الله تعالى حيث أكرم هذا القتيل بالجنة والثواب الجزيل مع قلة عمله، قال ابن بطال: «قال المهلب: في هذا الحديث دليل أن الله يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير تفضلا منه على عباده»١٬٩٢٢[شرح صحيح البخاري: (5/24)]..
الثانية: عظيم ثواب الجهاد والشهادة في سبيل الله بعد الإيمان إذ لا يعرف له عملٌ صالحٌ آخر.
الثالثة: حرص النبي ﷺ على هداية الناس وإنقاذهم من النار فقد أُرسل هاديًا لا جابيًا؛ إذ أرشد الرجلَ إلى الإسلام قبل شروعه في القتال، بل مقصود الجهاد الأوَّل هو دعوة الناس ودخولهم في دين الله.
الرابعة: تقديم التوحيد على سائر الأعمال وأن به حصولَ النجاةِ والفلاح.
الخامسة: سهولة دخول المرء الإسلامَ، ويسرُ فهم التوحيد، وحملُ الناس فيه على السلامة حتى يظهر خلاف ذلك -كما في حادثة ذات أنواط وغيرها- وإجراءُ أمرهم فيه على الظاهر، وعدمُ امتحانهم بالسؤال عن تفاصيله.
السادسة: سرعة المبادرة إلى الجهاد وطلب الشهادة بعد الإيمان من غير اشتراطِ تريُّثٍ وتأخيرٍ لأجل التربية ونحوها.
السابعة: أن الأخذ بأسباب القتال أمرٌ جبليٌّ يستوي فيه المسلم والكافر أقرَّه الإسلام، ولا يناقض ذلك التوكلَ على الله تعالى، فالرَّجل جاء وهو مقنَّعٌ بالحديد ودخل الإسلام وقاتل كذلك، ولم يأمره النبي ﷺ بتغيير حاله.
متفرِّقات:
أولا: بوَّب عليه البخاري بقوله: «بَاب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ»، وعند ابن حبان تحت: باب فضل الجهاد: «ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجِهَادَ فِي الإِسْلاَمِ يَهْدِمُ مَا كَانَ مِنَ الْحَوْبَاتِ قَبْلَ الإِسْلاَمِ» الحوبات جمع حوبة وهي الإثم.
وما ذكره هذا الإمام الكبير فيه تأملٌ؛ إذ لا شك أن الجهاد -كما دل الكتاب والسنة- مما تُغفر به الذنوب، ولكنَّ هذا الرجلَ كان لتوِّه مشركًا ثم أسلـمَ، والإسلام يجبُّ ما قبله؛ كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، فهل الهادم للحوبات السالفة هنا هو الإسلام أم الجهاد؟
وبوَّب عليه البيهقي بقوله: «باب مَنْ يُسْلِمُ فَيُقْتَلُ مَكَانَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ».
❖ ❖ ❖