باب اجتنابُ الراياتِ العُمِّيّةِ وخطرُ القتلِ غضبًا للعصبة في غير الحق
الحديث الثالث: عَنْ أبِي هُريرةَ رضي الله عنه إنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ: يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)١٬٧٩١رواه [بألفاظ قريبة] مسلم [١٨٤٨]، وأحمد [٧٩٤٤]، والنسائي [٤١١٤]، وغيرهم..
بيان معاني بعض الكلمات:
الراية: العلَم، وليس المراد هنا هو حقيقة العلَم المرفوع على رؤوس الجند، وإنما ما عقُدت له تلك الراية، وما اجتمع لأجله القوم وتناصروا للقتال، ولهذا وصفَ الراية بأنها عِمِّية، والعَلَم لا يُنعتُ بذلك، قال السندي رحمه الله: «وقوله: (تحت راية عِمِية) كناية عن جماعة مجتمعين على أمرٍ مجهول لا يُعرف أنه حق أو باطل»١٬٧٩٢[حاشية السندي على سنن النسائي: (7/123)]..
عِمِّية: فِعِّيلة، قال النووي رحمه الله: «هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان، والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق بن رهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية»١٬٧٩٣[شرح النووي على مسلم: (12/238)]..
العصبة: قال الزمخشري: «العصبة: بنو العم وكل من ليست له فريضة مسماة في الميراث إنما يأخذ ما يبقى بعد أرباب الفرائض فهو عصبة»١٬٧٩٤[الفائق في غريب الحديث: (3/25)].؛ والمقصود هنا هم أقارب الرجل وقومه الذين يغضب لهم ويغضبون له ويحتمي بهم وينصرهم في الحق والباطل، وجاء في بعض روايات الحديث: (ينصر عصبيةً... إلخ)، قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: «والعصبية نصرة القوم على هواهم وإن خالف الشرع»١٬٧٩٥[كشف المشكل من حديث الصحيحين: (3/٥٩٦)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: وجوب أن يكون قتال المرء على بصيرةٍ وعلمٍ لا على عمىً وهوىً.
الثانية: الفرق بين القتال المشروع الذي لا ينصر إلا الحق، وبين غيره مما تُنصَر به الأهواء.
الثالثة: أصل العبرة في الراية فيما عُقدتْ له لا مجرد الهيئات والأشكال والنقوش.
الرابعة: حرمة الإقدام على قتالٍ لا يراد به نصرةُ الحقِّ.
الخامسة: أن الولاء معقودٌ على أخوة الإيمان لا على العصبياتِ.
السادسة: قد يتلبس المؤمن ببعض أعمال الجاهلية ويموت عليها ولا يخرجه ذلك عن الإيمان.
السابعة: كون القتال في أصله مشروعًا لا يلزم أن يكون المقتول فيه شهيدًا، إذ قد يكون دافعه مجرَّدَ الغضب للقوم والعصبية لهم لا نصرةَ الحق.
الثامنة: الحذر من التعصُّب المطلق لغير الحقِّ سواء كان قبيلةً أو شعبًا أو أميرًا أو عالِمًا أو جماعةً أو اسمًا أو مذهبًا أو رأيًا أو وطنًا أو غير ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَمَنْ تَعَصَّبَ لِأَهْلِ بَلْدَتِهِ أَوْ مَذْهَبِهِ أَوْ طَرِيقَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ أَوْ لِأَصْدِقَائِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ كَانَتْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ وَكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ»١٬٧٩٦[مجموع الفتاوى: (28/422)]..
التاسعة: عظيم خطر أمر النية في القتال.
العاشرة: ضرورة التجرد للحق والتنزه عن الأهواء والمضلات.
الحادية عشرة: التمسك بالأمور الواضحات البيِّنات، وتجنُّب الملتبسات والمتشابهات والاستبراء للدين والعرض.
متفرِّقات:
أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: أُدرِجَ عند مسلمٍ تحت: «بَاب وُجُوبِ مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَفِي كُلِّ حَالٍ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَى الطَّاعَةِ وَمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ»، وما ذكر في الباب أعلاه هو جزءٌ من حديثٍ أوله قول النبي ﷺ: (مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)١٬٧٩٧[صحيح مسلم: (١٨٤٨)].، وذكره البيهقي تحت: «باب التَّرْغِيبِ في لُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى مَنْ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّاعَةِ».
❖ ❖ ❖