باب عظمُ فضلِ الثباتِ عند اللقاء وعلو مقام المقتولين في الصفِّ الأول
الحديث السادس: عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الَّذِينَ يَلْقُونَ الْقَوْمَ فِي الصَّفِّ فَلاَ يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلا مِنَ الْجَنَّةِ، يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي مَوْطِنٍ فَلاَ حِسَابَ عَلَيْهِ)١٬٨٠٦رواه أحمد [٢٢٤٧٦]، وأبو يعلى [٦٨٥٥]، والطبراني في الأوسط [٤١٣١] ومسند الشاميين [٥٣٨]، وابن أبي عاصم [في الآحاد والمثاني: (١٢٧٧)]، وصححه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (١٣٧١)]..
بعض معاني الكلمات: يتلبَّطون: يتمرّغون.
بعض فوائد الحديث:
الأولى: إثبات صفة الضحك لله ﷻ على ما يليق بجلاله.
الثانية: تفاضل الشهداء فيما بينهم وأنهم ليسوا على مرتبةٍ واحدة.
الثالثة: فضل الثبات في نحر العدوِّ ومقاربتهم عند النزال ففيه فضيلة الانغماس أيضًا.
الرابعة: تضاعف الثواب بصحة القصد وصدقِ عزيمة القلب.
الحديث السابع: عَنِ عبد الله بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النبي ﷺ قَالَ: (عَجِبَ رَبُّنَا ﷻ مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ؛ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي؛ رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ)١٬٨٠٧رواه أحمد [٣٩٤٩]، وأبو داود [٢٥٣٦] -واللفظ له-، وابن حبان [٤٧٢٩]، والحاكم [٢٥٣١] وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [١٧٩٣٠]، وغيرهم وحسنه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (١٣٨٣)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: إثبات صفة العَجَب لله ﷻ على ما يليق بجلاله.
الثانية: ذكرُ الله لعبده وثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
الثالثة: فضيلة الجمع بين الرغبة والرهبة في الأعمال.
الرابعة: أن العلـمَ النافع هو الذي يورث عملًا بمقتضاه، لقوله: (فعلم ما عليه)... إلخ.
الخامسة: في ثبات الغازي مع انهزام صحبه معنى قوله تعالى: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ [النساء: 84].
السادسة: فضل ثبات الرجل الواحدِ أمام الجمع الغفير إعذارًا لنفسه، ففيه مشروعية الانغماس بل فضيلته.
السابعة: حرص المرء على إراقة دمه في الجهاد وتقحّمه لمظانِّ ذلك رغبةً فيما عند الله وشفقة مما عنده؛ ليس من إلقاء الأيدي إلى التهلكة بل صاحبه ممدوحٌ أعظم المدح.
الثامنة: قوة اليقين بالآخرة تورث قوةَ العملِ في الدنيا والصبر على مشاقِّه، والعكس بالعكس.
التاسعة: حرمة الفرار من الزحف، وأن صاحبه معرَّضٌ للعقوبة لقوله: (فعلم ما عليه من الفرار) في بعض ألفاظ الحديث.
العاشرة: فضل القيام بالحق عند تفريط الناس فيه وتضييعهم له.
الحادية عشرة: اجتماع الناس وتواطؤهم على المعصيةِ لا يُسوِّغُ مشاركتهم فيها، بل الثناء على مُخالِفهم المتميِّز عنهم.
الثانية عشرة: انتفاع المرء بعمله بحسب نيته وقصده.
الثالثة عشرة: ثبوت الجنَّةِ لمن استشهد في سبيل الله.
الرابعة عشرة: فيه مشروعية الصمود للعدو استقتالًا وطلبًا للشهادة في مثل هذه الصورة.
الخامسة عشرة: قد يكون الحقُّ في غير جانب الكثرة الكاثرة فيصيبه المرء الواحد، ويخطئه الجمُّ الغفير.
متفرِّقات:
أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: ذكره أبو داود تحت: «بَاب فِي الرَّجُلِ يَشْرِي نَفْسَهُ»، والبيهقي تحت: «باب فَضْلِ الشَّهَادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﷻ» وكذا تحت: «باب مَا جَاءَ في قَوْلِ اللَّهِ ﷻ: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]»، وعند ابن حبان تحت: «ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ الِاجْتِهَادُ فِي لُزُومِ التَّهَجُّدِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ إِقَامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا»، وحديثه فيه ذكر الرجل الذي ثار لصلاته بالليل من بين أهله وحِبه.
ثانيًا: قال المناوي رحمه الله: «فيه أن نية المقاتل في الجهاد طمعًا في الثواب وخوف العقاب على الفرار معتبرة لتعليله الرجوع بالرغبة فيه»١٬٨٠٨[التيسير بشرح الجامع الصغير: (2/127)]..
ثالثًا: قال ابن القيم رحمه الله: «ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليهم وباع نفسه لله ولقاهم نحره حتى قتل في محبته ورضاه»١٬٨٠٩[مدارج السالكين: (1/388)].، قلتُ: الذي جاء في هذا الحديث عَجَبُ الربِّ سبحانه، وقال البيهقي في الأسماء والصفات: «رواه أبو عبيدة، عن ابن مسعود من قوله موقوفا عليه: «رجلان يضحك الله ﷻ إليهما» فذكرهما»١٬٨١٠[الأسماء والصفات للبيهقي: (٩٨٤)]..
وروى الحاكم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله ﷻ؛ فإما أن يُقتل وإما أن ينصره الله ﷻ ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبَر لي بنفسه)١٬٨١١[المستدرك للحاكم: (٦٨)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٩٨٣)، و] قال الهيثمي [في المجمع: (2/525)]: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات»، وحسَّنه الشيخ الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (629)].... الحديث.
فيكون صاحب هذا العمل قد اجتمع له ضحكُ الله له وعَجَبُه منه، وأكرم بها من فضيلة.
رابعًا: قال ابن حجر رحمه الله: «وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو؛ فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يُجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة؛ فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين والله أعلم»١٬٨١٢[فتح الباري: (8/١٨٥)].، وكأنهم اشترطوا الشجاعة لئلا يحصل منه ترددٌ وانتكاسٌ في مثل هذا الموطِن الذي يحتاج إلى ثباتٍ يجرِّئ به من وراءَه من المسلمين.
❖ ❖ ❖